الباب الثامن والثمانون: في ذكر كلام عليّ فيه
في الصحيحين عن ابن عباس قال: "وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويصلون، قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يَرُعني إلا رجلٌ آخذٌ منكبي، فإذا عليّ بن أبي طالب، فترحم على عمر وقال: "ما خلفت أحدًا أحبّ إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنتُ لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أني كنت كثيرًا أسمع النبي ﷺ يقول: "ذهبت أنا وأبو بكر / [١٢٤ / أ] وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر، وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر". هذا لفظ البخاري١.
وفي رواية أخرى له قال: "إني لواقف في قوم فدعوا لعمر بن الخطاب، وقد وضع على سريره، إذا رجلٌ من خلفي قد وضع مَرفقه على منكبي يقول: "رحمك الله، إن كنتُ لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك، لأني كثيرًا مما كنتُ أسمع رسول الله ﷺ يقول: "كنت أنا وأبو بكر وعمر، وفعلتُ وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر" فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما". فالتفت فإذا هو عليّ بن أبي طالب"٢.
ولفظ مسلم كالأوّل إلا أن فيه: "إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذلك أني كنت كثيرًا أسمع رسول الله ﷺ يقول: "جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر" فإن
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة ٣/١٣٤٨، رقم: ٣٤٨٢. ٢ البخاري: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة ٣/١٣٤٥، رقم: ٣٤٧٤.
[ ٣ / ٨٥٤ ]
كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما"١.
وعن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: قال رجل من قريش لعلي بن أبي طالب ﵁: "يا أمير المؤمنين نسمعك تقول في الخطبة آنفًا: "اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين المهديين فمن هم؟ "، فاغرورقت عنياه ثم أهملهما، فقال: "هم حبيباي وعماك أبو بكر وعمر؛ إماما الهدى وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله ﷺ من اقتدى بهما عُصم، ومن اتبع آثارهما هدي الصراط المستقيم، ومن تمسك بهما هو من حزب الله، وحزب الله هم المفلحون"٢٣.
وعن عبد خير٤ قال: "سمعت عليًّا ﵁ يقول: "إن الله جعل أبا بكر وعمر - ﵄ - حجة على من بعدهما من الولاة إلى يوم القيامة، سبقًا والله سبقًا بعيدًا، وأتعبا بعدهما إتعابًا شديدًا"٥.
وعن زيد بن وهب أن سويد بن غَفَلة دخل على عليّ ﵁ في إمارته فقال: "يا أمير المؤمنين، إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر بغير الذي هما أهل له من الإسلام، فنهض إلى المنبر، وهو قابض على يدي،
_________________
(١) ١ مسلم: الصّحيح، كتاب فضائل الصحابة ٤/١٨٥٨، رقم: ٢٣٨٩. ٢ العشاري: فضائل أبي بكر ص ٤، وهو ضعيف لانقطاعه بين محمّد الباقري وعليّ. والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٣/١١، وعزاه للالكائي وأبي طالب العشاري ونصر في الحجة. ٣ منتصف ق ١٢٦ / ب، وردت في مكانها الصحيح، وقد أوردت الترتيب الصحيح كما بدا لي من سياق الكلام. ٤ في الأصل: (عبد الله بن خير)، وهو تحريف. ٥ ابن الأثير: أسد الغابة٣/٦٦٤، وفي إسنادهما إسماعيل بن عبد الرحمن الهاشمي لم أجد له ترجمة.
[ ٣ / ٨٥٥ ]
فقال: "والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن [تقي] ١ ولا يبغضهما ويخالفهما إلا شقي مارق، فحبهما قربة، وبغضهما مروق، ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله ﷺ ووزيريه وصاحبيه، وسيدي قريش وأبوي الإسلام٢، فإني بريءٌ ممن يذكرهما، وعليه٣ معاقب"٤، ٥.
