الباب الثالث والخمسون: في ذكر تواضعه
ذكر ابن الجوزي عن جبير بن نُفير١، أن نفرًا قالوا لعمر بن الخطاب: "ما رأينا رجلًا أقضى بالقسط، ولا أقولَ بالحقّ ولا أشدّ على المنافقين منك يا أمير٢ المؤمنين، فأنت خير الناس بعد رسول الله، فقال عوف بن مالك٣: "كذتم - والله - لقد رأينا بعد رسول الله ﷺ، [فقال: "من هو؟ "، فقال: "أبو بكر"] ٤ فقال عمر: "صدق عوف، وكذبتم، والله لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضل من بعير أهلي"، - يعني: قبل أن يسلم -، لأن أبا بكر أسلم قبله بست سنين"٥.
وعن مُجالد بن سعيد قال: "لما أتى عمر ﵁ [الخبر] ٦ بنزول رستم القادسية، كان يستخبر الركبان عن أهل القادسية منذ حين يُصبح إلى انتصاف النهار، ثم يرجع إلى أهله، فلما لقيه البشير، سأله من أين جاء؟ فأخبره، فقال: "يا عبد الله حدّثني"، قال: "هزم الله العدوّ"، وعمر ﵁ يخُبّ٧ معه
_________________
(١) ١ الحضرمي، ثقة جليل، من الثانية، مخضرم، ولأبيه صحبة، توفي سنة ثمانين. (التقريب ص ١٣٨) . ٢ مطموس في الأصل، سوى: (أمير) . ٣ الأشجعي، صحابي مشهور، من مسلمة الفتح، وسكن دمشق، توفي سنة ثلاث وسبعين. (التقريب ص ٤٣٣) . ٤ سقط من الأصل. ٥ ابن الجوزي: مناقب ص ١٤٨، أبو نعيم: تثبيت الإمامة ص ١٠٤، ابن عساكر: تاريخ دمشق ٩/٧٠٤، ٧٠٥، وأورده والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٤٩٧، وعزاه لأبي نعيم في فضائل الصحابة، وقال ابن كثير: "إسناده صحيح". ٦ سقط من الأصل. ٧ الخَبَبُ: ضربٌ من العدوّ. (القاموس ص ٩٩) .
[ ٢ / ٥٨٦ ]
ويستخبره، والآخر يسير على ناقته ولا يعرفه حتى١ دخل المدينة فإذا الناس يسلّمون عليه بإمرة المؤمنين، فقال الرجل: "فهلاّ أخبرتي - رحمك الله - أنك أمير المؤمنين، وجعل عمر يقول: "لا عليك يا أخي"٢.
وعن عبد الله بن مصعب٣ قال: "قال عمر ﵁: "لا تزيدوا مهور النساء على أربعين أوقية٤، وإن كانت بنت ذي الغُصّة - يعني: يزيد بن الحصين الحارثي٥ - فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة من صفّ النساء طويلة، في أنفها فَطْسٌ٦: "ما ذاك لك"، قال: "ولم؟ " قالت: "لأن الله تعالى يقول: ﴿وآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذوا منه شَيئًا أَتَأْخُذًُونَه بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ " [النساء: ٢٠]، فقال عمر ﵁: "امرأة أصابت ورجل أخطأ"٧.
