الباب الثاني والأربعون: في غزواته بعد الرسول وفتوحه
في الصحيحين عن جُبير بن حية١، قال: "بعث عمر [الناس] ٢ في أفناء٣ الأمصار يقاتلون المشركين، فأسلم الهرمزان٤، فقال: "إنّي مستشيرك في مغازيّ هذه "قال: "نعم، مثلها ومثل من فيها من الناس من عدوّ المسلمين مثل طائر له رأس، وله جناحان، وله رجلان، فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرّجلان بجناحٍ والرّأس، فإن كسر جناح الآخر نهضت الرّجلان والرّأس، فإن شُدخَ٥ الرّأس، ذهبت الرّجلان، والجناحان والرأس، فالرأس كسرى، والجناح قيصر، والجناح الآخر فارس، فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى "قال: "فندبنا عمر، واستعمل علينا النعمان ابن مقرن٦، حتى إذا كنا بأرض العدوّ خرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفًا، فقام الترجمان فقال: "ليكلمني رجل منكم" فقال المغيرة٧: "سل عما شئت" فقال: "ما أنتم"؟
_________________
(١) ١ ابن مسعود الثقفي، ثقة جليل، توفي في خلافة عبد الملك. (التقريب ص ١٣٨) . ٢ سقط من الأصل. ٣ أفناء: أي: أخلاط، والأمصار: جمع مصر، وهي: البلد. (لسان العرب ٥/١٧٦، ١٥/١٦٥) . ٤ أسلم الهرمزان بعد قتال كثير بينه وبين المسلمين بمدينة تستر، ثم نزل على حكم عمر فأسره أبو موسى وأرسل به إلى عمر فأسلم، فصار يقربه ويستشيره، ثم اتهمه عبيد الله بن عمر بأنه واطأ أبا لؤلؤة على قتل عمر، فقتله بعد قتل عمر. (فتح الباري ٦/٢٦٤) . ٥ كسر. (لسان العرب ٣/٢٨) . ٦ النعمان بن مقرن المزني، صحابي، مشهور، كان معه لواء مزينة يوم الفتح وفتح أصبهان، واستشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين. (الإصابة ٦/٢٤٦) . ٧ ابن شعبة الثقفي.
[ ٢ / ٤١٢ ]
قال: "نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد [وبلاءٍ شديدٍ] ١ نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر، والحجر، فبينما نحن كذلك إذ بعث رب السموات ورب الأرضين إلينا نبيًا من أنفسنا نعرف أباه وأمّه، فأمرنا رسول ربّنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية وأخبرنا نبيّنا ﷺ عن رسالة ربّنا: أنّه من قتل منا صار إلى الجنّة في نعيم ولم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم".
فقال النعمان: "ربما أشهدك الله مثلها مع النبي ﷺ فلم يندمك ولم يخزك، ولكني شهدت القتال مع رسول الله ﷺ كان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح، وتحضر الصلوات"٢.
وعن محمد بن عبد الله بن سواد٣، وطلحة بن الأعلم٤، وزياد بن سرجس الأحمري٥، بإسنادهم قالوا: "أول ما عمل به عمر ﵁ أن ندب الناس مع المثنى بن حارثة الشيباني٦ إلى فارس قبل صلاة الفجر، من الليلة التي مات فيها أبو بكر الصديق ﵁ ثم أصبح فبايع الناس، وعاد فندب الناس إلى فارس فندبهم ثلاثًا كلّ يوم، فلا ينتدب أحد، وكان وجه فارس من أكره الوجوه وأثقلها عليهم، لشدة سلطانهم
_________________
(١) ١ سقط من الأصل. ٢ البخاري: الصحيح، كتاب الجزية ٢/١١٥٢، رقم: ٢٩٥٩. ٣ لم أجد له ترجمة. ٤ الحنفي، يروي عن الشعبي، روى عنه الثوري ومروان بن معاوية. (الثقات ٦/٤٨٨) . ٥ لم أجد له ترجمة. ٦ صحابي مشهور، أسلم سنة تسع، وكان شهمًا شجاعًا، ميمون النقيبة حسن الرأي أبلى في حروب العراق بلاء شديدًا، توفي سنة أربع عشرة. (الإصابة ٦/٤١) .
[ ٢ / ٤١٣ ]
وشوكتهم، / [٥٢ / ب] فلما كان اليوم١ الرابع، عاد فندب الناس، فكان أوّل من انتدب أبو عُبيد بن مسعود٢٣، أجابه في اليوم الرابع أوّل الناس فانتخب عمر من أهل المدينة ومن حولها ألف رجل، وأمّر عليهم أبا عبيد، فقيل له: "استعمل عليهم رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ"، فقال: "لاها الله٤، آذن لكم يا أصحاب النبي أندبكم فتنكلون، وينتدب غيركم بل أؤمر عليكم أولكم، إنما فضلتموهم بتسرعكم إلى أمثال".
ثم بعث إلى أهل نجران، ثم ندب٥ أهل الرّدّة، فأقبلوا سراعًا، فر [مى] ٦ بهم العراق، والشام، وكتب إلى أهل اليرموك٧: بأن عليكم أبا عبيدة بن الجراح، وكتب إليه ﵁ إنك على الناس، فإن أظفركم الله بهم فاصرف أهل العراق إلى العراق، فكان أوّل فتح أتاه اليرموك على عشرين ليلة من متوفى أبي بكر ﵁"٨.
وعن عمر بن عبد العزيز٩ ﵁: قال: "لما انتهى قتل
_________________
(١) ١ في الأصل: (يوم) والتصويب من تاريخ الطبري. ٢ في الأصل: (أبو عبد الله) وهو تحريف. ٣ الثقفي، استشهد في جماعة من المسلمين يوم جسر أبي عبيد سنة ثلاث عشرة. (الإصابة ٧/١٢٧) . ٤ هكذا في الأصل، وفي الصحاح ٦/٢٥٥٧: "لاها اللهِ ذا: أصل لا والله هذا، ففرّقت بين ها وذا، وجعلت الاسم بينهما وجررته بحرف التنبيه، والتقدير: لا والله ما فعلت هذا، فحذف واختصر لكثرة استعمالهم هذا في كلامهم) . ٥ في الأصل: (اندب" وهو تحريف. ٦ سقط من الأصل. ٧ اليرموك: واد بناحية الشام في الغور يصب في نهر الأردن ثم يمضي إلى البحيرة المنتنة، كانت به حرب بين المسلمين والروم في أيام أبي بكر الصديق. (معجم البلدان ٥/٤٣٤) . ٨ الطبري: التاريخ ٣/٤٤٤، بأخصر من طريق سيف ابن عمر وهو معضل. ابن الجوزي: مناقب ص ٨٩، ٩٠. ٩ ابن مروان الأموي.
[ ٢ / ٤١٤ ]
أبي عبيد - ﵀ - إلى عمر، واجتماع١ أهل فارس على رجل من آل كسرى، نادى في المهاجرين والأنصار، وخرج حتى أتي٢ صِرار، وقدّم طلحة بن عبيد الله، وسمى لميمنته عبد الرحمن بن عوف، ولميسرته الزبير بن العوام، واستخلف عليًّا ﵁ على المدينة، واستشار الناس فكلهم أشاروا عليه بالمسير إلى فارس، فنهاه عبد الرحمن وقال: "إن يُهزم جيشك فليس كهزيمتك"، وأشار عليه بسعد٣ فذهب إلى القادسية٤، وعاد إلى المدائن ففتحها"٥.
وعن قيس العجلي٦، قال: "لما قُدم بسيف كسرى ومنطقته٧ إلى عمر ﵁ قال: "إن قومًا أدوا هذا لذوو٨ أمانة"، قال عليّ ﵁: "إنك عتفت فعفت الرعية"٩.
_________________
(١) ١ في الأصل: (واجتمع) وهو تحريف. ٢ كذا في تاريخ الطبري. وفي الأصل: (حتى يأتي) . ٣ سعد بن أبي وقاص. ٤ القادسية: موضع في العراق غربي النجف، بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخًا، وفيها حدثت المعركة الفاصلة التي قصمت ظهر فارس، وجعلتها أثرًا بعد عين، فلم تقم لها بعد هذه الوقعة المظفرة، وكانت سنة أربع عشرة. (انظر: معجم البلدان ٤/٢٩١، تاريخ الطبري ٣/٤٨٠) . ٥ الطبري: التاريخ ٣/٤٨١، وإسناده ضعيف لإعضاله، وفيه أيضًا سيف بن عمر، وابن إسحاق وقد عنعن. ابن الجوزي: مناقب ص ٩٠. ٦ لم أجد له ترجمة. ٧ انتطق الرجل: أي: لبس المِنْطق، وهو كل ماشددت به وسطك. (لسان العرب ١٠/٣٥٥) . ٨ في الأصل: (لذوا) وهو تحريف. ٩ الطبري: التاريخ ٤/٢٠، وفيه قيس العجلي، لم أعثر له على ترجمة، وسيف بن عمر. ابن الجوزي: مناقب ص٩٠، المتقي الهندي: كنْز العمال٢/٥٨٦، ونسبه لابن عساكر.
[ ٢ / ٤١٥ ]
قال ابن الجوزي: "وفي أيام عمر ﵁ مصرت الأمصار: البصرة، وفتحت الأهواز، ورامَهُرْمُزَ١، وتستر، والسوس٢، وجُنْديْسابُور٣، وخراسان، وخُوْز٤، واصطخر، وفَسَا٥، ودار ابْجرد٦، وهي التي تولاها سارية بن زنيم٧، وقال على المنبر: "يا سارية الجبل"، وكرِمَان وسجستان، ومُكرَان، وحمص، وقِنَّسرين"٨.
وعن محمّد بن بكار٩ قال: "قرئ على أبي معشر١٠ قال: "بويع لعمر ﵁ وكانت وقعة فحل١١١٢، ويقال بكسر الحاء، في ذي القعدة على رأس خمسة أشهر من خلافته، وحج بالناس عبد الرحمن
_________________
(١) ١ مدنية مشهورة بنواحي خوزستان. (معجم البلدان ٣/١٧) . ٢ السوس: بلدة بخوزستان، فيها قبر دانيال النبي ﵇. (معجم البلدان ٣/٢٨٠) . ٣ مدينة بخوزستان، بناها سابور فُنسبت إليه، وأسكنها طائفة من جنده. معجم البلدان ٢/١٧١) . ٤ خُوْز: بلاد خوزستان، يقال لها: الخوز. (معجم البلدان ٢/٤٠٤) . ٥ فَسَا: - بالفتح، والقصر - كلمة عجمية، مدينة بفارس بينها وبين شيراز أربع مراحل، هي أكبر مدن كورة دار أبجرد. (معجم البلدان ٤/٢١٦) . ٦ دار ابجرد: ولاية بفارس. (معجم البلدان ٤/٤١٩) . ٧ الدئلي، له صحبة، ولاه عمر ناحية فارس، وافتتح أصبهان صلحًا وعنوة. (الإصابة ٣/٥٢، ٥٣) . ٨ ابن الجوزي: مناقب ص ٩١) . ٩ ابن الرّيّان الهاشمي مولاهم، ثقة، توفي سنة ثمان وثلاثين ومئتين. (التقريب ص: ٤٧٠) . ١٠ نجيح بن عبد الرحمن السِّندي، مولى هاشم، ضعيف، توفي سنة سبعين ومئة. (التقريب ص ٥٥٩) . ١١ فِحْل، - بكسر أوّله، وسكون ثانيه وآخره لام -: اسم موضع بالشام كانت فيه وقعة للمسلمين مع الروم. (معجم البلدان ٤/٢٣٧) . ١٢ وبه قال ابن إسحاق، وقال ابن الكلبي: "كانت سنة أربع عشرة"، ورجّحه خليفة. (تاريخ خليفة ص ١٢٦، تاريخ الطبري ٤/٤٤١) .
