الباب الحادي والستون: في ذكر كراماته
ذكر ابن الجوزي عن [زيد بن] ١ أسلم ويعقوب بن زيد٢، قالا: "خرج عمر بن الخطّاب ﵁ يوم الجمعة إلى الصلاة، فصَعِد المنبر ثم صاح: يا سارية بن زنيم الجبلَ، ظلم من استرعى الذّئبَ الغنم، قال: ثم خطب حتى فرغ؛ فجاء كتابُ سارية بن زنيم إلى عمر بن الخطّاب ﵁: إن الله عزوجل فتح علينا يوم الجمعة الساعةَ كذا وكذا، لِتلك الساعةِ التي خرج فيها عمر فتكلم على المنبر، قال سارية: "فسمعت صوتًا: يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم من استرعى الذّئبَ الغنم، فعلوتُ بأصحابي الجبل، ونحن قبل ذلك في بطنِ وادٍ، ونحن محاصَرو العدوّ، ففتح الله علينا". فقيل لعمر بن الخطّاب ﵁: "ما ذاك الكلام؟ "، فقال: "والله ما ألقيت له بالًا، شيء أتي به على لساني"٣.
وعن نافع مولى ابن عمر - ﵄ - أن عمر ﵁ قال على المنبر: "يا سارية بن زنيم الجبل، فلم يدر الناس ما يقول، حتى قدم سارية المدينة على عمر ﵁ فقال: "يا أمير المؤمنين، كنا محاصري العدوّ وكنّا نقيم الأيام لا يخرج علينا منهم أحد نحن في خفض من الأرض،
_________________
(١) ١ سقط من الأصل. ٢ التيمي، المدني، قاضي المدينة، صدوق، من الخامسة. (التقريب ص ٦٠٨) . ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ١٧٢، ابن كثير: التاريخ ٤/١٣٥، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٥٨١، وعزاه لابن سعد. والخبر ضعيف لانقطاعه بين زيد بن أسلم ويعقوب بن زيد، وبين عمر بن الخطاب، وهو من طريق الواقدي. قال ابن كثير بعد إيراده هذا الخبر من عدة طرق: "فهذه طرق يشد بعضها بعضًا".
[ ٢ / ٦٤٣ ]
وهم في حصن عال فسمعت صائحًا ينادي بكذا وكذا، يا سارية بن زنيم الجبل، فعلوت بأصحابي الجبل فما كان إلا ساعة حتى فتح الله علينا"١.
وعن نافع مولى ابن عمر أن عمر ﵁ خطب يومًا بالمدينة، فقال: "يا سارية بن زنيم الجبل، من استرعى الذّئب فقد ظلم"، قال: قيل له: "تذكر سارية، وسارية بالعراق؟ "، فقال الناس لعليّ ﵁: "أما سمعت عمر يقول: يا سارية، وهو يخطب على المنبر"، فقال: "ويحكم دعوا عمر فإنه ما دخل في شيء إلا خرج منه". فلم يلبث [إلا] ٢ يسيرًا حتى قدمسارية فقال: "سمعت صوت عمر ﵁ فصعدت الجبل"٣.
وعن قيس بن الحجاج٤ قال: "لما فتحت مصر، أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بؤنة من أشهر العجم، فقالوا: "أيها الأمير، إن لنيلنا هذا سُنَّة لا يجري إلا بها، فقال لهم: "وما ذاك؟ "، قالوا له: "إذا كانت اثنتا
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: مناقب ص ١٧٢، وهو منقطع بين نافع وعمر. وعبد الله بن أحمد في زوائده على فضائل الصحابة ١/٢٦٩، عن نافع عن ابن عمر. وإسناده حسن في إسناده محمّد بن عجلان وهو صدوق. (التقريب رقم: ٦١٣٦) . وأبو نعيم: دلائل النبوة ص ٥٧٩، اللالكائي: أصول اعتقاد أهل السنة ٤/٣٣٠، ابن تيمية: الفرقان ص ٧٤، قال ابن كثير عقب إيراده الخبر: "وهذا إسناد جيد حسن". (تاريخ ابن كثير ٤/١٣٥)، وابن حجر: الإصابة ٣/٥٣، وقال: "إسناده حسن". والسخاوي: المقاصد الحسنة ص ٤٧٤، وقال: "إسناده حسن كما ذكر شيخنا"، وابن حجر الهيثمي: الصواعق المحرقة ص ١٠١ وحسّن إسناده. ٢ سقط من الأصل. ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ١٧٣، بدون إسناد. قال ابن كثير: "رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، وفي صحته من حديث مالك نظر". (تاريخ ابن كثير ٤/١٣٥) . قال محقّق السنة للالكائي: "قلت: لم يورد اللالكائي عن مالك في كتابه هذا ولعلّ ذلك وهم من ابن كثير إلا إذا أراد كتابًا آخر". (السنة ٤/١٣٣٠، حاشية رقم: ١) . ٤ الكلاعي، صدوق، توفي سنة تسع وعشرين ومئة. (التقريب ص ٤٥٦) .