وعن مسروق٨ بن الأجدع٩ قال: "ركب عمر
_________________
(١) ١ مطموس في الأصل، سوى: (تى) . ٢ الطبري: التاريخ ٣/٥٨٣، ابن الجوزي: مناقب ص ١٤٨، ١٤٩، ابن الأثير: التاريخ ٢/٤٨٤، والخبر ضعيف لانقطاعه بين مجالد وعمر، ومجالد ضعيف، وفي إسناده سيف بن عمر ضعيف. (التقريب رقم: ٢٧٢٤، ٦٤٧٨) . ٣ ابن ثابت بن عبد الله بن الزبير، يروي عن أبي حازم، روى عنه إبراهيم بن خالد الصنعاني مؤذن مسجد صنعاء. (الثقات ٧/٥٦٩) . ٤ الأوقية - بالضم - سبعة مثاقيل. (القاموس ص ١٧٣١) . ٥ كذا في الأصل، وفي الإصابة ٢/٢٣: "حصين بن يزيد بن شداد الحارثي ذو الغصة، لقب بذلك لأنه كان في حلقه شبه الحوصلة، وفد على النبي ﷺ. ٦ الفَطْس: تطامن قصبة الأنف وانتشارها. (القاموس ص ٧٢٦) . ٧ ابن الجوزي: مناقب ص ١٤٩، ابن كثير: التفسير ٢/٢١٣، وعزاه للزبير بن بكار، وقال: "فيه انقطاع". ٨ مطموس في الأصل، سوى (سروق) . ٩ الهمداني الكوفي، ثقة عابد مخضرم، من الثانية توفي سنة اثنتين وستين. (التقريب ص ٥٢٨) .
[ ٢ / ٥٨٧ ]
﵁ منبر رسول الله ﷺ فخطب الناس فقال: "أيها الناس ما إكثاركم في صَدُقات النساء فقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه [يقللون] ١ وإنما الصَّدقُات ما بين أربع مئة درهم فما دون، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى، أو تكرمة لم تسبقوهم إليها، فلا أعرفَنْ ما زاد رجل في صداق امرأة على أربع مئة درهم".
ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: "يا أمير المؤمنين، أنهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربع مئة درهم؟ "، قال٢: "وما ذاك؟ ". قالت: "أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ "، قال: "وأي ذلك؟ "، قالت: "أو ما سمعت الله يقول: ﴿وآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذوا منه شَيئًا أَتَأْخُذًُونَه بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ " [النساء: ٢٠]، فقال: "اللهم غفرًا كل إنسان أفقه من عمر"، ثم رجع فركب المنبر، فقال: "أيا الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربع مئة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحبّ وطابت به نفسه فليفعل"٣.
وعن أبي الغالية الشامي٤ قال: "قدم عمر ﵁ الجابية على جمل أورق٥، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة، تصطفق٦ رجلاه
_________________
(١) ١ سقط من الأصل. ٢ في الأصل: (قلت)، والتصويب من الهامش. ٣ أبو يعلى كما في المطالب العالية ٢/٤، ٥، ابن الجوزي: مناقب ص ١٤٩، ابن كثير: التفسير ٢/٢١٢، وعزاه لأبي يعلى وقال: "إسناده جيد"، والهيثمي: مجمع الزوائد ٤/٢٨٣، ٢٨٤، وقال: "رواه أبو يعلى في الكبير وفيه مجالد بن سعيد وفيه ضعف وقد وثّق". ٤ لم أجد له ترجمة. ٥ الأوْرق: ما في لونه بياض إلى سواد. (القاموس ص ١١٩٨) . ٦ كذا في تاريخ المدينة، وتاريخ ابن كثير. وفي الأصل: (تصفق) .
[ ٢ / ٥٨٨ ]
بين شعبتي رحله بلا ركاب، وطاؤه كساء انبجاني ذو صوف، هو وطاؤه إذا ركب وفراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفًا، هي حقيبته إذا ركب، ووسادته إذا نزل، عليه قميص من كرابيس١، قد دسم وتخرق جبيه، / [٨٥ / ب] فقال: "ادعوا لي رأس القرية"، فدعوا له الجلموس٢، فقال: "غاسلوا قميصي وخيطوه وأعيروني قميصًا، أو ثوبًا". فأتي بمقيص كتان٣، فقال: "ما هذا؟ "، قالوا: "كتان"، قال: "وما الكتّان؟ "، فأخبروه، فنزع قميصه فغُسل، ورقع، وأتي به، فنزع قميصهم ولبس قميصه، فقال له الجلموس: "أنت ملك العرب، وهذه بلاد لا تصلح بها الإبل". فأتي ببرذون فطرح عليه قطيفة، [لا سرج] ٤ ولا رحل وركبه، فقال: "احبسوا احبسوا، ما كنت أظن الناس يركبون الشياطين قبل هذا"، فأتي بجملة فركبه"٥.