[ ٢ / ٤١٦ ]
ابن عوف ﵁ في سنة ثلاث عشرة، وكان فتح دمشق في رجب سنة أربع عشرة١، وحج عمر سنة أربع عشرة، ثم نزع خالد بن الوليد ﵁ وأمر أبا عبيدة بن الجراح ﵁ وكانت عَمَواس٢ الجابية٣ في سنة ست عشرة، وحجّ فيها عمر ﵁ / [٥٣ / أ] ثم كانت سرغ في سنة٤ سبع عشرة’ وحجّ [فيها] ٥ عمر، وكان الرمادة في سنة ثمان عشرة، وفيها طاعون عَمَواس، وفيها حجّ عمر ﵁ ثم كان فتوح جَلولاء٦ في سنة تسع عشرة٧ وأميرها سعد بن أبي وقاص ﵁ ثم كانت
_________________
(١) ١ وبه قال ابن إسحاق والواقدي وخليفة. (تاريخ خليفة ص ١٢٥، تاريخ الطبري ٤/٤٤١) . ٢ عمواس: ضيعة جليلة على بعد ستة أميال من الرملة على طريق بيت المقدس، ومنها كان ابتداء الطاعون في أيام عمر بن الخطاب، ثم فشا في أرض الشام، وتعرف اليوم بالقبيبة، بقضاء القدس. (معجم البلدان ٤/١٧٥، بلاد فلسطين ١/٨٠، ١٠٤) . ٣ قرية في الشام من ناحية الجولان قرب مرج الصفر في شمالي حوران إذا وقف الإنسان في الصنمين، واستقبل الشمال ظهرت له، وتظهر من نوى أيضًا. وفيها خطب عمر بن الخطاب خطبته المشهورة لما قدم الشام سنة ست عشرة، وباب الجابية الذي بدمشق منسوب إليها. (معجم البلدان ٢/٩١) . ٤ أبي بلغ فلما أخبر بوقوع الطاعون بالشام رجع منه ولم يدخل الشام، فعمر ﵁ أتى الشام أربع مرات، مرتين في سنة ست عشرة، ومرتين في سنة سبع عشرة، ولم يدخلها في الأولى من الآخرتين. (تاريخ الطبري ٤/٥٩، البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ١٩٣) . ٥ سقط من الأصل. ٦ جَلُولاء: طسوج من طساسيج السواد في طريق خراسان، بينها وبين خانقين سبعة فراسخ. (معجم البلدان ٢/١٥٦) . ٧ اختلف في وقعة جَلُولاء متى كانت، فذهب سيف ومن معه ورجحه الطبري إلى أنها في سنة ست عشرة، وخالفهم الواقدي وزعم أن جلولاء فتحت سنة تسع عشرة. وقال خليفة: سنة سبع عشرة. (تاريخ الطبري٤/٢٤، ١٠٢، تاريخ خليفة ص ١٣٦) .
[ ٢ / ٤١٧ ]
قيسارية في ذلك العام، وأميرها معاوية١، ٢، وحجّ عمر سنة تسع عشرة، ثم فتح مصر في سنة عشرين، وأميرها عمرو٣ بن العاص٤، وحجّ فيها عمر ﵁ [ثم وقعة نهاوند٥ سنة إحدى وعشرين] ٦ وأميرها النعمان بن مقرن ﵁، ثم كانت أذربيجان سنة اثنتين وعشرين٧ وأميرها المغيرة بن شعبة، وحجّ عمر، وكانت اصطخر الأولى وهمذان في سنة ثلاث وعشرين٨ وحجّ فيها عمر"٩.
وعن الحسن١٠ - ﵀ - قال: "ومصر الأمصار عمر: المدينة،
_________________
(١) ١ ابن أبي سفيان. ٢ وقد وافق الواقدي وخليفة أبا معشر، وقالا: "فتحت سنة تسع عشرة". وقال ابن إسحاق: "كان فتح قيسارية سنة عشرين". أما سيف فإنه قال: "كان فتحها في سنة ست عشرة". انظر: تاريخ الطبري ٤/١٠٢، تاريخ خليفة ص ١٤١. ٣ في الأصل: (عمر) وهو تحريف. ٤ القول بأن مصر فتحت سنة عشرين قول ابن إسحاق، والواقدي، وخليفة، وقال سيف:"فتحت سنة ست عشرة". (تاريخ خليفة ص١٤٢، تاريخ الطبري٤/١٠٤) . ٥ نهاوند: مدينة عظمية في قبله همذان بينها ثلاثة أيام، وفيها كانت وقعة نهاوند المشهورة وقتل فيها قائد الجيش النعمان بن مقرن، وكانت سنة إحدى وعشرين، وقال سيف: "كانت نهاوند في سنة ثمان عشرة". (تاريخ خليفة ص ١٤٧، تاريخ الطبري ٤/١١٤، معجم البلدان ٥/٣١٣) . ٦ بياض في الأصل، بمقدار أربع كلمات. ٧ وبه قال خليفة ورجّحه الطبري، وقال سيف: "كان فتح إذريبجان سنة ثمان عشرة". (تاريخ خليفة ص ١٥١، تاريخ الطبري ٤/١٤٦) . ٨ وبه قال الواقدي، وقال خليفة: "فتحت سنة اثنتين وعشرين". (تاريخ خليلة ص ١٥١، تاريخ الطبري ٤/١٤٨) . ٩ ابن الجوزي: مناقب ص ٩١، ٩٢، وهو ضعيف لإعضاله. ١٠ الحسن البصري.
[ ٢ / ٤١٨ ]
والبحرين، والبصرة، والكوفة، والجزيرة، والشام"١.
وقال أبو عبد الله محمّد بن سلامة٢ في كتابه: (عيون المعارف): "كانت في أيامه فتوح الأمصار؛ منها: دمشق فتحت صلحًا، على يد أبي عبيدة وخالد بن الوليد، وبيسان٣، وطبرية٤، وقيسارية، وفلسطين، وعسقلان، وسار بنفسه ففتح بيت المقدس صلحًا، وفتحت أيضًا بَعْلبك، وحمص، وحلب، وقنسرين، وأنطاكية، والرّقّة٥، وحران، والموصل، والجزيرة، ونصيبين، وآمد٦، والرّها، وفتحت القادسية، والمدائن على يد سعد بن أبي وقاص، وزال ملك الفرس، وانهزم يزدجرد ملك الفرس، ولجأ إلى فرغانة، والترك، وفتحت أيضًا كور دجلة، والأبلّة٧ على يد عتبة بن غزوان، وفتحت كور الأهواز على يد أبي موسى الأشعري، وفتحت أيضًا نهاوند، واصطخر، وتُستر، والسوس، وأذريبجان، وبعض أعمال خراسان، وفتحت مصر على يد عمرو بن العاص غرة محرم سنة عشرين، وفتح عمرو٨ أيضًا الإسكندرية، وأنطابُلس٩ - وهي برقة وطرابلس المغرب -، وفي
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٨٤، ابن الجوزي: مناقب ص ٩٢، وهو منقطع. ٢ في الأصل: (أسامة) وهو تحريف. ٣ مدينة بالأردن، بالغور الشامي، بين حوران وفلسطين. (معجم البلدان ١/٥٢٧) . ٤ بليدة من أعمال الأردن في طرف الغور، مطلة على البحيرة المعروفة ببحيرة طبرية. (معجم البلدان ٤/١٧) . ٥ الرّقة: مدينة مشهورة على الفرات بينها وبين حران ثلاثة أيام، معدودة في بلاد الجزيرة لأنها من جانب الفرات الشرقي. (معجم البلدان ٣/٥٩) . ٦ في الأصل: (وامدر) وهو تحريف. ٧ الأُبلة: بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة. (معجم البلدان ١/٧٧) . ٨ ابن العاص. ٩ مدينة بين الإسكندرية وبرقة. (معجم البلدان ١/٢٦٦، ٣٨٨) .
[ ٢ / ٤١٩ ]
أيامه. . . ١ فتوح الشام ومسالحها. . . ٢، وهو الذي سمي الغزوات الشواتي٣ والصوائف٤، وفي أيامه غزا معاوية٥ الروم حتى بلغ غوربه٦، وفي أيامه مصرت البصرة سنة سبع عشرة باختلاف٧، ومصرت الكوفة. . . ٨، سعد بن أبي وقاص، وفيها كان عام الرمادة سنة ثمان عشرة، فاستسقى بالعباس ﵁ فسقي، وفيها كان طاعون عَمَواس مات فيه خمسة وعشرون ألفًا، منهم أبو عبيدة، ومعاذ، وذلك في سنة ثمان عشرة"٩.
ونحن نذكر ما وقع على مقتضى ما ذكره ابن كثير١٠ وغيره من أهل التاريخ:
لما توفي الصديق في سنة ثلاث عشرة استخلف عمر، فكان١١ مما وقع في هذه السنة: وقعة المثنى بن حارثة في العراق، بعد مسير خالد إلى
_________________
(١) ١ الفراغ كلمة لم أتبينها وهذا رسمها: (ـدت) . ٢ الفراغ كلمة لم أتبينها، وهذا رسمها: (وحد ـدورنها) . ٣ أي: الغزو في الشتاء. ٤ الصائفة: غزوةالروم لأنهم كانوا يغزون صيفًا لمكان البرد والثلج. (القاموس ص١٠٧٢) . ٥ ابن أبي سفيان. ٦ لم أجد تحديد هذا المكان. ولعل المراد: (عمورية) . ٧ وفي خليفة: التاريخ ص ١٢٨، والطبري: التاريخ ٣/٥٩٠: "أنها مصرت سنة أربع عشرة". وهو الراجح، لأن عتبة بن غزوان هو الذي مصرها، وقد توفي سنة سبع عشرة. قال سيف: "مصرت البصرة سنة ست عشرة". (انظر: تاريخ الطبري ٣/٥٩٠، والإصابة ٤/٢١٥) . ٨ الفراغ كلمة لم أتبينها وهذا رسمها: (ـرها) . ٩ محمّد بن سلامة: عيون المعارف ق ٥٤ / ب إلى قوله: فلسطين. ١٠ إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، الدمشقي، حافظ مؤرخ فقيه. صنف: (تفسير القرآن الكريم) و(البداية والنهاية) وغيرهما، توفي سنة أربع وسبعين وسبع مئة. (الدرر الكامنة ١/٣٧٣، والأعلام ١/٣٢٠) . ١١ في الأصل: (فكا) .
[ ٢ / ٤٢٠ ]
الشام بأمر الصديق على الصحيح١، ووهم من قال: "إن عمر هو الذي بعثه بعد موت الصديق"٢.
وذلك أن خالدًا لما سار إلى الشام، استغنم الفرس غيبت٣ خالد، واجتمعوا بعد مقتل ملكهم وابنه وبعثوا / [٥٣ / ب] إلى المثنى جيشًا نحوًا من عشرة آلاف، وكتب شهرياز٤ إليه: "إني قد بعثت إليك جندًا من أوخش٥ أهل فرس، إنما هم رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقاتلك إلا بهم".
فكتب المثنى "إنما أنت أحد رجلين إما باغ فذلك شرّ لك، وخير لنا، وإما كاذب٦ فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله في الناس الملك الكاذب، وأما الذي ذكرت أنك تقاتلنا بهم من الرعاة فإنا نرى أنكم قد اضطررتم إليهم، فالحمد لله الذي ردّ كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير، وأحوجكم إليهم".
فلامه فارس٧ على كتابه ذلك، ثم واقعوه فظفر المثنى بهم، ثم استخلف على العراق، وسار إلى المدينة؛ لأنه كان قد استبطأ خبر الصديق، لأنه مشتغل بأهل الشام عنه، فوجد الصديق في السياق وعهد إلى عمر بن الخطاب فقال لعمر: "إذا أنا مِت فاندب الناس إلى الجهاد بأرض العراق مع المثنى، وصلة لمن بقي من المقاتلة بعد ذهاب خالد عنها"٨.
_________________
(١) ١ ابن كثير: التاريخ ٤/٥، الطبري: التاريخ ٣/٤١٥، ٤٠٨. ٢ لم أجده. ٣ في الأصل: (عيبته) وهو تصحيف. ٤ في ابن كثير: التاريخ: (شهريار) وفي الطبري: التاريخ: (شهريراز) . ٥ الوخش: رذال الناس، وسقاطهم. (القاموس ص ٧٨٦) . ٦ مطموس في الأصل سوى: (كا) . ٧ أي: أهل فارس. ٨ ابن كثير: التاريخ ٤/١٧، ١٨، الطبري: التاريخ ٣/٤١٢، ٤١٣، ٤١٤، من طريق سيف بن عمر.
[ ٢ / ٤٢١ ]
ومن ذلك وقعة اليرموك، واختلفوا فيها:
فقيل: كانت في خلافة عمر سنة خمس عشرة١.
وقيل: بل كانت في خلافة الصديق، وبعضها وقع في خلافة عمر، وأن البريد أتاهم في نفس حربها بموت الصديق، وتوليه عمر، وعزله خالدًا عن الإمرة، وتولية أبي عبيدة بن الجراح٢.
وقد ذكرنا صفة ذلك في: (فضائل أبي بكر الصديق)، وأن عمر أرسل إلى أبي عبيدة إن كذّب خالد نفسه فقرّه على الإمرة، وإلا فاخلعه وقاسمه٣ ماله نصفين، فقال لخالد، فقال: "استشير أختي"، فاستشارها، فقالت له: "إن عمر لا يحبك، وإنه سيعزلك وإن كذبت نفسك"، فخرج وخلع نفسه فقاسمه ماله كله، وهو يقول: "سمعًا وطاعةً لأمير المؤمنين"، حتى أخذ نعله الواحدة٤.
