الباب التسعون: في ذكر المنامات التي رُئيت له
ذكر ابن الجوزي عن عوف بن مالك الأشعجي: "أنه رأى رؤيًا زمان أبي بكر الصديق ﵁ فلما قدم قصّها على أبي بكر وعمر يسمع، فقال: "ما هذا؟ "، فلما ولي دعاه فسأله، قال: "أولم تكذب بها؟ "، قال: "لا. ولكن استحييت من أبي بكر، فقصّها عليّ". قال: رأيت كأن عمر أطول الناس وهو يمشي فوقهم، فقلت: أنى هذا؟ فقيل: "إنه لا يخاف في الله لومة لائم، وإنه أمير المؤمنين، وإنه يقتل شهيدًا"، قال: "وكيف لي بالشهادة؟ وأنا بين الروم وفارس، أهل الشام، وأهل العراق"، قال: "يمنحها الله لك من حيث شاء"١.
وعن عوف بن مالك الأشجعي، قال: "رأيت سببًا٢ تدلى من السماء، وذلك في إمارة أبي بكر ﵁ وأن الناس تطاولوا له، وأن عمر فضلهم بثلاثة أذرع، قلت: وما ذاك؟ قال: "لأنه خليفة من خلفاء الله تعالى في الأرض، وأنه لا يخاف لومة لائم، وأنه يقتل شهيدًا، قال: فغدوت على أبي بكر فقصصتها عليه، فقال: "يا غلام انطلق إلى أبي حفص فادعه لي،
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: مناقب ص ٢٣٥، ابن سعد: الطبقات ٣/٣٣١، ابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٨٦٩، ٨٧٠، البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ٣٣٤، جميعهم عن عبد الله بن جعفر الرقي قال: أخبرنا عبيد الله بن عمرو بن عبد الملك بن عمير عن أبي بردة عن أبيه، قال: "رأى عوف. . . "، وهذا إسناد صحيح إن سلم من تدليس عبد الملك بن عمير، فإنه ربما دلس. وابن عبد البر: الاستيعاب ٣/١١٥٦. ٢ سببًا: أي: حبْلًا. (النهاية ٢/٣٢٩) .
[ ٣ / ٨٦٨ ]
فلما جاء قال: يا عوف اقصصها عليه كما رأيتها". فلما أتيت أنه خليفة من خلفاء الله تعالى، قال عمر: "أكل هذا يرى النائم". قال: فقصّها١ عليه فلما ولي عمر أتى الجابية، وإنه ليخطب فدعاني، فأجلسني، فلما فرغ من الخطبة قال: "قصّ علي رؤياك"، فقلت له: ألست قد جبهتني٢ عنها؟! قال: "قد خدعتك أيها الرجل"، فلما قصصتها، قال: "أما الخلافة قد أوتيت ما ترى، وأما أن لا أخاف في الله لومة لائم، فإني أرجو أن يكون قد علم ذلك مني، وأما أن أقتل شهيدًا، فأنى لي بالشهادة وأنا في جزيرة العرب، ولقد رأيت مع / [١٢٧ / أ] ذلك كأن ديكًا نقرني وما أمتنع منه بشيء"٣.
وعن الأعمش أن أبا بكر الصديق ﵁ استعمل معاذ بن جبل فلما قدم ومعه رقيق وغير ذلك، فقال لأبي بكر: "هذا لكم، وهذا أهدي إلي"، فقال عمر ﵁: "ادفع ذلك أجمع إلى أبي بكر" فأبى أن يدفعه فبات ليلة فرأى في النوم كأنه أشرف على نار عظيمة خاف أن يقع فيها، فجاءه فأخذ بمحجزته٤ حتى أنقذه منها، فأصبح، فأتى أبا بكر، فقصّ عليه القصّة، ودفع جميع ما معه إلى أبي بكر، فقال أبو بكر: "أما إذا فعلت هذا
_________________
(١) ١ في الأصل: (ليقصها عليه)، وفي تاريخ المدينة: (لمكان أبي بكر) . ٢ جَبَهَهُ: كمنعه. ردّه أو لقيه بما يكره. (القاموس ص ١٦٠٦) . ٣ ابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٨٦٨، ٨٦٩، وإسناده حسن، فيه عبد الرحمن بن المسعودي، صدوق اختلط قبل موته. (التقريب رقم: ٣٩١٩) . وأبو داود الطيالسي سمع منه قبل أن يختلط، وله شاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٨٧٠، ٨٧١، وإسناده صحيح إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ ١٣/ ق ١٦٠، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٥٨٣، ٥٨٤، وعزاه لخيثمة. ٤ حُجزته: أي: مشد إزاره، والمُتَحَجز: الذي قد شد وسطه. (لسان العرب ٥/٣٣٢) .
[ ٣ / ٨٦٩ ]
فخذه١ فقد طيبته". فقال عمر ﵁: "الآن حين طاب لك"٢.