وعن [أبي] ٦ جعفر قال: قال عليّ ﵁ وهو عند رأس عمر ﵁ وهو طعين: "هذا أحبّ الأمة إليّ أن ألقى الله بمثل صحيفته"٧.
وعن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: "لما غُسل عمر وكفن وحمل على سريره، وقف عليه عليّ فقال: "والله ما على وجه الأرض رجل أحبّ إليّ أن ألقى الله بصحيفته مثل هذا المسجى بالثوب"٨.
وعن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: "كنت عند عمر وهو مسجى بثوبه، قد قضى نحبه، فجاء عليّ فكشف الثوب عن وجهه، ثم قال: "رحمة الله عليك
_________________
(١) ١ غير واضح في الأصل. ٢ مطموس في الأصل، سوى (الإسلا) . ٣ مطموس في الأصل، سوى (وعلـ) . ٤ ما بين النجمتين في هامش ق ١٢٤ / أ. ٥ ابن الأثير: أسد الغابة ٣/٦٦٣، ٦٦٤، وفي إسناده هاشم بن مرثد، قال فيه ابن حبان: "ليس بشيء". (ميزان الاعتدال ٤/٢٩٠) . ٦ سقط من الأصل. ٧ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٧٠، وعبد الله بن أحمد في زوائده على فضائل الصحابة ١/٢٦٤، ٢٦٥، وهو ضعيف لانقطاعه، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ ١٣/ ق ١٨٧، والمتن صحيح فقد ورد موصولًا من رواية ابن سعد: الطبقات ٣/٣٧٠، والحاكم: المستدرك ٣/٩٤، وإسنادهما صحيح، وابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٩٣٧، والفسوي: المعرفة والتاريخ ٢/٩٤٥. ٨ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٧٠، وهو ضعيف لانقطاعه.
[ ٣ / ٨٥٦ ]
أبا حفص، فوالله ما بقي بعد رسول الله ﷺ أحد أحبّ إليّ أن ألقى الله عزوجل بصحيفته مثلك"١.
وعن نافع عن ابن عمر قال: "وضع عمر بين المنبر والقبر فجاء عليّ بن أبي طالب ﵁ حتى وقف بين الصّفوف، فقال: "هو هذا ثلاثًا، ثم قال: "رحمة الله عليك، ما من خلق الله أحدٌ أحبّ إليّ من أن ألقاه بصحيفته، بعد صحيفة النبي ﷺ من هذا المسجى عليه ثوبه"٢.
وعن أبي مجلز، قال: قال عليّ بن أبي طالب ﵁: "ما مات النبيّ ﷺ حتى عرفنا أن أفضلنا بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، وما مات أبو بكر حتى عرفنا أن أفضلنا بعد أبي بكر عمر - رضي الله تعالى عنهما -"٣.
وعن الشعبي قال: قال عليّ بن أبي طالب ﵁: "كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر وقلبه"٤
وعن زر بن حبيش عن عليّ قال: "ما كنا نُبعد أن السكينة تنطق على
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٧٠، وابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٩٣٧، وإسنادهما حسن، لغيره فيه يونس بن أبي يعفور، وهو صدوق، يخطئ كثيرًا. (التقريب رقم: ٩٧٢٠)، وعبد الله بن أحمد زوائد على المسند ١/١٠٩، وإسناده ضعيف فيه سويد بن سعيد الهروي. ٢ ابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٩٣٨، عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند ٢/٦٠، وإسنادهما ضعيف لأجل أبي معشر نجيح المدني، وضعّفه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: ٨٦٦. ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ٢٤٥، بدون إسناد. ٤ عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند ١/١٤٧، وفضائل الصحابة ١/٣٣٠، وإسناده صحيح. والفسوي: المعرفة والتاريخ ١/٤٦١، ٤٦٢، وأبو نعيم: الحلية ١/٤٢، ومسدد وأحمد بن منيع من طريق مجالد بن سعيد، وهو ضعيف عن الشعبي كما في المطالب العالية ٣/٤٠، وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: ٨٣٤.
