الباب الثاني والخمسون: في ذكر زهده
عن مجاهد١ قال: قال عمر ﵁: "وجدنا خير عيشنا الصبر"٢، ٣.
وعن الأحوص بن حكيم٤ عن أبيه٥ قال: "أُتي عمر بن الخطاب ﵁ بلحم فيه سمن، فأبى أن يأكلهما، وقال: "كل واحد منهما أدم"٦.
قال ابن سعد: "قال ابن عمر: "كان أبي لا يتزوج النساء لشهوة إلا طلب الولد"٧.
وعن الحسن٨ قال: "ما ادَّهنَ عمر ﵁ حتى قتل إلا بسمن أو إهالة٩ وزيت"١٠، يريد أنه لم يَدَّهِن بطيب١١.
_________________
(١) ١ ابن جبر. ٢ في صحيح البخاري، والزهد لابن المبارك ووكيع: " بالصبر". ٣ ابن المبارك: الزهد ص ٢٢٢، وكيع: الزهد ٢/٤٤٩، أحمد: الزهد ص ١١٧، وإسناده صحيح إلى مجاهد، لكنه منقطع، وأبو نعيم: الحلية ١/٥٠، البخاري معلقًا جازمًا الصحاح كتاب الرقاق ٥/٢٣٧٥، وابن حجر: فتح الباري ١١/٣٠٣، وعزاه لأحمد في الزهد وقال: "بسند صحيح". والحاكم كما في فتح الباري ١١/٢٠٢، من رواية مجاهد عن سعيد بن المسيب. ٤ العنْسي، أو الهمداني، ضعيف الحفظ، من الخامسة. وكان عابدًا. (التقريب ص ٩٦) . ٥ حكيم بن عمير، الحمصي، صدوق يهم من الثالثة. التقريب ص ١٧٧) . ٦ ابن سعد: الطبقات ٣/٣١٩، وابن الجوزي: مناقب ص ١٣٦، وهو ضعيف لانقطاعه، وفيه الأحوص بن حكيم ضعيف. ٧ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٢٤، ٣٢٥، وفي إسناده الواقدي، وابن الجوزي: مناقب ص ١٢٦. ٨ الحسن البصري. ٩ الإهالة: للشحم، أو ما أذيب منه أو الزّيت وكلِّ ما ائتُدم به. (القاموس ص١٢٤٥) . ١٠ في المصنف والطبقات: (أو زيت مقتت) . ١١ ابن أبي شيبة: المصنف ١٣/٢٦٩، وابن سعد: الطبقات ٣/٣١٩، وإسنادهما حسن إلى الحسن، والحسن لم يدرك عمر، فيهما جفعر بن سليمان، ومالك بن دينار، وهما صدوقان. (التقريب رقم: ٩٤٢، ٦٤٣٥)، وابن الجوزي: مناقب ص ١٣٦.
[ ٢ / ٥٦١ ]
وعن حبيب١ بن أبي ثابت عن عمر ﵁ قال: "قدم علينا ناس من أهل العراق منهم جرير بن عبد الله٢، قال: فأتاهم بجفنة٣ قد صنعت بخبز وزيت، "فأخذوا أخذًا ضعيفًا، فقال لهم: "قد أرى ما تقرمون٤، فأي شيء تريدون؟، أحلوًا أو حامضًا أو باردًا٥، ثم قذفًا في البطون"٦.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى٧ قال: "قدم على عمر ﵁ ناس من قراء العراق، فرأى كأنهم يأكلون تعذيرًا، فقال: "ما هذا يا أهل العراق؟ ولو شئت أن نُدُهْمَقَ٨ لكم لفعلت، ولكنا نستقبِي من دنيانا ما نجده لآخرتنا أما سمعتم قول الله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُم طيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ
_________________
(١) ١ حبيب بن أبي ثابت الأسدي مولاهم، ثقة فقيه جليل وكان كثير الإرسال والتدليس، من الثالثة، توفي سنة تسع عشرة ومئة. (التقريب ص ١٥٠) . ٢ البجلي. ٣ الجفنة: القصعة. (القاموس ص ١٥٣١) . ٤ القرم: الأكل ما كان، وقال ابن السكيت: "قرم يقرم قرمًا: إذا أكل أكلًا ضعيفًا". (لسان العرب ١٢/٤٧٤) . ٥ في الأصل: (لحوًا وحامضًا وحارًا أو باردًا)، والتصويب من الزهد. ٦ ابن أبي شيبة: المصنف ١٣/٧٥، وهناد: الزهد ٢/٣٦٠، أبو نعيم: الحلية ١/٤٩، ابن الجوزي: مناقب ص ١٣٦، والحديث ضعيف إسناده منقطع، حبيب بن ثابت لم يدرك عمر، وفيه الأعمش مدلس، وقد عنعن، وفي إسناد الزهد والحلية مجهول. ٧ الأنصاري، ثقة، اختلف في سماعه من عمر، توفي بوقعة الجحاجم سنة ثلاث وثمانين، وقيل: إنه غرق. (التقريب ص ٣٤٩) . ٨ دهمق الطعام: طيّبه ورقّقه ولينه. (القاموس ص ١١٤٢) .
[ ٢ / ٥٦٢ ]
الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] . الآية١.
وعن سالم بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب كان يقول: "والله ما نعبأ بلذات العيش أن نأمر بصغار المعزى أن تسمط٢ لنا، ونأمر بلبابه٣ الخبر فيخبز لنا، ونأمر بالزبيب فينبذ لنا في الأسعان٤٥ حتى إذا صار مثل عين اليعقوب٦ أكلنا هذا وشربنا هذا، ولكنا نريد أن نستبقي طيّباتنا؛ لأنا سمعنا الله يقول: ﴿أَذْهَبْتُم طيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾، [الأحقاف: ٢٠] . الآية٧.
وعن الحسن٨ - ﵀ - أن عمر - رضوان الله عليه - قال: "والله إني لو شئت كنت ألينكم طعامًا وأرقّكم عيشًا، إني والله ما أجهل عن كُرَاكِرَ وأَسْنِمة٩، وعن صلاء١٠، وصناب١١، وصلائق١٢، ولكني
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة: المصنف ١٣/٢٧٣، وإسناده صحيح، ومن طريقه أبو نعيم: الحلية ١/٤٩، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ١٣٦، ١٣٧. ٢ سمط الجدي، يَسْمِطُه، ويَسْمُطه: نتف صوفه بالماء الحار. (القاموس ص ٨٦٧) . ٣ اللباب: الخالص من كل شيء. (النهاية ٤/٢٢٣) . ٤ في الأصل: (الأسعار)، وهو تحريف. ٥ الأسعان: جمع سعن، والسُّعْن: قربة تقطع من نصفها وينتبذ فيها، وقد يستقى بها. (القاموس ص ١٥٥٥) . ٦ اليعقوب: الحجل. (القاموس ص ١٤٩) . ٧ أبو نعيم الحلية١/٤٩، وإسناده ضعيف لانقطاعه، سالم لم يدرك عمر بن الخطاب، وفيه موسى بن سعد بن زيد لم يوثّقه غير ابن حبان. (تهذيب التهذيب ١٠/٣٠٧)، وابن الجوزي: مناقب ص ١٣٧. ٨ البصري. ٩ ما أجهل عن كراكر وأسنمة: يريد إحضارها للأكل، فإنها من أطايب ما يؤكل من الإبل. (النهاية ٤/١٦٦) . وكراكر: واحدتها: كركرة: الصدر من ذي خف. (المعجم الوسيط ٢/٧٩٠) . ١٠ الصلاء - بالمد والكسر -: الشواء. (النهاية ٣/٥١) . ١١ الصناب: الخردل المعمول بالزيت، وهو صباغ يؤتدم به. (النهاية ٣/٥٥، ولسان العرب ١/٥٣١) . ١٢ الصلائق: الرقاق، واحدتها: صليقة. وقيل: هي الحملان المشوية. (النهاية ٣/٤٨، ولسان العرب ١٠/٢٠٦) .
