الباب الثالث والعشرون: في ذكر إقدامه على أشياء من أوامر الرسول ﷺ يؤخذ بذلك لصحة مقصده
في الصحيح عن سلمة١ قال: "خفّت أزواد الناس وأملقوا٢، فأتوا النبي ﷺ في نحر إبلهم فأذن لهم، فلقيهم عمر فأخبروه فقال: "ما بقاؤكم بعد إبلكم؟ "، فدخل عمر على النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله بما بقاؤهم بعد إبلهم؟ "، فقال رسول الله ﷺ: "ناد في الناس يأتون بفضل أزوادهم"، فدعا وبرّك عليه ثم دعاهم وبأوعيتهم فاحتثى الناس حتى فرغوا، ثم قال رسول الله ﷺ: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله" ٣.
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: "وجد عمر حُلة إستبرق٤ تباع في السوق، فأتى بها رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله ابتع هذه الحلة تجمل بها للعيد وللوفود، فقال رسول الله ﷺ: "إنما هذه لباس من لا خلاق له، أو إنما يلبس هذه من لا خلاق له"، فلبث ما شاء الله. ثم أرسل إليه النبي ﷺ بجبّة ديباج، فأقبل بها عمر حتى أتى بها رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله، قلت: "إنما هذه لباس من لا خلاق له، أو إنما يلبس هذه من لا خلاق له، ثم أرسلت إليّ بهذه؟ "، فقال: "تبيعها، أو تصيب بها بعض حاجتك"٥.
_________________
(١) ١ ابن الأكوع. ٢ افتقروا. (القاموس ص ١١٩٣) . ٣ البخاري: الصحيح، كتاب الشركة ٢/٨٧٩، رقم: ٢٣٥٢. ٤ الإستبرق: الديباج الغليظ. (القاموس ص ١١٢٠) . ٥ البخاري: الصحيح، كتاب الجهاد ٣/١١١١، رقم: ٢٨٨٩، مسلم: الصّحيح، كتاب اللباس والزينة ٣/١٦٣٨، رقم: ٢٠٦٨.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وفيه أن النبي ﷺ لما قام على قتلى بدر وقال: "هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ " قال عمر: "يا رسول الله ما تُكلمُ من أجساد لا أرواح١ فيها". فقال النبي ﷺ: "والذي نفس محمّد بيده ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم" ٢.
وعن ابن عمر - ﵄ - قال: "لما أراد النبي ﷺ أن يصلي على عبد الله بن أبي، جذبه عمر، وقال: "أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين؟ "، فقال: "أنا بين خيرتين: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُم أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُم إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، فنزلت: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحْدٍ مِّنْهُمْ مَّاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٠، ٨٤] ٣.
وفي رواية: "فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولتُ حتى قمت في صدره، فقلت: "يا رسول الله أعلى عدوّ الله ابن أبي القائل يوم كذا كذا وكذا وكذا، أعدد أيامه،؟ "، قال ورسول الله ﷺ يبتسم، حتى إذا أكثرتُ عليه قال: "أخِّرْ٤ عنّي يا عمر إني خيّرت فاخترت قد قيل: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُم أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُم إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، ولو علمت أني إن زدت على السبعين غفر لهم لزدت".
ثم صلى عليه ومشى معه، فقام على قبره حتى فرغ منه، فعجبًا لي ولجرأتي على رسول الله ﷺ والله ورسوله أعلم، فو الله ما كان إلا يسيرًا حتى نزلت هاتان الآيتان: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحْدٍ مِّنْهُمْ مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى
_________________
(١) ١ في الأصل: (رواح)، وهو تحريف. ٢ البخاري: الصحيح، كتاب المغازي ٤/١٤٦١، رقم: ٣٧٥٧، بأطول، وأخرجه بنحوه مسلم: الصّحيح، كتاب الجنائز ١/٦٤٣، رقم: ٩٣. ٣ البخاري: الصحيح، كتاب الجنائز ١/٤٢٧، رقم: ١٢١٠. ٤ أي: تأخر: وقيل معناه: أخّر عني كلامك. (فتح الباري ٨/٣٣٧) .
[ ١ / ٢٥٥ ]
قَبْرِهِ﴾، إلى قوله: ﴿فَاسِقُونَ﴾، [التوبة: ٨٤]، فما صلى رسول الله ﷺ بعدها على منافق ولا قام على قبره، حتى قبضه الله عزوجل"١.