[ ٣ / ٨٥٧ ]
لسان عمر"١.
وعن عمرو بن ميمون عن عليّ - ﵁ قال: "ما كنا ننكر ونحن أصحاب رسول الله ﷺ متوافرون أن السكينة تنطق على لسان عمر ﵁"٢.
وعن طارق بن شهاب قال: قال عليّ ﵁: "كنا نتحدث أن ملكًا ينطق على لسان عمر"٣.
وعن الشعبي عن عليّ قال: "كان أبو بكر أوَّاها٤ حليمًا، وكان عمر مخلصًا ناصحًا لله فنصحه، وكنا٥ أصحاب محمّد ﷺ ونحن متوافرون، والله إن كنا لنرى السكينة تنطق على لسان عمر، وإن كنا لنرى أن شيطان عمر يهابه، أن يأمره بالخطيئة"٦.
_________________
(١) ١ عبد الرزاق: المصنف ١١/٢٢٢، ومن طريقه القطيعي في زوائده على فضائل الصحابة ١/٣٥٨، وإسنادهم حسن فيه عاصم بن أبي النجود. ٢ ابن الجوزي: مناقب ص ٢٤٥. ٣ أحمد: فضائل الصحابة ١/٢٦٣، ٢٦٤، وإسناده صحيح. والفسوي: المعرفة والتاريخ ١/٤٥٦، والطبراني: المعجم الكبير ٨/٣٨٤، وابن الجوزي: مناقب ص ٢٤٥، وابن كثير: البداية والنهاية ٦/٢٠١، والهيثمي: مجمع الزوائد ٩/٦٧، وقال: "رواه الطبراني ورجاله ثقات". ٤ الأوّاه: الموقن أو الدّعاء أو الرحيم الرقيق. (القاموس ص ١٦٠٤) . ٥ في الأصل: (وكان)، وهو تحريف. ٦ القطيعي في زيادته على فضائل الصحابة ١/٤٤٤، وفي إسناده أبو عقيل المدني وكثير النواء، وهما ضعيفان. (التقريب رقم: ٧٦٣٣، ٥٦٠٥)، والعشاري: فضائل أبي بكر ص ٦، مختصرًا، وإسناده ضعيف لضعف أسيد بن زيد الهاشمي مولاهم، أفرط ابن معين في تكذيبه. (التقريب رقم٥١٢) . وأبو البختري: الأمالي ق٢٣١/ ب، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٣/٢٤، وعزاه لأبي القاسم بن بشران في أماليه.
[ ٣ / ٨٥٨ ]
وعن الأسود بن قيس١، عن رجل عن عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: "استخلف عمر عليًّا فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه"٢.
وعن عبد خير قال: قام عليّ ﵁ على المنبر فذكر رسول الله ﷺ فقال: "قُبِضَ رسول الله ﷺ واستُخْلِفَ أبو بكر، فعمل بعمله، وسار بسيرته، حتى قبضه الله عزوجل على ذلك، ثم استخلف عمر، فعمل بعملهما وسار بسيرتهما حتى قبضه الله عزوجل على ذلك"٣.
وعن أبي سَرِيحة٤ قال: سمعت عليًّا يقول على المنبر: "ألا إن عمر ناصح الله فنصحه"٥.
وعن أبي إسحاق٦ قال: جاء أهل نجران إلى عليّ فقالوا: "يا أمير المؤمنين / [١٢٤ / ب] ٧ شفاعتك بلسانك وكتابك بيدك، أخرجنا عمر من أرضنا فردنا إليها قال: "ويلكم٨ إن كان عمر رشيد الأمر، فلا أغير شيئًا صنعه"٩.