حتى نزل مرج الصُّفرّ٥، وعزم على / [٥٤ / أ] قتال أهل دمشق ثم سار أبو عبيدة فاجتمع من الروم بفحل من أرض الغور، فكتب إلى الفاروق بأيهما يبدأ، فكتب إليه: [أن] ٦ يبدأ بدمشق، ويرسل جيشًا إلى أولئك
_________________
(١) ١ ابن كثير: التاريخ ٤/٤، وقال: "قال ابن عساكر: وهذا هو المحفوظ. وأما ما الله سيف من أنها قبل فتح دمشق سنة ثلاث عشرة فلم يتابع عليه". ٢ ابن كثير: التاريخ ٤/١٢، الطبري: التاريخ ٣/٣٩٨، من طريق سيف بن عمر. ٣ في الأصل: (وقام) وهو تحريف. ٤ ابن كثير: التاريخ ٤/١٩، والخبر بنحوه في الطبري: التاريخ ٣/٤٣٦، ٤٣٧، وهو ضعيف لإعضاله. ٥ مرج الصفرّ - بالضم، وبتشديد الفاء - بدمشق. (معجم البلدان ٥/١٠١) . ٦ سقط من الأصل.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
ليشغلهم عنه. فبعث إليهم أحد عشر أميرًا فقتلوهم وغنموهم، وكان سار هو إلى دمشق فنزل على باب الجابية، ونزل خالد على باب شرقي، فاتفق أنه ولد لبطريقهم ولد فجمعهم وسقاهم الخمر، فاشتغلوا عن الرصد١، ففطن لها خالد فجاء إلى الخندق هو وجماعة من أصحابه فقطعه سباحة بالقرب، وطلع على السور ونصب سلاليم٢ حبال من شرفات٣ السور إلى ظاهر الخندق، وكان قال لأصحابه: "إذا سمعتم تكبيرنا على السور فتعالوا حتى تصعدوا إلينا"، فلما علاه كبّر، فجاء أصحابه، وصعدوا في السلاليم٤، ثم هبطوا بالتكبير إلى البوابين فقتلوهم وقطعوا أغاليق٥ الباب بالسيوف، ودخل الجيش، وجعلوا يقتلون من أتاهم، حتى انتهوا إلى نصف البلد، فسألوا عن أمير الجيش فدلوا على أبي عبيدة فذهبوا إليه فصالحوه، وأدخلوه٦ من باب الجابية، وكانوا قبل ذلك يأبون عليه الصلح، فدخل معهم بمن معه حتى انتهى إلى النصف، فوجد خالدًا وأصحابه يقتلون من وجدوا، فقال لهم: "إنا أمناهم فَلِمَ تقتلوهم؟ "، فقال خالد: "بل أنا فتحتها عنوة معهم الآن". ثم أقر على الصلح، وكفّ خالد ومن معه عن القتل٧.
_________________
(١) ١ رصدَه رصْدًا ورصدًا: رقبه، والمرصاد الطريق والمكان يرصد فيه العدو. (القاموس ص ٣٦١) . ٢ في ابن كثير: (سلالم) . ٣ كذا في ابن كثير: التاريخ: (شرفات) وفي الأصل: (شراريف) . ٤ في ابن كثير: (سلالم) . ٥ في الأصل: (غاليق) والتصويب من تاريخ ابن كثير. ٦ في الأصل: (ووادخلوه) . ٧ ابن كثير: التاريخ ٤/١٩، ٢٠، ٢١، بأطول.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
وقيل: إن أبا عبيدة لم يعلم خالدًا بعزله حتى فتحت دمشق١. ثم بعث أبو عبيدة خالدًا إلى البِقاع٢ ففتحها٣ بالسيف٤، وبعث دحية بن خليفة إلى تدمر، وأبا الزهراء٥ إلى البثينّة٦ وحوران، فصالح أهلها، ثم صالح أهل حمص٧، وفتح شرحبيل٨ الأردن كلها عنوة خلا طبرية فصلحًا، وصالح أهل بعلبك٩.
وقيل: إن فتح هذه البلاد كان فيما بعد هذه السنة١٠. فالله أعلم.
ولما مات الصديق ندب عمر الناس لغزو العراق ثلاثة أيام، ولم يقم أحد، فلما كان اليوم الرابع كان أوّل من انتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي، ثم تتابع / [٥٤ / ب] الناس، فأمر عمر طائفة من أهل المدينة، وأمر على الجميع أبا عبيدة، ولم يكن صحابيًا، فقيل لعمر: هلا أمرت رجلًا من الصحابة، فقال: إنما أُمر أوّل من استجاب إنما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين،
_________________
(١) ١ ابن كثير: التاريخ ٤/٢٣. ٢ البِقاع: أرض واسعة بين بعلبك وحمص ودمشق، فيها قرى كثيرة ومياه غزيرة نميرة. (معجم البلدان ١/٤٧٠) . ٣ في الأصل: (فتحها) وهو تحريف. ٤ ابن كثير: التاريخ ٤/٢٥، خليفة: التاريخ ص ١٣٠. ٥ القشيري، أدرك النبي ﷺ وشهد فتح دمشق. (الإصابة ٧/٧٩) . ٦ البثنية: اسم ناحية من نواحي دمشق، وقيل: هي قريبة بين دمشق وأذرعات. (معجم البلدان ١/٣٣٨) . ٧ ابن كثير: التاريخ ٤/٢٥، الطبري: التاريخ ٣/٤٤١. ٨ شرحبيل بن عبد الله الكندي، حليف بني زهرة، وهو ابن حسنة، صحابي جليل، كان أميرًا في فتح الشام، توفي سنة ثمان عشر. (التقريب ص ٢٦٥) . ٩ ابن كثير: التاريخ ٤/٢٥، خليفة: التاريخ ص ١٢٩، ١٣٠، والطبري: التاريخ ٣/٤٤١، إلا أن خليفة جعلها من فتوح سنة خمس عشرة. ١٠ ابن كثير: التاريخ ٤/٢٥، خليفة: التاريخ ص ١٢٩.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
ثم وصاه بنفسه وبمن معه من المسلمين، وأمره أن يستشير الصحابة فصار إلى أرض العراق في سبعة آلاف١وكتب عمر إلى أبي عبيدة: أن يوجه أصحاب خالد الذين قدموا إلى العراق.
فجهز أبو عبيدة إلى العراق عشرة آلاف، وأمّر عليهم هاشم بن عتبة٢، ٣.
وأرسل عمر جرير بن عبد الله البجلي٤ في أربعة آلاف، فقدمالكوفة، ثم خرج منها فواقع هرمزان٥ على المدار٦ فقتله. وانهزم جيشه وغرق أكثرهم، فلما وصل الناس إلى العراق وجدوا الفرس ولوا رستمًا، فكانت وقعة النمارق، بعث رستم أميرًا بعسكر فالتقوا مع أبي عبيد بمكان يقال له: النمارق٧ بين الحيرة٨، والقادسية، فهزموهم وقتلوهم، وغنموهم٩.
ثم كانت وقعة جِسر١٠ أبي عبيد، اجتمع من الفرس خلق كثير، وساروا
_________________
(١) ١ ابن كثير: التاريخ ٤/٢٦، سبق تخريجه ص ٤٥٥. ٢ في الأصل: (هشام) وهو تحريف. وهو هشام بن عتبة بن أبي وقاص الزهري الشجاع المشهور، المعروف بالمرقال، صحابي، قتل بصفين مع عليّ ﵁. (الإصابة ٦/٢٧٥) . ٣ ابن كثير: التاريخ ٤/٢٦، الطبري: التاريخ ٣/٥٤٣. ٤ صحابي مشهور، توفي سنة إحدى وخمسين، وقيل: بعدها. (التقريب ص ١٣٩) . ٥ في ابن كثير: التاريخ (هرقران) . ٦ لم أجد تحديد هذا المكان. ٧ النمارق: موضع قرب الكوفة من أرض العراق نزله عسكر المسلمين في أوّل ورودهم العراق. (معجم البلدان ٥/٣٠٤) . ٨ الحيرة - بالكسر، ثم السكون - وراء، مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة على طريق النجف، كانت مسكن ملوك العرب في الجاهلية. (مراصد الإطلاع ١/٤٤١) . ٩ ابن كثير: التاريخ ٤/٢٧. ١٠ الجِسر - بكسر الجيم -، إذا قالوا الجسر ويوم الجسر، ولم يضيفوه إلى شيء فإنما يريدون الجسر الذي كانت فيه الوقعة بين المسلمين والفرس قرب الحيرة. (معجم البلدان ٢/١٤٠) .
[ ٢ / ٤٢٥ ]
إلى المسلمين عند الجسر١، ومعهم فيلة فيها جُلاجل٢ فأرسلوا٣ إلى المسلمين: إما تعبروا إلينا، وإما نعبر إليكم، فقال أبو عبيدة: "ما هم بأجرأ منا على الموت"، ثم اقتحم عليهم، فاجتمعوا في مكان ضيق فاقتتلوا قتالًا شديدًا لم يعهد مثله، والمسلمون في نحو من عشرة آلاف، وأرسل الفرس الفيلة بالجلاجل لتذعر خيول المسلمين، فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرت خيولهم من الفيلة، وما تسمع من الجُلاجل، ولا يثبت منها إلا القليل، وإذا حمل المسلمون لا تقدم خيولهم، ورشقتهم الفرس بالنبل فنالوا منهم خلقًا، وقتل المسلمون منهم مع ذلك ستة آلاف.
وأَمَر أبو عبيد المسلمين أن يقتلوا الفيلة فاحتاشوها٤ فقتلوها / [٥٥/أ] عن آخرها، فقدمت الفرس بين أيديهم فيلًا أبيض هو أعظمها، فتقدم إليه أبو عبيد فضربه بالسيف فقطع زلقومه٥ فصاح صيحة عظيمة، وحمل على أبي عبيد فتخبطه برجليه فقتله، ووقف فوقه، فحمل على الفيل خليفة أبي عبيد الذي أوصى أن يكون أميرًا بعده فقتله، ثم آخر فقتله، حتى قتل سبعة من ثقيف كان نص أبو عبيد عليهم، حتى صارت إلى المثنى٦ بمقتضى الوصية أيضًا، وكانت امرأة أبي عبيد رأت منامًا يدل على ما وقع، فلما رأى المسلمون ذلك وهنوا، وضعف أمرهم، وذهب ريحهم، وولوا مدبرين، وساق الفرس خلفهم فقتلوا بشرًا
_________________
(١) ١ في الأصل: (جسر) وهو تحريف. ٢ الجُلجل: الجرس الصغير. (القاموس ص ١٢٦٥) . ٣ في الأصل: (فارسلوا) . ٤ احتوش القومُ فلانًا وتحاوشوه بينهم: جعلوه وسطهم. (لسان العرب ٦/٢٩٠) . ٥ زلقوم الفيل: خرطومه. (لسان العرب ١٢/٢٧٢) . ٦ ابن حارثة.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
كثيرًا، وركب الناس أمرًا بليغًا، وجاءوا إلى الجسر، فمرّ بعض الناس، وانكسر الجسر، فتحكم الفرس فيمن وراءه فقتلوا من المسلمين، وغرق في الفرات١ نحوًا من أربعة آلاف، فإنا٢ لله وإنا إليه راجعون.
وكان الناس لما انهزموا جعل بعضهم يلقي نفسه في الفرات٣ فيغرق، فقال المثنى: "على هينتكم فإني واقف على فم الجسر لا أجوز حتى لا يبقى منكم أحد". فلما تعدّ الناس إلى الناحية الأخرى، سار المثنى فنزل بهم أوّل منزل، وقام يحميهم هو، وشجعان المسلمين، وقد خرج أكثرهم مذعورًا، وذهب بالخبر عبد الله بن زيد بن عاصم٤، فوجد عمر على المنبر، فقال له عمر: "ما وراءك يا عبد الله بن زيد؟ "، فقال: "أتاك الخبر اليقين"، ثم صعد إليه المنبر فأخبره سرًا ولم يؤنب عمر أحدًا ممن رجع إلى المدينة، بل قال: "أنا أكفيهم أمرهم"٥، ٦.
وتوفي في هذه السنة المثنى بن حارثة، وكان قد جرح يوم الجسر، فانقضَّ عليه ومات منه٧.
_________________
(١) ١ في الأصل: (الفراء) . ٢ في الأصل: (فا لله) وهو تحريف. ٣ في الأصل: (الفراه) . ٤ المازني، أبو محمّد صحابي شهير، يقال: إنه هو الذي قتل مسيلمة الكذاب، واستشهد بالحرّة سنة ثلاث وستين. (التقريب ص ٣٠٤) . ٥ في ابن كثير: التاريخ: (أنا فيئتكم) . ٦ ابن كثير: التاريخ٤/٢٨، ٢٩، الطبري: التاريخ٣/٤٥٤، ٤٥٥، من طريق سيف بن عمر. ٧ ابن كثير: التاريخ ٤/٣٠، ٣٧، ٥٠.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وقيل: خالد بن سعيد١، وسعد بن عبادة٢، وجماعة قتلوا قبل ذلك باليرموك، وأجنادين٣٤، ذكرناهم في: (خلافة الصديق) .