وعن البراء قال: "لما كان أحد جاء أبو سفيان بن حرب فقال: "أفيكم محمّد؟ "، فقال رسول الله ﷺ: "لا تجيبوه"، ثم قال: "أفيكم محمّد؟ "، فلم يجيبوه، ثم قال الثالثة، فلم يجيبوه، ثم ذكر أبا بكر وعمر. فقال: "أما هؤلاء فقد كفيتموهم"، فلم يملك عمر نفسه، قال: "كذبت يا عدو الله، ها هو ذا رسول الله ﷺ وأبو بكر، وأنا، أحياءٌ، ولك منا / [٢٣/ب] يوم سوء"، فقال: "يوم بيوم بدر والحرب سِجال٢، فقال: "أعل هبل"، فقال رسول الله ﷺ: "أجيبوه"، قالوا: "يا رسول الله ما نقول؟ "، قال: "قولوا: الله أعلى وأجل"، قال٣: "لنا العزى ولا عزى لكم"، فقال رسول الله ﷺ: "أجيبوه"، قالوا: "يا رسول الله ما نقول؟ "، قال: "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم" ٤.
وعن عكرمة٥، أن أبا سفيان لما قال: أعل هبل، قال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: "قل: الله أعلى وأجل"، فقال أبو سفيان: "لنا العزى ولا عزى
_________________
(١) ١ أحمد: المسند ١/١٩٥، رقم: ٩٥، قال أحمد شاكر: "إسناده صحيح"، الترمذي: السنن ٥/٢٧٩، رقم: ٣٠٩٧، وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وأخرجه البخاري: الصحيح، كتاب الجنائز ١/٤٥٩، رقم: ١٣٠٠ بنحوه. ٢ السجال: المكافأة في الحرب وغيرها. (شرح أبي ذر الخشني بحاشية ابن هشام ٣/١٣٦) . ٣ في الأصل: (قالوا)، وهو تحريف. ٤ البخاري: الصحيح، كتاب الجهاد ٢/١١٠٦، رقم: ٢٨٧٤، بألفاظ مقاربة. وأورزه ابن الجوزي: مناقب ص ٤٤. ٥ مولى ابن عباس.
[ ١ / ٢٥٦ ]
لكم"، فقال رسول الله ﷺ: " [قل] ١: الله مولانا ولا مولى لكم" ٢.
وعن أبي وائل،٣ قال: "قال سهل بن حنيف في الصلح الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين، قال: "جاء عمر فقال: "يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ "، قال: "بلى". قال: "أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ "، قال: "بلى ". قال: "فعلام نعطي الدَّنيّة في ديننا ونرجع ولم يحكم الله بيننا وبينهم؟ "، قال: "يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدًا"، فانطلق عمر إلى أبي بكر - ﵄ - ولم يصبر متغيّظًا حتى أتا أبا بكر، فقال: "يا أبا بكر، ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ "، قال: "بلى"، قال: "أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ "، قال: بلى. قال: "يا ابن الخطاب إنه رسول الله، ولن يضيعه الله". فنزل القرآن على رسول الله ﷺ بالفتح فأرسل إلى عمر فأقرأه، فقال: "يا رسول الله أوفتح هو؟ "، قال: "نعم"، فطابت نفسه ورجع"٤.
وعن أبي هريرة ﵁، قال: "كنا قعودًا حول رسول الله ﷺ ومعنا أبو بكر وعمر، في نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا فأبطأ علينا، وخشينا أن يقتطع دوننا، وفزعنا، وقمنا، فكنت أوّل من فزع فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطًا٥ للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له
_________________
(١) ١ سقط من الأصل. ٢ ابن الجوزي: مناقب ص ٤٤، وهو منقطع. ٣ شقيق بن سلمة. ٤ مسلم: الصّحيح، كتاب الجهاد والسير ٣/١٤١١، رقم: ١٧٨٥، وسبق تخريجه من رواية البخاري ص ٢٢٩؟ ٥ الحائط: البستان. (القاموس ص ٨٥٦) .