وعن هشام بن عروة عن أبيه،٦ قال: "قدم عمر ﵁ الشام، فتلقاه أمراء الأجناد، وعظماء أهل الأرض، فقال عمر: "أين أخي؟ "، قالوا: "من؟ "، قال: "أبو عبيدة بن الجراح"، قالوا: "يأتيك الآن"، فجاء على ناقة مخطومة بحبل، فسلم عليه، فسأله، ثم قال للناس: "انصرفوا عنا"، فسار معه
_________________
(١) ١ كرابيس: جمع كِرْباس، وهو القُطْن. (لسان العرب ٦/١٩٥) . ٢ في تاريخ ابن كثير: " الجلوس". ٣ الكتّان: ثياب مُعتدلة في الحرّ والبرد واليبوسة، ولا تلزق بالبدن، ويقلّ قمله. (القاموس ص ١٥٨٣) . ٤ سقط من الأصل. ٥ ابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٨٢٤، ٨٢٥، ابن الجوزي: مناقب ص ١٥١، ابن كثير: التاريخ ٤/٦١، وعزاه لابن أبي الدنيا، والخبر ضعيف فيه عبد الله بن مسلم بن هرمز، ضعيف. (التقريب رقم: ٣٦١٦) . وأبو الغالية الشامي لم أجد له ترجمة. ٦ ابن الزبير.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
حتى منزله، فنزل عليه، فلم ير في بيته إلا سيفه، وترسه، ورحله، قال له عمر: "لو اتخذت متاعًا؟ "، أو قال: "شيئًا؟ "، فقال أبو عبيدة ﵁: "يا أمير المؤمنين، إن هذا سيبلغنا المقيل"١.
وعن طارق بن شهاب قال: "لما قدم عمر ﵁ الشام عرضَت له مخاضة، فنزل عن بعيره، وقلع موقيه فأمسكهما بيده، فخاض عمر الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة ﵁: "قد صنعت صنيعًا عظيمًا عند أهل الأرض كذا وكذا"، قال: فصك في صدره، وقال: "أوهْ٢ لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذلّ الناس، وأحقر الناس، وأقلَّ الناس، فأعزَّكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العزّةَ بغير الله يذلكم الله"٣.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني عن طارق٤ بن شهاب قال: "قدم عمر الشام فتلقته الجنود، وعليه إزار وخفان وعمامة، وهو آخذ برأس٥ راحلته، فقالوا: "يا أمير المؤمنين، تلقاك الجنود، والبطارقة وأنت على حالك هذه؟! "، فقال: "إنا قوم أعزّنا الله بالإسلام، فلن نلتمس العزّة بغيره"٦.