[ ٢ / ٦٤٤ ]
عشرة ليلة تخلوا من هذا الشهر عمَدْنا إلى جارية بكر بين أبويها، فأرضينا أباها، وحملنا عليها من الحلي والثّياب، أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النّيل".
فقال لهم عمرو: "إن هذا شيء لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدِمُ ما كان قبله، فأقاموا بؤنة١، وأبيب، ومسرى، لا يجري قليلًا ولا كثيرًا / [٩٤ / ب] حتى همّوا بالجلاء منها، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص كتب إلى عمر ﵁ فكتب إليه عمر ﵁: "إنك قد أصبتَ بالذي فعلت، إن الإسلامَ يهدم ما كان قبله". وكتب بطاقة داخل كتابه، وكتب إلى عمرو: وإني قد بعثت إليك بطاقة في داخل كتابي إليك فألقها في النيل إذا وصل كتابي إليك، فلما قدم كتاب عمر ﵁ إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة فإذا فيها مكتوب:
"من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد: فإن كنت إنما تجري من قِبَلِك فلا تجرِ، وإن كان الله الواحد القهّار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهّار أن يجريك".
فألقى البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيومٍ، وقد تهيّأ أهلُ مصر للجلاء والخروج؛ لأنهم لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل، فلما ألقى البطاقة أصبحوا يوم الصليب قد أجراه الله تعالى ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة، فقطع الله تلك السنة السوء عن أهل مصر إلى اليوم"٢.
_________________
(١) ١ بؤنة: حزيران. وأبيب: تموز ومسرى: آب. (انظر: مروج الذهب للمسعودي١/٣٤٩) . ٢ ابن عبد الحكم: فتوح مصر ص ١٥٠، ١٥١، أبو الشيخ: العظمة ٤/١٤٢٤، ١٤٢٥، وابن كثير: البداية والنهاية ٤/١٠٢، كلهم عن ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عمن حدّثه، وإسناده ضعيف، ابن لهيعة ضعيف، وأيضًا فيه راوٍ مبهم، وأورده ياقوت الحموي: معجم البلدان ٥/٣٣٥، ابن الجوزي: مناقب ص ١٧٣، ١٧٤، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ١٢٧، والمتقي الهندي: كنْز العمال١٢/٥٦٠، وعزاه لابن عبد الحكم، والعظمة وابن عساكر.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
وعن خوَات بن جبير١ قال: "أصاب الناس قحط شديد على عهد عمر ﵁ فخرج بالناس فصلى بهم ركعتين، وخالف بين طرفي ردائه، فجعل اليمين على اليسار، واليسار على اليمين، ثم بسط يده فقال: "اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك"، فما برح مكانه حتى مطر، فبينما هم كذلك إذا أعرابٌ قد قدموا على عمر ﵁ فقالوا: "يا أمير المؤمنين بينما نحن بوادينا في يوم كذا في ساعة كذا، إذ أَظَلَّنا غمامٌ فسمعنا فيه صوتًا: أتاك الغوث أبا حفصٍ، أتاك الغوثُ أبا حفصٍ"٢.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن عمر ﵁ بعث جيشًا، وأمّر عليهم رجلًا يدعى: "سارية"، قال: فبينا عمر بن الخطّاب ﵁ يخطب الناس يومًا جعل يصيح وهو على المنبر: "يا ساري الجبل، يا ساري الجبل"، قال: فقدم رسول الجيش فسأله، فقال: "يا أمير المؤمنين لقينا عدوّنا فإذا بصائح يصيح: يا ساري الجبل، يا ساري الجبل، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزمهم الله"، فقيل لعمر: "إنك تصيح بذلك"٣.
وفي رواية أبي بلج٤، قال: "بينما عمر بن الخطّاب ﵁ قاعد
_________________
(١) ١ الأنصاري، صحابي، قيل: إنّه شهد بدرًا. توفي سنة أربعين أو بعدها (التّقريب ص١٩٦. ٢ وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ١٣/ق١٢٩، وإسناده ضعيف، فيه عطاء بن مسلم، صدوق يخطئ كثيرًا. (التقريب رقم: ٤٥٩٩)، وأيضًا منقطع يبن العمري وخوات بن جبير. ابن الجوزي: مناقب ص١٧٤، والمتقي الهندي: كنْز العمال ٨/٤٣٢) . ٣ أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٧٧، وقد تقدم تخريجه ص ٦٠٨. ٤ في أصول اعتقاد أهل السنة: (عن أبي بلج بن عليّ بن عبد الله)، ولم أجد شخصًا بهذا الاسم والكنية، وفي التقريب ص ٦٢٥: "أبو بلج يحيى بن سليم القزاري، صدوق ربما أخطأ من الخامسة".