[ ٢ / ٥٦٣ ]
سمعت الله١ عيّر قومًا بأمر فعلوه [فقال] ٢: ﴿أَذْهَبْتُم طيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] ٣.
وعن خلف بن حوشب٤، أن عمر ﵁ قال: "نظرت في هذا الأمر، فجعلت إن أردت٥ الدنيا، أضرّ بالآخرة، وإن أردت الآخرة، أضرّ بالدنيا، فإن كان الأمر هكذا، فأضرّ بالفانية"٦.
وعن الحسن٧ قال: "خطب عمر الناس، وهو خليفة، وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة"٨.
وعن أنس٩ ﵁ قال: "نظرت في قميص عمر ﵁
_________________
(١) ١ في الأصل: (سمعت الله يقول عير)، وهو تحريف. ٢ سقط من الأصل. ٣ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٧٩، وإسناده صحيح إلى الحسن، لكنه منقطع، وبنحوه ابن المبارك: الزهد ص ٢٠٤، أبو نعيم: الحلية ١/٤٩، وابن عساكر: تاريخ دمشق ج ١٣ / ١٠٦، وابن الجوزي: مناقب ص ١٣٧، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٦٢٢، عن أبي موسى وعزاه لابن المبارك وابن سعد وابن عساكر. ٤ خلف بن حوشب الكوفي، ثقة، من السادسة. توفي بعد الأربعين ومئة. (التقريب ص١٩٤) . ٥ في الأصل: (نظرت)، وهو تحريف. ٦ أبو نعيم: الحلية ١/٥٠، وهو ضعيف لانقطاعه بين خلف وعمر، وابن الجوزي: مناقب ص ١٣٧. ٧ البصري. ٨ أحمد: الزهد ص ١٢٤، وإسناده صحيح إلى الحسن، وابن عساكر: تاريخ دمشق ج ١٣/ق١٠٩، وهوضعيف لانقطاعه بين الحسن وعمر، وابن الجوزي: مناقب ص١٣٧، لكنه يتقوى بماجاء موصولًامن حديث أبي عثمان النهدي وأنس بن مالك، ص٥٣٣. ٩ ابن مالك.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
فإذا بين كتفيه أربع رقاع لا يشبه بعضها بعضًا"١.
وعن أنس٢ قال: "كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ وعليه قميص فيه أربع رقاع، فقرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، ثم قال: ما الأبّ؟ ٣، ثم قال: إن هذا لهو التكلف، وما عليك أن لا تدري ما الأبّ"٤.
وعن أبي عثمان النهدي، قال: "رأيت عمر قد رقع / [٨١ / ب] إزاره بقطعة من أدمٍ"٥.
وعنه قال: "رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يطوف بالبيت، وعليه إزار، عليه٦ اثنتا عشرة رقعة، إحداهن بأدم أحمر"٧.
قال عبد العزيز بن أبي جميلة٨: "أبطأ عمر ﵁ جمعة بالصلاة، فخرج فلما صعد المنبر، اعتذر إلى الناس، قال: "إنما حبسني قميصي هذا، لم يكن لي قميص غيره". كان يخاط [له] ٩ أبيض سُنْبلاني١٠ لا يجاوزكمه
_________________
(١) ١ الخبر بنحوه في ابن المبارك: الزهد ص ٢٠٨، ابن أبي شيبة: المصنف ١٣/٢٦٥، هناد: الزهد٢/٣٦٧، وأسانيدهم صحيحة. ابن عساكر: تاريخ دمشق ج١٣/ق ١٠٨. ٢ ابن مالك. ٣ الأبّ: الكلأ. (لسان العرب ١/٢٠٤، القاموس ص ٧٤) . ٤ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٢٧، وإسناده صحيح، وابن الجوزي: مناقب ص ١٣٨. ٥ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٢٨، وفيه عليّ بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، لكن تابعه سعيد الجريري بسند صحيح كما يأتي بعده. انظر: الأثر الذي بعده. ٦ في الطبقات، والمناقب: (فيه) . ٧ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٢٨، وإسناده صحيح، وابن الجوزي: مناقب ص ١٣٨. ٨ الأنصاري، يروي عن أنس بن مالك، روي عنه سلام بن مسكين. (الثقات٥/١٢٤) . ٩ سقط من الأصل. ١٠ قميص سُنبلاني - بالضم -: سابغ الطول، منسوب إلى بلد بالروم. (القاموس ص ١٣١٤) .
[ ٢ / ٥٦٥ ]
رسغ١ كفيه"٢.
وعن قتادة٣، أن عمر بن الخطاب ﵁ أبطأ على الناس يوم الجمعة، قال: ثم خرج فاعتذر إليهم في احتباسه، وقال: "إنما حبسني غسل ثوبي هذا، كان يغسل، ولم يكن لي ثوب غيره"٤.
وعن زيد بن وهب قال: "رأيت عمر بن الخطاب خرج إلى السوق، وبيده الدّرّة، وعليه إزار فيه أربع عشرة رقعة بعضها من أدم"٥.
وعن عبد الله بن عمر أنه رأى عمر - ﵄ - يرمي الجمرة، وعليه إزار، فيه اثنتا عشرة رقعة، بعضها من أدم، وإن منها ما قد خيط بعضه على بعض، إذا قعد ثم قام، انتخل منه التراب"٦.
وعن أبي محصن الطائي٧، قال: "صلى بنا عمر ﵁ وعليه
_________________
(١) ١ في الأصل: (رصغ)، وهو تحريف. والرُّسْغ - بالضم -: مفصِل ما بين الساعِد والكفّ. (القاموس: ١٠١٠) . ٢ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٢٩، ابن الجوزي: مناقب ص ١٣٨، وهو ضعيف لانقطاعه، عبد العزيز أبي جميلة لم يدرك عمر، ولم يوثّقه غير ابن حبان. ٣ ابن دعامة السدوسي. ٤ أحمد: الزهد ص ١٢٤، ابن الجوزي: مناقب ص ١٣٨، وإسناده ضعيف لانقطاعه، قتادة لم يدرك عمر. ٥ ابن عساكر: تاريخ دمشق ج ١٣ / ق ١٠٩، وفيه الأعمش مدلّس وقد عنعن. وابن الجوزي: مناقب ص ١٣٨. ٦ ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص ٣٢٥، وفيه عليّ بن محمّد لم أعثر له على ترجمة، ابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٨٠٤، وهو ضعيف جدًا، فيه يوسف بن عطية الصفار وهو متروك. (التقريب رقم: ٧٨٧٣)، وابن الجوزي: مناقب ص ١٣٨. ٧ لم أجد من ترجم له، ولعلّه أبو محشي الطائي حليف بني أسد، من المهاجرين الأوّلين وممن شهد بدرًا. (الإصابة ٧/١٧٣) .
