الباب الحادي والثلاثون: في ذكر ما خص به ولايته ممّا لم يسبق إليه
في الصحيح عن ابن عمر قال: "لمّا فَدَع١ أهل خيبر عبد الله بن عمر ق ام عمر خطيبًا فقال: "إنّ رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: "نقرّكم ما أقرّكم الله" وإن ّعبد الله بن عمر خرج إلى ماله هنالك، فعدي عليه من الليل ففدع٢ يداه ورجلاه، وليس لنا هنالك عدوٌّ غيرهم هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم. فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني أبي الحقيق٣. فقال: "يا أمير المؤمنين، أتخرجنا وقد أقرّنا محمد وعاملنا على الأموال، وشرط لنا"؟ فقال عمر: "أظننت أنّي نسيت قول النبي ﷺ: "كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك٤ ليلة بعد ليلة" فقال: "كان ذلك هزيلة٥ من أبي القاسم" فقال: "كذبت يا عدو الله" فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثّمر، مالًا وإبلًا وعروضًا من أقتابٍ٦ ورحالٍ٧ وغير ذلك"٨.
_________________
(١) ١ الفَدَع - محركة -: اعوِجاج الرّسغ من اليد أو الرجل حتى ينقلب الكفّ أو القدم إلى إنسيها. (القاموس ص ٩٦٣) . ٢ في البخاري: (ففدعت) . ٣ رأس يهود خيبر. (فتح الباري ٥/٣٢٨) . ٤ القلوص من الإبل: الشابة أو القاقي على السير، أو أوّل ما يركب من إناثها إلى تُثْني. (القاموس ص ٨١١) . ٥ تصغير الهزل، وهو ضد الجد. (فتح الباري ٥/٣٢٨) . ٦ القتب: الإكاف الصغير الذي على قدر سنام البعير. (لسان العرب ١/٦٦١) . ٧ في نسخ البخاري التي بين يدي: (وحبال)، والرَّحْل: مركب للبعير. (القاموس ص ١٢٩٨) . ٨ البخاري: الصحيح، كتاب الشروط ٢/٩٧٣، رقم: ٢٥٨٠.
[ ١ / ٣١٥ ]
وذكر ابن الجوزي عن ميمون بن مهران١، قال: "دفع إلى عمر ﵁ صكٌ محله في شعبان، فقال عمر: شعبان هذا الّذي مضى أو٢ الّذي هو آت أو الّذي نحن فيه" ثمّ جمع أصحاب رسول الله ﷺ فقال لهم: "ضعوا للناس شيئًا يعرفونه" فقال قائل: "اكتبوا على تاريخ الرّوم" فقيل: "إنّه يطول وإنهم يكتبون من عند ذي القرنين" فقال قائل: "اكتبوا تاريخ الفرس كلما قام ملك طرح ما كان قبله"، فاجتمع رأيهم على أن ينظروا كم أقام٣ رسول الله ﷺ بالمدينة فوجدوه أقام عشر سنين فكتب أو كتب التاريخ على هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
وعن عثمان بن عبيد الله٥، قال: "سمعت سعيد بن المسيب يقول: "جمع عمر بن الخطاب المهاجرين والأنصار - ﵃ - فقال: "متى نكتب التاريخ"؟ فقال له علي بن أبي طالب ﵁: "منذ خرج النبي ﷺ من أرض الشّرك" يعني من يوم هاجر. قال: فكتب ذلك عمر بن الخطاب ﵁"٦.
وعن ابن المسيب قال: "أوّل من كتب التاريخ عمر بن الخطاب ﵁
_________________
(١) ١ الجَزَري: ثقة، فقيه، ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، وكان يرسل، توفي سة سبع عشرة ومئة. (التقريب ص ٥٥٦) . ٢ في الأصل: (والذي) . ٣ في الأصل: (قام) . ٤ ابن الجوزي: مناقب ص ٦٠، ابن حجر: فتح الباري ٧/٢٦٨، ونسبه لأحمد وأبي عروبة في: (الأوائل)، والبخاري في: (الأدب)، والحاكم. ولم أعثر عليه في النسخ المطبوعة من المسند والأدب المفرد، والمستدرك، وهو منقطع؛ لأن ميمون لم يدرك خلافة عمر، ولم يصرح عمن رواه. ٥ ابن أبي رافع مولى النبي ﷺ يروي عن أبيه وروى عنه عبد العزيز الدراوردي. (الثقات ٧/١٩١) . ٦ الحاكم: المستدرك٣/١٤، وصحّحه، ووافقه الذهبي. والطبري: التاريخ ٣/٣٨، ٣٩.