السنة الرابعة عشرة٥؛ وهي الثانية من خلافته / [٥٥ / ب] فيها أرسل عمر سعدًا إلى العراق، بعد أن كان هو عزم على٦ المسير إليها، فثناه الصحابة عن ذلك، وأمروه بإرسال غيره، فسار حتى قرب من العراق ومن لقاء من هناك من المسلمين، توفي أمير المسلمين هناك المثنى، فلما وصل سعد هناك تزوج امرأته٧.
ثم كانت غزوة القادسية، فإن سعدًا سار فنزل القادسية، وبثّ سراياه وأقام بها شهرًا لم ير أحدًا من الفرس، وجعلت السرايا تأتي بالميرة من كل مكان، فعجت٨ رعايا الفرس إلى يزدجر من النهب والسبي، وقالوا: "إن لم تنجدونا وتقاتلوا عنا وإلا سلمنا بأيدينا وسلمنا الحصون". فاجتمع رأي الفرس إلى إرسال رستم، فأمّره يزدجر على الجيش، فلما قرب من جيش المسلمين بعث يطلب رجلًا عاقلًا يسأله، فبعث إليه سعد المغيرة بن شعبة،
_________________
(١) ١ ابن العاص الأموي، من السابقين الأوّلين، استشهد يوم مرج الصفرّ، وقيل: يوم أجنادين. (الإصابة ٢/٩٢) . ٢ الأنصاري الخزرجي، أحد النقباء وسيد الخزرج وأحد الأجواد، توفي بأرض الشام سنة خمس عشرة. وقيل: غير ذلك. (التقريب ص ٢٣١) . ٣ أجنادين، موضع معروف من كورة بيت جبرين من نواحي فلسطان، كانت به وقعة بين المسلمين مشهورة هزم فيها الروم، وكانت سنة ثلاث عشرة. (معجم البلدان ١/١٠٣) . ٤ ابن كثير: التاريخ ٤/٣٣، الطبري: التاريخ ٣/٤٨٠، ٤٨٦. ٥ في الأصل: (عشر) . ٦ في الأصل: (عن) وهو تحريف. ٧ ابن كثير: التاريخ ٤/٣٧. ٨ عجّ: صاح ورفع صوته. (القاموس ص ٢٥٣) .
[ ٢ / ٤٢٨ ]
فلما قدم عليه، قال له: "أنتم جيراننا، ونحن نحسن إليكم، ونكفّ الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم، ونحن لا نمنع تجاركم من دخول بلادنا". فقال له المغيرة: "إنا لسنا نطلب الدنيا، وإنما نطلب الآخرة". في كلام طويل. ثم بعث إليه رسولًا آخر وهو ربعي بن عامر١ فأجاد وحسن الكلام. ثم طلبوا في اليوم الثاني [رجلًا] ٢ فبعث سعد حذيفة بن محصن٣، ثم طلبوا٤ في اليوم الثالث فأرسل المغيرة أيضًا٥.
ثم كانت وقعة القادسية، فلما تواجه الصفان كان سعد قد أصابه عرق النّسا٦، ودَمَامِيل٧ في جسده فهو لا يستطيع الركوب، وإنما هو في قصر متكئ على صدره فوق وسادة، وهو ينظر إلى الجيش ويدبر أمره، فتقاتلوا حتى كان الليل، وقد قتل من الفريقين بشر كثير، ثم اليوم الثاني حتى أمسوا، ثم اليوم الثالث وسموا هذه / [٥٦ / أ] الليلة: ليلة الهرير٨، ولما كان اليوم الرابع اقتتلوا قتالًا شديدًا، وقد قاسوا من الفيلة بسبب نفرة الخيول أمرًا عظيمًا، قد أباد الصحابة الفيلة ومن عليها وقلعوا عيونها بالرماح، فلما كان
_________________
(١) ١ ابن خالد بن عمرو التيمي، أمدَّ عُمَر به المثنى بن حارثة، وكان من أشرف العرب، وشهد نهاوند، وولاّه الأحنف على طخارستان. (الإصابة ٢/١٩٤) . ٢ سقط من الأصل. ٣ الغلفاني، استعمله أبو بكر على عمان، وعمر على اليمامة، وله ذكر في الفتوح. (الإصابة ١/٣٣٢) . ٤ مطموس في الأصل سوى: (طلـ) . ٥ ابن كثير: التاريخ ٤/٣٨، بأطول، والخبر مفرقًا في الطبري: التاريخ ٣/٤٩٦، حتى ٥٢٠. ٦ النسا: عرق من الورك إلى الكعب. (القاموس ص ١٧٢٥) . ٧ الدّمَّل: واحد دماميل: القروح. (الصحاح ٤/١٦٩٩) . ٨ هرّ الشّيء يُهرّه هرًّا وهريرًا: كرهه. (لسان العرب ٥/٢٦٠) . .
[ ٢ / ٤٢٩ ]
وقت الزوال من هذا اليوم هبت١ ريح شديدة فرفعت خيام الفرس، وألقت سرير رستم، فبادر فركب بغلته، وهرب فأدركه المسلمون فقتلوه، وهرب الفرس، وتبعهم المسلمون يقتلون، ويأسرون، وغنموا شيئًا كثيرًا لا يحد ولا يوصف، وبعثوا بالخمس والبشارة إلى عمر، وكان عمر يخرج من المدينة إلى ناحية العراق يستنشق الأخبار، فبينما هو ذات يوم إذا راكب يلوح من بعد فاستقبله عمر، فقال الراكب: فتح الله على المسلمين بالقادسية، وجعل يحدثه وهو لا يعرف عمر، وعمر ماش تحت راحلته، فلما اقترب من المدينة، جعل الناس يحيّون عمر بالإمارة، فعرف الرجل عمرَ، فقال: "يرحمك الله يا أمير المؤمنين، هلا أعلمتني"، فقال: "لا حرج عليك يا أخي"٢.
وكان سعد حال شدة الحرب في القصر، ولا يغلق عليه الباب لشجاعته، ولو فرّ الناس لأخذته الفرس قبضًا باليد، وعنده امرأته سلمى بنت حفص٣، ٤، و. . . ٥ قبله امرأته المثنى، فلما فرّ بعض الخيل فزعت المرأة من ذلك، وقالت: "وامثناه، ولا مثنى لي اليوم"، فغضب سعد من ذلك، فلطم وجهها، فقالت: "أغيرة وجبنًا"، تعيره بجلوسه في القصر يوم الحرب، وهذا عناد منها، فإنها أعلم الناس بعذره، وكان أبو محجن٦ عند سعد في القصر
_________________
(١) ١ في الأصل: (ذهبت) وهو تحريف. ٢ ابن كثير: التاريخ ٤/٤٤، ٤٥. ٣ في تاريخ الطبري: (خصفة) ولإصابة: (حفصة) . ٤ سلمى بنت خصفة التيمية، البكرية زوج المثنى بن حارثة، تزوجها سعد بعد موت المثنى، زوجها صحابي، يحتمل أن تكون صحابية. (تاريخ الطبري ٣/٤٨٩، الإصابة ٨/١١٠) . ٥ الفراغ كلمة لم أتبينها وهذا رسمها: (وكـ) ولعلها: (وكانت) . ٦ مختلف في اسمه، فقيل: عمرو بن حبيب الثقفي، وقيل: مالك، وقيل: غير ذلك، صحابي شهد الفتوح مع سعد بن أبي وقاص، وتوفي بأذربيجان، وقيل: بجرجان. (الإصابة ٧/١٧١) .
[ ٢ / ٤٣٠ ]
مقيد لما كان يتعاطاه من السكر، وقد حدّ فيه سبع مرات، فلما رأى الخيول تجول والفرسان قال - وكان من الشجعان الأبطال - ﵁ / [٥٦ / ب]:
كفى حَزَنًا أن تدحمَ١ الخيل بالقنا٢ وأترك مشدودًا عليّ وثاقيا
وقد كنتُ ذا مالٍ كثيرٍ وإخوةٍ فقد تركوني مفردًا لا أخا ليا
ثم سأل من أم ولد سعد أن تطلقه وتعيره فرس سعد وحلف أن يرجع آخر النّهار فيضع رجله في القيد فأطلقته وركب فرس سعد، وخرج فقاتل قتالًا شديدًا وجعل سعد ينظر إليه فيشبهه بأبي محجن، ويشبه الفرس بفرسه، ويشك لأنه مسجون مقيد، فلما كان آخر النهار رجع فوضع رجله في القيد، ونزل سعد فرأى فرسه يعرق وهو مكدود٣، فقال: "ما هذا؟ "، فذكر له، فرضي عنه وأطلقه، وقال: "لا أحِدك أبدًا"، فقال: "وأنا لا أشرب مسكرًا أبدًا"٤.
وكتب سعد٥ إلى عمر يخبره بالفتح والنصر، ومن قتل من المسلمين وعدة٦ من قتل من الكفار وصورة الكتاب:
_________________
(١) ١ في تاريخ الطبري: (تردى) . ٢ القنا: جمع: قناة. وهي الرمح. (القاموس ص ١٧١٠) . ٣ الكدّ: الإتعاب. (لسان العرب ٢/٣٧٨) . ٤ قال ابن حجر: "وأنكر ابن فتحون قول من روى أن سعدًا أبطل الحد وقال: لا يظن هذا بسعد. (الإصابة ٧/١٧١) . ٥ في الأصل: (سعدا) . ٦ في الأصل: (وعد) .
[ ٢ / ٤٣١ ]
"أما بعد: فإن الله نصرنا على فارس، بعد قتال طويل، وزلازل١ شداد، لم يرَ الراؤون مثلهما، فإنهم أتونا في عسكر، وعدد لم ير مثلها، فلم ينفعهم الله بذلك، بل سلبهم ذلك كله، ونفله المسلمون، واتبعهم المسلمون على الأنهار، وفجاج الطرق، يقتلونهم حيث كانوا، وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارئ٢، وفلان وفلان، ورجال لا يعلمهم إلا الله، فإنه بهم عالم، كانوا يدوون٣ بالقرآن إذا جن عليهم الليل كدوي النحل، وهم أسود في النهار بل لا تشبههم الأسود، ولم يفضل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذا لم تكتب لهم".
فيقال: "إن عمر قرأ هذه البشارة على الناس، ثم قال عمر للناس: "إني حريص على أن لا أرى حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تأسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف، ولوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم، ولست ملكتكم إلا بالعمل، إني والله لست بملك فأستعبدكم، ولكني عبد الله عرض عليّ الأمانة فإن أنا أديتها ورددتها عليكم / [٥٧ / أ] واتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم وترووا٤ سعدت بكم، وإن حملتها واستتبعتكم إلى بيتي شقيت بكم، ففرحت قليلًا وحزنت طويلًا، فبقيتُ لا أقال ولا أرد فأستعتب"٥.
_________________
(١) ١ في ابن كثير: التاريخ: (وزلزل شديد) . ٢ ابن النعمان الأنصاري الأوسي، شهد بدرًا، وقتل في القادسية شهيدًا. (الإصابة٣/٨١) . ٣ الدوي: صوت ليس بالعالي كصوت النحل ونحوه. (لسان العرب ١٤/٢٨١) . ٤ في الأصل: (وتروو) . ٥ ابن كثير: التاريخ ٤/٤٥، ٤٦، ٤٧، وقد أورد الطبري بعضه بنحوه مفرقا. (التاريخ ٣/٥٤٢، ٥٤٨، ٥٥٠) .
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وفي هذه السنة جمع عمر الناس في التراويح على أبي بن كعب، قاله ابن جرير١ والواقدي٢، وكتب إلى سائر الأمصار بذلك٣.
وفيها بعث عمر عتبة بن غزوان إلى البصرة، وأمره أن ينزل بها بمن معه من المسلمين، فمصرت البصرة٤ في هذه السنة. فركب إليهم صاحب الفرات٥ أربعة آلاف أسوار٦، فالتقاه عتبة فقتلوهم عن آخرهم، وأسروا صاحب الفرات٧، فقام عتبة في الناس خطيبًا فقال في خطبته: "إن الدنيا قد آذنت بصُرْم٨، وولّت حذّاء٩، ولم يبق منها إلا صُبَابة١٠ كصبابة الإناء". هذا في صحيح مسلم١١.
