الباب التاسع والسبعون: في ذكر مقتله
روى البخاري عن عمرو بن ميمون، قال: "رأيت عمر بن الخطّاب قبل أن يصاب بأيام بالمدينة، وقف على حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حنيف، قال: "كيف فعلتما، أتخافان أن تكونا قد حمَّلتما الأرض١ ما لا تطيق؟ ". قالا: "حمّلناها أمرًا هي له مطيقة، ما فيها كبير فضلٍ". قال: "انظُر أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق"، قالا: "لا". فقال عمر: "لئن سلّمني الله لأدعن أرَامَل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدًا".
قال: فما أتت عليه إلا رابعة٢ حتى أصيب. قال: إني لقائمٌ ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيبَ، وكان إذا مرّ بين الصّفين قال: استووا، حتى إذا لم يرَ فيهم خللًا تقدّم، فكبّر وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الرّكعة الأولى حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبّر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار العلجُ٣ بسكين ذات طرفين، لا يمرّ على أحدٍ يمينًا ولا شمالًا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا، مات منهم سبعة، أو قال تسعة٤، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين٥ طرح عليه برنسًا٦، فلما ظن العلج أنه مأخوذٌ نحرَ نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدّمه،
_________________
(١) ١ مطموس في الأصل، سوى (الأر) . ٢ في الأصل: (أربعة) . ٣ العِلجُ - بالكسر - الرجل من كفار العجم. (القاموس ص ٢٥٤) . ٤ لم أجد هذه الرواية في النسخ الموجودة لدي. ٥ حطان التميمي اليربوعي. (فتح الباري ٧/٦٣) . ٦ البُرنس - بالضمن ـ: قلنسوة طويلة، أو كل ثوب رأسه منه. (القاموس ص ٦٥٨) .
[ ٣ / ٨٠٣ ]
فمن يلي عمر فقد رأى الذي رأى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون١، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله سبحان [الله] ٢، فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: "يا ابن عباس انظر من قتلني"، فجال ساعةً ثم جاء، فقال: "غلام المغيرة"٣، فقال: "الصَّنَعُ، أو قال الصانع؟ "، قال: "نعم"، قال: "قاتله الله لقد أمرت به معروفًا، الحمد لله الذي لم يجعل منيتي٤ بيد رجل يدعي الإسلام. قد كنتَ أنت وأبوك تحبان أن تكثرَ العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقًا. فقال: "إن شئت / [١١٦ / أ] فعلتُ، أي: إن شئت قتلنا؟ ". فقال: "كذبت٥، بعدما تكلموا بلسانكم، وصلوا٦ قبلتكم، وحجّوا حجكم". فاحتمل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تُصبهم مصيبةٌ قبل يومئذٍ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه فخرج [من جرحه] ٧ فعرفوا٨ أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس فجعلوا يثنون عليه، وجاء رجلٌ شابٌ فقال: "ابشر يا أمير المؤمنين، ببُشرى الله لك، من صحبة رسول الله ﷺ وقدمٍ في الإسلام ما قد
_________________
(١) ١ مطموس في الأصل، سوى (لا يدر) . ٢ سقط من الأصل. ٣ ابن شعبة. ٤ وفي رواية: (ميتتي) . (فتح الباري ٧/٦٥) . ٥ أي: أخطأت في قولك. ٦ في الأصل: (وصلّوا) . ٧ سقط من الأصل. ٨ في صحيح البخاري: (فعلموا) .
[ ٣ / ٨٠٤ ]
علمتَ، ثم ولِيت فعدلت، ثم شهادة". قال: "وددت أن ذلك كفافٌ لا عليَّ ولا لي".
فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: "ردّوا عليّ الغلام، قال: يا ابن أخي! ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد الله بن عمر، انظر ما عليّ من الدَّين، "فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا أو نحوه١، قال: إن وفَّى له مال آل عمر فأدّه من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تفِ أموالهم فسل في قريش، ولا تعدُهم إلى غيرهم، فأدّ عني هذا المال، وانطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السّلام ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر بن الخطّاب أن يدفن مع صاحبيه".
فسلم، واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: "يقرأ عليك عمر بن الخطّاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه"، فقالت: "كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه اليوم، أو قالت: ولأوثرنه اليوم على نفسي". فلما أقبل قيل: "هذا عبد الله بن عمر قد جاء". قال: "ارفعوني"، فأسنده رجل إليه، فقال: "ما لديك؟ "، قال: "الذي تحبّ يا أمير المؤمنين، أذنتْ". قال: "الحمد لله، ما كان من شيء أهمّ إليّ من ذلك، فإذا أنا قبضت٢ فاحملوني، ثم سلّم، فقل: يستأذن عمر بن الخطّاب فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردّتني فردّوني إلى مقابر المسلمين".
وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فمكثت٣ عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجت داخلًا لهم، فسمعنا
_________________
(١) ١ قد تقدم أنه أوصى بأربعين ألف درهم، عن الحسن مرسلًا. ٢ في صحيح البخاري: (قضيت)، وفي رواية أخرى: (مت) . (فتح الباري ٧/٦٧) . ٣ في صحيح البخاري: (فبكت)، وهي رواية الكشميهني. (فتح الباري ٧/٦٧) .
[ ٣ / ٨٠٥ ]
بكاءها من الدّاخل، فقالوا: "أوصِ يا أمير المؤمنين استخلف". قال: "ما أجد أحدًا أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر الرهط الذي توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ"، فسمّى عليًّا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية - فإن أصابت الإمارة سعدًا١ فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمّرَ، فإني لم أعز له من عجز ولا خيانة".
قال: "أوصي الخليفة من بعدي، بالمهاجرين الأوّلين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرًا: ﴿الَّذِينَ تَبَوَّءوا الدَّارَ والإِيمَانَ مِن قَبْلِهِم﴾ [الحشر: ٩]، أن يقبل من محسنهم، وأن يعفى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا، فإنهم ردْء٢ الإسلام، وجباة المال، وغيظ العدوّ، وأن لا يؤخذ منه إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرًا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أمالهم، ويردّ على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله، وذمة رسوله أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يُكلفوا إلا طاقتهم".
فلما قبض خرجنا به، أو قال: معه، فانطلقنا نمشي، فسلّم عبد الله ابن عمر، قال: "يستأذن عمر بن الخطّاب"، قالت: "أدخلوه". فأدخل فوضع هنالك مع صاحبيه، فلما فُرِغَ من دفنه، اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن: "اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم"، قال الزبير: "قد جعلت أمري إلى عليّ"،
_________________
(١) ١ ابن أبي وقاص. ٢ في الأصل: (دار)، وهو تحريف.