[ ١ / ٢٥٧ ]
بابًا فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط [من] ١ بئر خارجة (والربيع: الجدول) ٢، فاحتفزت فدخلت عل رسول الله ﷺ فقال: "أبو هريرة؟ "، فقلت: نعم يا رسول الله، قال: "ما شأنك؟ "، قلت: كنت بين ظهرينا٣، فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقطع دوننا، ففزعنا، وكنت أوّل من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي. فقال: "يا أبا هريرة - وأعطاني نعليه - اذهب بنعلي هاتين فمن لقيته من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله / [٢٤ / أ] مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة"، وكان أوّل من لقيت عمر، فقال: "ما هذان النعلان يا أبا هريرة؟ "، فقلت: هذان نعلا رسول الله ﷺ بعثني بهما من لقيتُ يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا قلبه بشرته بالجنة، فضرب عمر بين ثدييّ بيده، فخررت لأستى، فقال: "ارجع يا أبا هريرة"، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأجهشت بالبكاء وركبني٤ عمر. وإذا هو على أثري فقال رسول الله: "ما لك يا أبا هريرة؟ "، قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني٥ به، فضرب بين ثدييّ ضربة فخررت لأستى، فقال: "ارجع"، فقال رسول الله ﷺ: "يا عمر ما حملك على ما فعلت؟ "، فقال: "يا رسول الله أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه بشّره
_________________
(١) ١ سقط من الأصل. ٢ انظر: لسان العرب ٨/١٠٧. ٣ في الأصل: (أظهرنا)، ثم طمس عيلها، وكتب: (ظهرينا)، وفي صحيح مسلم: (أظهرنا)، قال النووي: "هكذا هو في الموضعين أظهرنا، وقال القاضي: "ووقع الثاني في بعض الأصول ظهرينا، وكلاهما صحيح". (انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١/٣٣٤) . ٤ ركبني: تبعني وجاء على إثري. (لسان العرب ١/٤٣٢) . ٥ في الأصل: (بعثني)، وهو تحريف.
[ ١ / ٢٥٨ ]
بالجنة؟ "، قال: "نعم"، قال: "فلا تفعل؟ فإني أخاف أن يتكل الناس عليها فخلّهم يعملون"، فقال رسول الله ﷺ: "فخلّهم" ١.
وعن الأعمش٢ عن أبي صالح٣ عن أبي سعيد٤ أو عن أبي هريرة - ﵄ - شك الأعمش. قال: "لما كان في غزوة تبوك٥، أصاب الناس مجاعة، فقالوا يا رسول الله لو أذنت فذبحنا نواضحنا٦ فأكلنا وادّهنّا، فقال لهم رسول الله: "افعلوا"، فجاء عمر فقال: "يا رسول الله إنهم إن فعلوا قل الظهر، ولكن ادعهم فيأتوا بفضل أوزادهم، ثم ادع لهم عليه بالبركة، فلعل الله عزوجل أن يجعل في ذلك"٧، فدعا رسول الله ﷺ بنطع٨ فبسطه ثم دعاهم بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف الذرة، والآخر بكف التمر، والآخر بالكسرة، حتى اجتمع من ذلك على النطع شيء يسير٩. ثم دعا النبي ﷺ بالبركة ثم قال: "خذوا
_________________
(١) ١ مسلم: الصّحيح، كتاب الإيمان ١/٥٩، رقم: ٣١. ٢ سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، الكوفي، ثقة حافظ عارف بالقراءات ورع لكنه يدلس، توفي سنة سبع وأربعين ومئة. (التقريب ص ٥٤) . ٣ ذكوان، أبو صالح السمان الزيات، المدني، ثقة ثبت، توفي سنة إحدى ومئة. (تهذيب التهذيب ٣/١٨٩-١٩٠، التقريب ص ٢٠٣) . ٤ سعد بن مالك الخدري. ٥ تبوك: موضع بين وادي القرى والشام، خرج إليها النبي ﷺ في سنة تسع للهجرة، وهي آخر غزواته، وتبوك الآن مدينة كبيرة وهي قاعدة شمال غرب المملكة العربيّة السّعوديّة، وتبعد عن المدينة حوالي سبع مئة كيل. (معجم البلدان ٢/١٤، شمال غرب المملكة ١/٣٤٩) . ٦ النواضح من الإبل التي يستقى عليها الماء، والأنثى بالهاء: ناضحة. (لسان العرب ٢/٦١٩) . ٧ في محذوف تقديره: "يجعل في ذلك بركة أو خيرًا"، فحذف المفعول به لأنه فضلة. (شرح النووي ١/٢٢٥) . ٨ النطع: بالكسر وبالفتح وبالتحريك، وكعِنَب: بساطٌ من الأديم. (القاموس ص٩٩١) . ٩ في الأصل: (شيئًا يسيرًا)، وهو سهو من المؤلف، لأنه فاعل والفاعل مرفوع، ويسير صفة لشيء.