[ ١ / ٣١٦ ]
لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لست عشرة من المحرم بمشورة علي ابن أبي طالب ﵁"١.
قال أبو الزّناد٢: استشار عمر في التاريخ فأجمعوا على الهجرة"٣.
وعن عبد الرحمن٤ بن أبي الزّناد / [٣٤ / ب] عن أبيه قال: "كان مقام إبراهيم لاصقًا بالكعبة حتى كان زمن عمر بن الخطاب فقال عمر: "والله إني لأعلم ما كان موضعه ها هنا، ولكن قريش خافت عليه من السّيل فوضعته٥ هذا الموضع، ولو أني أعلم موضعه الأوّل لأعدته فيه" فقال رجل من آل عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم٦: "أنا والله يا أمير المؤمنين أعلم موضعه الأول كنت لما حوّله قريش أخذت قدر موضعه الأول بحبل، وضعت طرفه عند ركني البيت أو عند الرّكن والباب، ثمّ عقدت في وسطه عند موضع المقام فعندي ذلك الحبل"، فدعا عمر بذلك الحبل فقدروا به، فلما عرفوا موضعه الأوّل أعاده عمر فيه، قال عمر ﵁: "إنّ الله ﷿ يقول ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾، [البقرة: ١٢٥] ٧.
وعن محمد بن سعد قال: "قالوا: "إنّ أوّل من سمي بأمير المؤمنين عمر
_________________
(١) ١ الطبري: التاريخ ٤/٣٨، وفيه الواقدي. ابن الجوزي: مناقب ص ٦٠، الذهبي: تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء)، ص ١٦٣. ٢ عبد الله بن ذكوان القرشي، ثقة فقيه، توفي سنة ثلاثين ومئة. (التقريب ص ٣٠٢) . ٣ لم أجده في المصادر الأخرى. ٤ عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان المدني، مولى قريش، صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهًا، توفي سنة أربع وسبعين ومئة. (التقريب ص ٣٤٠) . ٥ في الأصل: (فوضعه)، وهو تحريف. ٦ مطموس في الأصل، سوى: (مخزو) . ٧ الأزرقي: أخبار مكة ٢/٣٣، ٣٤.
[ ١ / ٣١٧ ]
بن الخطاب، وإنّه أوّل من سنّ قيام شهر رمضان، وهو أوّل من جمع القرآن في المصحف، وهو أوّل من جمع النّاس على قيام رمضان وكتب به إلى البلدان، وجعل بالمدينة قارئين؛ قارئًا يصلي بالرجال وقارئًا يصلي بالنّساء، وهو أوّل من ضرب بالخمر ثمانين، وأحرق بيت رويشد الثقفي١ كان حانوتًا - يعني نباذًا٢ - هو أوّل من عَسَّ٣ في عمله بالمدينة، وحمل الدّرّة٤ وأدب بها - وقيل بعد: "لدرّة عمر أهيب من سيفكم -" وهو من فتح الفتوح؛ فتح العراق كلّه: السّواد، والجبال، وأذربيجان، وكور٥ البصرة وأرضها، وكور الأهواز، وفارس، وكور الشّام كلّها ما خلا أجنادين فإنّها فتحت في خلافة أبي بكر ﵁ وفتح عمر كور الجزيرة، والموصل، ومصر، والإسكندريّة، وقُتل ﵁ وخيله على الرّيّ قد فتحوا عامّتها، وهو أوّل من مسح السّواد وأرض الجبل، ووضع على الغني ثمانيةً وأربعين درهمًا وعلى الفقير اثني٦ عشر درهمًا، وقال: "لا يُعْوِزُ رجلًا منهم درهمًا في كلّ شهر". فبلغ خراج السواد والجبل على عهد عمر ﵁ مئة ألف ألف وعشرين ألف ألف وألف؛ درهم ودانقان٧ ونصف٨.