[ ٣ / ٨٠٦ ]
فقال طلحة: "قد جعلت أمري إلى عثمان"، وقال سعد: "قد جعلت / [١١٦ / ب] أمري إلى عبد الرحمن بن عوف"، فقال عبد الرحمن: "أيكما تبرّأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرنَّ أفضلهم في نفسه؟ "، فأُسْكِتَ الشيخان، فقال عبد الرحمن: "أفتجعلونه١ إليّ والله عليّ أن لا آلو٢ عن أفضلكم؟ "، قالا: "نعم". فأخذ بيد أحدهما فقال: "لك قرابةٌ من رسول الله ﷺ والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرتُ عثمان لتسمعنّ ولتطيعن"، ثم خلا بالآخر، فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: "ارفع يديك يا عثمان"، فبايعه، وبايع له عليّ وولج أهل الدار فبايعوه"٣.
وذكر ابن الجوزي عن معدان بن طلحة اليَعْمَري٤: أن عمر بن الخطّاب ﵁ قام على المنبر يوم الجمعة، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم ذكر النبي ﷺ، وذكر أبا بكر ﵁، ثم قال: "رأيت رؤيًا لا أرها إلا بحضور أجلي، رأيت كأن ديكًا نقرني نقرتين، فقصصتها على أسماء بنت عميس، ققال: "يقلتك رجل من العجم". قال: وإن الناس يأمرونني٥ أن أستخلف، وإن الله عزوجل لم يكن ليضيع دينه وخلافته، التي بعث بها نبيّه ﷺ وإن تعجل٦ في أمرٌ، فإن الشورى في هؤلاء الستة الذين مات نبيّ الله، وهو عنهم
_________________
(١) ١ في الأصل: (فتجعلونه)، والمثبت من صحيح البخاري. ٢ لا آلو: لا أقصر في اختيار أفضلكم. (لسان العرب ١٤/٤٠) . ٣ البخاري: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة ٣/١٣٥٣-١٣٥٧، رقم: ٣٤٩٧. ٤ شامي، ثقة، من الثانية. التقريب ص ٥٣٩) . ٥ مطموس في الأصل، سوى (يأمر) . ٦ في المسند: (يَعْجَل) .
[ ٣ / ٨٠٧ ]
راضٍ، فمن بايعتم له فاسمعوا وأطيعوا، وإني أعلم أن أناسًا١ سيطعنون في [هذا] ٢ الأمر٣ أنا قاتلتهم بيدي هذه على الإسلام، أولئك أعداء الله، الضّلال الكفار، وإني أشهد الله على أمراء الأمصار أني إنما بايعتهم ليعلموا الناس دينهم، ويبينوا لهم سنة نبيّهم ﷺ، [و] ٤ يرفعوا إلي ما غُميّ٥ عليهم". قال: فخطب الناس، وأصيب يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة٦.
وعن ابن شهاب: قال: "كان عمر ﵁ لا يأذن لسبي٧ قد احتلم في دخول المدينة، حتى كتب المغيرة بن شعبة، وهو على الكوفة يذكر له غلامًا عنده صانعًا، ويستأذنه٨ أن يدخله المدينة، ويقول: إن عنده أعمالًا كثيرة فيها نفع للناس، وإنه حدادٌ نقاشٌ نجارٌ، فأذن له أن يرسله إلى المدينة، وضرب عليه المغيرة مئة درهم كل شهر، فجاء إلى عمر يشتكي شدة٩ الخراج، فقال له عمر: "ماذا تحسن من العمل؟ "، فذكر له الأعمال التي يحسن، فقال له عمر: "ما خراجك كثير في كُنه عملك". فانصرف ساخطًا يتذمر، فلبث عمر ليالي، ثم إن العبد مرّ به فدعاه، فقال: "ألم أُحدَّث عنك أنك
_________________
(١) ١ في المسند: (أناسًا) . ٢ سقط من الأصل. ٣ في الأصل: (الأمراء)، وهو تحريف. ٤ سقط من الأصل. ٥ في المسند، ومناقب عمر: (ما عُمّي) . ٦ ابن الجوزي: مناقب ص ٢١٤، أحمد: المسند ١/١٩٢، وإسناده صحيح. مسلم: الصّحيح، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/٣٩٦، رقم: ٥٦٧. ٧ في الأصل: (لشيء)، وهو تحريف. ٨ مطموس في الأصل، سوى (يستأ) . ٩ مطموس في الأصل، سوى (شد) .
[ ٣ / ٨٠٨ ]
تقول: لو أشاء١ لصنعت رحى تطحن بالريح؟ ". فالتفت العبد ساخطًا عابسًا إلى عمر، ومع عمر رهط، فقال: "لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها"، فلما ولي العبد أقبل عمر على الرهط الذين معه فقال لهم: "أوعدني العبد آنفًا"، فلبث ليالي، ثم اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين نصابه [في] ٢ وسطه، فمكن في زاوية من زوايا المسجد في غلس السّحر، فلم يزل هنالك حتى خرج عمر يوقظ الناس٣ للصلاة - صلاة الفجر - وكان عمر يفعل ذلك، فلما دنا منه عمر وثب عليه فطعنه ثلاث طعنات، إحداهن تحت السرة قد خرقت الصّفّاقين٤، وهي التي قتلته، ثم انحاز أيضًا على أهل المسجد فطعن من يليه، حتى طعن سوى عمر أحد عشر رجلًا، ثم انتحر بخنجره.
فقال عمر حين أدركه النزف: "قولوا لعبد الرحمن بن عوف فليصل بالناس". / [١١٧/ أ] ثم غلب عمر النزف حتى غشي عليه. قال ابن عباس: "فاحتملت عمر في رهط حتى أدخلته بيته، ثم صلى بالناس عبد الرحمن بن عوف فأنكر الناس صوت عبد الرحمن"، قال ابن عباس: "فلم أزل عند عمر، ولم يزل في غشيةٍ واحدةٍ حتى أسفر، فلما أسفر أفاق فنظر في وجوهنا، فقال: "أصلى الناسُ؟ "، قلت: نعم. قال: "لا إسلام لمن ترك الصلاة"، ثم دعا بوَضوءٍ فتوضأ ثم صلى، ثم قال: "اخرج يا ابن عباس فسل٥ من قتلني؟ ". فخرجت حتى فتحت باب الدار فإذا الناس مجتمعون جاهلون بأمر عمر، فقلت: من طعن
_________________
(١) ١ في الأصل: (لو شاء) . ٢ سقط من الأصل. ٣ في الأصل: (اللناس)، وهو تحريف. ٤ الصفّاق: جلدة رقيقة تحت الجلد الأعلى وفوق اللحم. (النهاية ٣/٣٩) . ٥ في الأصل: (فلي) .
[ ٣ / ٨٠٩ ]
أمير المؤمنين؟ فقالوا: طعنه عدوّ الله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة".
قال: فدخلت فإذا عمر يمدني١، ٢ النظر يستأني خبر ما بعثني إليه، فقلت: أرسلني أمير المؤمنين لأسأل من قتله، فكلمت الناس فزعموا أنه طعنه عدوّ الله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، ثم طعن معه رهطًا ثم قتل نفسه، فقال: "الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله بسجدة سجدها له قط، ما كانت العرب لتقتلني".