[ ١ / ٢٥٩ ]
في أوعيتكم"، فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العكسر وعاء، إلا ملأوه، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت منه فضلة، فقال رسول الله: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أني رسول الله، لا يلقى الله بها عبد غير شاك، فيحجب عن الجنة" ١.
وعن ابن عباس - ﵄ - أن رجلًا أتى عمر بن الخطاب٢ ﵁ ف قال: "امرأة جاءت تبايعه٣ فأدخلها الدولج٤ فأصبت منها ما دون الجماع؟ "، فقال: "ويحك لعلها مُغيبة٥ في سبيل الله؟ "، ونزل القرآن: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، / [٢٤ / ب]، إلى آخر الآية، فقال: "يا رسول الله إليّ خاصة أم للناس عامة؟ "، فضرب صدره - يعني عمر - بيده، وقال: "لا، ولا نَعْمة عين، بل للناس عامة"، فقال رسول الله ﷺ: "صدق عُمر" ٦.
وعن عبيدة٧، قال: "جاء عيينة بن حصن٨ والأقرع
_________________
(١) ١ مسلم: الصّحيح، كتاب الإيمان ١/٥٦، رقم: ٢٧. ٢ هكذا ف في الأصل والمسند. ٣ تبتاع منه. ٤ الدولج: المخدع. وهو البيت الصغير داخل البيت الكبير. (لسان العرب ٢/٢٧٤) . ٥ المُغيبة: والمُغيب: التي غاب عنها زوجها. (النهاية ٣/٣٩٩) . ٦ أخرجه أحمد: المسند ٤/٤١، قم: ٢٢٠٦، قال أحمد شاكر: "إسناده صحيح". وأورده الهيثمي: مجمع الزوائد ٧/٣٨، بنحوه وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير - بزيادة - وفي الأوسط باختصار كثير، وفي إسناده أحمد والكبير عليّ بن زيد، وهو سيئ الحفظ ثقة، وبقية رجاله ثقات، وإسناد الأوسط ضعيف". ٧ عبيدة بن عمرو السلماني المرادي الكوفي، تابعي كبير مخضرم، فقيه ثقة، توفي سنة اثنتين وسبعين. (التقريب ص ٣٧٩) . ٨ الفزاري: أسلم قبل الفتح وشهدها، وشهد حنينًا والطائف، ثم ارتدّ بعد وفاة النبي ﷺ، ثم رجع إلى الإسلام، وتوفي في خلافة عثمان ﵁. (الإصابة ٥/٥٥) .
[ ١ / ٢٦٠ ]
ابن حابس١ إلى أبي بكر ﵁، فقالا: "يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضًا سبخة٢ ليس فيها كلًا ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطعنا لعلنا٣ نحرثها أو نزرعها، لعل الله أن ينفع بها بعد اليوم، فقال أبو بكر لمن حوله: "ما تقولون فيما قالا، إن كانت أرضًا سبخة لا ينتفع بها؟ "، قالوا: "نرى أن تقطعهما إياها، لعل الله ينفع بها بعد اليوم"، فأقطعهما إياه، وكتب لهما بذلك كتابًا، وأشهد عمر، وليس في القوم، فانطلقا إلى عمر يُشهدانه فوجداه قائمًا يهنأ٤ بعيرًا له، فقالا: "إن أبا بكر أشهدك على ما في هذا الكتاب فنقرأ عليك أو تقرأ؟ "، فقال: "أنا على الحال الذي٥ تريان، فإن شئتما فاقرءوا وإن شئتما فانظرا حتى أفرغ، فأقرأ عليكما"، قالا: "بل نقرأ فقرأ فلما سمع ما في الكتاب تناوله من أيديهما ثم تفل عليه فمحاه، فتذمرا، وقالا مقالة سيّئة، فقال: "إن رسول الله ﷺ كان يتألفكما، والإسلام يومئذ ذليل، وإن الله قد أعز الإسلام، فاذهبا فاجهدا جهدكما، لا رعى [الله] ٦ عليكما إن رعيتما"، قال: فأقبلا إلى أبي بكر وهما يتذمّران فقالا: "والله ما ندري أنت الخليفة أم عمر؟! "، فقال: "لا، بل هو لو كان شاء"، قال فجاء عمر - وهو مغضب - فوقف على أبي بكر فقال: "أخبرني عن هذه
_________________
(١) ١ ابن عقال التميمي المجاشعي الدارمي، شهد فتح مكة، وحنينًا، والطائف، واليمامة، ودومة الجندل. وشهد مع خالد حروب العراق. وتوفي في خلافة عثمان ﵁. (الإصابة ١/٥٩) . ٢ السّبخة: محركة ومسكنة: أرض ذات نزّ وملح. (القاموس ص ٣٢٣) . ٣ في الأصل: (لعل)، وهو تحريف. ٤ يهنأ: الإبل يهنؤها، مُثلثة النون، طلاها بالهِناء، أي: القطران. (لسان العرب١/١٨٧، القاموس ص ٧٢) . ٥ قوله: "الذي"، مطموس في الأصل، والتصويب من الهامش. ٦ سقط من الأصل.