وهو أوّل
_________________
(١) ١ صهر بني عدي بن نوفل. (الإصابة ٢/٢١٤) . ٢ في القاموس ص ١٩٣: (الحانوت: الخمّار نفسه) . ٣ عسَّ: طافَ بالليل وهو نفضُ الليل عن أهل الريبة. (القاموس ص ٧١٩) . ٤ الدّرّة: بالكسر: التي يضرب بها. (القاموس ص ٥٠٠) . ٥ الكورَة: المدينة والصّقْعُ. والجمع: كُوَر. (لسان العرب ٥/١٥٦) . ٦ في الأصل: (اثنا)، ولعله سهو من المؤلف؛ لأنه في محل نصب. ٧ في الأصل: (ودانقين)، وهو تحريف. ٨ في الأصل: (قال ابن الجوزي)، وهو سهو من المؤلف.
[ ١ / ٣١٨ ]
من مصّر١ الأمصار: الكوفة والبصرة والجزيرة والشّام ومصر والموصل، وأنزلها العرب، وخط٢ الكوفة والبصرة، / [٣٥ / أ] وهو أوّل من استقضى القضاة في الأمصار، وهو أوّل من دوّن الدّواوين، وكتب النّاس على قبائلهم، وفرض لهم الأعطية من الفيء، وفرض لأهل بدر وفضّلهم على غيرهم، وفرض للمسلمين على أقدارهم وتقدّمهم في الإسلام، وهو أول من حمل الطّعام في السّفن من مصر في البحر، حتى ورد الجار٣، ثمّ حمل من الجار إلى المدينة، وقد قاسم غير واحد من عماله إذا عزله؛ منهم سعد بن أبي وقاص وأبو هريرة، وكان يستعمل قومًا ويدع من هو أفضل٤ منهم لبصرهم بالعمل وقال: "أكره أدنس هؤلاء بالعمل وهدم مسجد رسول الله ﷺ وزاد فيه، وأدخل دار العبّاس فيما زاد فيه، وهو أخرج اليهود من الحجاز، وأجلاهم من جزيرة العرب إلى الشام، وحضر فتح بيت المقدس، واستعمل أوّل سنة وليّ على الحج عبد الرحمن ابن عوف ﵁ ثمّ لم يزل عمر يحج بالناس خلافته كلّها؛ فحجّ بهم عشر سنين، وحجّ بأزواج النبي ﷺ آخر حجة حجّها، واعتمر في خلافته ثلاث مرّات، وأخر المقام إلى موضعه اليوم وكان ملصّقًا بالبيت"٥.
_________________
(١) ١ المِصْر: كل كورة تقام فيها الحدود ويقسم فيها الفيء والصدقات من غير مؤامرة للخليفة. (لسان العرب ٥/١٧٦) . ٢ الخِط والخِطة: الأرض تُنزل من غير أن ينزلها نازل قبل ذلك. (لسان العرب٧/٢٨٨) . ٣ الجار قرية على ساحل بحر القلزم. (الأحمر)، تعرف الآن باسم: (البريكة)، وهي قريبة من بدر وتبعد عن المدينة (٢٠٠) كيل. (معجم المعالم الجغرافية٢/١٠٥، ١٠٦) . ٤ في الأصل: (أفضلهم)، وهو تحريف. ٥ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٨١، ٢٨٢، ٢٨٣، بأطول. وبدون إسناد، والخبر بنحوه في البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ١٩١، ١٩٢، بنحوه من طريق ابن سعد، الطبري: التاريخ ٣/٢٠٩، مختصرًا كلاهما من طريق الواقدي وهو متروك. وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ٦١، ٦٢.
[ ١ / ٣١٩ ]
وقال عبد الله بن إبراهيم١: وألقى الحصى في مسجد رسول الله ﷺ وكان الناس إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نفضوا أيديهم، فأمر عمر بالحصى فجيىء به من العقيق٢ فبُسِط٣ في مسجد النبي ﷺ"٤.