قال سالم: "فسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال عمر: "أرسِلُوا إليَ طبيبًا ينظر إلى جُرحي هذا، فأرسلوا إلى طبيب فسقى عمر نبيذًا فشبه النبيذ بالدم حين خرج من الطعنة التي تحت السرة، فدعوت طبيبًا آخر من الأنصار من بني معاوية٣، فسقاه لبنًا فخرج اللبن من الطعنة أبيضًا فقال له الطبيب: "يا أمير المؤمنين، اعهد". فقال: "صدقني أخو بني معاوية، ولو قلتَ غير ذلك لكذَّبتُك"، قال: فبكى عليه القوم حين سمعوا، فقال: "لا تبكوا علينا،، من كان باكيًا فليخرج، ألم تسمعوا ما قال رسول الله ﷺ؟ قال: "يُعَذَّبُ الميتُ ببكاء أهله عليه" ٤.
_________________
(١) ١ في طبقات ابن سعد، ومناقب عمر، والكنز: (يبد في) . ٢ المدّ: طموح البصر إلى الشيء. (القاموس ص ٤٠٦) . ٣ معاوية بن مالك بن عوف بن مالك بن الأوس. (جمهرة أنساب العرب ص ٣٣٥) . ٤ ابن سعد: الطبقات ٤/٣٣٦، ٣٤٥، وإسناده صحيح.
[ ٣ / ٨١٠ ]
وعن عبد الله بن عمر قال: "سمعت عمر يقول: "لقد طعنني أبو لؤلؤة وما أظنه إلا كلبًا حتى طعنني الثالثة"١.
عن ابن سعد: أن عبد الله بن عوف٢ طرح على أبي لؤلؤة خميصة٣ كانت عليه فانتحر أبو لؤلؤة، فحز عبد الله بن عوف رأسه"٤.
وعن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: "لما طُعن عمر ﵁ اجتمع إليه البدريّون، المهاجرون والأنصار، فقال لابن عباس: "أخرج إليهم فسلهم، عن ملأ منكم مشورة كان هذا الذي أصابني؟ ". قال: فخرج ابن عباس فسألهم، فقال القوم: "لا والله ولوددنا أن الله زاد في عمرك من أعمارنا"٥.
وعن ابن عمر: أن عمر كان يكتب إلى أمراء الجيوش: لا تجلبوا علينا من العلوج أحدًا، جرت عليه المواسي، فلما طعنه أبو لؤلؤة قال: "من هذا؟ "، قالوا٦: "غلام المغيرة بن شعبة"، قال: "ألم أقل لكم لا تجلبوا علينا من العلوج أحدًا، فغلبتموني؟ "٧.
وعن عبد الله بن ميمون٨ قال: رأيت عمر ﵁ يوم طعن وعليه ثوب
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٤٨، وفيه الواقدي. وابن الجوزي: مناقب ص ٢١٦، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٦٥٨، وعزاه لابن سعد. ٢ الزهري، أخو عبد الرحمن، أسلم يوم الفتح، وصحب النبي ﷺ. (الإصابة٤/١١٦) . ٣ الخَمِيصة: كساء أسود مربّع له علمان. (القاموس ص ٧٩٧) . ٤ ابن سعد: الطبقات٣/٣٤٧، ٣٤٨، وفيه الواقدي. وابن الجوزي: مناقب ص ٢١٦. ٥ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٤٨، وهو منقطع، وفيه الواقدي. ٦ في الأصل: (قال)، والمثبت من طبقات ابن سعد. ٧ ابن سعد: الطبقات٣/٣٤٩، وإسناده صحيح، وابن شبه: تاريخ المدينة٣/٨٩٢، وابن الجوزي: مناقب ص٢١٦، والمتقي الهندي: كنْز العمال١٢/٦٨٥، وعزاه لابن سعد. ٨ الأودي.
[ ٣ / ٨١١ ]
أصفر، فخر، وهو يقول: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] ١.
وعن عبيد الله بن عبد الله٢ حين طعن في غلس السحر، قال: فاحتملته أنا ورهط كانوا معي في المسجد حتى أدخلناه بيته، قال: وأمر عبد الرحمن بن عوف أن يصلي بالناس، قال: فلما دخل عمر بيته غشي عليه من النزف، فلم يزل في غشيته حتى أسفر، ثم أفاق، فقال: "هل صلى الناس؟ "، قال: قلنا: "نعم". قال: "لا إسلام لمن ترك الصلاة". قال: ثم دعا بوَضوء، فتوضأ، وصلى.
وقال عمر حين أخبر / [١١٧ / ب] أن أبا لؤلؤة هو الذي طعنه: "الحمد لله الذي قتلني من لا يحاجني عند الله بصلاة صلاها". وكان مجوسيًّا٣.
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: "أنا أوّل من أتى عمر حين طعن فقال: "احفظ عني ثلاثًا إني أخاف أن لا يدركني الناس، أما٤ أنا فلم أقضِ في الكلالة قضاء، ولم أستخلف، وكلّ مملوك لي عتيق".
فقال الناس: "استخلف"، فقال: "أي ذلك أفعل٥ فقد فعله من هو خير مني، إن أدع إلى الناس أمرهم فقد تركه نبيّ الله ﷺ، وإن أستخلف فقد استخلف من [هو] ٦ خير مني أبو بكر. فقلت: ابشر بالجنة صاحبتَ رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٢٩، وابن أبي شيبة: المصنف ١٤/٥٨٣، وإسنادهما صحيح، فيه الأعمش، مدلس، وقد عنعن، لكن روايته هنا محمولة على السماع. والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٦٧٨، وعزاه لابن سعد وابن أبي شيبة. ٢ ابن عتبة الهذلي، ثقة، فقيه ثبت، من الثالثة، توفي سنة أربع وتسعين. (التقريب ص ٣٧٢) . ٣ ابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٩٠٢، وإسناده حسن، فيه إبراهيم بن المنذر الحزاميّ، صدوق. (التقريب رقم: ٢٥٣) . ٤ مطموس في الأصل، سوى (أ) . ٥ مطموس في الأصل، سوى (أفعا) . ٦ مطموس في الأصل.
[ ٣ / ٨١٢ ]
فأطلتَ صُحبته، ووليت إمرة المؤمنين، فقويت وأديت الأمانة، فقال: "أما تبشيرك بالجنة فلا والله الذي لا إله إلا هو، لو أن لي الدنيا بما فيها لافتديت١ به من هول ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر، وأما قولك: في إمرة المؤمنين، فوالله لوددت أن ذلك كفافًا٢ لا لي ولا عليّ، وأما ما ذكرت من صحبتي نبيّ الله فذلك"٣.