وعن سفيان٣ قال: "حين استعمل النبي ﷺ معاذًا على اليمن، فتوفي النبي ﷺ استخلف أبو بكر ﵁ وهو عليها، وكان عمر يومئذٍ على الحجّ، فجاء معاذ إلى مكّة، ومعه رقيق ووُصفاء على حدة، فقال له عمر: "يا أبا عبد الرحمن لمن هؤلاء الوُصفاء؟ "، قال: "لي". قال: "ومن أين لك؟ "، قال: "اهدوا إلي". قال: "أطعني وأرسلهم إلى أبي بكر، فإن طيبهم لك فهم لك". قال: "ما كنت لأطيعك في هذا، شيء أهديَ إليَ أرسل بهم إلى أبي بكر؟ "، فبات ليلته ثم أصبح، فقال: "يابن الخطاب ما أراني إلا مطيعك، إني رأيت الليلة في منامي كأني أجر أو أقاد أو كلمة تُشْبِهُهَا إلى النار، وأنت آخذ بحجزتي، "فانطلق بهم إلى أبي أبكر، فقال: "أنت أحق بهم"، فقال أبو بكر: "هم لك"، فانطلق بهم إلى أهله، فصفّوا خلفه يصلّون، فلما انصرف قال: "لمن تصلّون؟ "، قالوا: "لله ﵎"، قال: "انطلقوا فأنتم له"٤.
_________________
(١) ١ في الأصل: (فجاه)، وهو تحريف. ٢ ابن سعد: الطبقات ٣/٥٨٥، وإسناده صحيح إلى أبي وائل، وابن زنجويه: الأموال ٢/٥٩٦، وأبو نعيم: الحلية ١/٢٣٢، الذهبي: سير أعلام النبلاء ١/٤٥٤، وابن الجوزي: مناقب ص ٢٣٦، ووصله الحاكم: المستدرك ٣/٦٨، من طريق الأعمش عن أبي وائل، عن عبد الله وصحّحه، ووافقه الذهبي. وروى أصل الخبر بأسانيد أخرى: عبد الرزاق: المصنف ٨/٢٦٨، وأبو بكر المروزي: مسند أبي بكر ص ٩٠، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه وهو مرسل. والهيثمي: مجمع الزوائد ٤/١٤٤، وقال: "رواه الطبراني في الكبير مرسلًا ورجاله رجال الصحيح". ٣ لم يتميز لي. ولعله تحريف عن شيبان. ٤ ابن الجوزي: مناقب ص ٢٣٦، ٢٣٧، ابن سعد: الطبقات ٣/٥٨٥، بلفظه عن عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا شيبان عن الأعمش عن شقيق. الأثر. وإسناده صحيح إلى شقيق.
[ ٣ / ٨٧٠ ]
وعن أبي موسى الأشعري، قال: "رأيت كأني أخذت جوادًا١ كثيرًا، فجعلت تضحمل حتى بقيت واحدة، فأخذتها فانتهيت إلى جبل زلقٍ، فإذا رسول الله ﷺ إلى جنبه أبو بكر، وإذا هو يومئ إلى عمر أن تعال، فقلت: "ألا تكتب بها إلى عمر؟ "، فقال: "ما كنتُ لأنعى له نفسه"٢.
وعن يحيى بن عبد الرحمن٣ قال: قال العباس بن عبد المطلب: "كنت جارًا لعمر بن الخطاب ﵁ فما رأيت أحدًا من الناس كان أفضل من عمر، إن ليله صلاة، ونهاره صيام، وفي حاجات الناس، فلما توفي عمر سألت الله تعالى أن يرينه في النوم فرأيته في النوم مقبلًا متشحًا من سوق المدينة، فسلمت عليه وسلم عليّ، ثم قلت له: كيف أنت؟ قال: " (بخير". قلت له: ما وجدت؟، قال: "الآن حين فرغت من الحساب، ولقد كاد عرشي يهوي لولا أني وجدت ربًّا رحيمًا"٤.
عن عبد الله بن عباس٥ قال: "كان العباس خليلًا لعمر، فلما أصيب جعل يدعو الله أن يُريه عمر في المنام، قال: فرأيته بعد حول وهو يمسح العرق عن جبينه، قال: ما فعلت؟ قال: "هذا أوان فرغتُ، إن كان عرشي ليُهَدّ
_________________
(١) ١ في الأصل: (جرادًا)، وهو تحريف. ٢ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٣٢، وإسناده صحيح. البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص٣٣٥، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ١٣/ق ١٦١، من طريق سعد. وابن الجوزي: مناقب ص ٢٣٧. ٣ ابن حاطب. ٤ أبو نعيم: الحلية ١/٥٤، وإسناده ضعيف لانقطاعه بين يحيى بن عبد الرحمن والعباس. وفيه أيضًا محمّد بن عمرو بن علقمة صدوق له أوهام. وأبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٣١، وابن الجوزي: مناقب ص ٢٣٧. ٥ عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ثقة، من الرابعة. (التقريب ص ٣١٢) .
[ ٣ / ٨٧١ ]
لولا أني وجدت ربًّا رحيمًا"١.