وبعث عمر إليه كتابًا جليلًا عظيمًا يوصيه فيه، وأرسل إلى العلاء١٢ يمده
_________________
(١) ١ محمّد بن جرير الطبري. ٢ محمّد بن عمر بن واقد الأسلمي. ٣ الطبري: التاريخ ٣/٩٠، وقال: "زعم الواقدي" ابن كثير: التاريخ ٤/٤٨. ٤ انظر: ص ٣٧٣. ٥ في الأصل: (الفراه) وهو تحريف. ٦ في الأصل: (سوار) وهو تحريف. والإسوار والأُسْوَار: الواحد من أساور فارس، وهو الفارس من فُرسانهم المقاتل. (لسان العرب ٤/٣٨٨) . ٧ في الأصل: (الفراه) وهو تحريف. ٨ بصرم: أي: بانقطاع وانقضاء. (الصحاح ٥/١٩٦٥، لسان العرب ١٢/٣٣٥) . ٩ حذاء: مسرعة الانقطاع. (شرح صحيح مسلم للنووي ١٨/١٠٢) . ١٠ الصبابة: البقية اليسيرة تبقى في الإناء من الشراب. (لسان العرب ١/٥١٦، القاموس ص ١٣٣) . ١١ مسلم: الصّحيح، كتاب الزهد والرقائق ٤/٢٢٧٨، رقم: ٢٩٦٧، وأورد الخطبة فقط بأطول. ١٢ العلاء بن عبد الله بن عماد الحضرمي، حليف بني أمية، صحابي جليل عمل على البحرين للنبي ﷺ وأبي بكر وعمر، توفي سنة أربع عشرة. (التقريب ص ٤٣٤) .
[ ٢ / ٤٣٣ ]
بجيش١.
وفي هذه السنة ضرب عمر ابنه عبيد الله في الشراب سبع مرات٢، وضرب معه٣ ابن أمية بن خلف٤.
وفيها توفي عتبة بن غزوان، وابن أم مكتوم، والمثنى بن حارثة، وأبو زيد الأنصاري٥، وأبو قحافة والد الصديق٦، وهند بنت عتبة٧، وخلق من الصحابة٨.
ثم دخلت سنة خمس عشرة:
قال ابن جرير وغيره: "فيها مصّر سعد الكوفة"٩.
وفيها كانت وقعة حمص الأولى، حصرهم المسلمون ثم كان بعد ذلك
_________________
(١) ١ ابن كثير: التاريخ٤/٤٩، والخبر في الطبري: التاريخ٣/٥٩١، وفيه عمرو بن عيسى العدوي صدوق اختلط، وخالد بن عمير العدوي مقبول. (التقريب رقم:١٦٦٣، ٥٠٨٩) . وأما كتاب عمر إلى عتبة فرواه الطبري من طريق سيف، وأبي محنف. ٢ في ابن كثير: التاريخ: "ضرب عمر بن الخطاب ابنه عبيد الله في الشراب وهو وجماعة معه، وفيها ضرب أبا محجن الثقفي في الشراب أيضًا سبع مرات". ٣ ربيعة بن أمية الجمحي، أسلم عام الفتح وشهد حجة الوداع، ثم ارتد عن الإسلام ولحق بالروم، ومات هنالك. (تعجيل المنفة ص ٨٧) . ٤ ابن كثير: التاريخ ٤/٥٠، والخبر بنحوه في الطبري: التاريخ ٣/٥٩٧. ٥ قيس بن السكن البخاري الأنصاري شهد بدرًا، واستشهد يوم جسر أبي عبيد. (تاريخ ابن كثير ٤/٥٠، الإصابة ٥/٢٥٥) . ٦ عثمان بن عبد الله التيمي، أسلم عام الفتح، وتوفي سنة أربع عشرة. (الإصابة ٤/٢٢٣) . ٧ هند بنت عتبة القرشية العبشمية، والدة معاوية بن أبي سفيان، أسلمت عام الفتح وتوفيت في أوّل خلافة عمر. (الإصابة ٨/٢٠٦) . ٨ ابن كثير: التاريخ ٤/٥٠. ٩ الطبري: التاريخ ٣/٥٩٨، ابن كثير: التاريخ ٤/٥٣.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
الصلح١.
وفيها كانت وقعة قِنّسرين، بعث أبو عبيدة خالدَ بن الوليد ففتحها عنوة، وقتل خلقًًا كثيرًا، فلما بلغ عمر ما فعل خالد قال: "يرحم الله أبا بكر، كان أعلم بالرجال مني، والله إني لم أعزله عن ريبةٍ٢، ولكن خشيت أن يوكل الناس إليه"٣.
[و] ٤ فيها هرب هِرَقْل من الشام إلى بلاد الروم ثم سار حتى نزل القسطنطينية، واستقر بها ملكه٥.
وفيها كانت وقعة قَيْساريّة / [٥٧ / ب] أمرّ عمر معاوية على قَيساريّة وكتب إليه: "أما بعد: فقد وليتك في قَيْساريّة فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول: لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا، فنعم المولى ونعم النصير".
فسار إليها، وفتحها بعد قتال شديد٦.
وفيها كتب عمر إلى عمرو بن العاص بالمسير إلى إيلياء٧ ومناجزة صاحبها فمر على طائفة منهم عند الرملة٨، فكانت وقعة أجنادين وكان على ذلك
_________________
(١) ١ الطبري: التاريخ ٣/٥٩٩، ابن كثير: التاريخ ٤/٥٣. ٢ الريبة: الظنة والتهمة. القاموس ص: ١١٨. ٣ ابن كثير: التاريخ ٤/٥٤، الطبري: التاريخ ٣/٦٠١، من طريق سيف بن عمر. ٤ سقط من الأصل. ٥ ابن كثير: التاريخ ٤/٥٤، الطبري: التاريخ ٣/٦٠٢. ٦ ابن كثير: التاريخ٤/٥٥، والخبر في الطبري: التاريخ٣/٦٠٤، من طريق سيف بن عمر. ٧ إيلياء: اسم مدينة بيت المقدس. (معجم البلدان ١/٢٩٣) . ٨ الرملة: مدينة عظيمة بفلسطين، وكانت قصبتها وقد خربت الآن - في زمن ياقوت - وكانت رباطًا للمسلمين. (معجم البلدان ٣/٦٩) .
[ ٢ / ٤٣٥ ]
الجيش الأرطبون - وكان أدهى الروم - فكتب عمرو إلى عمر فلما جاءه الكتاب قال: "رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عمّ تنفرج"؟ - وكان عمرو١ من الدهاة - ثم أرسل عمرو الرسل إلى أرطبون فلم يشتف بهم، فذهب إليه بنفسه كأنه رسول، فبلّغه وسمع كلامه، وتأمل حصونه، وعرف ما أراد، فلما أراد الانصراف، قال أرطبون: "إن هذا لعمرو، أو أنه الذي يأخذ عمرو برأيه، وما كنت أصيب القوم بأمرٍ هو أعظم من قتلي هذا".
فدعا حرسيّا فساره، وأمره بقتله في مكان عينه له، ففطن عمرو فقال للأرطبون٢: "أيها الأمير إني قد سمعت كلامك وسمعت كلامي، وإني واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب لنكون مع هذا الوالي نشهد أموره، وإني قد أحببت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك". قال: "نعم. فاذهب فأتني بهم".
ثمّ دعى رجلًا فساره فقال: "اذهب إلى فلان فرده" ثم جاء عمرو ودخل عسكره، ثم تحقق أرطبون أنّه عمرو فقال: "خدعني الرجل، هذا والله أدهى العرب" وبلغ عمر فقال: "لله در [عمرو] ٣". ثم ناهضه عمرو فاقتتلوا بأجنادين٤ قتالًا عظيمًا كقتال اليرموك، فكتب أرطبون إلى عمرو يترقق / [٥٨ / أ] له، فكتب عمرو إليه: "إني صاحب فتح هذه البلاد" فكتب إليه: "إنك لست بصاحب فتحها، إنما صاحب فتحها رجل
_________________
(١) ١ في الأصل: (عمر) وهو تحريف. ٢ في الأصل: (الأرطبون) والتصويب من تاريخ ابن كثير. ٣ سقط من الأصل. ٤ وفي رواية ابن إسحاق: أن وقعة أجنادين كانت في سنة ثلاث عشرة بقين من جمادى الأولى. وبه قال الذهبي. (تاريخ خليفة ص ١١٩، تاريخ الطبري ٣/٤١٨، سير أعلام النبلاء (١/٣١٤، تاريخ الإسلام ص ٨٢) .
[ ٢ / ٤٣٦ ]
اسمه على ثلاثة أحرف" فكتب إلى عمر بخبره، فعزم عمر على الدخول إلى الشام لذلك ثم سار إليها فكان فتح بيت المقدس على يد عمر بن الخطاب.
واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب، وسار العباس بن عبد المطلب على مقدمته فلما قدم تلقاه أبو عبيدة ورؤوس الأمراء فترجل أبو عبيدة وترجل عمر، فأراد أبو عبيدة أن يقبل يد عمر، فهم عمر بتقبيل رجله، فكف أبو عبيدة وكف عمر، ثم سار حتى صالح نصارى بيت المقدس، ثم دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله ﷺ ليلة الإسراء، ويقال: إنه لبى حين دخله، فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود، وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة فقرأ في الأولى (بص) وفي الثانية (ببني إسرائيل) ١، ثم جاء إلى الصّخرة فاستدل على مكانها من كعب٢، وأشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائها، فقال: "ضاهيت اليهودية" ثم جعل المسجد قبلي بيت المقدس، وهو العمري اليوم، ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه، ونقل المسلمون معه، وسخّر٣ أهل الأردن في نقل بقيته، وكانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة، لأنها قبلة اليهود، حتى إن المرأة كانت ترسل بخرق حيضها من داخل البحور٤ ليلقى على الصخرة مكافأة لما كانت اليهود عملت
_________________
(١) ١ أي: سورة الإسراء وفي تاريخ الطبري ٣/٦١١: "وقرأ بهم في الثانية صدر (بني إسرائيل) . وهذا أقرب؛ لأنه يستحب أن يقرأ بهم في الركعة الثانية أطول من الأولى. ٢ كعب بن ماتع الحميري المعروف بكعب الأحبار. ٣ في الأصل: (صخر) . وفي اللسان ٤/٣٥٣، والقاموس ص ٥١٩: "سخره: كلفه ما لا يريد وقهره". ٤ في ابن كثير: التاريخ: (الحوز) .
[ ٢ / ٤٣٧ ]
بالقمامة وخطب عمر هناك خطبة بليغة١.
وفي هذه السنة سار سعد٢ في جنود عظيمة وخلف الحريم بالعتيق٣ مع جيش كثيف، فجاءبا. . . ٤ فوجد عسكرًا من الفرس فهزمهم، ففرقة ذهبت إلى المدائن، وفرقة إلى نهاوند، فسار سعد نحو المدائن فلقوا جمعًا آخر فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وبارز أمير الفرس فبرز إليه نائل الأعرجي٥ من شجعان بني تميم، فتجاولا / [٥٨ / ب] بالرّماح ثم ألقياها، وتقاتلا بالسيوف ثم تعانقا، وسقطا عن فرسيهما، فوقع أمير الفرس على صدر نائل وأخرج خنجرًا ليذبحه بها فوقعت أصبعه في فم نائل فقضمها حتى شغله عن نفسه، وألقى الخنجر فأخذه فذبحه بها٦.
ثم كانت وقعة بهرسير٧ وقد قاتل سعد في دربها طوائف كثيرة، وكانوا
_________________
(١) ١ ابن كثير: التاريخ ٤/٥٥، ٥٦، ٥٧، والخبر بنحوه في الطبري: التاريخ ٣/٦٠٥، ٦٠٦، ٦٠٧، من طريق سيف بن عمر. ٢ ابن أبي وقاص. ٣ في الأصل: (العقيق) وهو تحريف. وفي معجم البلدان ٤/٨٣: "عَتيق الشاجة: قرية بين أذربيجان وبغداد استولت عليها دجلة فخربتها، واسم الموضع معروف إلى الآن ". وفي تاريخ الطبري: (العقيق) . ٤ مطموس في الأصل بمقدار كلمة. ٥ في الأصل: (الأعرج) وهو تحريف. والأعرجي، نسبة للأعرج، وهو الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، قطع رجله غيلان بن مالك بن عمرو تميم. (انظر: جمهرة النسب للكلبي ص ٢٣٤، وجمهرة أنساب العرب ص ٢٢١) . ٦ ابن كثير: التاريخ٤/٦١، ٦٢، الطبري: التاريخ٣/٦١٩، ٦٢١من طريق سيف ابن عمر. ٧ في الأصل، وتاريخ ابن كثير: (نهر شير) وهو تصحيف. والمثبت من الطبري، وفي معجم البلدان ١/٥١٥: (بَهْرُسَير) من نواحي سواد بغداد قرب المدائن. قال أبو مُقرّن: تولّى بنو كسرى وغاب نصيرهم على بهر سير فاستهدّ نصيرها ولما فرغ سعد من القادسية نزل بهر سير ففتحها".
[ ٢ / ٤٣٨ ]
قد وضعوا في درب المسلمين أسدًا عظيمًا لكسرى فتقدم [هاشم ابن] ١ عتبة بن أخي سعد فقتله، والناس ينظرون، فسمي سيفه يومئذ المتين٢ فقبّل سعد رأسه فقبل هاشم قدمه، وحمل هاشم على الفرس فهزمهم٣.