وعن عمرو بن ميمون قال: "إني لقائم ما بيني وبين [عمر] ٤ إلا عبد الله بن عباس، غداة أصيب، وكان إذا مرّ بين الصفين قال: "استوو"، حتى إذا لم يكن٥ فيهن خللًا تقدم فكبّر، وربما قرأ بسورة يوسف، أو النحل، أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس٦، فما هو إلا أن كبّر فسمعته يقول قتلني أو أكلني الكلب حتى طعنه، فطار العلجُ بسكين ذات طرفين لا يمرُّ٧ على أحمدٍ يمينًا ولا شمالًا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلًا، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين٨ طرح عليه برنسًا، فلما ظن العلجُ أنه مأخوذ نَحَرَ نفسه، وتناول عمر ﵁ بيد عبد الرحمن بن
_________________
(١) ١ مطموس في الأصل، سوى (لا) . ٢ مطموس في الأصل، سوى (كفا) . ٣ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٥٣، وأحمد: المسند ١/٢٩٥، وإسنادهما صحيح. وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: ٣٢٢، وعبد الرزاق بنحوه من طريق آخر. (المصنف ١٠/٣٠٢) . ٤ سقط من الأصل. ٥ مطموس في الأصل، سوى (يكـ) . ٦ مطموس في الأصل، سوى (النا) . ٧ مطموس في الأصل، سوى (يمـ) . ٨ مطموس في الأصل، سوى (المسلمـ) .
[ ٣ / ٨١٣ ]
عوف فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي رأى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون، غير أنهم فقدوا صوت عمر١ وهم يقولون: "سبحان الله، سبحان الله".
فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا، قال: "يا ابن عباس انظر من قتلني"٢، فجال ساعة، ثم جاء فقال: "غلام المغيرة"، فقال: "نعم، قاتله الله لقد أمرت به معروفًا، الحمد لله الذي لم يجعل٣ منيتي بيد رجل يدعي الإسلام قد كنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة". - وكان العباس٤ أكثرهم رقيقًا - فقال: "إن شئت فعلت"، أي: قتلناهم، قال: "تكذب؟ "، بعدما تكلموا بلسانكم وصلّوا قبلتكم، وحجوا حجتكم". فاحتمل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يؤمئذٍ. فقال قائل: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتى بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، فعرفوا٥ أنه ميت، فدخلنا عليه وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شاب، فقال: "أبشر يا أمير المؤمنين٦ ببُشرى الله لك، من صحبة رسول الله ﷺ وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت٧، ثم شهادة".
فقال: "وددت أن ذلك كفافًا٨ لا علي ولا لي، قال: فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: "ردّوا
_________________
(١) ١ مطموس في الأصل، سوى (عم) . ٢ مطموس في الأصل، سوى (قنا) . ٣ مطموس في الأصل، سوى (يجعا) . ٤ مطموس في الأصل، سوى (العبـ) . ٥ في الأصل: (فعرفوا) . ٦ مطموس في الأصل، سوى (المؤمنـ) . ٧ مطموس في الأصل، سوى (فعدله) . ٨ في صحيح البخاري: (كفاف)، وفي مناقب عمر: (كان كفافًا)، وفي الأصل هكذا ورد بالنصب وله وجه من العربية.
[ ٣ / ٨١٤ ]
علي الغلام، فقال: يابن أخي ارفع ثوبك فإنه أتقى لربّك، يا عبد الله بن عمر، انظر ما عليّ من الدين، "فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا أو نحوه، قال: "إن وفى له مال آل عمر فأدّه من أموالهم، وإلا فسأل١ في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأدّ عني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يقرأ عمر عليك السلام، ولا تقل أمير المؤمنين / [١١٨ / أ] فإني ليست اليوم للمؤمنين بأمير، وقل يستأذن عمر بن الخطّاب أن يدفن مع صاحيبه".
فمضى، وسلم، واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطّاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه". فقالت: "أريده لنفسي، ولأوثرنه اليوم على نفسي، فلما أقبل، قيل: "هذا عبد الله بن عمر، قد جاء"، قال: "ارفعوني"، فأسنده رجل إليه فقال: "ما لديك؟ "، قال: "الذي تحبّ يا أمير المؤمنين، أذنت". قال: "الحمد لله، ما كان شيء أهمّ إليّ من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلّم، وقل: يستأذن عمر بن الخطّاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردّتني فردّوني إلى مقابر المسلمين.
وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجل فولجت داخلًا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا٢: "أوص يا أميرَ المؤمنين استخلف". قال: "ما أجد أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الذي توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ، فسمّى: عليًّا، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعدًا، وعبد الرحمن
_________________
(١) ١ في صحيح البخاري، ومناقب عمر: (فسل) . ٢ في الأصل: (فقالوا) .
[ ٣ / ٨١٥ ]
ابن عوف، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس [له] ١ من الأمر شيء، كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرةَ سعد فهو ذلك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة".
وقال: "أوصي الخليفة من بعدِي بالمهاجرين الأوّلين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، [و] ٢ أوصي بالأنصار خيرًا: ﴿الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإِيمَانَ مِن قَبْلِهِم﴾ [الحشر: ٩] أن يقبل من محسنهم، وأن يعفى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرًا فإنهم ردء الإسلام، وجباة المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصي بالأعراب خيرًا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام أن يأخذ٣ من حواشي أموالهم، ويرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله ورسول الله ﷺ أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم".
فلما قبض ﵁ خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسلّم عبد الله بن عمر، وقال: "يستأذن عمر بن الخطّاب"، قالت: "أدخلوه"، فأدخل فوضع هنالك، مع صاحبيه". ذكره ابن الجوزي٤، وهو طريق البخاري٥.
وقد جاء في حديث آخر عن عمرو بن ميمون: أنه لما احتمل عمر إلى بيته صاح الناس، وقالوا: "الصلاة جامعة"، فدفعوا عبد الرحمن فصلى بهم أقصر سورتين من القرآن: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله وَالفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، و﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاك
_________________
(١) ١ مطموس في الأصل. ٢ سقط من الأصل. ٣ في صحيح البخاري (يؤخذ) . ٤ ابن الجوزي: مناقب ص ٢١٧، ٢١٨، ٢١٩. ٥ سبق تخريجه ص ٩٥٨.
[ ٣ / ٨١٦ ]
الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] ١.
وعن عبد الله بن عمر، قال: "سمعت عمر يقول٢: "أرسلوا إلى طبيب ينظر إلى جرحي هذا، قال فأرسلوا إلى طبيب من العرب، فسقى عمر نبيذًا فشبه النبيذ بالدّمّ حين خرج من الطعنة التي تحت السرة، قال: فدعوت طبيبًا من الأنصار من بني معاوية فسقاه لبنًا فخرج اللبن من الطعنة يصلد٣ أبيض فقال هل الطّبيب: "يا أمير المؤمنين اعهد". فقال عمر: "صدقّني أخو بني معاوية، ولو قلت غير ذلك كذّبتك". قال: فبكى عليه القوم حين سمعوا ذلك، فقال: "لا تبكوا علينا، من كان باكيًا فيخرج، ألم تسمعوا ما قال رسول الله ﷺ؟ ": "يعذب الميت ببكاء أهله عليه"، فمن أجل ذلك كان عبد الله لا يقرّ أن يُبكى عنده على هالكٍ من ولده، ولا غيرهم"٤.