[ ٢ / ٥٦٦ ]
إزار فيه رقاع بعضًا من أدم وهو أمير المؤمنين"١.
وعن نافع قال: "سمعت ابن عمر يقول: "والله ما شمل النبي ﷺ في بيته، ولا خارج بيته ثلاثة أثواب، ولا شمل أبو بكر في بيته ثلاثة أثواب، غير أني كنت أرى كساهم إذا أحرموا كان لكل واحد منهم ميرز مشتمل، لعلها كلها بثمن درع أحدكم، والله لقد رأيت النبي ﷺ يرقع ثوبه، ورأيت أبا بكر تخلل بالعباء، ورأيت عمر يرقع جبته برقاع من أدم، وهو أمير المؤمنين، وإني أعرف في وقتي من يجيز بالمئة ولو شئت قلت: ألفًا".
وعن أسلم قال: "أصاب الناس سنة غلا فيها السمن، فكان عمر ﵁ يأكل الزيت، فتقَرْقِر٢ بطنه، فيقول: "قرقر٣ ما شئت، فوالله لا تأكل السمن حتى يأكله الناس، ثم قال: اكسر عني حره بالنار"، فكنت أطبخه له فيأكله"٤.
وعن أنس٥ قال: "تقرقر بطن عمر عام الرّمادة، فكان يأكل الزيت، وكان قد حرّم على نفسه السمن، قال: "فنقر بطنه بإصبعه، وقال: تقرقر إنه ليس عندنا غيره حتى يحيى الناس"٦.
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٢٨، وهناد: الزهد ٢/٣٦٧، ومداره على أبي محصن الطائي ولم أجد له ترجمة. ٢ تقرقر بطنه: صوّت. (لسان العرب ٥/٩٠) . ٣ في الأصل: (قر) . ٤ أحمد: الزهد ص ١٢٠، ابن سعد: الطبقات ٣/٣١٣، وإسنادهما صحيح. وابن الجوزي: مناقب ص ١٣٩. ٥ ابن مالك. ٦ ابن سعد: الطبقات ٣/٣١٣، وإسناده صحيح. وعبد الله بن أحمد في زوائده على الزهد لأحمد ص ١١٧، وابن الجوزي: مناقب ص ١٣٩، أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٩١.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
وعن الحسن١ قال: قال عمر ﵁: "والله لا تنخل الدقيق"٢.
وعن يسار بن نمير٣ قال: "والله ما نخلت لعمر الدقيق قط إلا وأنا له عاص"٤.
وعن أبي أمامة٥ قال: "بينا عمر ﵁ في أصحابه إذ أتى بقيمص له
/ [٨٢ / أ] كرابيس٦ فلبسه فما جاوز تراقيه٧ حتى قال: "الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي". ثم أقبل على القوم، فقال: "هل تدرون لم قلت: هؤلاء الكلمات؟ "، قالوا: "لا، إلا أن تخبرنا"، قال: "فإني شهدت رسول الله ﷺ ذات يوم وقد أتي بثياب له جدد فلبسها، ثم قال: "الحمد لله الذي كساني ما أواري عورتي، وأتجمل به في حياتي"، ثم قال: "والذي بعثني بالحق ما من عبد مسلم كساه الله ثيابًا جددًا فعمد إلى شيء من أخلاق ثيابه٨، وكساه عبدًا مسلمًا مسكينًا،
_________________
(١) ١ في الأصل: (الحسين)، وهو تحريف. والحسن هو البصري. ٢ ابن المبارك: الزهد ص ٢٠٦، ابن الجوزي: مناقب ص ١٣٩، وهو ضعيف لانقطاعه بين الحسن وعمر، وفيه مبارك بن فضلاة صدوق يدلس وقد عنعن. (التقريب ص ٦٤٦٤) . ٣ المدني، مولى عمر، ثقة، نزل الكوفة، من الثانية. (التقريب ص ٦٠٧) . ٤ ابن المبارك: الزهد ص ٢٠٦، ابن أبي شيبة: المصنف ١٣/٢٦٨، ابن سعد: الطبقات ٣/٣١٩، وهناد: الزهد ٢/٣٦٢، وأسانيدهم صحيحة، إلا أن مداره على الأعمش وهو مدلس وقد عنعن. لكن عنعنته عن أبي وائل شقيق، وأمثاله محمولة على السماع. وابن سعد: الطبقات ٣/٣١٩، وفي إسناده أبو عاصم الغطفاني ولم أجد له ترجمة. ٥ صُدي بن عجلان الباهلي. ٦ الكِرْباس - بالكسر -: ثوبٌ من القطن الأبيض، معرب. (القاموس ص ٧٣٥) . ٧ التَّرْقُوة ولا تضم تاؤه: العظيم بين ثُغر النحر والعاتق. (القاموس ص ١١٢٤) . ٨ خَلَقَ الثوبُ: بلي، وثوب أخْلاقٌ: إذا كانت الخلوقة في كله. (القاموس ص ١١٣٧) .
[ ٢ / ٥٦٨ ]
لا يكسوه إلا لله عزوجل إلا كان في جوار الله، وفي ضمان الله، ما كان عليه منها سلك حيًّا وميّتًا حيًّا وميّتًا".
قال: ثم مدّ عمر كمّ قميصه فوجد فيه فضلًا عن أصابعه، فقال لعبد الله بن عمر: "أي بني هات الشَّفْرَة أو المدية"١، فقام فجاء بها فمدّ عمر كم قميصه، فنظر ما فضل عن أصابعه، فقدّه، قال أبو أمامة قلنا: يا أمير المؤمنين، ألا نأتي بخياط فيكفّ هدبه؟، قال: "لا". قال أبو أمامة: فلقد رأيت عمر بعد ذلك وإن هدب ذلك القميص لمنتشر على أصابعه، ما يكفه"٢.
وعن [عبد الله بن] ٣ عامر بن ربيعة٤، قال: "خرجت مع عمر ابن الخطاب ﵁ حاجًا من المدينة إلى مكّة، إلى أن رجعنا، فما ضرب له فسطاطًا٥، ولا خباء، كان يلقي الكساء٦ والنطع٧ على الشجرة فيستظل تحته"٨.