_________________
(١) ١ الأسود بن قيس العبدي، الكوفين ثقة من الرابعة. (التقريب ص ١١١) . ٢ أحمد: المسند ٢/١٨١، وفضائل الصحابة ١/٣٣١، ٣٣٢، وإسناده ضعيف لإبهام الرجل الراوية عن عليّ، وعبد الله بن أحمد: السنة ٢/٥٦٩، وابن أبي عاصم: السنة ٢/٥٧٥، عن الأسود بن قيس عن سعيد بن عمرو عن أبيه قال: قال عليّ. . . . وإسناده صحيح. ٣ عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند٢/٢٣٣، ٢٣٤، وإسناده صحيح. وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: ١٠٥٥، وابن الجوزي: مناقب ص٢٤٦. ٤ أبو سريحة - بفتح السين المهملة، وكسر الراء ثم حاء مهملة - حذيفة بن أسيد ويقال ابن أمية بن أسيد الغفاري صحابي، شهد الحديبية، توفي سنة ثنتين وأربعين. (الإصابة ١/٣٣٢، التقريب ص ١٥٤) . ٥ ابن سعد: الطبقات ٣/١٧١، عبد الله بن أحمد في زوائده على فضائل الصحابة ١/١٣٨، وإسنادهما ضعيف في كثير النواء، ضعيف. (التقريب رقم: ٥٦٠٥) . ٦ الهمداني. ٧ ق ١٢٤/ب وردت في مكانها الصحيح، وقد أوردت الترتيب الصحيح كما بدا لي. ٨ في الأصل: (ويكم)، وهو تحريف. ٩ الدارقطني: فضائل الصحابة ق ٣٥ / أ – ب، وإسناده ضعيف لانقطاعه. والقطيعي: زوائده على فضائل الصحابة ١/٥٣٧، عن أبي إسحاق عن الشعبي عن رجل عن عليّ. وإسناده ضعيف لإبهام شيخ الشعبي. وأبو يوسف: الخراج ص ٨٠، بنحوه قال: حدّثني الأعمش عن سالم بن أبي الجعد الأثر، وإسناده صحيح. وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ ١٣/ ق ١٣٩، عن الأعمش، وابن الجوزي: مناقب ص ٢٤٦.
[ ٣ / ٨٥٩ ]
وروى أبو القاسم الأصفهاني عن أوفى بن حكيم١ قال: "لما كان اليوم٢ الذي توفي فيه عمر خرج علينا عليّ ﵁ قال: "لله درّ باكيةِ عمرَ واعمراهُ قوَّم الأود٣، وأبرأ العمدَ٤، واعمراه مات نقي الجيب، قليل العيب، واعمراه ذهبَ بالسنة وأبقى الفتنة"٥.
وعن سويد بن غفلة قال: "مررت بنفر من الشيعة، وهم يتناولون أبا بكر وعمر - ﵄ - وينتقصونهما، فدخلت على عليّ بن أبي طالب ﵁ فقلت له: يا أمير المؤمنين، إني مررت آنفًا بنفر من أصحابك وهم يذكرون أبا بكر وعمر بغير الذي هما له من الأمر أهل، ولولا أنهم يرون أنك تضمر لهما بمثل ما أعلنوا، ما اجترأوا على ذلك، فقال: عليّ: "أعوذ بالله أن أضمر لهما، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، أخَوا رسول الله ﷺ وصاحباه،
_________________
(١) ١ لعله ابن أمية السلمي، زوج عزة بنت أبي لهب. (الإصابة ٨/١٤٣) . ٢ في الأصل: (للذي)، وهو تحريف. ٣ في: قوم الاعوجاج. (لسان العرب ٣/٧٥) . ٤ العمد - بالتحريك - ورَمٌ دبرٌ يكون في الظهر، أرادت أنه حسن السياسة. (النهاية ٣/٢٩٧، لسان العرب ٣/٣٠٥) . ٥ أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٥٩، وأبو نعيم: الحلية ١/٢٢٢، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ ١٣/ ق ١٨٩، وفي إسناده أوفى بن حكيم لم أجد له ترجمة. وابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٩٤١، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ ١٣/ ق ١٨٩، عن عبد الله بن مالك الأزدي. وإسناده ضعيف لانقطاعه بين غسان بن عبد الحميد وعبد الله بن مالك.