وعن ابن عمر - ﵄ - قال: "دخلت على أبي فقلت٥: سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك: زعموا أنك غير مستخلفٍ، وأنك لو كان لك راعي إبل، أو راعي غنم، ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع،
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٤٠، ٣٤١، وابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٨٩٧، والحارث في مسنده كما في بغية الباحث ٢/٦٢٢، ٦٢٣، وأبو نعيم: الحلية ٤/١٥١، كلهم عن أبي إسحاق السبيعي، وهو مدلّس، وقد عنعن، والبوصيري في الإتحاف ٣/٣٠، وقال: "قلت: في الصحيح طرف منه، وله شاهد في المناقب". وابن حجر في المطالب العالية ٤/٤٥، وعزاه للحارث، وقال: "هذا حديث صحيح أخرجه البخاري بأتم من هذا السياق". ٢ في طبقات ابن سعد، ومسند أحمد: (فقال سالم: سمعتُ عبد الله بن عمر يقول: قال عمر". ٣ في المسند، والطبقات: (صلدًا)، وفي مناقب عمر: (بصديد) . ٤ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٤٦، بأطول، وأحمد: المسند ١/٢٨٢، وإسنادهما صحيح، وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: ٢٩٤. ٥ في الأصل: (حين)، والتصويب من الهامش.
[ ٣ / ٨١٧ ]
فرعاية الناس أشد، فوضع رأسه، ثم رفعه فقال: "إن الله يحفظ دينه، وإني لا أستخلف / [١١٨ / ب] فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر ﵁ قد استخلف) . فوالله ما هو إلا أن ذكر١ رسول الله ﷺ وأبا بكر، فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله ﷺ أحدًا، وأنه غير مستخلف"٢.
وعن ابن عمر٣: أن عمر ﵁ قيل له: "ألا تستخلف؟ "، فقال: "إن أترك فقد ترك من هو خير مني، رسول الله ﷺ، وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر ﵁"٤.
وعن محمّد بن سعد: أن مالك بن أنس قال٥: "استأذن عمر ﵁ عائشة في حياته، فأذنت له أن يدفن في بيتها، فلما حضرته الوفاة٦، قال: إذا مت، فاستأذنوها فإن أذنت وإلاّ فدعوها، فإني أخشى أن تكون أذنت لي لسلطاني٧، فلما مات أذنت لهم"٨.
_________________
(١) ١ مطموس في الأصل، سوى (ذكـ) . ٢ أحمد: المسند ١/٢٩٩، وإسناده صحيح. ومن طريقه وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ ١٣/ ق ١٧٥، وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: ٣٣٢، وبنحوه مسلم: الصّحيح، كتاب الإمارة ٣/١٤٥٥، رقم: ١٨٢٣. وقد مرّ بنحوه ص: ٨٩٣، ٩٥٦، ٩٥٨، ٩٦٤، ٩٦٧. ٣ مطموس سوى: (عم) . ٤ أحمد: المسند ١/٢٨٤، عبد بن حميد: المسند ١/٨٣، وإسنادهما صحيح، وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: ٢٩٩، ومسلم بنحوه: الصحيح، كتاب الإمارة ٣/١٤٥٤، رقم: ١٨٢٣. ٥ مطموس في الأصل، سوى (قا) . ٦ مطموس في الأصل، سوى (الو) . ٧ مطموس في الأصل، سوى (لسلط) . ٨ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٦٣، وفيه الواقدي، وابن الجوزي: مناقب ص ٢٢١.
[ ٣ / ٨١٨ ]
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: "لما طعن عمر ﵁ كنت فيمن حمله حتى أدخلناه الدار، فقال لي: "يا ابن أخي اذهب فانظر من أصابني، ومن أصاب معي"، فذهبت فجئت١ لأخبره فإذا البيت ملآن، فكرهت أن أتخطى رقابهم، وكنت حديث السن فجلست، فإذا هو مسجى٢، وجاء كعب، فقال: "والله لئن دعا أمير المؤمنين ليبقينه الله، وليرفعنه لهذه الأمة، حتى يفعل فيها كذا وكذا"، حتى ذكر المنافقين فيمن ذكر، قلت: أبلغه ما تقول؟، قال: "ما قلت إلا وأنا أريد أن تبلغه"، فتشجعت فقمت فتخطيت رقابهم حتى جلست عند رأسه، فقلت: إنك أرسلتني بكذا٣ يعني: فأخبره. قال: وأصاب معك ثلاثة عشرة رجلًا، وأصاب كليبًا٤، وهو يتوضأ عند المهراس٥، وإن كعبًا٦ يحلف بالله بكذا، فقال: "ادعوا كعبًا، فدعي فقال: ما تقول؟ "، فقال: "أقول كذا وكذا"، قال: "لا والله، لا أدعو، ولكن شقي عمر إن لم يغفر الله له"٧.
وعن عمرو بن ميمون قال: "لما طعن عمر دخل عليه كعب فقال: ﴿الحَقُّ
_________________
(١) ١ مطموس في الأصل، سوى (فجئـ) . ٢ مطموس في الأصل، سوى (مسجـ) . ٣ مطموس في الأصل، سوى (بكـ) . ٤ كليب بن البكير الليثي. (الإصابة ٥/٣١٣) . ٥ المِهرْاس: حجر مستطيل منقور يتوضأ منه، ويدق فيه. (لسان العرب ٦/٢٤٨) . ٦ مطموس في الأصل، سوى (كعـ) . ٧ ابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٩٠٩، وفي إسناده أبو جميع، قال الحافظ: "مقبول". (التقريب رقم: ٢١٧٢، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ ١٣/ ق ١٧٠، عن أبي جميح، وابن الجوزي: مناقب ص ٢٢٢، وقد مرّ بنحوه ص ٩٤٤.
[ ٣ / ٨١٩ ]
مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، قد أنبأتك أنك شهيد، فقلت: من أين لي الشهادة وأنا في جزيرة العرب؟! "١، ٢.
وعن المسور بن مخرمة: أن ابن عباس دخل على عمر بعدما طعن فقال: "الصلاة"، فقال: "نعم، لا حظ لامرئ في الإسلام أضاعَ الصلاة"، فصلى والجُرْحُ يَثْعَبُ٣ دمًا٤.
وعن المسور بن مخرمة: أن عمر ﵁ لما طعن جعل يُغمى عليه، فقيل: "إنكم لن تفزعوه بشيء مثل الصلاة، إن كانت به حياة". فقالوا: "الصلاة٥ يا أمير المؤمنين، الصلاة٦، قد صُليت"، فانتبه، فقال: "الصلاة، هاءَ الله إذا ولا حظ في الإسلام٧ لمن ترك الصلاة"، فصلى وإن جرحه ليثعب دمًا"٨.