وعن مصعب بن سعد٥: أن عمر ﵁ أول من فرض الأعطية، فرض لأهل بدر من المهاجرين والأنصار ﵃ ستة آلاف، ستة آلاف، وفرض لأزواج النبي ﷺ ففضل عليهن عائشة فرض لها اثني عشر ألفًا ولسائرهن عشرة آلف، عشرة آلاف، غير جويرية٦، وصفيّة٧ فرض لهما٨ ستة آلاف، ستة آلاف، وفرض للمهاجرات الأول أسماء بنت عميس٩ وأسماء بنت
_________________
(١) ١ إبراهيم بن عبد الله بن قارظ. وقيل: هو: عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وهم من زعم أنّهما اثنان، صدوق من الثالثة. (تهذيب التهذيب١/١١٧، التقريب ص٩١) . ٢ وادي العقيق من أشهر أودية الحجاز، يبتدئ من ذي الحليفة، وينتهي في الخليل، يحف به من الشرق: جبل عير، ومن الغرب: البيداء. انظرمعجم معالم الحجاز٦/١٢٩. ٣ بسطه: نشره. (القاموس ص ٨٥٠) . ٤ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٨٤، ابن الجوزي: مناقب ص ٦٣، وهو منقطع، وفي إسناده عليّ بن زيد، وهو ضعيف. وأورده عبد الله بنحوه في زيادته على فضائل الصحابة ١/٣٢٥، وسيأتي عن غيره. ٥ ابن أبي وقّاص الزهري، المدني، ثقة، توفي سنة ثلاث ومئة. (التقريب ص ٥٣٣) . ٦ جويرية بنت الحارث بن أبي ضِرار الخزاعية، أم المؤمنين، سَبَاها النبي ﷺ في غزوة المريسيع، ثم تزوجها وماتت سنة خمسين على الصحيح. (التقريب ص ٧٤٥) . ٧ صفية بنت حُييّ بن أخطب الإسرائيلية، أم المؤمنين، توفيت سنة ست وثلاثين، وقيل: في خلافة معاوية، وهو الصحيح. (التقريب ص ٧٤٩) . ٨ في الأصل: (لهمن)، وهو تحريف. ٩ الخثعمية.
[ ١ / ٣٢٠ ]
أبي بكر الصديق١، وأم عبد الله بن مسعود ألفًا ألفًا٢.
وعن عروة٣، قال: "أول [من] ٤ بطح مسجد رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ وقال: "ابطحوا من الوادي المبارك، يعني العقيق"٥.
قال أبو عبد الله محمد بن سلامة في كتاب (عيون المعارف): "هو أول من دون الدّواوين وذلك في سنة تسع عشرة، وقيل: سنة عشرين، وهو أول من أرخّ بعام٦ الهجرة، وختم الكتب، وهو أول من دعي بأمير المؤمنين، وهو أول من ضرب بالدرّة وحملها، وهو الذي أخر المقام إلى موضعه الآن، وكان ملصّقًا بالبيت، وهو أول من جمع الناس على إمام، وهذا في قيام شهر رمضان"٧.
وقال شارح العمدة: "فتح الله له الفتوح بالشام والعراق ومصر، ودون الدواوين في العطاء، ورتب الناس على سوابقهم فيه، وأرخّ التاريخ من الهجرة النبوية، وهو الذي نور شهر الصوم بصلاة التراويح، وأول من سمي / [٣٥ / ب] بأمير المؤمنين وأول من اتخذ الدّرّة، وهو أول من
_________________
(١) ١ زوج الزبير بن العوام، من كبار الصحابة، توفيت سنة ثلاث وسبعين. (التقريب ص ٧٤٣) . ٢ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٠٤، وهو منقطع، ابن الجوزي: مناقب ص ٦٣. ٣ ابن الزبير. ٤ سقط من الأصل. ٥ البيهقي: السنن ٢/٤٤١، وقال: "كذا قال عروة وحديث ابن عمر متصل وإسناده لا بأس به"، وابن الجوزي: مناقب ص ٦٣. ٦ في الأصل: (لعام) . ٧ محمّد بن سلامة: عيون المعارف ٥٥/أ، حتى قوله: "وختم الكتاب"، فلعل المؤلف اطلع على نسخة غير التي بين يدي، وابن الملقن: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام ق ١٠/ ب.
[ ١ / ٣٢١ ]
جمع القرآن في المصحف"١.
فصل
ومما خصّ به في ولايته من الأحكام.
زيادة حد الشرب، فكان الحد أربعين فزاده ثمانين٢.
ومن ذلك طلاق الثلاث بلفظ واحد، كان على عهد النبي ﷺ وأبي بكر، وصدرًا من إمارته واحدة، ثم أمضاه ثلاثًا٣.
ومن ذلك ترك القطع في عام المجاعة٤.
واختلفت الرواية عن الإمام أحمد في حد الخمر هل هو أربعون أم ثمانون على روايتين؟ ٥.