_________________
(١) ١ الشَّفرة: السكين العظيم، وما عرض من الحديد. والمُدْيَة: الشَّفْرة. (القاموس ص ٥٣٦، ١٧١٩) . ٢ هناد: الزهد ص ٣٥٠، وإسناده ضعيف، فيه عبيد الله بن زَحْر صدوق يخطئ، ومطروح بن يزيد ضعيف. (التقريب رقم: ٤٢٩٠، ٦٧٠٤)، وابن الجوزي: مناقب ص ١٤٠، وأخرجه مختصرًا من طريق آخر، أحمد: المسند ١/٢٨٦، الترمذي: السنن ٥/٥٥٨، رقم: ٣٥٦، وقال: "هذا حديث غريب"، ابن ماجه: السنن ٢/١١٧٨، عبد بن حميد: المسند ١/٥٧، ومدار الحديث على أبي العلاء الشامي وهو مجهول. (التقريب رقم: ٨٢٨٨)، وقال أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: ٣٠٥: "إسناده ضعيف". وضعّفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي ص٤٦٦، رقم: ٧١٣. ٣ سقط من الأصل. ٤ العنْزي. ٥ الفسطاط: بيت من شعر. (لسان العرب ٧/٣٧١) . ٦ في الطبقات والمناقب: (أو النطع) . ٧ النّطْعُ - بالكسر وبالفتح والتحريك -: بساط من الأديم. (القاموس ص ٩٩١) . ٨ ابن سعد: الطبقات٣/٢٧٩، وإسناده صحيح، وابن عساكر: تاريخ دمشق ج ١٣/ ق ١٠٩، ١١٠، ابن الجوزي: مناقب ص ١٤٠.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
وعن عبد الله بن عمر قال: "لبس عمر قميصًا جديدًا ثم دعاني بشفرة فقال: "مدّ يا بني كم قميصي، وألصق يديك بأطراف أصابعي، ثم اقطع ما فضل عنها". قال: فقطعت الكمين من جانبيه جميعًا، فصار فم الكم بعضه فوق بعض، فقلت١: يا أبت لو سويته بالمقص، قال: "دعه، هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل". فما زال عليه حتى تقطع، وكان ربما رأيت الخيوط تساقط على قدميه"٢.
وعن العلاء بن أبي عائشة٣، أن عمر ﵁ دعا حلاقًا فحلقه بموس - يعني جسده - فاستشر له الناس، فقال: "إن هذا ليس من السنة، ولكن النورة٤ من النعيم، فكرهتها"٥.
وعن الحسن٦: أن عمر ﵁ أتي بشربة عسل، فذاقها، فإذا ماء وعسل، فقال: "اعزلوا عني حسابها، اعزلوا عني مؤنتها"٧.
_________________
(١) ١ في الأصل: (فقالت)، وهو تحريف. ٢ أبو نعيم: الحلية ١/٤٥، وفي إسناده أبو سلمة بن عبيد الله، لم أعثر على ترجمته. وابن الجوزي: مناقب ص ١٤٠. ٣ الجزري، يروي عن عمر بن الخطاب، روي عنه محمّد بن قيس الأسدي وحصين بن عبد الرحمن. (الثقات لابن حبان ٥/٢٤٧) . ٤ النّورة - بالضم -: الهناء: وتنّور تطلّى بها. (القاموس ص ٦٢٨) . ٥ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٩١، وإسناده رجاله ثقات ما عدا العلاء فإنه لم يوثّقه غير ابن حبان. ابن الجوزي: مناقب ص ١٤١. ٦ البصري. ٧ أحمد: الزهد ص ١١٩، وإسناده ضعيف لانقطاعه بين الحسن وعمر، وفيه سيار العنْزي صدوق له أوهام. (التقريب رقم: ٢٧١٤) . ابن الجوزي: مناقب ص ١٤١.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
وعن حميد بن هلال١ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "والذي نفسي بيده لولا تنقص حسناتي لخالطتكم في لين عيشكم"٢.
وعن يحيى بن وَثَّاب٣ قال: "أمر عمر ﵁ غلامًا٤ له أن يعمل عَصِيدَة٥ بزيت، وقال: "أنضج كيْ تذهب حرارة الزيت، فإن ناسًا تعجلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا"٦.
وعن الحسن٧ قال: "ما أكل عمر ﵁ إلا معلوثًا٨ بشعير حتى لحق الله عزوجل وكان بطنه ربما قرقر فيضربه بيده ويقول: "اصبر فوالله ما عندي إلا ما ترى حتى تلحق بالله"٩.
وعن أبي عمران الجوني - ﵀ - قال: "قال عمر بن الخطاب: لنحن أعلم بلين الطعام / [٨٢ / ب] من كثير من آكيله، ولكنا ندعه ليوم ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كلُّ مُرْضِعَةٍ عمَّا أَرْضَعَتْ وتَضَعُ كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ [الحجّ: ٢]، قال أبو
_________________
(١) ١ العدوي، البصري، ثقة عالم، من الثالثة. (التقريب ص ١٨٢) . ٢ الخبر بأطول في ابن سعد: الطبقات ٣/٢٨٠، وهو ضعيف لانقطاعه، حُميد لم يدرك عمر، ابن الجوزي: مناقب ص ١٤١، والمتقي الهندي: كنْز العمال١٢/٦٢٤، وعزه لابن سعد، وعبد بن حميد. ٣ الأسدي، مولاهم، المقرئ ثقةعابد، من الرابعة. توفي سنةثلاث ومئة (التقريب ص٥٩٨) . ٤ في الأصل: (عالا)، وهو تحريف. ٥ العصيدة: دقيق يُلتُ بالسمن ويطبخ. (لسان العرب ٣/٢٩١) . ٦ ابن الجوزي: مناقب ص ١٤١، وهو ضعيف لانقطاعه، يحيى بن وثاب لم يدرك عمر. وأحمد: الزهد ص ١١٩، وهناد: الزهد ٢/٣٦٣، من قول ابن عمر وإسنادهما صحيح. ٧ البصري. ٨ المعلوث - بالعين -: المخلوط، وفلان يأكل العَليثَ، - بالعين والغين - إذا كان يأكل خبزًا من شعير وحنطة. (الصحاح ١/٢٨٧، لسان العرب ٢/١٦٨) . ٩ ابن الجوزي: مناقب ص ١٤١.
[ ٢ / ٥٧١ ]
عمران: والله ما كان يصيب من الطعام هو وأهله إلا تقوتًا"١.
وعن عاصم بن محمّد العُمري٢ عن أبيه٣ قال: "دخل عمر بن الخطاب ﵁ وقد أصابه الغُرَثُ، فقال: "عندكم شيء؟ "، فقالت امرأته: "تحت السّرير"، فتناول قناعًا فيه تمر، فأكل ثم شرب الماء، ثم مسح بطنه، ثم قال: "ويح لمن أدخله بطنه النار".
الغَرَثُ: الجوعُ٤. قال حسان٥:
حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَانُ بِرِيبَةٍ وتُصْبحُ غَرْثى من لُحوم الغَوافِل٦
أي: جائعه٧.
وعن عمرو٨ بن البختري٩، قال: قال عمر ﵁ لأصحابه: "لولا مخافة الحساب غدًا؛ لأمرت بحمل١٠ يشوي لنا في التّنور"١١.