وعن المسور بن مخرمة، قال: "لما طعن عمر ﵁ جعل يأْلَم، فقال له ابن عباس، وكأنه يُجَزِّعُه: يا أمير المؤمنين، ولا كل ذلك، ولقد
_________________
(١) ١ مطموس في الأصل، سوى (العر) . ٢ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٤١، ٣٤٢، بأطول، وابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٩١٧، وإسنادهما صحيح، وابن الجوزي: مناقب ص ٢٢٢. ٣ يثعب: يجري. (لسان العرب ١/٢٣٦) . ٤ مالك: الموطّأ (رواية أبي مصعب الزهري) ١/٤٤، وإسناده صحيح، وعبد الرزاق: المصنف١/١٥٠، وابن سعد: الطبقات ٣/٣٥٠، وابن أبي شيبة: المصنف١٤/٥٨٣، وأحمد: الزهد ص: ١٢٤، والبيهقي: السنن ١/٣٥٧، واللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم: ١٥٢٨، وأبو نعيم: االمعرفة ١/٢٥، والمتقي الهندي: كنْز العمال ٩/٦٢٢. ٥ في الأصل: (فانتبه قد صليت)، وهو تحريف. ٦ مطموس في الأصل، سوى (الصا) . ٧ مطموس في الأصل، سوى (الإسا) . ٨ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٥٠، وإسناده صحيح. وابن الجوزي: مناقب ص ٢٢٢.
[ ٣ / ٨٢٠ ]
صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راضٍ، ثم صحبت أبا بكر ﵁ فأحسنت صحبته، [ثم] ١ فارقته وهو عنك راضٍ، ثم صحبتهم وأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقَنَّهم وهم عنك راضون"٢.
قال: "أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ورضاه فذلك منّ من الله تعالى، منَّ به عليّ [وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر، ورضاه، فإنما ذاك منٌّ من الله - جل ذكره - منَّ به عليَّ] ٣ وأما ما تراه من جَزَعِي فذلك من أجلك ومن أجل أصحابك، والله لو أن لي طلاعَ الأرض ذهبًا٤، لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه"٥.
وعن ابن عباس: أنه دخل على عمر حين طعن فقال: "أبشر٦ يا أمير المؤمنين، أسلمت مع رسول الله ﷺ حين كفر الناس، وقاتلت مع رسول الله ﷺ حين خذله الناس، وتُوُفِّيَ رسول الله ﷺ وهو عنك راضٍ، ولم يختلف في خلافتك رجلان"، فقال عمر٧: "أعد"، فأعدت، فقال عمر: "المغرور من غررتموه، لو أن لي ما على ظهرها من بيضاء وصفراء لافتديت / [١١٩ / أ] به من هول المُطَّلع"٨"٩.
_________________
(١) ١ مطموس في الأصل. ٢ مطموس في الأصل، سوى (راضـ) . ٣ سقط من الأصل. ٤ مطموس في الأصل، سوى (ذ) . ٥ سبق تخريجه ص ٧٣٥. ٦ مطموس في الأصل، سوى (أبش) . ٧ مطموس في الأصل، سوى (عم) . ٨ المطلع: يريد به الموقف يوم القيامة أو ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت، فشبّهه بالمُطلع الذي يشرف عليه من موضع عال. (النهاية ٣/١٣٣) . ٩ ابن أبي شيبة: المصنف١٣/٢٠، وإسناده حسن وابن شبه: تاريخ المدينة٣/٩٣٥، ٩٣٦.
[ ٣ / ٨٢١ ]
وعن القاسم بن محمّد: أن عمر لما طُعِنَ جاء الناس يثنون عليه، ويودعونه، فقال عمر ﵁: "أبالإمارة تزكونني؟ "، لقد صحبت رسول الله ﷺ وهو عني راضٍ، وصحبت أبا بكر ﵁ فسمعت وأطعت، وتُوُفِّيَ أبو بكر وأنا سامع مطيعٌ، وما أصبحت أخاف على نفسي إلاّ إمارتكم هذه"١.
وعن ابن عباس قال: "لما طعن عمر ﵁ دخلت عليه، فقلت: أبشر يا أمير المؤمنين، فإن الله قد مصر بك الأمصار، فدفع بك النفاق"، قال: "أفي الإمارة تثني عليّ يا ابن عباس؟ "، فقلت: "وفي غيرها"، فقال: "والذي نفسي بيده، لوددت أني خرجت منها كما دخلت فيها، لا أجرَ ولا وِزْر"٢.
وعن أسلم أن عمر ﵁ حين طعن قال: "لو كان لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من كرب ساعة - يعني: بذلك الموت - فكيف ولم أرد النار بعد"٣.
وعن ابن عباس، قال: "كنت مع عليّ ﵁ فسمعنا الصيحة على عمر، قال: فقام وقمت معه، فدخلنا عليه البيت الذي هو فيه فقال: "ما هذا الصوت؟ "، فقالت له امرأةٌ: "سقاه الطبيب نبيذًا فخرج وسقاه٤ لبنًا
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة: المصنف ١٤/٥٨٤، وابن سعد: الطبقات ٣/٣٥٥، وإسنادهما صحيح إلى القاسم، وهو منقطع بين القاسم وعمر بن الخطاب، وابن الجوزي: مناقب ص ٢٢٣، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٦٧٧. ٢ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٥١، ابن شبه: وتاريخ المدينة ٣/٩١٥، وإسنادهما حسن، فيه سماك الحنفي لا بأس به. وأبو نعيم: الحلية ص ٥٢، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ ١٣/ ق ١٧١، وابن الجوزي: مناقب ص ٢٢٤. ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ٢٢٤، بدون إسناد. ٤ في الأصل: (وسقا) .
[ ٣ / ٨٢٢ ]
فخرج، فقال: لا أرى أن تمسّ، فما كنت فاعلًا، فافعل". فقالت أم كلثوم: "واعمراه"، وكان معها نسوة فبكين معها فارتج١ البيت بكاء، فقال: "والله لو أن لي ما في الأرض من شيء لافتديت به من هول المطلع".
فقال ابن عباس: والله إني لأرجو أن لا تراها إلا مقدار ما قال الله عزوجل: ﴿وَإِن مِّنْكُم إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، كنت ما علمنا لأمير المؤمنين، وسيد المؤمنين، تقضي بكتاب الله، وتقسم بالسوية، فأعجبه قولي فاستوى جالسًا، فقال: "أتشهد لي بهذا يا بن عباس؟ "، قال: "فكففتُ فضرب على كتفي، فقال: "أتشهد لي؟ "، قلت: "نعم. أشهد"٢.
وعن قيس بن أبي حازم قال: "لما طعن عمر دخل عليّ وابن عباس، ورأسه في حجر عبد الله بن عمر، فدعا بنبيذٍ فشرب منه، فخرج من طعنته فقال بعضهم: "نبيذٌ، وقال بعضهم: دم، فدعا بشربة من لبن فشرب منه، فخرج بياض اللبن، فعرف أنه ميت، فقال لابن عمر: "ضع رأسي ثكلتك أمك فوضع رأسه، فقال: "لو كان لي ما بين المشرق والمغرب لافتديت به من هول المطلع"، فقال له ابن عباس: "ولِمَ يا أمير المؤمنين؟، فوالله لقد كان إسلامك عزًّا وإمارتك فتحًا، ولقد ملأت الأرض عدلًا". فقال: "تشهد لي بذلك يا ابن عباس؟ "، فكأنه كره ذلك، فقال له عليّ بن أبي طالب: "قل نعم. وأنا معك"٣.