_________________
(١) ١ ابن المبارك: الزهد ص ٢٠٨، وإسناده صحيح إلى عروة. ٢ أوه: كلمة تقال عند الشكاية أو التّوجع. (القاموس ص ١٦٠٤) . ٣ ابن المبارك: الزهد ص ٢٠٨، وإسناده صحيح، الحاكم: المستدرك ٣/٨٢، أبو أو نعيم: الحلية ١/٤٧، ابن الجوزي: مناقب ص ١٥٠، ١٥١، ابن كثير: التاريخ ٤/٦١، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٦١٨، وعزاه لابن المبارك وهناد والحاكم والحلية والبيهقي في شعب الإيمان. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين لاحتجاجهما جميعًا بأيوب بن عائذ الطائي وسائر رواته ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. (المستدرك ١/٦٢) . ٤ في الأصل: (صارى)، وهو تحريف. ٥ في الأصل: (بروس)، وهو تحريف. ٦ أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٨٦، وابن أبي شيبة: المصنف ١٣/٤١، الحاكم: المستدرك ١/٦٢، وفي إسناده الأعمش مدلس وقد عنعن. والأثر ثابت من طريق آخر، كما مرّ. قال الحاكم: "وله شاهد من حديث الأعمش عن قيس بن مسلم". (المستدرك ١/٦٢، الحلية ١/٤٧) . والأعمش من المرتبة الثانية الذين احتمل الأئمة تدليسهم واحتجوا بحديثهم.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
وعن أسلم مولى عمر ﵁ أنه كان مع عمر ﵁ وهو يريد الشام، حتى إذا دنا من الشام، أناخ عمر، وذهب لحاجة له، قال أسلم: "فطرحت فروتي بين شعبتي رحلي، فلما خرج عمر عمد إلى بعير أسلم فركبه على الفور، وركب بعير عمر فخرجا يسيران، حتى لقيهما أهل الأرض، قال أسلم: فلما دنوا منا أشرت لهم إلى عمر، فجعلوا يتحدّثون بينهم، فقال عمر: "تطمح أبصارهم إلى١ مراكب من لا خلاق له، كأن عمر [يريد] ٢ مراكب العجم"٣.
وعن إسماعيل٤ عن٥ قيس٦ قال: "لما قدم عمر الشام استقبله الناس وهو على بعيره فقالوا: "يا أمير المؤمنين لو ركبت برذونًا يلقاك عظماء الناس ووجوههم؟ "، فقال: "لا أراكم٧ ههنا، [إنما الأمر من ههنا] ٨". وأشار بيده
_________________
(١) ١ في الأصل: (إلا)، وهو تحريف. ٢ سقط من الأصل. ٣ ابن المبارك: الزهد ص ٢٠٧، وإسناده صحيح. وابن أبي شيبة: المصنف ١٣/٣٩، ابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٨٢١، ٨٢٢، ابن الجوزي: مناقب ص ١٥١، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٦٥٣، وعزاه لابن المبارك وابن عساكر. ٤ ابن أبي خالد. ٥ في الأصل: (ابن)، وهو تحريف. ٦ ابن أبي حازم. ٧ في الأصل: (ألا راكم)، وهو تحريف. ٨ سقط من الأصل.
[ ٢ / ٥٩١ ]
إلى السماء، خلّوا جملي"١.
وعن عبيد الله بن عباس٢ قال: "كان للعبّاس ميزاب على طريق عمر بن الخطاب ﵁ فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة، وقد كان ذبح للعباس فرخان، فلما وافى الميزاب، صُبَّ ماءٌ بدم الفرخين، فأصاب / [٨٦ / أ] عمر، فأمر عمر بقلعه، ثم رجع عمر ﵁ فطرح ثيابه ثم لبس ثيابًا غير ثيابه، ثم جاء فصلى بالناس فأتاه العباس، فقال: "والله إنه لَلمضوْضِعُ٣ الذي وضعه رسول الله ﷺ"، فقال عمر: "فأنا أعزم عليك لما صعدت عليّ٤ حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلمففعل ذلك العباس ﵁"٥.