والصحيح من مذهبه وعليه أكثر أصحابه أنه ثمانون كما أقرّه عمر٦.
وأما الطلاق الثلاث فعنده يقع ثلاثًا وعليه عامة أصحابه٧.
_________________
(١) ١ ابن الملقن: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام ق ١٠ / ب. ٢ انظر: البخاري: الصحيح، كتاب الحدود ٦/٢٤٨٨، رقم: ٦٣٩٧، مسلم: الصّحيح، كتاب الحدود ٣/١٣٣٠، ١٣٣١، رقم: ١٧٠٦. ٣ انظر: مسلم: الصّحيح، كتاب الطلاق ٢/١٠٩٩، رقم: ١٤٧٢. ٤ انظر: عبد الرزاق: المصنف ١٠/٢٤٢، ابن أبي شيبة: المصنف ١٠/٢٧. ٥ انظر: أبا يعلى: كتاب الروايتين والوجهين ٢/٣٤٠، ابن قدامة: المغني ١٢/٤٩٨، ابن مفلح: الفروع ٦/١٠١، المرداوي: الإنصاف ١٠/٢٨٨. ٦ انظر: المحرر في الفقه ٢/١٦٢، وابن مفلح: الفروع ٦/١٠١، الحجاوي: الإقناع ص ٩٥، ابن النجار: منتهى الإرادات ٢/٤٧٦. ٧ انظر: أبا يعلى: كتاب الروايتين والوجهين٢/١٤٨، ابن قدامة: المغني١٠/٣٣٤، المجد: المحرر في الفقه٢/٥٢، الحجاوي: الإقناع٤/٦، ابن النجار: منتهى الإرادات ٢/٢٦٤.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وخرج بعضهم رواية بوقوعه واحدة واختارها أبو العباس ابن تيمية١، وصاحبه شمس الدين ابن القيم٢، وجمال الدين الإمام٣٤.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة. فقال عمر: "إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم"٥.
وفيه أيضًا عن طاووس أن أبا الصهباء٦، قال لابن عباس: "ألم تعلم أَنَّ الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وثلاثًا من إمارة عمر"، فقال ابن عباس: "نعم"٧.
وفيه عن أبي الصهباء أنه قال لابن عباس: "هات من هَنَاتِك٨، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر واحدة. ". فقال: "قد كان
_________________
(١) ١ شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم النميري. ٢ الإمام المحقّق أبو عبد الله محمّد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي المشهور بـ: ابن قيّم الجوزية، صاحب المؤلفات النافعة: إعلام الموقعين، إغاثة اللهفان، زاد المعاد، توفي سنة ٧٥١هـ. (ذيل طبقات الحنابلة ٢/٤٤٧، البداية والنهاية ٧/٢٤٦) . ٣ أحمد بن عبد الرحمن جمال الدين أبو محمّد البغدادي الحنبلي، قال ابن رجب: أقرأ بالمستنصرية وكان حريصًا على تعليم الخير ومات في المحرم سنة سبع وخمسين وسبع مئة. (الدرر الكامنة ١/١٧٥، المنتقى من معجم ابن رجب ص ٣٥) . ٤ انظر: أبا يعلى: الروايتين والوجهين ٢/١٤٨، ابن تيمية: الفتاوى ج ٣٣/٧١، ٧٣، ابن القيم: زاد المعاد ٥/٢٤٧، ٢٧٠، ابن مفلح: الفروع ٥/٣٧٢. ٥ مسلم: الصّحيح، كتاب الطلاق ٢/١٠٩٩، رقم: ١٤٧٢. ٦ مطموس في الأصل صوى: (الصهبـ)، وهو صهيب البكري، البصري أو المدني، مقبول من الرابعة. (التقريب ص ٢٧٨) . ٧ مسلم: الصّحيح، كتاب الطلاق ٢/١٠٩٩، رقم: ١٤٧٢. ٨ هَنَاتك: أخبارك وأمورك المستغربة. (شرح النووي على صحيح مسلم ١٠/٧٢) .
[ ١ / ٣٢٣ ]
ذلك فلما كان في عهد عمر تتايع١ الناس في الطلاق فأجازه عليهم"٢.
وفي سنن أبي داود عن طاووس: أن رجلًا يقال: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال: "أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر؟ ". قال ابن عباس: "بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناس تتايعوا فيها قال: "أجيزوهن عليهم"٣.