وفيها حج بالناس عمر، وفيها توفي سهيل بن عمرو٤، وعامر بن مالك بن أهيب٥، وعبد الله بن سفيان بن عبد الأسد٦، و[قيس بن أبي صعصعة] وعمرو بن زيد بن عوف٧، ونضير٨ بن الحارث٩١٠.
ثم دخلت سنة ست عشرة:
استهلت وسعد مُنَازِل مدينة بهر سير١١ إحدى١٢ مدينتي كسرى، وينصب المجانيق١٣ وغيرها، ثم
_________________
(١) ١ سقط من الأصل. ٢ في تاريخ الطبري: (المتن) . ٣ ابن كثير: التاريخ٤/٦٣، الطبري: التاريخ ٣/٦٢٢، ٦٢٣، من طريق سيف بن عمر. ٤ في الأصل: (عمر) . ٥ الزهري، أخو سعد بن أبي وقاص، أسلم قديمًا وهاجر الهجرة الثانية إلى الحبشة وقدم مع جعفر، وتوفي بالشام في خلافة عمر. (الإصابة ٤/١٦) . ٦ المخزومي، ابن أخي أبي سلمة، هاجر إلى الحبشة، واستشهد باليرموك. (الإصابة ٤/٧٩) . ٧ الأنصاري المازني، شهد العقبة وبدرًا، وكان أحد أمراء الكراديس يوم اليرموك وقتل يومئذ. (تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء) ص ١٥٤، الإصابة ٥/٢٥٦) . ٨ في الأصل، وتاريخ ابن كثير: (نصُير) بالصاد المهملة، وهو تصحيف. ٩ نُضير بن الحارث بن علقمة العبدري، أسلم عام الفتح، واستشهد باليرموك. (تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء) ص ١٥٤، الإصابة ٦/٢٣٨) . ١٠ ابن كثير: التاريخ ٤/٦٣، ٦٤. ١١ في الأصل: (نهر شير) وهو تصحيف. ١٢ في الأصل: (احد) . ١٣ في الأصل: (المناجنيق) وهو تحريف.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
فتحها سعد بعد قتال شديد، وأشرف منها قبل الفتح رجل على المسلمين، فقال: "يقول لكم الملك: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من دجلة إلى جبلنا، ولكم ما يليكم إلى جبلكم، أما شبعتم لا أشبع الله بطونكم" فبدر إليه بالجواب رجل يقال له: أبو مفزّر١٢ فانطقه الله بكلام لم يدر ما قال، فرجع الرجل إلى الملك وإلى أهل البلد فأخبرهم بما سمع، قال: فرأيناهم يقطعون إلى المدائن، فقال له الناس: "ماذا قلت له"؟ قال: "والذي بعث محمدًا بالحق ما أدري"؟ ثم بعد ذلك نادى رجل من البلد بالأمان فأمنوه، فقال:"والله ما بالبلد أحدًا" فتسوَّر الناس السور، فلم يجدوا أحدًا، بل هربوا إلى المدائن، فسألوا ذلك: لأي شيء هربوا؟ قال: "إن / [٥٩ / أ] الملك بعث رجلًا يعرض عليكم الصلح فأجابه رجل منكم: بأنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبدًا حتى نأكل عسل أفرندين٣ بأترج كوثى٤" فقال الملك: "ياويلاه، إن الملائكة لتتكلم على ألسنتهم، ترد علينا، وتجيبنا عن العرب"٥.
ثم أمر بالرحيل إلى المدائن، فلما دخلوا نهرسير ثم أمر بالرحيل إلى المدائن فلما لاح لهم القصر الأبيض في المدائن الذي ذكره رسول الله ﷺ، وأنه
_________________
(١) ١ في الأصل، وابن كثير: (مُقرّن) وهو تحريف. ٢ الأسود بن قطبة أبو مفرز - بفتح الفاء وتشديد الراء المكسورة بعدها راء -، شهد فتح القادسية، واليرموك. (الإصابة ١/١٠٨) . ٣ أفردندين: موضع بين الري ونيسابور. (معجم البلدان ١/٢٢٨) . ٤ كوثى العراق كوثيان: أحدهما كوثى الطريق، والآخر كوثى ربى، وهما من أرض بابل، وسار سعد من القادسية سنة ست عشرة ففتح كوثى. (معجم البلدان ٤/٤٨٧) . ٥ ابن كثير: التاريخ ٤/٦٤، ٦٥، الطبري: التاريخ ٤/٧.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
سيفتح على أمته١، وكان أول من رآه ضرار بن الخطاب٢ فقال: "الله أكبر أبيض كسرى هذا ما وعدنا الله ورسوله، ثم ساروا نحو المدائن فوعظهم سعد واقتحم بهم البحر، فلما اقتحموه والفرس على حافته جعلوا يقولون: "ديونا ديونا" - يعني: مجانين - فلما رأوهم لا يغرقون قالوا: "إنما نقاتل جنًا" ثم لما خرجوا دخلوا المدائن فوجدوا كسرى قد هرب فأخذوا أمواله وكنوزه، وصدق الله قول رسوله: في تمزيق ملكه٣ [و] ٤ في أنهم يملكون كنوزه وأنها تنفق في سبيل الله. ثم سال سعد من الجيش أن يهبوا له ثياب كسرى وبساط إيوانه ففعلوا، وأرسل ذلك إلى عمر، وكان ذلك لا يحد ولا يوصف فلما وصل ذلك إليه قال٥: "إن قومًا أدوا هذا لأمناء"، فقال له علي: "عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا" ثم ألبس ثياب كسرى خشبة، وذم الدنيا وزينتها٦.
ثم ألبسها سراقة بن مالك بن جُعْشُم٧ وألبسه سواريه٨، وقال: "الحمد
_________________
(١) ١ أحمد: المسند ٥/٨٩، مسلم: الصّحيح، كتاب الإمارة ٣/١٤٥٣، رقم: ١٨٢٢. ٢ الفهري، أسلم عام الفتح، وله ذكر في الفتوح. وقيل: استشهد باليمامة. (الإصابة ٣/٢٧٠) . ٣ البخاري: الصحيح، كتاب العلم ١/٣٦، رقم: ٦٤. ٤ سقط من الأصل. ٥ في الأصل: (فقال) . ٦ ابن كثير: التاريخ ٤/٦٥، ٦٦، ٦٧، والخبر في الطبري: التاريخ مفرقًا ٤/١٥-٢٣، من طريق سيف بن عمر. ٧ المُدلجي، صحابي مشهور، من مسلمة الفتح، توفي في خلافة عثمان سنة أربع وعشرين. (التقريب ص ٢٩) . ٨ السُّوار والسّوار: القلب؛ سِوَار المرأة. (لسان العرب ٤/٣٨٧) .
[ ٢ / ٤٤١ ]
لله سواري كسرى في يدي أعرابي من بني مدلج"١، ٢ وجعل ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال لسراقة ونظر إلى ذراعيه: "كأني بك وقد لبست سواري كسرى" وقال له لما ألبسه: "قل: الله أكبر" فقال. فقال: "قل: الحمد لله الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة بن مالك أعرابي من بني مدلج"٣.
وروي عنه: أنه لما أمره بلبس ذلك طمع أيهبهن له، فقال له: "أدبر" فأدبر، فقال له "أقبل" فأقبل، ثم قال: "بخّ بخّ٤ أعرابي من بني مدلج عليه قباء٥ كسرى، وسراويله، وسيفه، ومنطقه، وتاجه، وخفاه / [٥٩ / ب] رب يوم يا سراقة بن مالك، لو كان عليك فيه هذا من متاع كسرى وآل كسرى، كان شرفًا لك ولقومك، انزع" فنزعت، فقال: "اللهم إنك منعت هذا رسولك ونبيك، وكان أحب أهل الأرض إليك، ومنعته أبا بكر وكان أحب إليك مني، وأكرم عليك مني، وأعطيتنيه، فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي"، ثم بكى حتى رحمه من كان حاضرًا، ثم قال لعبد الرحمن بن عوف: "أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسي"٦.
_________________
(١) ١ مُدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة. (جمهرة أنساب العرب ص ١٨٧) . ٢ البيهقي: دلائل النبوة ٦/٣٢٥، عن الحسن مرسلًا، وابن كثير: التاريخ ٤/٦٩، من طريق الهيثم بن عدي. ٣ البيهقي: دلائل النبوة٦/٣٢٥، ٣٢٦، حكاية عن الشافعي، وابن كثير: التاريخ ٤/٦٩. ٤ بخّ بخّ؛ مسكنين، وَمُنَوَّنين، ومشددين: كلمة تقال عن الرضى والإعجاب بالشيء، أو الفخر والمدح. (القاموس ص ٣١٧) . ٥ القباء: ممدود، من الثياب: الذي يلبس مشتق من ذلك لاجتماع أطرافه. (لسان العرب ١٥/١٦٨) . ٦ ابن كثير: التاريخ ٤/٦٩، وفيه الهيثم بن عدي، وهو متروك الحديث. (الجرح والتعديل ٩/٨٥، وأسامة بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. (التقريب ص ٩٨) .
[ ٢ / ٤٤٢ ]
وكان في ذلك سيف كسرى، فقال عمر: "الحمد لله الذي جعل سيف كسرى فيما يضره، ولا ينفعه، ثم قال: إن كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتي من الدنيا عن آخرته، فجمع لزوج امرأته أو لزوج ابنته ولم يقدم لنفسه، ولو قدم لنفسه ووضع١ الفضول في مواضعها لحصل له"٢.
وقد حصل لعلي بن أبي طالب قطعة من بساط كسرى، فباعها بعشرين ألفًا، وكان قيد شبر في شبر٣.
ثم إن كسرى هرب من المدائن إلى حلوان، ووضع وراءه جيشًا كثيفًا، وأقسموا أن لا يفروا حتى يقتلوا العرب، فأرسل إليه سعد ابن أخيه هاشم في جيش بأمر عمر له ذلك، فسار إليهم فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فكانت وقعة جلولاء، وإنما سميت بذلك؛ لأن القتلى جللت الأرض. وغنموا قدر ما غنموا من المدائن، ثم بعث سعد بالخمس إلى عمر، وكان مع ذلك في جملة من قدم عليه زياد بن أبي سفيان٤، فسأله عن كيفية الواقعة فذكرها فأعجب عمر إيراده، وأحب أن يسمع المسلمون ذلك، فقال: "أتستطيع أن تخطب الناس"؟ قال: "نعم، إنه ليس أحد على وجه الأرض أهيب عندي منك، وقد سمعت كلامي فكيف لا أقوى٥ على أعظم من هذا مع غيرك"؟ فخطب الناس، فقال عمر: "إن هذا لهو الخطيب المصقع" يعني الفصيح٦، ثم حلف
_________________
(١) ١ مطموس في الأصل سوى: (وع) . ٢ ابن كثير: التاريخ ٤/٧٠، عن سيف بن عمر. ٣ الخبر بأطول في الطبري: التاريخ ٤/٢٢، من طريق سيف بن عمر. ٤ زيادة بن أبيه. ٥ في الأصل: (لاقوى) . ٦ في لسان العرب ٨/٢٠٣: خطيب مِصْقعٌ: بليغ.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
عمر أن لا يجن هذا المال سقف حتى يقسمه. فبات عبد الله١ بن أرقم٢، وعبد الرحمن / [٦٠ / أ] ابن عوف يرحسانه إلى الغد٣.
ولما فتح هاشم٤ جلولاء٥ أمره عمر أن يقيم بها، ويرسل القعقاع٦ إلى حلوان، فهرب كسرى منها إلى الرّيّ، وجاء القعقاع ففتحها٧.
ثم كان فتح الموصل، وتكريت٨، وما سبذان٩، وقرقيسياء١٠، وهيت١١١٢.
وفيها بعث أبو عبيدة عمرو بن العاص إلى قنسرين فصالح أهل حلب،
_________________
(١) ١ في الأصل: (زيد) وهو وهم، والمثبت من تاريخ الطبري وابن كثير. ٢ الزهري. ٣ ابن كثير: التاريخ٤/٧٠، ٧١، ٧٢، والطبري عن سيف مفرقًا. (التاريخ٤/٢٤-٣٠) . ٤ في الأصل: (هشام) وهو تحريف. ٥ في الأصل: (رجولا) وهو تحريف. ٦ القعقاع بن عمرو التميمي الداري، أحد الشجعان الفرسان، كان له في قتال الفرس بالقادسية وغيرها بلاء عظيم، وشهد فتح دمشق. (الإصابة ٥/٢٤٥) . ٧ ابن كثير: التاريخ ٤/٧٣، الطبري: التاريخ ٤/٣٤، من طريق سيف بن عمر. ٨ تكريت: بلدة مشهورة بين بغداد والموصل، وهي إلى بغداد أقرب. (معجم البلدان ٢/٣٨) . ٩ في الأصل: (ما سندان) وهو تصحيف. ١٠ قَرْقيسياء: بلد على نهر الخابور قرب رحبه مالك بن طوق على ستة فراسخ، وتسمى اليوم البصيرة. (معجم البلدان ٤/٣٣٨، مجلة العرب ص ٢٦٨) . ١١ هيت: بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار. (معجم البلدان ٥/٤٢١)، وعندها مِصبّ الخابور في الفرات. (معجم البلدان ٤/٣٢٨) . ١٢ ابن كثير: التاريخ ٤/٧٣، ٧٤، الطبري: التاريخ ٤/٣٥، ٣٦، ٣٧، من طريق سيف ابن عمر
[ ٢ / ٤٤٤ ]
ومنبج، وأنطاكية على الجزية١، وفتح سائر بلاد قنسرين عنوة٢.