وعن محمّد بن سعد يرفعه إلى عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "لقد رأيتني ومالي من أكال٦ يأكله الناس إلا أن لي خالاتٍ من بني مخروم كنت استعذب لهن الماء فيقبضن لي القبضات من الزبيب". ثم نزل، فقيل له: "ما أردت إلى هذا يا أمير المؤمنين؟ "، قال: "إني وجدت من نفسي شيئًا فأردت أن
_________________
(١) ١ وابن أبي شيبة: المصنف ١٣/٤٠، وإسناده صحيح، وأبو نعيم: الحلية ١/٤٧، من طريق ابن أبي شيبة، ابن شبه: تاريخ المدينة٣/٨٣١، ابن الجوزي: مناقب ص١٥١. ٢ ابن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم النبي ﷺ من صغار الصحابة، توفي بالمدينة سنة سبع وثمانين. (التقريب ص ٣٧١) . ٣ في الأصل: (الموضع)، والمثبت من المسند والطبقات. ٤ قوله: " عليّ"، غير واضح في الأصل. ٥ أحمد: المسند ٣/٢٢٤، ابن سعد: الطبقات ٤/٢٠، وإسنادهما ضعيف لانقطاعه، وقال أحمد شاكر في تعليقه على أحديث المسند رقم: ١٧٩٠: "إسناده ضعيف لانقطاعه، هشام بن سعد صدوق، ولكنّه لا يروي إلا عن التابعين، توفي سنة ستين ومئة. وعبيد الله بن عباس من صغار الصحابة". وأورده ابن الجوزي: مناقب ص١٥١. ٦ الأكال: يقال: ما ذقت أكالًا - بالفتح -، أي: طعاما. (الصحاح ٤/١٦٢٥) .
[ ٢ / ٥٩٢ ]
أطأطئ١ منها"٢.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يومًا وخرجت معه حتى دخل حائطًا فسمعته يقول وبيني وبينه جدار، وهو في جوف الحائط: عمر أمير المؤمنين بَخْ بَخْ والله بُنيّ٣ الخطاب لتتقين الله، أو ليعذبنك"٤.
وقال أبو إسحاق الفزاري٥: قال عمر بن الخطاب ﵁: "إن أحب الناس إليّ من أهدى إليّ عيوبي"٦.
وعن عبد الرحمن بن حفصة٧ قال: "قدمنا على عمر ﵁ في وفد من بني صبة٨، وأنا غلام فقضوا حوائجهم وتركوني فمرّ عمر ﵁ في السوق على ناقة فوثبت٩ وثبة فإذا أنا خلفه، فضرب بين
_________________
(١) ١ في الأصل: (طأطئ) . ٢ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٩٣، وإسناده ضعيف لإبهام أحد رجال السند. وابن الجوزي: مناقب ص ١٥٢. ٣ في الأصل: (وبُني)، وهو تحريف. ٤ مالك: الموطّأ ص ٥٤٢، ومن طريقه ابن سعد: الطبقات ٣/٢٩٢، وإسناده صحيح، أبو نعيم: المعرفة ١/٢١٦، أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٥٤، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ١٥٢، المحب الطبري: الرياض النضرة ١/٣٧٦، وعزاه لابن أبي الدنيا في محاسبة النفس، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٦١٨. ٥ إبراهيم بن محمّد الفزاري الإمام، ثقة، حافظ له تصانيف، توفي سنة خمس وثمانين ومئة. (التقريب ص ٩٢) . ٦ ابن الجوزي: مناقب ص ١٥٢، وهو ضعيف لإعضاله، وبنحوه في ابن سعد: الطبقات ٣/٢٩٣، عن سفيان بن عيينة. ٧ لم أجد له ترجمة. ٨ في مناقب عمر: (منبه) . ٩ في الأصل: (فوثب) .
[ ٢ / ٥٩٣ ]
كتفي وقال: "ممن أنت؟ "، فقلت١: ضَبِّي، قال: "جسور"، قلت: على العدو، وقال: "وعلى الصديق، حاجتك؟ "، فقضى حاجتي، ثم قال: "فرغ لنا ظهر راحلتنا"٢.
وعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: "خرجنا مع عمر ﵁ إلى حجّ أو عمرة، حتى مرّ بشعاب ضَجنَان٣ فالتفت إليها فقال: "لقد رأيتني في هذه٤ الشعاب، في إبل الخطاب وكان فظًا غليظًا، أحتطب مرّة، وأختبط عليها أخرى، ثم أصبحت اليوم فضرب الناس بجنباتي ليس فوقي أحد، ثم قال:
لا شيء فيما ترى إلا بشاشته يبقي الإلهُ ويودي المالُ والولد٥
وعن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: "نادى عمر في الناس الصلاة جامعة، ثم جلس على المنبر فما تكّلم حتى امتلأ المسجد ثم قام، فقال: "الحمد لله لقد رأيتني أوجز٦ نفسي بطعام ثم أصبحت على ما ترون،
_________________
(١) ١ قوله: " فقلت"، في الأصل فوق السطر. ٢ ابن الجوزي: مناقب ص ١٥٢. ٣ ضجِنان: حرة مستطيلة من الشرق إلى الغرب ينقسم عنها سيل وادي الهدَة. ويمر بها الطريق من مكّة إلى المدينة بنفصها الغربي على أربع وخمسين كيلًا من مكّة. ويعرف هذا النصف اليوم بخشم المحسنية. (معجم البلدان ٣/٤٥٣، معجم معالم الحجاز ٥/١٨٩) . ٤ كذا في مناقب عمر، وفي الأصل: (هذا) . ٥ أبو عبيد: غريب الحديث ٣/٣٩٢، ٣٩٣، وإسناده حسن. وابن عساكر: تاريخ دمشق ج ١٣ / ق ١٤٤، ابن الجوزي: مناقب ص ١٥٣، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٦٥٢، وعزاه لأبي عبيد في الغريب، وابن سعد، وابن عساكر. ٦ في سير السلف ومناقب عمر: (أواجر) .
[ ٢ / ٥٩٤ ]
فلما نزل قيل له: " [ما] ١ حملك على ذلك؟ "، قال: "إظهار الشّكر"٢.
وعن محارب بن دِثار عن ابن عمر قال: "صعد عمر المنبر فجلس، ونودي الصلاة جامعة، فما زالوا يردون حتى امتلأ المسجد، فقام عمر فقال: "أحمد الله إليكم، إني كنت أوجز نفسي ثم أصبحت يضرب الناس بجنبتي ليس فوقي أحد". ونزل فقال له ابن عمر: "يا أمير المؤمنين ما دعاك إلى ما قلت؟ "، قال: "إن أباك أعجبته نفسه فأحبّ أن يضعها"٣.
وعن الحسن٤: "أن رجلًا أثنى على عمر فقال: "أتهلكني وتهلك نفسك؟ "٥.
[وعن جابر بن عبد الله - ﵂ - قال: "نادى عمر الصلاة جامعة، ثم جلس على المنبر فما تكلَّم حتى امتلأ المسجد ثم قام فقال: "الحمد لله لقد] ٦ رأيتني أواجر نفسي بطعام بطني، ثم أصبحت على ما ترون"، فقيل له: "ما حملك على ما تقول؟ "، قال: "إظهار الشّكر"٧.
وعن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن حزم٨ عن رجل من جهينة
_________________
(١) ١ سقط من الأصل. ٢ أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٨٦، ابن الجوزي: مناقب ص ١٥٣، بدون إسناد. ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ١٥٣، وهو ضعيف لانقطاعه بين محارب بن دثار وعمر. ٤ البصري. ٥ ابن الجوزي: مناقب ص ١٥٣. ٦ مطموس في الأصل، والتصويب من سير السلف. ٧ سبق تخريجه. ٨ لم أجد له ترجمة. ولعلّه: عبد الرحمن بن محمّد بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم الأنصاري، مقبول، من السابعة. (الطبقات الكبرى القسم المتمم لتابعي أهل المدينة ص ٤٦٣، التقريب ص ٣٤٩) .