وعن نافع١٢ عن ابن عباس - وكان يحضر طعام عمر - قال: "كانت له
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: مناقب ص١٤١، وهوضعيف لانقطاعه، أبو عمران الجوني لم يدرك عمر. ٢ ابن زيد المدني، ثقة، من السابعة. (التقريب ص ٢٨٦) . ٣ محمّد بن زيد بن عبد الله بن عمر، ثقة، من الثالثة. (التقريب ص ٤٧٩) . ٤ انظر: الصحاح ١/٢٨٩، ولسان العرب ٢/١٧٢. ٥ ابن ثابت الأنصاري، الخزرجي، شاعر رسول الله ﷺ توفي سنة أربع وخمسين. (التقريب ص ١٥٧) . ٦ ديوان حسان ص ٣٧٧. ٧ ابن الجوزي: مناقب ص ١٤٢، وهو ضعيف لانقطاعه، محمّد بن زيد لم يدرك عمر. ٨ في مناقب عمر: (معن) . ٩ لم أجد له ترجمة. ١٠ الحَمَل: الخروف، وقيل: هو من ولد الضأن فما دونه. (لسان العرب ١١/١٨١) . ١١ ابن الجوزي: مناقب ص ١٤٢. ١٢ مولى ابن عمر.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
كلّ يوم إحدى عشرة لقمة، إلى مثلها من الغد"١.
وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: قالت حفصة بنت عمر لعمر: "يا أمير المؤمنين [لو لبست] ٢ ثوبًا هو ألين من ثوبك هذا٣، وأكلت طعامًا هو ألين وأطيب من طعامك، فقد وسع الله من الرزق، وأكثر من الخير"، فقال: "إني سأخاصمك إلى نفسك، أما تذكرين ما كان رسول الله ﷺ يلقى من العيش؟ "، فما زال يذكرها حتى أبكاها، فقال لها: "أما والله إن قلت ذاك لمكاني، والله إن استطعت لأشاركنهما في مثل عيشهما الشديد لعلي أدرك معها عيشهما الرخي"٤.
وعن الحسن٥ أنّ ناسًا كلموا حفصة فقالوا لها: "لو كلمت أباك في أن يلين
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص ٣١٢، ابن الجوزي: مناقب ص ١٤٢، ورجال إسناده ابن أبي الدنيا ثقات ما عدا أبو ساسان، ذكره ابن عدي، ولم يذكر شيئًا يدل على لينه. (الميزان ٤/٥٢٧) . ٢ سقط من الأصل. ٣ في الأصل: (من هذا ثوبك) . ٤ أحمد: الزهد ص ١٢٥، ابن سعد: الطبقات ٣/٢٧٧، وهناد: الزهد ٢/٣٦٠، أبو نعيم: الحلية ١/٤٨، من طريق أحمد، وإسنادهم صحيح، إن كان مصعب سمعه من حفصة وإسحاق كما في المطالب العالية ٣/١٥٦، وقال الشيخ الأعظمي: "وفي المسندة: رواه (س) - أي: النسائي - في السنن الكبرى، عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن إسماعيل فإن كان مصعب سمعه من حفصة فهو صحيح، وإلا فهو مرسل صحيح الإسناد". وابن أبي شيبة: المصنف ١٣/٢٢٧، الفسوي: المعرفة والتاريخ ٢/١٨٨، من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أخيه عن مصعب بن سعد عن حفصة، وإسماعيل له إخوة أربعة، ولم يتبين أيهم ولعلّه نعمان كما صرح به في بعض الروايات. وهو مجهول. (الجرح والتعديل ٨/٤٤٧)، وعند بن حميد: المسند ١/٧٩، أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٧٥، عن إسماعيل عن أخيه نعمان. ونعمان هذا مجهول. ٥ البصري.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
من عيشه"، فجاءته فقالت: "يا أبتاه١، [أ] ٢ ويا أمير المؤمنين، إن ناسًا من قومك، كلّموني في أن أكلمك في أن تلين من عيشك"، فقال لها: "يا بنية غششت أباك ونصحت لقومك"٣.
وعن سالم بن عبد الله٤ قال: "لما ولّي عمر ﵁ قعد على رزق أبي بكر ﵁ الذي كانوا فرضوا له، كان بذلك فاشتدت حاجته، فاجتمع نفرٌ من المهاجرين فيهم عثمان، وعليّ، وطلحة، والزبير - ﵃ - فقالوا: "لو قلنا لعمر في زيادة نزيدها إياه في رزقه".
فقال عليّ: "وددْنا أنه فعل ذلك، فانطلقوا بنا"، فقال عثمان: "إنه عمر فهلموا فنسبر٥ ما عنده من وراء وراء، نأتي حفصة فنكلمها ونستكتمها أسماءنا". فدخلوا عليها وسألوها أن تخبر بالخبر عن نفرٍ، ولا تسمى أحدًا إلا أن يقبل، وخرجوا من عندها، فلقيت عمر ﵁ في ذلك، فعرفت٦ الغضب في وجهه، فقال: "من هؤلاء؟ "، / [٨٣ / أ] قالت: "لا سبيل إلى علمهم حتى أعلم ما رأيك؟ "، فقال: لو علمت من هم لسودت وجوههم، أنت بيني وبينهم، أناشدكِ بالله ما أفضل ما اقتنى رسول الله ﷺ في بيتكِ من الملبس؟ "، قالت: "ثوبين مُمَشَّقَين كان يلبسُهما للوفد ويخطب فيهما للجُمَعِ".
_________________
(١) ١ قوله: " يا أبتاه"، تكرر في الأصل. ٢ سقط من الأصل. ٣ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٧٨، وهو مرسل حسن، الحسن لم يسمع من عمر، فهو ضعيف لانقطاعه. وابن الجوزي: مناقب ص ١٤٢. ٤ ابن عمر بن الخطاب. ٥ السّبْر: امتحان غور الجُرْح وغيره. (القاموس ص ٥١٧) . ٦ في الأصل: (فلقيت)، وهو تحريف.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
قال: "فأي طعام ناله عندكِ أرفع؟ "، قالت: "خبزنا خبزة شعير فصببنا عليها وهي حارة أسفل عكة لنا، فجعلناها هشة١ دسماءَ حلوةً، فأكل منها، وتطعِم منها٢ استطابة لها. قال: "فأي مبسط عندك كان أوطأ؟ "، قالت: "كساءٌُ لنا ثخينٌ كنا نربعه في الصيف فنجعله ثخينًا، فإذا كان الشتاء ابتسطنا نصفه، وتدثرنا نصفه".
قال: "يا حفصة، فأبلغيهم عني أن رسول الله ﷺ قدّر فوضع الفضول مواضِعها، وتبلغ بالتزجية٣، وإنما مثلي، ومثل صاحبي كثلاثة نفر سلكوا طريقًا فمضى الأوّل، وقد تزود زادًا فبلغ، ثم تبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه، ثم تبعهما الثالث فإن لزِم طريقهما ورضي بزادهما لحق بهما، وكان معهما، وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما أبدًا"٤.
