الباب الثامن والثلاثون: في ذكر فطنته وذكائه وفراسته
ذكر ابن الجوزي عن نافع عن ابن عمر قال: "بينا عمر جالس إذ رأى رجلًا فقال: "قد كنت مرة ذا فراسة وليس لي رأي إن لم يكن قد كان هذا الرجل ينظر ويقول في الكهانة ادعوه لي"، فدعوه فقال: "هل كنت تنظر وتقول في الكهانة شيئًا؟ "، قال: "نعم"١.
وعن يحيى بن سعيد٢: "أن عمر بن الخطاب قال لرجل: "ما اسمك؟ "، قال: "جَمْرَةُ"، قال: "أبو من؟ "، قال: "أبو شهاب"، قال: "ممن؟ "، قال: "من الحُرقة"٣. قال: "أين مَسْكنُك؟ "، قال: "بحرّة النار"٤، قال: "بأيها؟ "، قال: "بذات لظى"، فقال: "أدرك أهلك فقد احترقوا"، فكان كما قال عمر رضي الله عنه٥.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: مناقب ص ٦٥، ابن حجر: فتح الباري ٧/١٧٩، ونسبه للبيهقي. وقد مرّ نحوه ص ١٤٧. ٢ ابن قيس الأنصاري، المدني، ثقة ثبت، توفي سنة أربع وأربعين ومئة، أو بعدها. (التقريب ص ٥٩١) . ٣ بطن من جهينة وهم بنو حُميس بن عمرو بن ثعلب بن مودوعة بن جهين. (جمهرة أنساب العرب ص ٤٤٦) . ٤ تعرف هذه الحرة الآن بحرة هُتيم، ويمكن تحديدها بأنها من قرب الصلصلة غربًا إلى الشقرة في الجنوب الشرقي إلى وادي مخيط غربًا بشمال. (معجم معالم الحجاز ٢/٢٨٣) . ٥ مالك: الموطّأ ص ٥٣٤، وهو منقطع، يحيى بن سعيد لم يدرك عمر، ابن الجوزي: مناقب ص ٦٦، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ١٢٦، عن نافع عن ابن عمر، وقال: "وأخرج مالك في الموطّأ عن يحيى بن سعيد نحوه، وأخرجه ابن دريد في الأخبار المنثورة، وابن الكلبي في الجامع، والهندي: كنْز العمال ١٢/٦٥١، وقال: "رواه أبو القاسم ابن بشران في أماليه موصولًا من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر) .
[ ١ / ٣٥١ ]
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "بينا عمر بن الخطاب يعرض الناس إذ مرّ به رجل له ابن [على] ١ عاتقه، فقال عمر: "ما رأيت غرابًا بغرابٍ أشبه من هذا بهذا"، فقال: "أما والله يا أمير المؤمنين لقد ولدته أمه وهي ميتة"، قال: "ويحك فكيف ذلك؟ "، قال: "خرجت٢ في بعث كذا وكذا، فتركتها حاملًا فقلت: أستودع الله ما في بطنك، فلما قدمت من سفري أخبرت أنها ماتت، فبينا أنا ذات ليلةٍ قاعدًا في البقيع مع بني عم لي، إذ نظرت فإذا ضوء شبه السراج في المقابر، فقلت لبني عمي: "ما هذا؟ "، قالوا: "لا ندري، غير أنا نرى هذا الضوء كل ليلة عند قبر فلانة"، فأخذت معي فأسًا ثم انطلقت نحو القبر فإذا مفتوح وإذا هذا في حجر أمه، فدنوت، فناداني منادٍ: "أيها المستودع، خذ وديعتك أما لو استودعته أمه لوجدتها"، فأخذت الصبي وانضم القبر"٣.
وفي الصحيح عن ابن عباس قال: "قال عمر: "أقرَؤنا٤ أبي وأقضانا عليّ، وإنا لندع من قول أبي، وذاك أن أبيًّا يقول: "لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ وقد قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ٥، ٦.
_________________
(١) ١ سقط من الأصل. ٢ في الأصل: (فخرجت)، وهو تحريف. ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ٦٦. ٤ في الأصل: (أقرانا)، وهو تحريف. ٥ قوله تعالى: (أو ننسأها)، أي: نؤخرها، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقراءة ما سوى ابن كثير وأبي عمرو: ﴿نُنْسِهَا﴾، من النسيان. (إتحاف فضلاء البشر ١/٤١١، الوافي في شرح الشاطبية ص ٢٩٨) . ٦ البخاري: الصحيح، كتاب التفسير باب ٧، ٥/١٤٩، طبعة المكتبة الإسلامية استانبول تركيا.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وفي الصحيح عن ابن عباس وعبيد بن عمير قال: قال عمر يومًا لأصحاب النبي ﷺ: "فيما ترون هذه الآية نزلت: ﴿أَيَوَدُّ أَحْدُكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦]؟، قالوا: "الله أعلم"، فغضب عمر فقال: "قولوا: نعلم، أو لا نعلم"، فقال ابن عباس: "في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين"، قال عمر: "يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك"، قال ابن عباس: "ضربت مثلًا لعمل"، قال عمر "أيّ عمل؟ "، قال ابن عباس: (لعمل"، قال عمر: "لرجل غنيّ يعمل بطاعة الله عزوجل ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله"١.
وفي الصحيح عن ابن عمر قال: "سمعت عمر على منبر النبي ﷺ يقول: "أما بعد، أيها الناس، إنه قد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل"٢.
وفي الصحيح في باب قول الله عزوجل: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ البَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦]، قال عمر ﵁: "صيده: ما اصطيد، وطعامه: ما رمى به"٣. والله أعلم. / [٤١ / ب] .
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح، كتاب التفسير ٤/١٦٥٠، رقم: ٤٢٦٤. ٢ البخاري: الصحيح، كتاب التفسير ٤/٦٨٨، رقم: ٤٣٤٣. ٣ البخاري: الصحيح، كتاب الذبائح والصيد ٥/٢٠٩٢، قال الحافظ: "وصله المصنف في التاريخ، وعبد بن حميد من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة. (فتح الباري ٩/٦١٥، تعليق التعليق ٤/٥٠٦) .
[ ١ / ٣٥٣ ]