[ ٣ / ٨٦٠ ]
ووزيراه رحمة الله عليهما".
ثم نهض دامعًا عيناه يبكي قابضًا على يدي حتى دخل المسجد، وصعد المنبر وجلس عليه متمكنًا، قابضًا على لحيته، ينظر فيها، وهي بيضاء، حتى اجتمع له الناس، ثم قام فتشهد بخطبة بليغة موجزة، ثم قال: "ما بال أقوام يذكرون سيدي قريش، وأبوي المسلمين، بما أنا عنه متنَزّه، وعما يقولون بريءٌ، وعلى ما يقولون معاقبٌ، أما والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إنه لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا فاجرٌ رديءٌ، صحبا رسول الله على الوفاء والصدق، يأمران، وينهيان، ويقضيان، ويعاقبان، ولا يجاوزان أمر رسول الله ﷺ [ولا كان رسول الله ﷺ] ١ يرى مثل رأيهما [رأيًا] ٢ ولا يحبّ كحبهما أحدًا، ومضى رسول الله ﷺ وهو عنهما راضٍ، ومضيا والمؤمنون عنهما راضون، أمر رسول الله ﷺ أبا بكر على صلاة المؤمنين، فصلى بهم تسعة أيام، في حياة رسول الله ﷺ فلما قبض الله نبيّه ﷺ واختار له عنده، ولاه المؤمنون ذلك، وأعطوه البيعة طائعين غير كارهين، أنا أوّل من سنَّ ذلك من بني عبد المطلب، وهو لذلك كاره، يودّ لو أن أحدنا كفاه ذلك، وكان والله خير من بقي، أرحمه رحمةً وأرأفه رافة، وأكيسه٣ ورعًا، وأقدمه سنًا وإسلامًا، شبهه رسول الله ﷺ بمكيائيل رحمةً، وبإبراهيم عفوًا ووقارًا، فسارَ بنا سيرة رسول الله ﷺ حتى مضى [على] ٤ ذلك رحمة الله عليه.
ثم ولي الأمر بعد عمرُ بن الخطاب،
_________________
(١) ١ سقط من الأصل. ٢ سقط من الأصل. ٣ في الأصل، ومنهاج القاصدين: (أبيسه) . والتصويب من كنز العمال. ٤ سقط من الأصل.
[ ٣ / ٨٦١ ]
واستأمر المسلمين في ذلك فمنهم من رضي ومنهم من كره، فكنت فيمن رضي، فلم يفارق الدنيا حتى رضي عنه من كان كره، وأقام الأمر على منهاج النبي ﷺ وصاحبه يتبع آثارهما كاتباع الفصيل١ أثر أمه، وكان والله رقيقًا رحيمًا بالضعفاء والمؤمنين، عونًا وناصرًا للمظلومين على الظالمين، لا تأخذه في الله لومة لائم، ضرب الله بالحقّ على لسانه، وجعل الصدق من شأنه، حتى إن كنا لنظن ملكًا ينطق على لسانه، أعزّ الله بإسلامه٢ الإسلام، وجعل هجرته للدين قِوامًا٣، ألقى الله له في قلوب المنافقين الرهبة، وفي قلوب المؤمنين المحبة، شبهه رسول الله ﷺ بجبريل، فظًا غليظًا على الأعداء، وبنوح حنقًا مغتاظًا على الكفار، الضراء في طاعة الله آثر عنده من السراء في معصية الله / [١٢٥ / أ]، من لكم بمثلهما؟ رحمة الله عليهما. ورزقنا المضي على سبيلهما، فإنه لا يبلغ مبلغهما إلا اتّباع آثارهما، والحبّ لهما، فيمن أحبني فليحبهما ومن لم يحبهما فقد أبغضني وأنا منه برئ، ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت على هذا أشدّ العقوبة، إنه لا ينبغي أن أعاقب قبل التقدم، ألا فمن أوتيت به يقول هذا بعد اليوم فإن عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيّها أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، ثم الله أعلم بالخير أين هو، أقول هذا ويغفر الله لي ولكم"٤.