وعن الربيع بن زياد قال: "قدمت على عمر بن الخطاب ﵁ في وفد من العراق، فأمر لكل رجل منا بعباء عباء، فأرسلت إليه حفصة - ﵂ - فقالت: "يا أمير المؤمنين، أتاك ألباب٥ العراق، ووجوه الناس، فأحسن كرامتهم"، فقال: "ما أزيدهم على العباء، يا حفصة أخبريني بألين فراشٍ فرشت لرسول الله ﷺ وأطيب طعام أكل عندكِ"، فقالت: "كان لنا كساء، من هذه الملبدة، أصبناه يوم خيبر، فكنت أفرشه لرسول الله ﷺ [كلّ] ٦ ليلة
_________________
(١) ١ في كنْز العمال: (حَيْسة) . ٢ كذا في تاريخ دمشق وكنْز العمال. ٣ التزجية: دفعُ الشيء كما تزجي البقرة ولدها، أي: تَسُوقه. (لسان العرب ١٤/٣٥٤) . ٤ ابن عساكر: تاريخ دمشق د ١٣ / ق ٩٢، وهو ضعيف لانقطاعه، وفيه سيف بن عمر وهو متروك. ٥ لبّ كلّ شيء، ولبابه: خالصه، وخياره. (لسان العرب ١/٧٢٩) . ٦ سقط من الأصل.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وينام عليه، وإني ربعته ذات ليلة، فلما أصبح قال: "ياحفصة أعيديه لمرته الأولى، فإنه منعتني وطأته البارحة من الصلاة"، قال: "وكان لي صاع من سلت - يعني: من حنطة رديئة١ - وإني نخلته ذات يوم، وطحنته لرسول الله ﷺ فكان لنا قعب٢ من سمن فصببت عليه، فبينا رسول الله ﷺ يأكل إذ دخل أبو الدّرداء٣، فقال: إني أرى سمنكم قليلًا، وعندنا قعب من سمن".
فأرسل إليه أبو الدرداء، فصبّ عليه، فأكلا، فقالت حفصة: "فهذا ألين فراش فرشته لرسول الله ﷺ وهذا أطيب طعام أكله". فأرسل عمر عينيه بالبكاء، وقال: "والله لا أزيدهم على العباء شيئًا، وهذا طعام رسول الله ﷺ وهذا فراشه"٤.
وعن حذيفة٥ ﵁ قال: "أقبلت فإذا الناس بين أيديهم القصاع٦، فدعاني عمر ﵁ فأتيته فدعا بخبز غليظ، وزيت، فقلت له: "أمنعتني أن آكل الخبز واللحم، ودعوتني على هذا؟ "، قال: "إنما دعوتك على طعامي، فأما هذا فطعام المسلمين"٧.
_________________
(١) ١ انظر: الجوهري: الصحاح ١/٢٥٣، ولسان العرب ٢/٤٥. ٢ القَعْب: القدح الضّخم، الغليط، الجافي. (لسان العرب ١/٦٨٣) . ٣ عُويمر بن زيد الأنصاري، أوّل مشاهده أحد، وكان عابدًا، توفي في آخر خلافة عثمان. (التقريب ص ٤٣٤) . ٤ ابن الجوزي: مناقب ص ١٤٣، بدون إسناد. ٥ ابن اليمان. ٦ القصعة: الصَّحْفَة. (القاموس ص ٩٧١) . ٧ أحمد: الزهد ص ١٢١، وإسناده صحيح. وابن أبي شيبة: المصنف ١٢/٣٢٦، ابن الجوزي: مناقب ص ١٤٤.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
وعن أبي أمامة١ ﵁ قال: بينا نحن عند عمر بن الخطاب ﵁ وهو يجول في سكك المدينة، ومعنا الأشعث بن قيس٢، فأدرك عمر الأعياء، فقعد، وقعد إلى جنبه الأشعث بن قيس، وقد أتي عمر بِمِرْجَلٍ٣ فيه / [/ ٨٣ / ب] لحم، فجعل يأخذ منه فينهشه فينضح على الأشعث بن قيس، فقال الأشعث: "يا أمير المؤمنين، لو أمرت بشيء من سمن فصُب على هذا اللحم، ثم طبخ حتى يبلغ أناته، كان ألين له"، فرفع عمر يده فضرب بها صدر الأشعث بن قيس، ثم قال: "أدمان في أدم؟ كلا! إني لقيت صحابي، وصحبته، فأخاف إن خالفتهما يخالف بي عنهما، فلا أُنْزل معهما حيث يُنْزلان"٤.
وعن ثابت٥ قال: "اشتهى عمر ﵁ الشّراب فأتي بشربة من عسل، فجعل يدير الأناء في كفّه فيقول: "أشربها وتذهب حلاوتها، وتبقى مراراتها"، ثم دفعها إلى رجل من القوم فشربها"٦.
وعن الأحنف بن قيس، قال: "خرجنا مع أبي موسى الأشعري وفودًا إلى عمر بن الخطاب ﵁ وكان لعمر ثلاث خبزات يأدمهن يومًا بلبن وسمن، ويومًا بلحم، ويومًا بزيت، فجعل القوم يعذرون، فقال عمر: "والله
_________________
(١) ١ الباهلي. ٢ الكندي، صحابي، نزل الكوفة، توفي سنة أربعين. (التقريب ص ١١٣) . ٣ المِرْجَل: القِدر من الحجارة والنحاس. (لسان العرب ١١/٢٧٤) . ٤ ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص ٣١٨، وفي إسناده عليّ بن محمّد لم أعثر له على ترجمة. وابن الجوزي: مناقب ص ١٤٤، ١٤٥. ٥ البناني. ٦ ابن عساكر: تاريخ دمشق ج ١٣ / ق ١٠٤، وهو ضعيف لانقطاعه، ثابت لم يدرك عمر، ابن الجوزي: مناقب ص ١٤٥، والمتقي الهندي: كنْز العمال١٢/٦٣٢، وعزاه لابن المبارك.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
إني لأرى تعذيركم وإني لأعلمكم بالعيش، ولو شئت لجعلت كرَاكرَ، وأَسْنِمة وصَلاء، وصنابٍ، وصَلائِق، ولكني أستبقي حسناتي، إن الله عزوجل ذكر قومًا فقال: ﴿أَذْهَبْتُم طَيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنيَا واسْتَمْتَعْتُم بهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] الآية١.