وفيها غرب عمر أبا محجن٣.
وفيها تزوج عبد الله بن عمر صفية٤ بنت أبي عبيد أمير يوم الجسر٥.
وفيها حج عمر بالناس، واستخلف على المدينة زيد بن ثابت٦٧.
وفيها توفيت مارية أم إبراهيم بن النبي ﷺ وسريته وكانت من الصالحات الكبار٨.
ثم دخلت سنة سبع عشرة:
فيها انتقل سعد من المدائن إلى الكوفة بأمر عمر، لأنهم استوخموا٩ المدائن، وبنوا الكوفة بالقصب فاحترقت في أثناء السنة، فأمرهم عمر أن يبنوها باللبن ولا يسرفوا، فعمل سعد المسجد وبنى عند محرابه قصر الإمارة، وبنى له قصرًا عند السوق وكان يغلق باب قصره من غوغاء١٠ الناس، فأرسل عمر محمد بن مسلمة١١ وأمره إذا انتهى إلى
_________________
(١) ١ ابن كثير: التاريخ٤/٧٥، الذهبي: تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) ص ١٦٢. ٢ ابن كثير: التاريخ٤/٧٥، الذهبي: تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) ص: ١٦٢. ٣ ابن كثير: التاريخ ٤/٧٥، الطبري: التاريخ ٤/٣٨، عن الواقدي. ٤ الثقفية، توفيت في إمارة عبد الله بن الزبير. (الإصابة ٨/١٣١) . ٥ ابن كثير: التاريخ ٤/٧٥، الطبري: التاريخ ٤/٣٨، عن الواقدي. ٦ الأنصاري النجاري، صحابي مشهور، كتب الوحي، توفي سنة خمس وأربعين. (التقريب ص ٢٢٢) . ٧ ابن كثير: التاريخ ٤/٧٥، الطبري: التاريخ ٤/٣٨، ٣٩، عن الواقدي. ٨ ابن كثير: التاريخ ٤/٧٦، ابن حجر: الإصابة ٨/١٨٥. ٩ في الأصل: (استوحموا) وهو تصحيف. قال ابن منظور: "بلدة وخمة ووخيمة: إذ لم يوافق سكنها) . (لسان العرب ١٢/٣٦١) . ١٠ الغوغاء: سَفِلة الناس. (لسان العرب ١٥/١٤٢) . ١١ الأنصاري صحابي مشهور، توفي بعد الأربعين. (التقريب ص ٧٥) .
[ ٢ / ٤٤٥ ]
الكوفة أن يقدح زناده، ويجمع حطبًا، ويحرق باب قصره، ثم يرجع من فوره فانتهى ففعل ما أمر به، وأمر سعد أن لا يغلق بابه ولا يجعل بابه على أحد١.
وفي هذه السنة حصر الروم أبا عبيدة وأصحابه بحمص فسار إليهم عمر من المدينة، وكتب إلى سعد أن يرسل جيشًا إليهم، وإلى أهل الجزيرة جيشًا، لأنهم قدموا معهم لنصرهم، فلما سمع بذلك أهل الجزيرة ساروا إلى بلدهم، فافتتحها عياض بن غَنْم٢ أمير السرية إليهم، وخرج أبو عبيدة ومن معه من حمص فبارزهم فهربوا، وكان عمر قد وصل إلى سَرْغ فرجع لأجل الوباء٣.
وفيها تزوج عمر أم كلثوم بنت عليّ٤.
وفيها كانت قضية المغيرة ورميه بالزنا، وعزله عنها، وولاّها أبا موسى الأشعري٥.
وفيها فتحت الأهواز ومنَاذر٦ / [٦٠ / ب] ونهرتِيري٧٨، وقدم العلاء بن الخضرمي على بلاد فارس من جهة البحر في المراكب، وكان عمر يكره ذلك، وكان عن غير أمر عمر بل هو بادر ذلك، فحصل لمن معه من الجيش مشقة، وحبس الكفار لهم، فعزله عن الجيش وأمر سعدًا أن يرسل إليهم جيشًا
_________________
(١) ١ ابن كثير: التاريخ٤/٧٦، ٧٧، الطبري: التاريخ٤/٤٠-٤٧، من طريق سيف بن عمر. ٢ الفهري، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد، توفي بالمدينة سنة عشرين. (الإصابة ٥/٥٠) . ٣ ابن كثير: التاريخ ٤/٨٣، الطبري: التاريخ ٤/٥١، ٥٢، ٥٧. ٤ ابن كثير: التاريخ ٤/٨٣، الطبري: التاريخ ٤/٦٩، عن الواقدي. ٥ ابن كثير: التاريخ٤/٨٣، الطبري: التاريخ٤/٦٩، ٧٠، ٧١، عن الواقدي، وسيف بن عمر. ٦ منَاذر: بلدتان بنواحي خوزستان: مناذر الكبرى ومناذر الصغرى. (معجم البلدان ٥/١٩٩) . ٧ نهرتيري: بلد من نواحي الأهواز. (معجم البلدان ٥/٣١٩) . ٨ ابن كثير: التاريخ ٤/٨٤، الطبري: التاريخ ٤/٧٢، من طريق سيف بن عمر.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
ففعل، فسار الجيش فوجدوهم في حصر شديد، وقد اجتمع عليهم من الجيوش ما لا يحصى فهزموا الكفار١، ثم كان فتح السوس، ورامهَرُمُز، وأسر الهرمزان بعد أن صولح ونقض العهد مرتين، وقدم به على عمر، فلما دنوا به من المدينة ألبسوه ثيابه ودخلوا به، فسألوا عن عمر، فقيل: نائم في المسجد، فجاءوا إليه وهو نائم متوسد بُرْنُسًا٢ ودرته معلقة في يده، فقال الهرمزان: "أين عمر؟ "، قالوا: "هوذا"، وجعلوا٣ يحفظون أصواتهم هيبة له، لئلا ينبهوه خوفًا منه، وجعل الهرمزان يقول: "فأين حُجّابه؟، أين حرسه؟! " قالوا: "ليس له حُجّاب ولا حرس". فقال: "ينبغي أن يكون نبيًّا"، فقالوا له: "إنه ليس بنبيّ، ولكن يعمل عمل النبيّ، فاستيقظ عمر، فقال: "الهرمزان؟ "، قالوا: "نعم". ثم وقع له أمور يطول ذكرها، ثم أسلم إلى أن قتله عبيد الله بن عمر٤.
ثم دخلت سنة ثمان عشرة:
فكان فيها القحط المعروف بعام الرمادة، وطاعون عَمَواس٥.
وفيها حجّ بالناس عمر، وفتحت الرّقّة، والرّها، وحرّان على يد عياض بن غَنْم، ورأس عين الوردة٦ على يد عمير بن سعد٧٨، وفتحت
_________________
(١) ١ ابن كثير: التاريخ ٤/٨٥، ٨٦، الطبري: التاريخ ٤/٧٩، من طريق سيف بن عمر. ٢ البَرْنس - بالضم - قَلَنْسُوَةٌ طويلة، أو كل ثوبٍ راسه منه، دُرَّاعة كان أو جُبّة أو ممطرًا. (القاموس ص ٦٨٥) . ٣ في الأصل: (وجعلوا) . ٤ ابن كثير: التاريخ ٤/٨٧، الطبري: التاريخ ٤/٨٣، من طريق سيف بن عمر. ٥ ابن كثير: التاريخ ٤/٩٢، الطبري: التاريخ ٤/٩٦. ٦ رأس عينٍ: مدينةكبيرةمن مدن الجزيرة بين حَرّان ونصيبين ودُنيسر. (معجم البلدان٣/١٤) . ٧ في الأصل، وابن كثير: (عمر بن سعد بن أبي وقاص) . وهو وهم؛ لأن عمر بن سعد لم يدرك ذلك، والمثبت من الطبري. ٨ الأنصاري الأوسي، صحابي، كان عمر يسميه: نسيبح وحده. (التقريب ص ٤٣١) .
[ ٢ / ٤٤٧ ]
شمشاط١، وسار عياض٢ إلى الموصل فافتتحها٣.
ومن أعيان من توفي في طاعون عَمَواس: الحارث بن هشام٤، وشرحبيل بن حسنة، ومعاذ بن جبل، وأبو عبيدة بن الجراح أمير المسلمين ببلاد الشام، والفضل بن عباس٥، ويزيد بن أبي سفيان٦، وأبو جندل٧، وأبو مالك الأشعري٨، وغيرهم٩.
ثم دخلت سنة [تسع] ١٠ عشرة:
وفيها قتل صفوان بن المعطّل١١.
وفيها كانت وقعة / [٦١ / أ] بأرض العراق١٢.
وفيها توفي أبي بن كعب سيد القرّاء١٣.
_________________
(١) ١ شمشاط: مدينة بالروم على شاطئ الفرات، شرقيها بالوية وغربيها خرتبرت، وهي الآن محسوبة من أعمال خرتبرت. (معجم البلدان ٣/٣٦٢) . ٢ ابن غنم. ٣ ابن كثير: التاريخ ٤/٩٥، الطبري: التاريخ ٤٠/١٠١، عن الواقدي. ٤ ابن المغيرة المخزومي، صحابي، أسلم يوم الفتح ثم حسن إسلامه، وتوفي في طاعون عَمَواس. (الإصابة ١/٣٠٧) . ٥ ابن عبد المطب. ٦ الأموي، أمير الشام، أسلم عام الفتح. (الإصابة ٦/٤٣١) . ٧ ابن سهيل بن عمرو القرشي له صحبة وجهاد. (تاريخ الإسلام ص ١٨٤، الإصابة ٧/٣٣) . ٨ كعب بن عاصم الأشعري، نزل الشام ومصر. (التقريب ص ٤٦١، ابن كثير: التاريخ ٤/٩٨) . ٩ ابن كثير: التاريخ ٤/٩٧، ٩٨، الذهبي: تاريخ الإسلام ص: ١٨٣، ١٨٤، ١٨٥. ١٠ سقط من الأصل. ١١ السلمي الذكواني، صاحب النبي ﷺ قال فيه النبي ﷺ يوم الإفك: "ما علمت عليه إلا خيرًا". الذهبي: تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) ص: ١٨٩. ١٢ ابن كثير: التاريخ ٤/٩٨، الذهبي: تاريخ الإسلام ص: ١٨٧، ١٨٨. ١٣ ابن كثير: التاريخ ٤/٩٩، الذهبي: تاريخ الإسلام ص: ١٩١.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
ثم دخلت سنة عشرين:
فيها كان فتح بلاد مصر، والإسكندرية على يد عمرو بن العاص، وكان نيل مصر لا يزيد كل سنة حتى تشترى له جارية بكر أبويها، وتزين وتلقى فيه، فمنعهم عمرو من ذلك، فلم يزد حتى هم أهل مصر بالجلاء عنها، فكتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه عمر قد أصبت وإني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتاب فألقها في النيل، فأخذ عمرو١ البطاقة فإذا فيها مكتوب: "من عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، إلى نيل مصر، أما بعد:
فإن كنت إنما تجري من قِبَل نفسك، وبأمرك فلا تجري ولا حاجة لنا بك، وإن كنت إنما تجري بأمر الله القادر على كل شيء، فنسأل الله القادر على كل شيء أن يجريك. قال: فألقى البطاقة فيه، والنيل قد تقلص ونقص جدًا، فأصبح في اليوم الثاني، وقد أجرى الله النيل وزاد ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة٢.
فيها دخل عبد الله بن قيس٣ أرض الروم فسلم وغَنِم٤.
وفيها عزل عمر قدامة٥ عن البحرين وحده في الشراب٦.
وفيها شكى أهل الكوفة سعدًا إلى عمر فعزله عنها٧.
