الباب الثالث عشر: في ذكر هجرته إلى المدينة
في الصحيح عن نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب قال: "كان فرضَ للمهاجرين الأوّلين أربعة آلاف في أربعة، وفرض لابن عمر ثلاث آلاف وخمس مئة.
فقيل له: "هو من المهاجرين، فَلِمَ١ نقّصته من الأربعة آلاف؟ " فقال: "إنما هاجرَ به أبوه"٢، يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه"٣.
وفيه عن أبي عثمان٤ سمعت: ابن عمر إذا قيل له: هاجر قبل أبيه يغضب"، قال: "وقدمت٥ أنا وعمر على رسول الله ﷺ فوجدناه قائلًا: فرجعنا إلى المنزل، فأرسلني عمر. فقال: "اذهب فانظر هل استيقظ"، فأتيته فدخلت عليه فبايعته، ثم انطلقت إلى عمر فأخبرته أنه استيقظ، فانطلقنا إليه نهرول هرولة، حتى دخل عليه فبايعه ثم بايعته"٦.
وفيه عن البراء بن عازب٧، قال: "أوّل من قدمَ علينا مصعب بن عمير وابنُ أمّ
_________________
(١) ١ قوله: (فلِمَ) غير واضح في الأصل. ٢ في البخاري: (أبواه)، قال ابن حجر: "وقد استشكل ذكر أبويه، فإن أمه زينب بنت مظعون كانت بمكة فيما ذكر ابن سعد". (فتح الباري ٧/٢٥٦) . ٣ البخاري: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة ٣/١٤٢٤، رقم: ٣٧٠٠. ٤ عبد الرحمن بن مُلّ النَّهدي، مشهور بكنيته، مخضرم، ثقة، ثبت، عابد، توفي سنة خمس وتسعين، وقيل: بعدها. (التقريب ص ٣٥١) . ٥ في الأصل: (قدمت) . ٦ البخاري: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة ٣/١٤٢٥، رقم: ٣٧٠٣. ٧ الأنصاري، الأوسي، صحابي، ابن صحابي، نزل الكوفة، استصغِر يوم بدر. (التقريب ص ١٢١) .
[ ١ / ١٧٧ ]
مكتوم١، وكانا يقرئان الناس، فقدم بلال وسعدٌ٢ وعمار ابن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ﷺ ثُمَّ قدم النبي ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ حتى جعلت الإماء يقلن: قدم رسول الله ﷺ فما قدم حتى قرأتُ: ﴿سَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ [الأعلى: ١] في سور من المُفَصَّل٣.
وذكر ابن الجوزي: "أن عمر لما أذنَ رسول الله ﷺ في الخروج إلى المدينة، جعل المسلمون يخرجون أرسالًا، يصطحبون الرجال فيخرجون، قال: عمر ﵁: "فخرجت أنا وعياش بن أبي ربيعة"٤.
وذكر عن البراء٥ قال: "كان أوّلُ من قدِمَ المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ مصعب بن عمير، وابنُ أم مكتوم، ثم قدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب رسول الله ﷺ"٦.
وذكر عن عقبة بن حُريث٧٨، قال: "سمعت ابن عمر قال له رجل: "أنت هاجرت قبل عمر؟ " / [١٠ / ب] . قال: فغضب، قال: "لا بل هو هاجر
_________________
(١) ١ عمرو بن قيس القرشي، أسلم قديمًا، واستشهد بالقادسية. (الإصابة ٤/٢٨٤) . ٢ ابن أبي وقاص الزهري. ٣ البخاري: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة ٣/١٤٢٨، رقم: (٣٧١٠) . ٤ ابن الجوزي: مناقب ص ٢٠، ابن هشام: السيرة ٢/١٣١، وصرح ابن إسحاق بالسماع وسند متصل، والبزار كما في معجم الزوائد ٦/٦١، وقال: (رواه البزار ورجاله ثقات) . والبيهقي: الدلائل ٢/٤٦١، والسنن ٩/١٣، ١٤، من طريق ابن إسحاق، فيكون الخبر صحيحًا من طريق ابن إسحاق. ٥ ابن عازب. ٦ ابن الجوزي: مناقب ص ٢٠، وسبق تخريجه أيضًا. ٧ في الأصل: (الحرث)، وهو تحريف. ٨ عقبة بن حُريث التغلبي الكوفي، ثقة. (تهذيب التهذيب٨/٢١٣، التقريب ص٣٩٤) .
[ ١ / ١٧٨ ]
قبلي، وهو خير مني في الدنيا والآخرة"١.