_________________
(١) ١ الرّجّ: التحريك، والتحرّك، والاهتزاز. (القاموس ص ٢٤٣) . ٢ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٥١، وإسناده ضعيف، فيه كثير النّواء، وهو ضعيف. (التقريب رقم: ٥٦٠٥)، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ ١٣/ ق ١٧٢، ١٧٣، عن ابن سعد، وابن الجوزي: مناقب ص ٢٢٤، وأشار إليه ابن حجر في فتح الباري ٧/٥٢. ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ٢٢٤، ٢٢٥، بدون إسناد.
[ ٣ / ٨٢٣ ]
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: لما طعن عمر ﵁ كنت قريبًا منه فمسست بعض جلده، فقلت: جلد لا تسمه النار أبدًا، فنظر إليّ نظرة جعلت أرحمه منها، قال: "وما علمك بذلك؟ "، قلت: "يا أمير المؤمنين، صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، وفارقته وهو عنك راضٍ، وصحبت أبا بكر ﵁، بعده فأحسنت صحبته، وفارقته وهو عنك راضٍ، وصحبت المسلمين وفارقتهم - إن شاء الله - وهم عنك / [١١٩/ ب] راضون، قال: "أما ما ذكرت من صحبتي رسول الله ﷺ فمنٌّ من الله تعالى عليَّ، وأما ما ذكرت من صحبتي أبا بكر، فمنٌّ من الله، لو أن لي ما في الأرض لافتديت به عن عذاب الله قبل أن ألقاه أو أراه"١.
وعن عبد الله بن الزبير - ﵄ - قال: "ما أصابنا حزن منذ اجتمع عقلي منذ حزن أصابنا على عمر بن الخطّاب ﵁ ليلة طعن، قال: صلى بنا الظهر والعصر والمغرب والعشاء أسرّ الناس، وأحسنه حالًا، فلما كان الفجر صلى بنا رجل أنكرنا تكبيره، فإذا عبد الرحمن بن عوف، فلما انصرفنا قيل: طعن أمير المؤمنين، فانصرف الناس وهو في دمه لم يصلِّ الفجر بعد، فقيل: "يا أمير المؤمنين٢، الصلاة الصلاة"، قال: "الصلاة، هاء الله٣ إذ لا حظ لامرئ في الإسلام ضيع صلاته". قال: ثم وثب يقوم فانبعث الدم من جرحه، وانبعث جرحه دمًا، فقال: "هاتوا لي عمامة"،
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة ٣/١٣٥٠، تعليقًا، ووصله الإسماعيلي في المستخرج كما في تغليق التعليق ٤/٦٥، ٦٦، وإسناده صحيح. وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ ١٣/ ق ١٧٣، وابن الجوزي: مناقب ص ٢٢٥، وقد مرّ عن المسور بن مخرمة ص ٧٧١، ٧٧٢. ٢ مطموس في الأصل، سوى (المؤ) . ٣ انظر: ص ٩٣٧.
[ ٣ / ٨٢٤ ]
يعصب بها جرحه، ثم صلى، فلما صلى قال:
"يا أيها الناس على ملأ منكم١؟ "، فقال له عليّ بن أبي طالب: "لا والله، لا ندري من الطاعن من خلق الله، أنفسنا تفتدي نفسك، ودماؤنا تفدي دمك"، فالتفت إلى عبد الله بن عباس، فقال: "اخرج فاسأل الناس ما بالهم وأصدقني الحديث"، فخرج ثم جاء فقال: "يا أمير المؤمنين، أبشر بالجنة، لا والله، ما رأيت عينًا٢ تطرف من خلق الله من ذكر ولا أنثى إلا باكية عليك، يفدونك بالآباء، والأمهات، طعنك عبدُ المغيرة بن شعبة المجوسي، وطعن معك اثني عشر رجلًا، فهم في دمائهم حتى يقضي الله فيهم ما هو قاضٍ، فتهنأك يا أمير المؤمنين الجنة، فقال: "غرّ بهذا غير يا ابن عباس"، قال: ولِمَ لا أقول لك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن كان إسلامك لعزًّا وإن كانت هجرتك لفتحًا، وإن كان ولايتك لعدلًا، وقد قتلت مظلومًا".
ثم التفت إلى ابن عباس فقال: "أتشهد لي بذلك عند الله يوم القيامة؟ "، فكأنه تلكأ، قال: يقول عليّ بن أبي طالب من جانبه: "نعم، يا أمير المؤمنين، نشهد لك بذلك عند الله يوم القيامة"، ثم التفت إلى ابنه عبد الله بن عمر٣ فقال: "ضع خدي على الأرض"، فلم أعج٤ لها، وظننت أن ذلك اختلاس من عقله، فقالها مرة أخرى: "ضع خدي إلى الأرض لا أم لك"، فعرفت أنه مجتمع العقل، ولم يمنعه هو إلا مما به من الغلبة، قال: فوضعت خده إلى الأرض، قال: حتى نظرت إلى أطراف شعر لحيته خارجة من بين
_________________
(١) ١ في الأصل " مامنكم " وهو تحريف. ٢ مطموس في الأصل، سوى (عينـ) . ٣ مطموس في الأصل، سوى (عمـ) . ٤ ما عاجَ بقوله عيجًا وعَيْجُوجة: لم يكترث له. (لسان العرب ٢/٣٣٦) .
[ ٣ / ٨٢٥ ]
أضغاث١ التراب، قال: وبكى حتى نظرت إلى الطين قد لصق بعينه قال: فأصغيت أذني لأسمع ما يقول، قال: فسمعته يقول: "يا ويل عمر، وويل أمه إن لم يتجاوز الله عنه"٢.
وعن عبد الله بن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطّاب ﵁ لما طعن قال له الناس: "يا أمير المؤمنين، لو شربت شربة". قال: "اسقوني نبيذًا"، وكان / [١٢٠ / أ] من أحبّ الشراب إليه، قال: فخرج النبيذ من جُرحه من صديد الدم فلم يتبين لهم ذلك أنه شرابه الذي شرب، فقالوا: "لو شربت لبنًا"، فأتي به فلما شرب اللبن خرج من جُرحه، فلما رأى بياضه بكى وأبكى٣ من حوله من الصحابة، وقال: "هذا حينٌ لو أن لي ما طلعت عليه الشمس، لافتديت به من هول المطلع"، قالوا: "ما أبكاك إلا هذا؟ "، قال: "ما أبكاني غيره". قال: فقال ابن عباس - ﵄ -: "يا أمير المؤمنين والله إن كان إسلامك لنصرًا، وإن كانت إمارتك لفتحًا، والله لقد ملأتَ الأرض عدلًا، ما من اثنين يختصمان إليك إلا انتهيا إلى قولك". فقال عمر ﵁: "أجلسوني"، فلما جلس قال لابن عباس: "أعد عليَّ كلامك"، فلما أعاد عليه قال: "أتشهد لي بهذا عند الله عزوجل يوم القيامة؟ "، فقال ابن عباس: "نعم". ففرح عمر بذلك وأعجبه٤.