وأما القطع٤ عام المجاعة فقال السعدي٥، ثنا هارون بنإسماعيل٦، ثنا عليّ بن المبارك٧، ثنا يحيى بن أبي كثير٨، حدّثني حسان ابن زاهر٩، عن ابن حدير١٠، حدّثه
_________________
(١) ١ التتايع: التهافت في الشيء، والإسراع إليه. (لسان العرب ٨/٣٨) . ٢ مسلم: الصّحيح، كتاب الطلاق ٢/١٠٩٩، رقم: ١٤٧٢. ٣ أبو داود: السنن ٢/٢٦١، وفي إسناده مجهول، قال الألباني: "ضعيف". (ضعيف سنن أبي داود ص ٢١٧) . ٤ في الأصل: (ولما)، وهو تحريف. ٥ إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني، نزيل دمشق، ثقة حافظ رمي بالنصب، قال الخلال: "وعنده عن أبي عبد الله جزءان مسائل، توفي سنة تسع وخمسين ومئتين. (التقريب ص ٩٥، المنهج الحمد ١/٣٧٤، ٣٧٥) . ٦ هارون بن إسماعيل الخزاز، أبو الحسن البصري، ثقة، توفي سنة ست ومئتين. (التقريب ص ٥٦٨) . ٧ الهنائي، ثقة، من كبار السابعة. (التقريب ص ٤٠٤) . ٨ الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، توفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل قبل ذلك. (التقريب ص ٥٩٦) . ٩ حسان بن زاهر سمع عبد الله بن الصامت، وحصين بن حدير. (التاريخ الكبير٣/٣٣، الجرح ٣/٢٣٦، الثقات ٦/٢٢٣) . ١٠ حصين بن حدير، روى حسان بن زاهر. (التاريخ الكبير ٣/٤، الجرح ٣/١٩١، الثقات ٤/١٥٧) .
[ ١ / ٣٢٤ ]
عن عمر قال: "لا نقطع اليد في عذق ولا عام سنة"١.
قال السعدي: "سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: "العذق: النخلة٢، وعام سنة: المجاعة"٣.
فقلت لأحمد: "تقول به؟ "، / [٣٦ / أ] فقال: "إي لعمري"٤. قلت: إن سرق في مجاعة لا تقطعه؟ "، فقال: "لا، إذا حملته الحاجة على ذلك، والناس في مجاعة وشدة"٥.
قال السعدي: "وهذا على نحو قضية عمر في غلمان حاطب"٦.
وقال: ثنا النّعمان بن عازب٧: ثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن حاطب٨، أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا لرجل من
_________________
(١) ١ عبد الرزاق: المصنف ١٠/٢٤٢، ابن أبي شيبة: المصنف ١٠/٢٧، البخاري: التاريخ الكبير ٣/٤، ابن حبان: الثقات ٤/١٥٧، وابن قدامة: المغني ١٢/٤٦٢. فيه حسان بن زاهر، وحصين بن حدير، لم يوثقهما غير ابن حبان. ٢ انظر: الفيروزآبادي: القاموس ص ١١٧١. ٣ انظر: ابن منظور: لسان العرب ١٣/٥٠١. ٤ قال في معجم المناهي اللفظية ص ٢٧٨: "كره كثير من العلماء أن يقول الإنسان: (لعمري)، لأن معناه: وحياتي". النخعي، وابن حبيب وابن العربي. قلت: والصواب: أنها ليست بقسم، لأن النبي ﷺ قالها. انظر: سنن أبي داود٢/٢٦٥، والحديث صحّحه الألباني، (صحيح سنن أبي داود ٢/٦٥٦) . وكذلك ثبت عن بعض الصحابة التلفظ بها منهم ابن عباس وعائشة. انظر: سنن ابن ماجه ٢/٩٤٤، ٩٥٥، وصحّحه الألباين، (صحيح سنن ابن ماجه ٢/٨٨)، وانظر: سنن النسائي ٥/٩٨، ٩٩، وصحّحه الألباني، (صحيح سنن النسائي ٢/٥٤٩) . ٥ الخبر بنحوه في ابن قدامة: المغني ١٢/٤٦٢، ٤٦٣. ٦ انظر: ابن قدامة: المغني ١٢/٤٦٣. ٧ لم أجد له ترجمة. ٨ في المصنف: (عن عروة أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أخبره عن أبيه) . وفي رواية أخرى في المصنف وسنن البيهقي: (عن عروة عن يحيى بن عبد الرحمن وقفه عليه) .