_________________
(١) ١ في الأصل: (عمر) وهو تحريف. ٢ ابن كثير: التاريخ ٤/٩١، ١٠٢. ٣ أبو بحرية البراعيمي مشهور بكنيته. (الإصابة ٧/٢٢) . ٤ ابن كثير: التاريخ ٤/١٠٣، الطبري: التاريخ ٤/١١٢) . ٥ ابن مظعون القرشي الجمحي، أحد السابقين الأوّلين هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، توفي سنة ست وثلاثين. (الإصابة ٥/٢٣٢) . ٦ في الأصل: (الشرب) وهو تحريف. ٧ ابن كثير: التاريخ ٤/١٠٣.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
وفيها أجلى عمر يهود خيبر، ونصارى نجران، ودوّن الدواوين، وفيها بعث عمر علقمة١ إلى الحبشة في البحر فأصيبوا، فآلى عمر على نفسه أن لا يبعث جيشًا في البحر٢.
وفيها مات بلال، وأُسيد بن حُضَير٣، وأنيس بن مرثد٤، وسعيد ابن عامر٥، وعياض بن غَنم، وأبو سفيان بن الحارث٦، وأبو الهيثم بن التيهان٧، وزينب بنت جحش أم المؤمنين، وصفية بنت المطلب٨ أم الزبير وعمة النبي ﷺ وعويم بن ساعدة. ثم دخلت سنة إحدى وعشرين:
فيها كان فتح (نهاوند)، ويقال لها: فتح الفتوح، فإنه لم يقع على المسلمين بأرض العراق أشد منها، لم يرعبهم أكثر منها، ولا هاب عمر غيرها، وعزم أن يسير إلى العراق فمنعه الصحابة من ذلك، ثم كان الظفر فيها للمسلمين بعد حرب كثير جدًا، وقتل فيها جماعة من المسلمين، وقتل من الكفار ما لا يحصى، وغنموا نحو ما غنموا من المدائن٩ ١٠.
_________________
(١) ١ ابن مجزز المدلجي، صحابي، شهد اليرموك، وحضر الجابية وكان عاملًا لعمر على فلسطين. (الإصابة ٦/٢٦٧) . ٢ ابن كثير: التاريخ ٤/١٠٣، الطبري: التاريخ ٤/١١٢، عن الواقدي. ٣ الأنصاري الأشهلي. ٤ ابن أبي مرثد الغنوي، هو وأبوه وجده صحابة. (تاريخ ابن كثير ٤/١٠٤، الإصابة ١/٧٧، ٧٨) . ٥ ابن خذيم الجمحي، أسلم قبل خيبر، ولاه عمر حمص وكان مشهورًا بالخير. (الإصابة ٣/٩٩) . ٦ الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاعة. (الإصابة ٦/٨٦) . ٧ الأنصاري الأوسي، شهد بدرًا والعقبة والمشاهد كلها. (الإصابة ٧/٢٠٩) . ٨ الهاشمية. (الإصابة ٨/١٢٨) . ٩ ابن كثير: التاريخ ٤/١٠٤، ١٠٥، ١٠٦. ١٠ ابن كثير: التاريخ ٤/١٠٧، ١٠٨، ١٠٩، الطبري: التاريخ ٤/١١٤، ١١٥.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
وبعدها فتحت مدينة جَي وأصبهان١ بعد قتال كثير / [٦١/ب] وفتح أبو موسى قم٢ وقاشان٣، وفتح سهيل بن عدي٤ كرمان، وفتحعمرو بن العاص طرابلس، وبعث عقبة بن نافع٥ إلى زويلة٦ فافتتحها.
وفيها ولى عمر عمارَ بن ياسر على الكوفة، وجعل عبد الله بن مسعود على بيت المال، فاشتكى أهل الكوفة عمارًا، واستعفى هو أيضًا فعزله، وولى جبير بن معطم٧، ثم عزله قبل المسير، وولى المغيرة بن شعبة فلم يزل عليها إلى أن قتل عمر٨.
وفيها توفي خالد بن الوليد سيف الله وسيف رسوله، وطليحة بن خويلد الأسدي سيد الفرسان المعدود بألف، وعمرو بن معدي كرب٩ كبير الشجعان، والعلاء بن الحضرمي المجاب الدعوة، والنعمان بن مقرن١٠.
_________________
(١) ١ جيّ - بالفتح ثم التشديد -: اسم مدية ناحية أصبهان القديمة، وهي الآن كالخراب منفردة. (معجم البلدان ٤/٣٩٧) . ٢ قُمُّ - بالضمّ، وتشديد الميم -: مدينة تذكر مع قاشان، وتقع بين أصبهان وساوة. (معجم البلدان ٤/٣٩٧) . ٣ قاشَان: مدينة قرب أصبهان تذكر مع قُمّ. (معجم البلدان ٤/٢٩٦) . ٤ الأزدي حليف بني عبد الأشهل. (الإصابة ٣/١٤٥) . ٥ الفهري، ولد على عهد رسول الله ﷺ وشهد فتح مصر مع عمرو بن العاص، وبنى القيروان، وقتل سنة ثلاث وستين. (الإصابة ٥/٨١) . ٦ زَوِيلة: بلد مقابل أجدابية في البرّ بين السودان وإفريقية. (معجم البلدان ٣/١٦٠) . ٧ القرشي النوفلي، صحابي عارف بالأنساب، توفي سنة ثمان - أو تسع - وخمسين. (التقريب ص ١٣٨) . ٨ ابن كثير: التاريخ ٤/١١٤، ١١٥. ٩ الزبيدي أحد فرسان العرب أسلم في السنة التاسعة، شهد القادسية وله فيها بلاء حسن. (الإصابة ٤/١٨) . ١٠ ابن كثير: التاريخ ٤/١١٥، ١٢١، ١٢٢، ١٢٣، الذهبي: تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) ص: ٢٢٩، ٢٣٩.
[ ٢ / ٤٥١ ]
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين:
كان فيها فتح هَمَدان ثانية والرّيَ، وأذربيجان، وقُومِس١ فتحها سويد بن مقرن٢، وجُرجان٣، وطبرستان٤، وباب الأبواب٥ وغيرها٦، وكان في هذه السنة فتوحات كثيرة٧.
وفيها كان فتح أرمينية، وجبال ألان٨، وتَفِلِيس٩، ومُقان١٠.
ولما استقر أمر تلك البلاد كتب عمر إلى عبد الرحمن بن ربيعة١١ يأمره
_________________
(١) ١ قُومِس - بالضم ثم السكون، وكسر الميم -: كورة كبيرة واسعة تشتمل على مدن وقرى ومزارع، وهي في ذيل جبل طبرستان وأكبر ما يكون في ولاية ملكها. (معجم البلدان ٤/٤١٤) . ٢ المزني، صحابي، نزل الكوفة مشهور. (التقريب ص ٢٦٠) . ٣ جُرجان: مدينة مشهورة عظيمة بين طبرستان وخراسان، فبعض يعدها من هذه وبعض يعدها من هذه. (معجم البلدان ٢/١١٩) . ٤ طَبَرستان: بلدان واسعة كثيرة يشملها هذا الاسم، وهذه البلاد مجاروة لجيلان وديلمان، وهي بين الريّ وقومس والبحر وبلاد الديلم والجبل، فمن أعيان بلدانها: دهشتان، وجرجان، وآمل. (معجم البلدان ٤/١٣) . ٥ باب الأبواب: مدنية على بحر طبرستان، وهو بحر الخزر. (معجم البلدان ١/٣٠٣) . ٦ في الأصل " غيرهم " وهو تحريف. ٧ ابن كثير: التاريخ ٤/١٢٣، ١٢٥، الطبري: التاريخ ٤/١٤٦-١٥٧. ٨ جبال أللان: بلاد واسعة لهم بلاد متاخمة للدربند في جبال القبْق وليس هناك مدينة كيبرة مشهورة. (معجم البلدان ١/٢٤٥) . ٩ تفليس - يفتح أوّله ويكسر -: بلد بأرمينية الأولى وبعض يقول بارّان، وهي قصبة ناحية جرْزان قرب باب الأبواب. (معجم البلدان ٢/٣٥) . ١٠ مُوقان - بالضم ثم السكون -: ولاية فيها قرى ومروج كثيرة تحتلها التركمان للرّعي فأكثر أهلها منهم، وهي بأذربيجان يمرّ القاصد نمن أردييل إلى تبريز في الجبال. (معجم البلدان ٥/٢٢٥) . ١١ الباهلي، شهد القادسية، استعمله عمر على الباب والأبواب، وقتال الترك واستشهد في بلنجر في خلافة عثمان. (الإصابة ٤/١٥٩) .
[ ٢ / ٤٥٢ ]
بغزو بلاد الترك، وكان، وصدق الله حديث رسوله١٢.
وفيها حجّ بالناس عمر٣.
وفيها غزا الأحنف خراسان، فافتتحها بعد أمور شديدة، وفتح حذيفة الدينور عنوة٤.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين٥:
وكانت وقعة سارية بن زُنَيم، وفتح كرمان، وسجستان، ومكران٦.
وفيها كانت وقعة الأكراد٧.
وفي هذه السنة قتل عمر - ﵁.
وقال جماعة: فتح الفتوح٨، ومصر الأمصار، وجند الأجناد، ووضع الخراج٩، ودون الدواوين، وفرض الأعطية، واستقضى القضاة، وكور الكور، مثل السواد، والأهواز، والجبال١٠، وفارس وغيرها.
_________________
(١) ١ يشير إلى قول النبي ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر، وحتى تقاتلوا الترك صغار الأعين". الحديث: (صحيح البخاري، كتاب المناقب ٣/١٣١٥، رقم: ٣٣٩٤، صحيح مسلم، كتاب الفضائل رقم: ٢٣٦٤) . ٢ ابن كثير: التاريخ ٤/١٢٦. ٣ ابن كثير: التاريخ ٤/١٢٩، ١٣٠، ١٣٣، الطبري: التاريخ ٤/١٦٧. ٤ ابن كثير: التاريخ ٤/١٢٩، ١٣٠، ١٣٣، الطبري: التاريخ ٤/١٦٧. ٥ في الأصل: (ثلاث عشرة) وهو تحريف. ٦ ابن كثير: التاريخ ٤/١٣٤، ١٣٧، الطبري: التاريخ ٤/١٧٨، ١٨٩. ٧ ابن كثير: التاريخ ٤/١٣٤، ١٣٧، الطبري: التاريخ ٤/١٧٨، ١٨٩. ٨ في الأصل: (فتح فتوح) والتصويب من تاريخ ابن كثير. ٩ في الأصل: (الخزاد) وهو تحريف. . ١٠ يطلق اسم إقليم الجبال على البلاد الجبلية الواسعة الممتدة من سهول العراق، والجزيرة في الغرب إلى مفازة فارس الملحية في الشرق ثم سمي هذا الإقليم بعراق العجم. (مراصد الإطلاع ١/٣٠٩، فتوح البلدان للبلاذري ص ٧٠٣) .
[ ٢ / ٤٥٣ ]
وفتح الشام كلّه، والجزيرة، والموصل، وميا فارقين١، وآمد وأرمينية، ومصر، وإسكندرية، وطرابلس الغرب، وبرْقة٢، ومدن الشام كلّها، وحلب، وأنطاكية، والرّها، والرّقّة، وديار بكر٣٤، وديار ربيعة٥، وبلاد الموصل كلّها / [٦٢ / أ]، وسائر مدن كسرى كالقادسية والحيرة، وبهرسير٦، وساباط٧، وكور الفرات٨، ودجلة، والأُبلة٩، والبصرة، والأهواز، وفارس، ونهاوند، وهمذان، والرّيّ، وقومس، وخراسان، واصطخر، وأصبهان، والسوس، ومرو، ونيسابور، وجرجان، وأذربيجان، وغير ذلك١٠.
_________________
(١) ١ في الأصل: (منافارين) وهو تحريف. ٢ برقة - بفتح أوّله والقاف -: اسم صُقع كبير يشتمل على مُدن وقرى بين الأسكندرية وإفريقية، واسم مدينتها أنطابلس. (معجم البلدان ١/٣٨٨) . ٣ ديار بكر: هي بلاد كبيرة واسعة، حدّها ما غرّب من دجلة إلى بلاد الجبل المطلّ على نصيبين إلى دجلة، ومنه: حصن كيفا آمد ومَيّافارقين. (معجم البلدان ٢/٤٩٤) . ٤ في الأصل: (منافارين) وهو تحريف. ٥ ديار ربيعة: بين الموصل إلى رأس عين نحو بقعاء الموصل ونصيبين، ورأس عين ودُنيسر والخابور جميعه وما بين ذلك من المدن والقرى. (معجم البلدان ٢/٤٩٤) . ٦ في الأصل: (نهر شير) وهو تصحيف. ٧ ساباط كسرى: بالمدائن موضع معروف، سمي بساباط بن باطا الذي كان ينزل به. معجم البلدان ٣/١٦٦) . ٨ في الأصل: (الفراه) وهو تحريف. ٩ الأبلة: بلدة على شاطئ دجلة العظمى في زاوية الخليج يدخل إلى مدينة البصرة. (معجم البلدان ١/٧٦، ٧٧) . ١٠ ابن كثير: التاريخ ٤/١٣٨.
[ ٢ / ٤٥٤ ]