_________________
(١) ١ الضّغث: قبضة من قضبان مختلفة أصل واحد، مثل: الأسل، والكراثِ، والثمام، وربما استعير ذلك في الشعر. (لسان العرب ٢/١٦٤) . ٢ ابن الجوزي: مناقب ص ٢٢٥، ٢٢٦، بدون إسناد. ٣ في الأصل: (بكى) . ٤ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٥٤، وابن أبي شيبة: المصنف ١٢/٣٦، ٣٧، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ ١٣/ ق ١٧٥، من طريق ابن سعد. وهو ضعيف لانقطاعه بين عبد الله بن عبيد الله وعمر بن الخطاب، وابن الجوزي: مناقب ص ٢٢٧، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٦٧٧، ٦٧٨.
[ ٣ / ٨٢٦ ]
وعن ابن سيرين: قال: "لما طعن عمر ﵁ جعل الناس يدخلون إليه، فقال لرجل: "انظر"، فأدخل يده فنظر، فقال: "ما وجدت؟ "، فقال: "إني أجده قد بقي من وتينك١ ما تقضي منه حاجتك"، قال: "أنت أصدقهم وخيرهم"، فقال رجل: "والله إني لأرجو أن لا تمس النار جلدك أبدًا"، قال: فنظر إليه حتى أوينا٢ له٣، ثم قال: "إن علمك بذلك يا ابن فلان لقليل، لو أن لي ما في الأرض لافتديت به من هول المُطَّلع"٤.
قال ابن عباس: فقال عمر: "إن غُلب على عقلي فاحفظ عني اثنين لم أستخلف أحدًا، ولم أقض في الكلالة شيئًا"٥.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني في (سيرة السلف)، عن ابن عباس قال: "لما طعن عمر دخلت عليه فقلت: أبشر يا أمير المؤمنين فإن الله قد مصّر بك الأمصار، ودفع بك النفاق، وأفشى بك الرزق، فقال: "أفي الإمارة تثني عليّ؟ "، فقلت: وفي غيرها، قال: "والذي نفسي بيده، لوددت أني خرجت منها
_________________
(١) ١ الوتين: عِرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه. (القاموس ص ١٥٩٦) . ٢ في الأصل: (ابنا)، وهو تحريف. ٣ أوى له: رَقَّ له. (القاموس ص ١٦٢٨) . ٤ سك ٣/٣٥٢، ومن طريقه وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ ١٣/ ق ١٧٥، وهو حسن فيه هوذة بن خليفة وهو صدوق. (التقريب رقم: ٧٣٢٧)، لكنه منقطع بين محمّد بن سيرين وعمر بن الخطاب، وابن الجوزي: مناقب ص ٢٢٧، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٦٨٥، وعزاه لابن سعد. ٥ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٥٢، وإسناده حسن فيه هوذة بن خليفة وهو صدوق. والأثر مرّ بنحوه ص ٨٩٣.
[ ٣ / ٨٢٧ ]
كما دخلت لا أجر ولا وزر"١.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني عن عمرو بن ميمون قال: "شهدت عمر بن الخطّاب ﵁ حين طعن، فما منعني أن أكون في الصّفّ المقدم إلا هيبته، وكان مهيبًا وكنت في الصّفّ الذي يليه، وكان عمر ﵁ لا يكبّر حتى يستقبل [الصّفّ] ٢ المقدم بوجهه فإذا رأى رجلًا متقدمًا من الصّفّ، أو متأخرًا ضربه بالدّرّة فذلك الذي منعني منه"٣.
قال: وفي رواية المسور بن مخرمة: لما طعن عمر دخلت فأخذت بعضادتي ٤الباب، فقلت: كيف ترونه؟ قالوا: "كما ترى"، قلت: "فأيقضوه بالصلاة، فإنكم لن توقضوه بشيء أفزع له من الصلاة، فقلت: الصلاة يا أمير المؤمنين، قال: "الصلاة، لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة"، ثم قام فصلى وجرحه يثعب دمًا٥.
وعن عمرو بن ميمون، قال: "أصيب عمر يوم أصيب وعليه إزار أصفر، فسمعته يقول: [حين] ٦ وجد مسّ الحديد: ﴿وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] ٧.
_________________
(١) ١ أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٣٢، وقد سبق تخريجه ص ٩٧٥. ٢ سقط من الأصل. ٣ أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٤٩، ابن سعد: الطبقات ٣/٣٤٠، بأطول، وأبو نعيم: الحلية ٤/١٥٠، عن أبي إسحاق السبيعي، وهو مدلّس، وقد عنعن، وقد سبق تخريجه ص ٨٧٠، ٨٧٩. ٤ عضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل ومنه شماله. (لسان العرب ٣/٢٩٤) . ٥ أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٤٩، والأثر سبق تخريجه ص ٩٧٤. ٦ سقط من الأصل. ٧ سبق تخريجه ص ٩٦٣.
[ ٣ / ٨٢٨ ]
قلت: تضمن أمر عمر أحكامًا:
الأوّل: لا يكره الإيثار بالقرب، والمكان الفضيل في الحياة والموت، خلافًا لبعضهم١.
الثّاني: إذا بذل لا يكره القبول، خلافًا لمن نهى عنه٢.
الثّالث: من قتل مظلومًا يغسل، ويكفن، ويصلَّى عليه، وهو الصحيح عندنا٣.
الرّابع: الجريح تجوز له الصلاة بجرحه ودمه٤.
الخامس: أن تارك الصلاة يكفر وهو إحدى الروايتين٥ عن أحمد، فيقتل كفرًا لا يغسل ولا يصلى عليه٦.
والثّانية: لا يكفر، ويقتل لتركها حدًا كالزنى ونحوه يغسل٧ ويصلى عليه. / [١٢٠ / ب] .
_________________
(١) ١ انظر: ابن قدامة: المغني ٣/٢٣٣، ابن مفلح: الفروع ٢/١٠٦، ١٠٧، البهوتي: الروض المربع مع الحاشية ٢/٤٨٣. ٢ انظر: ابن قدامة: المغني ٣/٢٣٣، ابن مفلح: الفروع ٢/١٠٦، ١٠٧، البهوتي: الروضة المربع مع الحاشية ٢/٤٨٣. ٣ انظر: ابن قدامة: المغني ٣/٤٧٥، ٤٧٦، ابن مفلح: الفروع ٢/٢١٣، المرداوي: الإنصاف ٢/٥٠٣. ٤ انظر: ابن حجر: فتح الباري ١/٢٨١. ٥ في الأصل: (الرواتين)، وهو تحريف. ٦ ابن قدامة: المغني ٣/٣٥١، المرداوي: الإنصاف ١/٣٢٧، ٣٢٨، الحجاوي: منتهى الإرادات ٢/٤٩٩. ٧ ابن قدامة: المغني ٣/٣٥٥، المرداوي: الإنصاف ١٠/٣٢٧.
[ ٣ / ٨٢٩ ]