_________________
(١) ١ الفصيل: ولد الناقة إذ فصل عن أمه. (القاموس ص ١٣٤٧) . ٢ في الأصل: (بإسلامه في الإسلام) . ٣ قوامًا: قوام الشيء: عماده الذي يقوم به. يقال: فلان قوام أهل بيته. (النهاية٤/١٢٤) . ٤ العشاري: فضائل أبي بكر ص ٧، موفق الدين ابن قدامة: منهاج القاصدين ق ٢٤ / ب، عن أحمد بن بديل نا محمّد البكري كن المنهال بن عمر، وأحمد بن بديل، صدوق له أوهام. (التقريب رقم: ١٢) . والبكري لم أجد له ترجمة. وخيثمة بن سليمان: من حديث خيثمة ص ١٢٢-١٢٤، وابن عدي: الكامل ٢/٧٠٩، واللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٧/١٢٩٥-١٢٩٦، وابن الأثير: أسد الغابة ٣/٦٦١، والضياء المقدسي: النهي عن سبّ الأصحاب ص ٧١-٧٣، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ ١٣/ ق ١٤٢، ١٤٣، ومداره على عليّ بن الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو. والحسن بن عمارة متروك. (التقريب رقم: ١٢٦٤)، وأبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٦٤، ١٦٥، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٣/٢٢، ٢٣، بدون إسناد.
[ ٣ / ٨٦٢ ]
وفي مسند الإمام أحمد عن عليّ قال: "أعطي كل نبيّ سبعة نجباء، وأعطي نبيكم أربعة عشر نجيبًا منهم: أبو بكر، وعمر، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر"١.
وفيه عن عبد خير قال: "قام عليّ بن أبي طالب على المنبر وذكر رسول الله ﷺ فقال: "قُبض رسول الله واستخلف أبو بكر فعمل بعمله وسار بسيرته حتى قبضه الله على ذلك، ثم استخلف عمر، فعمل بعملهما، وسار بسيرتهما حتى قبضه الله على ذلك"٢.
وفي مجلس ابن بشران٣ عن الحسن قال: "لما قدم عليّ ﵁
_________________
(١) ١ أحمد: المسند٢/٣١٥، وإسناده ضعيف لانقطاعه بين سالم بن أبي حفصة وبين عبد الله ابن مليل. وعبد الله بن مليل لم يوثّقه غير ابن حبان. وضعّفه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند، رقم: ١٢٧٣، وأحمد: المسند٢/٧٣، والترمذي: السنن٥/٦٦٢، عن عليّ مرفوعًا. قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي هذا الحديث عن عليّ موقوفًا". قلت: الحديث مداره على كثير النواء، وهو ضعيف. (التقريب رقم: ٥٦٠٥)، وضعّفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي ص٥٠٩، وضعيف الجامع الصغير٢/١٦٩. ٢ سبق تخريجه ص ١٠١٧. ٣ عليّ بن محمّد بن عبد الله بن بشران الأموي البغدادي قال الخطيب: "وكان صدوقًا ثبتًا، حسن الأخلاق ظاهر الديانة". توفي سنة خمس عشرة وأربع مئة. (تاريخ بغداد ١٢/٩٨، سير أعلام النبلاء ١٧/٣١١) .