وعن أبي جَهْضَم٢ قال: "كان العباس ودًّا لعمر ﵁ قال العباس: "كنت أشتهي أن أراه في المنام، فما رأيته إلا عند قرب الحول، فرأيته يمسح العرق عن جيبنه، وهو يقول: "هذا أوان فرغتُ، إن كاد عرشي ليهوي لولا أني لقيته رؤوفًا رحيمًا"٣.
وعن ابن عمر أنه قال: "ما كان شيء أحبّ إليّ أن أعلمه من أمر عمر، فرأيت في المنام قصرًا، فقلت: لِمَن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، "فخرج من القصر عليه ملحفة كأنه قد اغتسل، فقال: "كيف صنعت؟ "، قال: خيرًا، كاد عرشي يهوي لولا أني لقيت / [١٢٧/ب] ربًّا غفورًا". فقال: "منذ كم فارقتكم؟ "، فقلت: "منذ اثنتي عشرة سنة"، فقال: "إنما انفلت الآن من الحساب"٤.
وروى أبو القاسم الأصفهاني في (سيرة السلف)، عن العباس بن عبد المطلب قال: "كنت جارًا لعمر، فما رأيت أحدًا من الناس كان أفضل من عمر، إن٥ ليله صلاة، وإن نهاره صيام، وفي حاجات الناس، فلما توفي سألت
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٧٥، ابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٩٤٥، وإسنادهما حسن إلى عبد الله بن عبيد الله إلا أنه منقطع بين عبد الله بن عبيد الله والعباس. وابن الجوزي: مناقب ص٢٣٧. ٢ موسى بن سالم، مولى آل العباس، صدوق، من السادسة. (التقريب ص ٥٥٠) . ٣ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٧٥، ابن شبه: وتاريخ المدينة٣/٩٤٦، وإسنادهما حسن إلا أنه منقطع بين عبد الله بن عبيد الله بن العباس، والعباس. وابن الجوزي: مناقب ص٢٣٧. ٤ أبو نعيم: الحلية ١/٥٤، وإسناده ضيعف، فيه هياج بن بسطام التميمي، وهو ضعيف. (التقريب رقم: ٧٣٥٥)، وابن الجوزي: مناقب ص ٢٣٨. ٥ في الأصل: (إنه)، وهو تحريف.
[ ٣ / ٨٧٢ ]
الله أن يرينه في النوم، فرأيته مقبلًا من سوق المدينة، فسلمت عليه، وسلم عليّ، ثم قلت له: كيف أنت؟، قال: "بخير"، قلت له: ما شأنك؟ قال: "الآن فرغت من الحساب، والله كاد عرشي يهوى، لولا أني وجدت ربًّا رحيمًا"١.
قال: وفي رواية عبد الله بن عمر قال: "ما كان شيء أحبّ إليّ أن أعلمه من أمر عمر، فريت في المنام قصرًا، فقلت: لمن هذا القصر؟، قالوا: "لعمر بن الخطاب"، فخرج من القصر وعليه ملحفة كأنه اغتسل، فقلت: كيف صنعت؟ قال: "خيرًا، كاد عرشي يهوي لولا أني لقيت ربًّا غفورًا"٢.
وتقدم ما رآه النبي ﷺ له٣.
وروى الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه من حديث جابر بن عبد الله: أنه كان يحدّث أن رسول الله ﷺ قال: "أُرِيَ الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط٤ برسول الله، وعمر نيط بأبي بكر، وعثمان بعمر". قال جابر فلما قمنا من عند النبي ﷺ قلنا أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ وأما ذكر رسول الله ﷺ نوط بعضهم ببعض، فهو هذا الأمر الذي بعث الله به نبيّه ﷺ"٥.
_________________
(١) ١ أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص١٣١، وقد سبق تخريجه ص١٠٣١، ١٠٣٢. ٢ أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص١٣٢، وقد سبق تخريجه ص١٠٣١، ١٠٣٢. ٣ تقدم ص ٢٤٣. ٤ نيط: أي: علق. (لسان العرب ٧/٤١٨) . ٥ أحمد: المسند ٣/٣٥٥، وفيه عمرو بن أبان بن عثمان مقبول. (التقريب رقم: ٤٩٨٥)، وباقي رجاله ثقات. وأبو داود: السنن ٤/٢٠٨، والحاكم: المستدرك ٣/٧١، ٧٢، وقال: "ولعاقبة هذا الحديث إسناده صحيح عن أبي هريرة، ولم يخرجاه". وصحّحه الذهبي في تلخيصه. وضعّفه الألباني. (ضعيف الجامع الصغير ١/٢٦٠، ضعيف سنن أبي داود ص ٤٦٤) .
[ ٣ / ٨٧٣ ]
وقد تقدم حديث أبي بكرة: أن النبي ﷺ كان يعجبه الرؤيا الصالحة، ويسأل عنها، فقال رجل: "يا رسول الله، إني رأيت رؤيًا، رأيت كأن ميزانًا من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت بأبي بكر، ثم وُزن أبو بكر وعمر، فوزن أبو بكر عمرَ، ثم وُزن عمر بعثمان، فرجح عمر بعثمان، ثم رفع الميزان"١.
_________________
(١) ١ تقدم ص ٣٥٧.
[ ٣ / ٨٧٤ ]