[ ٢ / ٥٩٥ ]
قال: "بعثني أبي في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ بجداءٍ١ أبيعهن بالمدينة، فلما كنت يومًا من المدينة/ [٨٦ / ب] إذا أنا برجل عامد إلى المدينة، وقد مال حِمْلُ حماري فقلت: "يا عبد الله أعني على حِمْل حماري، حتى أعدله"، قال: "نعم، يا بني". فقام معي حتى عدله، ثم قال لي: "من أنت؟ "، فقلت: "أنا فلان بن فلان الجهني"، فقال: "إذا أتيت أباك فقل له: "إن أمير المؤمنين يقول لك: إياك وذبح الجداية، فإن٢ ودك٣ العتود٤ خير من أنفحه الجدي". قلت: "من أنت - يرحمك الله -؟ "، قال: "أنا عمر أمير المؤمنين"٥.
وعن عبد الجبار بن عبد الواحد التنوخي٦٧، قال: "قال عمر ﵁ وهو على المنبر: "أنشدكم الله لا يعلم رجل مني عيبًا إلا عابه"، فقال: رجل: "نعم، يا أمير المؤمنين، فيك عيبان"، قال: "وما هما؟ "، قال: "تديل بين البردين، وتجمع بين الأدمين، ولا يسع ذاك الناس"، قال: "فما دال٨ بين بردين، ولا جمع بين أدمين، حتى لقي الله عزوجل".
_________________
(١) ١ الجَدْيُ من أولاد المعز: ذكرُها الذي لم يبلغ سنة. (لسان العرب ١٤/١٣٥، القاموس ص ١٦٣٨) . ٢ في الأصل: (كل)، وهو تحريف. ٣ الوَدَك: الدَّسَم. (القاموس ص ١٢٣٥) . ٤ العَتُود: الحَوْليُّ من أولاد المعز. (القاموس ص ٣٧٩) . ٥ ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص ٢١٨، وهو ضيعف لإبهام أحد رجال السند. وابن الجوزي: مناقب ص ١٥٣، ١٥٤. ٦ في الأصل: (التنوخي) بالهامش. ٧ لم أجد له ترجمة. ٨ في الأصل: (دان)، وهو تحريف.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
قوله: "تديل بين البردين: أي: تلبس قميصًا، وتخليه وتلبس غيره"١٢.
وقال سالم الأفطس٣: "جاءت وفود فارس إلى عمر ﵁ يطلبونه فلم يجدوه في منزله، فقيل لهم: هو في المسجد. يشير إلى أنه لم يكن له موضع للحكم"٤
وذكر أبو القاسم الأصفهاني عن تميم بن سلمة٥ قال: "لما قدم عمر ﵁ الشام تلقاه أبو عبيدة بن الجراح فخاض إليه عمر الماء في خفيه، فقال له أبو عبيدة: "يا أمير المؤمنين إنك بإزاء العدوّ"، فقال: "دعنا منك، فإنّ الله أعزّنا بالإسلام"، قال: وقبل أبو عبيدة يده، ثم خلوا فجعلا يبكيان"٦.
_________________
(١) ١ انظر: ابن منظور: لسان العرب ١١/٢٥٢. ٢ ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص ٣٧، ابن الجوزي: مناقب ص ١٥٤، وهو ضعيف في إسناد ابن أبي الدنيا من لم أجد له ترجمة. ٣ سالم بن عجلان الأفطس، الأموي مولاهم، ثقة رمي بالإرجاء، توفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة. (التقريب ص ٢٢٧) . ٤ ابن شبه: تاريخ المدينة ٢/٦٩٢، وابن الجوزي: مناقب ص ١٥٤، وهو ضعيف لانقطاعه بين سالم وعمر بن الخطاب، وهو في ابن سعد: الطبقات ٣/٢٩٣، وإسناده صحيح، وابن عساكر: تاريخ دمشق ج ١٣ / ق ١١٦، بإسناد آخر. ٥ السلمي، ثقة، توفي سنة مئة. (التقريب ص ١٣٠) . ٦ أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٦٦، ١٦٧، وهو منقطع بين تميم وعمر ابن الخطاب.
[ ٢ / ٥٩٧ ]