[ ١ / ٢٦١ ]
الأرض التي أقطعتها هذين، أرضٌ هي لك خاصة، أم للمسلمين عامة؟ "، قال: "بل للمسلمين عامة"، قال: "فما حملك أن تخص بها هذين دون جماعة المسلمين؟ "، قال: "استشرت هؤلاء الذين حولي فأشاروا عليّ بذلك"، قال: "فإذا استشرت هؤلاء الذين حولك، فكل المسلمين أوسعتهم مشورة وَرَضىً)، فقال أبو بكر ﵁: "قد كنت قلت لك إنك على هذا أقوى مني، ولكن غلبتني"١.
وفي الصحيح عن عبد الله بن الزبير٢: أنه قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر: "أمِّر القعقاع بن معبد بن زرارة٣"، قال عمر: "بل أمّر الأقرع بن حابس"، قال أبو بكر: "ما أردت إلا خلافي"، قال عمر: "ما أردت خلافك" فتماريا٤ حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، حتى انقضت"٥. (٢٥/أ) .
_________________
(١) ١ البخاري: التاريخ الكبير ١/٨١، ابن الجوزي: مناقب ص ٤٧، ابن حجر: الإصابة ٥/٥٦، ونسبه للبخاري في التاريخ الصغير وأمالي المحاملي. والإصابة ١/٥٨، وقال: "وروى البخاري في تاريخه الصغير ويعقوب بن سفيان بإسناد صحيح". ثم قال: "قال عليّ بن المديني في العلل: "هذا منقطع؛ لأن عبيدة لم يدرك القصة، ولا روى عن عمر أنه سمعه منه، قال: ولا يروى عن عمر بأحسن من هذا الإسناد". وأشار إليه في فتح الباري ١٣/٢٥٨، ونسبه للبخاري في التاريخ الصغير، والهندي في الكنز ١٢/٥٨٣، ونسبه ليعقوب بن سفيان وابن عساكر لكن فيه بدل عيينة الزبرقان. ٢ ابن العوام الأسدي، كان أوّل مولود في الإسلام من المهاجرين وولي الخلافة تسع سنين إلى أن قتل في ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين. (التقريب ص ٣٠٣) . ٣ التميمي الدارمي، شهد حنينًا، وكان يقال له: تيار الفرات لسخائه. (الإصابة ٥/٢٤٥) . ٤ تماريا: تجادلا وتخاصما. (انظر: لسان العرب ١٥/٢٧٨) . ٥ البخاري: الصحيح، كتاب المغازي ٤/١٥٨٧، رقم: ٤١٠٩.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وقد راجع أبا بكر في قتال مانعي الزكاة ففي الصحيحين والمسند أن أبا هريرة قال: "لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر بعده، وكَفَر من كفر من العرب، قال عمر: "يا أبا بكر كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، عصم مني ماله ونفسه، إلا بحقه وحسابه على الله"، قال أبو بكر: "والله لأقاتلن - وقال أبو اليمان١: "لأقتلنّ٢ - من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا٣ كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلهم على منعها". قال عمر: "فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله عزوجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق"٤.
_________________
(١) ١ الحكم بن نافع البهراني، الحمصي، مشهور بكنيته ثقة، ثبت، توفي سنة اثنتين وعشرين ومئتين. (التقريب ص ١٧٦) . ٢ أحمد: المسند ١/٢٠٦) . ٣ العناق: هي الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة. (لسان العرب ١٠/٢٧٥) . ٤ أحمد: المسند ١/٢٠٦، واللفظ له، والبخاري: الصحيح، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين٦/٢٥٣٨، رقم: ٦٥٢٦، ومسلم: الصّحيح، كتاب الإيمان١/٥١، رقم: ٢٠.
[ ١ / ٢٦٣ ]