[ ٣ / ٨٦٣ ]
البصرة قام إليه ابن الكواء١، وقيس بن عُباد٢، فقالا له: "ألا تخبرنا عن مسير كهذا الذي سرت فيه تتولى على الأمة؟ تضرب بعضهم ببعض، أعهدٌ من رسول الله ﷺ فحدّثنا فأنت الموثوق والمأمون على ما سقت". فقال: "أما أن٣ يكون عندي من النبي ﷺ عهدٌ في ذلك فلا والله، إن كنت أوّل من صدق به، فلا أكون أوّل من كذب عليه، ولو كان عندي من النبي ﷺ في ذلك عهد ما تركت أخا بني تيم بن مرة٤، وعمر بن الخطاب يقومان على منبره، ولقاتلتهما بيدي، ولو لم أجد إلا بردي هذا، ولكن رسول الله ﷺ لم يُقتل قتلًا، ولم يمت فجاءة، مكث في مرضه أيامًا وليالي، وهو يرى المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر فيصلّي بالناس، وهو يرى مكاني، ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن أبي بكر فأبى٥ وغضب، وقال: "أنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر يصلي بالناس".
فلما قبض الله نبيّه نظرنا في أمورنا، فاخترنا لدنيانا من رضيه النبي ﷺ لديننا، وكانت الصلاة أصل الإسلام وقوام / [١٢٥ / ب] الدين، فبايعنا أبا بكر فكان لذلك أهلًا، لم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم نقطع منه البراءة، فأديت إلى أبي بكر حقّه وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جنوده، وكنت آخُذُ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني،
_________________
(١) ١ عبد الله بن الكواء، من رؤوس الخوارج، وقال الحافظ ابن حجر: "إنه قد رجع عن مذهب الخوارج وعاودصحبة عليّ. (ميزان الاعتدال٢/٤٧٤، لسان الميزان٣/٣٢٩) . ٢ قيس بن عباد الضّبَعِي البصري، ثقة من الثانية مخضرم، توفي بعد الثمانين، ووهم من عدّه في الصحابة. (التقريب ص ٤٥٧) . ٣ في الأصل: (ما أن) . ٤ يعني: أبا بكر الصديق ﵁. ٥ مطموس في الأصل، سوى (بى) .
[ ٣ / ٨٦٤ ]
وأضرب بين يديه الحدود بسوطي، فلما قُبض ﵁ ولاّها عمر فأخذها بسنة صاحبه وما يعرف من أمره، فبايعنا عمر لم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم نقطع منه البراءة، فأدّيت إلى عمر حقّه، وعرفت طاعته، وغزوت معه في جيوشه، فكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطي، فلما قبض تذكرت في نفسي قرابتي، وسابقتي وفضلي، وأنا أظن أن لا يعدل بيَ، ولكن خشي١ أن لا يعمل الخليفة بعده ذنبًا إلاّ لحقه في قبره". ثم ذكر خلافة عثمان٢.
_________________
(١) ١ في الأصل: (أخشى)، وهو تحريف. ٢ موفق الدين ابن قدامة: منهاج القاصدين ق ٧١ / ٧٢ / أ، من طريق ابن بشران ومن طريقه الذهبي: تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) ص: ٦٣٩، ٦٤٠، وهو ضعيف جدًا. فيه أبو بكر الهذلي، قال فيه الذهبي: "واه". وقال الحافظ ابن حجر: "إخباري متروك". (ميزان الاعتدال ٢/١٩٤) . التقريب رقم: ٨٠٠٢، ثم إن الحسن مدلس، ولم يصرح بالسماع، ومما يدل على عدم صحة هذا الخبر، بهذا السياق، أن عليًّا دخل البصرة سنة ٣٦هـ بعد وقعة الجمل، وكيف يقول هذا الكلام ولم ينازعه أحد في الخلافة إلى هذا الوقت. نعم. نازعه معاوية، ولكن بعد ذلك. حين بايعه أهل الشام في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين، وقيل: سنة ثمان وثلاثين، بعد تحكيم الحكمين بينه وبين وعليّ - ﵄ -. أما قبلها فلم يطلب الخلافة. وإنما كان امتنع من البيعة لعليّ حتى يمكنه من القصاص من قتلة عثمان ﵁. ولم تتم لمعاوية البيعة إلا بعد تنازل الحسن بن عليّ سنة أربعين للهجرة. (انظر: تاريخ: خليفة ص ١٩٢، تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين ص ٥٥٢) .
[ ٣ / ٨٦٥ ]