وعن محمّد بن قيس٢ قال: "دخل ناس على حفصة بنت عمر - ﵄ - فقالوا: "إن أمير المؤمنين قد بدا عِلباءُ٣ رقبته من الهزال، فلو كَلَّمتِهِ أن يأكل طعامًا هو ألين من طعامه، ويلبس ثيابًا ألين من ثيابه، فقد رأينا إزاره مرقعًا برقع غير ثوبه، ويتخذ فراشًا ألين من فراشه، فقد أوسع الله على المسلمين فيكون ذلك أقوى على أمرهم"، فبعثوا إليه حفصة فذكرت ذلك له، فقال: "أخبريني بألين فراش فرشته لرسول الله قط"، قالت: "عباه كنا نثنيها٤ له باثنين، فلما غلظت عليه جعلتها له بأربعة"، قال: "فأخبريني بأجود ثوب لبسه؟ "، قالت: "نَمِرَةٌ٥ صبغناها له، فرآها إنسان، فقال: أكسنيها يا رسول الله فأعطاه إياه"، فقال: "ايتوني بمِقناع٦ من تمر"، فأمرهم فنَزعوا نواه، ثم قال: "انزعوا تفاريقه"، ففعلوا ثم أكله كله، فقال: "تروني لا أشتهي الطعام إني لآكل السمن، وعندي
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: مناقب ص ١٤٥، وقد سبق تخريجه ص ٥٦٤، عن الحسن البصري. ٢ محمّد بن قيس شيخ لأبي معشر، من الرّابعة، ضعيف، ووهم من خلطه بالذي قبله. (ميزان الاعتدال ٤/١٦، التقريب ص ٥٠٣) . ٣ العِلباء: عَصَبُ العُنُق، وهما عِلباوان يمينًا وشمالًا بينهما منبت العنق. (لسان العرب ١/٦٢٧) . ٤ في الأصل: (نثا)، وهو تحريف. ٥ النَّمْرَة: الحِيَرَة، وشَمْلةٌ فيها خطوط بيض وسود، أو بُردَةٌ من صوف تلبَسُها الأعراب. (القاموس ص ٦٢٧) . ٦ القِنْع والقِناعُ: الطبقُ الذي يؤكل عليه الطعام. (لسان العرب ٨/٣٠١) .
[ ٢ / ٥٧٨ ]
اللحم، وآكل الزيت وعندي السمن، وآكل الملح وعندي الزيت، وآكل البحث١ وعندي الملح، ولكن صاحباي سلكا طريقًا فأخاف أن أخالفهما فيخالف بيَ"٢.
قال سفيان٣: "كان عمر ﵁ يشتهي الشيء لعلّه يكون ثمن درهم فيؤخره سنة"٤.
وعن العُتْبيّ٥: "بُعث إلى عمر ﵁ بحلل فقسمها٦ فأصاب كل رجل منا٧ ثوب ثم صعد المنبر وعليه حلة والحلة ثوبان فقال: "أيها الناس ألا تستمعون؟ "، فقال سلمان٨ ﵁: "لا نسمع". فقال عمر: "ولِمَ يا أبا عبد الله؟ "، قال: "إنك قسمت علينا ثوبًا ثوبًا وعليك حلة"، فقال: "لا تعجل يا أبا عبد الله، ثم نادى عبد الله فلم يجبه أحد، فقال: يا عبد الله بن عمر"، فقال: "لبيك يا أمير المؤمنين"، قال: الثوب الذي اتزرت٩ به هو ثوبك؟ " قال: "اللهم نعم". فقال سلمان: "الآن فقل نسمع"١٠.
_________________
(١) ١ البحُثُ: كلّ ما أُكِلَ وحده، مما يُؤدَم. (لسان العرب ٢/٩) . ٢ ابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٨٠٢، بنحوه، ابن الجوزي: مناقب ص ١٤٥، ١٤٦، وهو ضعيف لانقطاعه بين محمّد بن قيس وعمر، ومحمّد بن قيس ضعيف، وفي إسناد ابن شبه أبو معشر السندي، وهو ضعيف. (التقريب رقم: ٧١٠٠) . ٣ ابن عيينة الهلالي، ثقة حافظ ففيه إمام حجة، إلا أنه تغير حفظه بأخَرَه، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، توفي سنة ثمان وتسعين ومئة. (التقريب ص ٢٤٥) . ٤ ابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٨٠٥، بنحوه: ابن الجوزي: مناقب ص ١٤٦، وهو ضعيف لإعضاله. ٥ محمّد بن عبيد الله الأموي البصري، توفي سنة ثمان وعشرين ومئتين. (المعارف ص ٥٣٨، سير أعلام النبلاء (١١/٩٦) . ٦ في الأصل: (فقسمتها) . ٧ هكذا في الأصل، وابن الجوزي. ٨ الفارسي. ٩ كذا في الأصل، وفي القاموس ص ٤٣٧: "وائتزر به وتأزر به، ولا تقل اتزر وقد جاء في بعض الأحاديث ولعله من تحريف الرواة". وفي النهاية ١/٤٤: "إنه خطأ لأن الهمزة لا تدغم في التاء". ١٠ ابن قتينة: عيون الأخبار ١/٥٥، وابن الجوزي: مناقب ص ١٤٦.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
وعن أبي عثمان١، قال: "لما قدم عتبة بن فرقد أذربيجان أتي بالخبِيصِ٢، فلما أكله وجد شيئًا حلوًا طيبًا فقال "والله لو صنعت لأمير المؤمنين من هذا" فجعل له سفطين عظيمين٣، ثم حملهما على بعير مع رجلين، فسرح / [٨٤ / أ] بهما إلى عمر ﵁ فلما قدما عليه فتحهما، قال: "أي شيء هذا"؟ قالوا: "خبيص" فذاقه فإذا شيء حلو، فقال للرسول: "أَكُلُّ المسلمين٤ شبع من هذا في رحالهم"؟ قال: "لا" قال: "أما لا، فارددهما" ثم كتب إليه أما بعد: فإنه ليس من كدّك ولا كدّ أمك أشبع المسلمين مما تشبع منه في رحلك"٥.
قال عتبة بن فرقد: "قدمت على عمر ﵁ بسلال خبيص عظام، ما آلو٦ أن أحسن وأجيد، فقال: "ما هذه"؟ قلت: طعام أتيتك به، لأنك تقضى حاجات الناس أول النهار، فأحببت إذا رجعت أن ترجع إلى طعام فتصيب منه، فيقويك، قال: فكشف عن سلة منها، فقال: "عزمت عليك يا عتبة إذا رجعت إلا رزقت كل رجل من المسلمين منه" فقلت٧: والذي يصلحك يا أمير
_________________
(١) ١ النهدي. ٢ الخَبِيص: المعمُول من التَّمر والسَّمن. (القاموس ص ٧٩٥) . ٣ السَّفَط: واحد الأسفاط. وهو كالجوالق. (لسان العرب ٧/٣١٥) . ٤ في الأصل: (المسلمون)، ولعله سهو من المؤلف. ٥ ابن أبي شيبة: المصنف ١٢/٣٢٥، هناد: الزهد ٢/٣٦٥، وإسنادهما صحيح. ابن الجوزي: مناقب ص ١٤٦، ١٤٧، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٦٢٧، ٦٢٨، وأصله في مسلم: الصّحيح ٣/١٦٤٢ رقم: ٢٠٦٩. ٦ في الأصل: (ألون)، وهو تحريف. ٧ في الأصل: (قال)، وهو تحريف.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
المؤمنين لو أنفقت مال قيس١ كلها ما وسع ذلك، قال: "فلا حاجة لي منه" ثم دعا بقصعة من خبر جريش، ولحم غليظ، وهو يأكل معي أكلًا شهيًا٢، فجعلت أهوى إلى البضعة٣ البيضاء أحسبها سناما فإذا هي عصبة، والبضعة من اللحم أمضغها فلا أسيغها فإذا غفل عني جعلتها بين الخوان٤ والقصعة، ثم دعا بعس من نبيذ قد كاد يكون خلا، فقال: "اشرب" فأخذته وما أكاد أسيغه ثم أخذه فشرب، ثم قال: "اسمع يا عتبة إننا ننحر كل يوم جزورا فأما ودكها، وأطايبها فلمن حضرنا من آفاق المسلمين، وأما عنقها فلآل عمر نأكل هذا اللحم الغليظ، ونشرب هذا النبيذ الشديد، يقطعه٥ في بطوننا أن يؤذينا"٦.