في الصحيح عن أبي موسى٢ قال: "بلغنا مخرج النبي ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأَخَوانِ لي أنا أصغرهم، أحدُهما أبو بردة٣، والآخر أبو رُهْمٍ٤، إمّا قال: بضعًا وإما قال: في ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين رجلًا من قومه، فركبنا سفينة، فألقتنا سَفينتُنا إلى النجاشيّ بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا، فوافقنا النبي ﷺ حينَ افتتح خيبر٥، وكان أُناسٌ من الناسِ يقولون لنا - يعني لأهل السفينة - سبقناكم بالهجرة.
ودخلت أسماء بنت عميس٦، وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماءُ عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: "من هذه؟ " قالت: "أسماء بنت عميس"، قال عمر: "آلحبشيّةُ هذهِ؟ آلبحرية هذه؟ " قالت أسماء: "نعم"، قال: "سبقناكم بالهجرة فنحن أحقّ برسول الله منكم". فغضبت، وقالت: (كلا والله كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا
_________________
(١) ١ لم أجده. ٢ عبد الله بن قيس الأشعري، صحابي مشهور، أمّره عمر ثم عثمان، توفي سنة خمسين. وقيل: بعدها. (التقريب ص ٣١٨) . ٣ ابن قيس الأشعري، مشهور بكنيته. (الإصابة ٧/١٧) . ٤ ابن قيس الأشعري. (الإصابة ٧/٦٨-٦٩) . ٥ خيبر: لفظ خيبر بلسان اليهود: الحصن، وصار يطلق هذا الاسم على الولاية، وتشتمل على سبعة حصون ومزارع ونخيل كثيرة، فتحها النبي ﷺ سنة سبع من الهجرة، وتقع شمال المدينة بحوالي ١٦٤ كيلًا. (انظر: معجم البلدان ٢/٤٠٩، ونسب حرب ص ٣٠٤، ومرويات غزوة خيبر ص ٨) . ٦ الخثعمية، صحابية، توفيت بعد عليّ. (التقريب ص ٧٤٣) .
[ ١ / ١٧٩ ]
في دار - أو في أرض - البُعداء البغضاء بالحبشة، وذلك في الله وفي رسول الله ﷺ، وأيْمُ الله لا أطعمُ طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أذكر ما قلت للنبي ﷺ، ونحن كُنّا نؤذى ونخاف، وسأذكرُ ذلك للنبي ﷺ وأسأله، والله لا أكذبُ ولا أزيغ ولا أزيد عليه، فلما جاء النبي ﷺ قالت: "يا نبي الله إن عمر قال: كذا وكذا؟، قال: "فما قلت له؟ "، قالت: قلت له: "كذا وكذا"، قال: "ليسَ بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرةٌ واحدةٌ، ولكم أنتم - أهل السفينة - هجرتان"، قالت: "فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالًا، يسألونني عن هذا الحديث، ما مِنَ الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظمُ في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ"١.
قال العلماء - ﵏ -: "تجب الهجرة على من يعجز عن إظهار دينه في دار الحرب، وإن لم يعجز عن إظهار دينه لم تجب عليه، لكن الأفضل له الهجرة إلى بلد الخير والعبادة، وكذلك من يعجز عن إظهار السنة ببلد البدعة تجب عليه الهجرة"٢.
فإن قيل: "لا هجرة اليوم لقوله ﵇: "لا هجرة بعد الفتح" ٣، وقول عائشة لما سئلت عن الهجرة فقالت: "مضت الهجرة لأهلها، واليوم يعبد الإنسان ربّه حيث كان"٤.
قيل: "المراد: لا هجرة من مكة إلى المدينة، لأن مكة كان كثر الإسلام
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح، كتاب المغازي ٤/١٥٤٦، رقم: ٣٩٩٠/٣٩٩٢. ٢انظر: ابن قدامة: المغني١٢/١٥١ابن تيمية: الفتاوى١٨/٢٤٠ابن كثير: التفسير ٢/٣٤٣. ٣ البخاري: الصحيح، كتاب المغازي ٤/١٥٦٧، رقم: ٤٠٥٧. ٤ البخاري: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة ٣/١٤١٦، رقم: ٣٦٨٧، بنحوه.
[ ١ / ١٨٠ ]
فيها، وارتفع الكفر منها، وكذلك قول عائشة يعني: مضت الهجرة من مكة إلى المدينة، وأما من حصل به عجز عن إظهار دينه في بلد غير مكة فإن الهجرة لم تنقطع في١ والله أعلم٢/ [١١ / أ] .
_________________
(١) ١ مطموس في الأصل، بمقدار كلمة، ولم أتبين قراءته. ٢ انظر: ابن قدامة: المغني ١٣/٢٥١، ابن حجر: فتح الباري ٦/٣٨-٣٩، و٧/٢٢٩.
[ ١ / ١٨١ ]