[ ١ / ٣٢٥ ]
مزينة فأتى بهم عمر فأقروا فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب١ فجاء فقال له: "إن غلمان حاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة وأقروا على أنفسهم، فقال عمر: "يا كثير بن الصلت٢، اذهب فاقطع أيديهم"، فلما ولى بهم ردهم عمر ثم قال: "أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له لقطعت أيديهم، وأيم الله إذ لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك ثم قال: يا مزني بكم أريدت منك ناقتك"، قال: بأربع مئة"، قال: "اذهب فأعطه ثمان مئة"٣.
قال بعض أصحابنا: "ذهب الإمام أحمد إلى موافقة عمر في الفعلين٤ جميعًا"٥.
وفي مسائل إسماعيل بن سعيد الشالنْجي٦ التي شرحها السعدي بكتاب سماه: (المترجم): سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يحمل / [٣٦/ب] ٧ التمر من أكمامه فقال: "فيه التمر مرتين وضرب نكال، وقال: وكل من درأنا عنه الحد والقود، أضعفنا عليه الغرم"٨.
_________________
(١) ١ ابن أبي بلتعة، له رؤية، وعدّوه في كبار ثقات التابعين، توفي سنة ثمان وستين. (التقريب ص ٣٣٨) . ٢ ابن معدي كرب الكندي، مدني، ثقة، من الثانية، ووهم من جعله صحابيًا. (التقريب ص ٤٥٩) . ٣ عبد الرزاق: المصنف١٠/٢٣٨، ٢٣٩، وإسناده صحيح، والبيهقي: السنن ٨/٢٧٨) . ٤ الفعلان هما: درء الحد وإضعاف الغرم. ٥ انظر: ابن مفلح: الفروع ٦/١٣٩، وانظر الرواية التي بعدها. ٦ قال الخلال: "عنده مسائل كثيرة عند أحد رواها عنه إلا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، فإنه حدّث بها عن إسماعيل بن سعد". توفي سنة ٢٣٠هـ، وقيل: سنة ست وأربعين ومئتين. (المنهج الأحمد ٢/٣٧٥، اللباب ٢/١٧٦) . ٧ ق٣٦/ب فيها بياض من أصل المخطوطة، وليس ثمة نقص فالكلام متصل بالمخطوطة. ٨ لم أجد هذه الرواية، لكن ورد نحوها من رواية ابن هاني. (الفروع ٦/١٣٩) .
[ ١ / ٣٢٦ ]
وقد وافق أحمد على سقوط القطع في المجاعة الأوزاعي١٢، وهذا محض القياس، ومقتضى قواعد الشرع فإن السنة إذا كان سنة مجاعة وشدة علت على الناس الحاجة والضرورة فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه، ويجب على صاحب المال بذل ذلك له إما بالثمن أو مجانًا على الخلاف في ذلك، والصحيح وجوب بذله مجانًا لوجوب المساواة وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج، وهذه شبهة قوية تدرؤ القطع، وهي أقوى من كثير من الشبه التي يذكرها كثير من الفقهاء، بل إذا وازنت بين هذه الشبهة وبين ما يذكرون ظهر التفاوت، فأين شبهة كون المسروق مما يسرع إليه الفساد٣، وكون أصله على الإباحة٤، وشبهة القطع به مرة، وشبهة دعوى ملكه بلا بينة٥، وشبهة إتلافه في الحرز٦ بأكل أو احتلاب من الضرع٧، وغير ذلك من الشبه الضعيفة. والله أعلم. / [٣٧ / أ] .
_________________
(١) ١ عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، الفقيه، ثقة جليل، توفي سنة سبع وخمسين ومئة. (التقريب ص ٣٤٧) . ٢ انظر: ابن قدامة: ١٢/٤٦٣. ٣ المصدر السّابق ١٢/٤٢٤. ٤ المصدر السّابق ١٢/٤٢٤. ٥ المصدر السّابق ١٢/٤٣٤. ٦ المصدر السّابق ١٢/٤٢٦. ٧ المصدر السّابق ١٢/٤٣٦.
[ ١ / ٣٢٧ ]