وعن عتبة بن فرقد السلمي قال: "قدمت على عمر ﵁ وكان ينحر جزورا كل يوم، أطيبها للمسلمين وأمهات المؤمنين، ويأمر بالعنق والعلباء فيأكله هو، وأهله، فدعا بطعام فأتى به فإذا خبز خشن، وكسور من لحم غليظ، فجعل يقول: "كل" فجعلت آخذ البضعة فألوكها فلا أسيغها، فنظرت فإذا بضعة بيضاء ظننتها من السنام، فأخذتها فإذا هي من علباء العنق،
_________________
(١) ١ يريد: قيس بن عيلان بن مضر، جد سليم بن منصور القبيلة التي ينتمي إليها عتبة. (جمهرة أنساب العرب ص ٢٦١) . ٢ في الأصل: (شيها)، وهو تحريف. ٣ في هامش الأصل: (لعله: القطعة)، وفي القاموس ص ٩٠٩، البَضْعَة وقد تكسر: القِطعَة من اللحم. ٤ الخوان، - كغراب -: ما يؤكل عليه الطعام. (القاموس ص ١٤٥٢) . ٥ في الأصل: (قطعه)، والتصويب من الزهد. ٦ ابن أبي شيبة: المصنف ١٢/٣٢٦، هناد: الزهد ٢/٣٦٤، وإسنادهما صحيح، ابن الجوزي: مناقب ص ١٤٧، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٦٢٧.
[ ٢ / ٥٨١ ]
وإني إن سلكت غير طريقهما سلك بيَ غير طريقهما، وإني / [٨٤ / ب]، والله لأشركنهما في مثل عيشهما الشديد، لعلّي أدرك معهما عيشهما الرخي.
يعني بصاحبيه١: النبي ﷺ وأبا بكر ﵁"٢.
وعن أشياخ من الأنصار، قالوا: "أتانا عمر بن الخطاب بقباء، فأُتي بشربة من عسل، فقال: "إيتني بشربة هي أهون عليّ في المسألة من هذه يوم القيامة"٣.
وعن أنس٤ قال: "صليت إلى جنب عمر بن الخطاب ﵁ عام الرّمادة؛ وكان عام قحط، فتقرقر بطنه، فقال لبطنه: اسكن فوالله ما لك عندنا غير هذا، حتى يحيى الناس، وكان يأكل الزيت"٥.
قال ابن أبي نجيح٦: "كان لعمر كل شهر ثلاثة دراهم لحم"٧.
وعن الأشهب٨ عمن٩ ذكره قال: "مرّ عمر ﵁ على مزبلة فاحتبس عندها، فكأن أصحابه تأذوا بها، فقال: "هذه دنياكم التي تحرصون عليها، وتبكون عليها"١٠.
_________________
(١) ١ في الأصل: (لصاحبيه)، وهو تحريف. ٢ أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٥٧، والأثر تقدم تخريجه ص ٦٨١. ٣ أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٨٧، بدون إسناد وقد مضى بنحوه عن ثابت البناني، والحسن ص ٥٦٦، ٥٧٧. ٤ ابن مالك. ٥ سبق تخريجه ص ٦٧٥. ٦ عبد الله بن أبي نجيح المكي، ثقة، رمي بالقدر، ربما دلس، توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة. (التقريب ص ٣٢٦) . ٧ أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٩١، بدون إسناد. ٨ جعفر بن حيّان السعدي. ٩ في الأصل: (عن ذ)، وهو تحريف. ١٠ أحمد: الزهد ص ١١٨، عن أبي الأشهب عن الحسن، ومن طريقه أبو نعيم: الحلية ١/٤٨، وإسناده صحيح إلى الحسن، وأبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٩١.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
وفي (مسند) الإمام أحمد عن عليّ ﵁ قال: "قيل يا رسول الله، من نؤمر بعدك؟ "، قال: "إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينًا، زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويًّا أمينًا زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، وإن تؤمروا عثمان تجدوه قويًّا أمينًا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليًّا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديًا مهديًا يأخذ بكم الطريق المستقيم"١.
قال ابن الجوزي: "نبذ الدنيا من وراء ظهره، فتخفف من الأثقال لأجل السباق، كان يخطب وفي إزاره ثنتا عشرة رقعة، كفّ كفّه عن المال زاهدًا فيه، حتى أَمْلَقَ أهلُه. رأى يومًا صبية تمشي في السُّوق، والريحُ تلقيها لضعفها، فقال: "من يعرف هذه؟ "، فقال ابنه عبد الله: "هذه إحدى بناتك"، قال: "أي بناتي؟ "، قال: "بنت عبد الله بن عمر"، قال: "فما بلغ بها ما أرى؟ "، قال: "إمساكك ما عندك"، قال: "إمساكي ما عندي يمنعك أن تطلب لبناتك ما يطلب الناس، أما والله ما لك عندي إلا سَهْمك مع المسلمين وَسِعك أو عجزَ عنك، بيني وبينكم كتاب الله"٢.
وقد أنشد فيه:
عفَّ عن الدّنيا وقد تزخرفت مُمْكنةً وعافَها وقد قدر
_________________
(١) ١ أحمد: المسند ٢/١٥٧، وإسناده صحيح وصحّحه أحمد شاكر في تعليقه على أحاديث المسند رقم: ٨٥٩ والبزار كما في كشف الأستار ٣/٢٢٥، والهيثمي: مجمع الزوائد ٥/١٧٦، وقال: "رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط ورجال البزار ثقات". قال أحمد شاكر: "فيظهر لي أن الهيثمي لم يعرف عبد الحميد بن أبي جعفر، ورأى إسناد البزار معروفًا له فوثّق رجاله". ٢ سبق تخريجه ص ٥٨٤.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
مُحَكَّم في النّاس يقضي بينهم بمحكم الآي ومَنْصوص السُّوَر
حدَّثْت عنه مثلَ ما تحدّثت عن كرم١ الأغصان حَلْوَاءُ الثّمر٢/ [٨٥ / أ] .
_________________
(١) ١ في الأصل: (فن الزم)، وهو تحريف. ٢ ابن الجوزي: التبصرة ١/٤٢٦، ٤٢٧.
[ ٢ / ٥٨٥ ]