[ ٢ / ٦٤٦ ]
على المنبر يوم جمعة يخطب الناس، فبينا هو في خطبته قال بأعلى صوته: "يا ساري الجبل، يا ساري الجبل، ثم أخذ في خطبته، فأنكر الناس ذلك منه، فلما نزل وصلى قيل له: "يا أمير المؤمنين قد صنعت اليوم شيئًا ما كنا نعرفه"، قال: "وما ذاك؟ "، قيل: "قلت كذا وكذا"، وذكروا ما نادى به، فقال: "ما كان شيء من هذا"، قالوا: "بلى والله لقد كان ذلك يا أمير المؤمنين". قال: "فأثبتوا من هذا اليوم من هذا الشهر، ثم ابصروا"، وكان بعث سارية في بعث فظفر العدوّ فلجؤوا إلى الجبل، فقال سارية لما انصرف: "بينا نحن نقاتل العدوّ إذ سمعنا صوتًا لا ندري ما هو: "يا ساري الجبل ثلاثًا، فدفع الله عزوجل عنا به، فنظروا في ذلك اليوم فإذا هو اليوم قال فيه عمر ما قال"١.
وقال يحيى بن أيوب٢: "كان بالمدينة فتى٣ يعجب عمر بن الخطّاب ﵁ فانصرف ليلة من صلاة العشاء فتمثلت له امرأة بين يديه فعرضت له نفسها ففتن بها ومضت، فأتبعها حتى وقف على بابها فأبصر وجُلّي عن قلبه وحضرته هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقُوا إِذَا مَسَّهُم طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذّكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُون﴾ [الأعراف: ٢٠١] فخرّ مغشيًا عليه فنظرت إليه المرأة فإذا هو كالميت، فلم تزل هي وجارية لها يتعاونان حتى ألقياه على باب داره، فخرج أبوه فرآه ملقى على باب الدار لما به، فحمله وأدخله فأفاق،
_________________
(١) ١ اللالكائي: أصول اعتقاد أهل السنة ٤/١٣٣٠، وفي إسناده عليّ بن عبد الله، لم أجد له ترجمة. أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٧٨، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٥٧٣. ٢ لم يتميز عندي. ٣ مطموس في الأصل، سوى (تى) .
[ ٢ / ٦٤٧ ]
فسأله: ما أصابك يا بني؟، فلم يخبره فلم يزل به حتى أخبره، فلما تلا الآية شهق شهقة فخرجت نفسه، فبلغ عمر قصته، فقال: "ألا آذنتموني بموته، فذهب حتى وقف على قبره، فنادى: يا فلان: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، فسمع صوتًا من داخل القبر: قد أعطاني ربِّي يا عمر"١.
فصل: كرامات الأولياء حقّ وأدناها الفراسة
فإن منهم من يسير البعيد في المدّة القريبة، وفي الأثر: "الدنيا خطوة مؤمن"٢.
وفي الصحيح: "إن من عباد٣ الله من لو أقسم على الله لأبره" ٤.
ومن ذلك / [٩٥ / ب] ٥: برء الأسقام عند لمسه كما وجد ذلك من النبي ﷺ في عدة مواطن٦، وكما تفل في عيني عليّ فبرأتا٧.
_________________
(١) ١ لم أجده في المصادر الأخرى. ٢ ابن تيمية: الفتاوى١٨/١٢٣وقال: "هذا لا يعرف عن النبيصلى الله عليه وسلمولا عن غيره من سلف الأمة ولا أئمتها". وابن عراق: تنزيه الشريعة٢/٤٠٢وقال ابن تيمية: "موضوع". ٣ في الأصل: (عباده)، وهو تحريف. ٤ البخاري: الصحيح، كتاب الصلح ٢/٩٦٢، رقم: ٢٥٥٦، ومسلم: الصّحيح، كتاب القسامة ٣/١٣٠٢، رقم: ١٦٧٥. ٥ هذه الورقة وردت في مكانها الصحيح، وقد أوردت الترتيب الصحيح كما بدا لي. ٦ البخاري: الصحيح، كتاب المغازي ٤/ ١٤٨٢ رقم ٣٨١٣، ابن هشام: السيرة ٣/ ٨١ وإسناده صحيح، ٣/ ١١٩ مرسل عاصم بن عمر بن قتادة ولم تثبت من طريق صحيحة. ٧ البخاري: الصحيح، كتاب الجهاد ٣/١٠٧٧، رقم: ٢٧٨٣، ومسلم: الصّحيح، كتاب فضائل الصحابة ٤/١٨٧٢، رقم: ٢٤٠٦.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
ومن ذلك: زيادة الأشياء بدعائه، كزيادة تمر جابر عند دعاء النبي صلى الله عليه وسلم١، وبركة الطعام عند أكله٢، ونحو ذلك٣.
والأولياء يكرهون إظهار ذلك عنهم واشتهاره، فإن قيل: النبي ﷺ كان يظهر ذلك ويفعله المرة بعد المرة في مشاهد الناس.
قيل: النبي ﷺ بخلاف الناس، فإن النبي ﷺ المقصود منه الإظهار ليتبعه الناس، ويصدقوه ويعلمون صدق قوله، وهي آيات له تدل على نبوّته وصدق قوله، وهو مأمور بإظهار آياته كما هو مأمور بإظهار دينه، فإنها من جملة دليله، وهو مأمور بإقامة الدليل.
وأما غيره، فإنه ينبغي له الإخفاء والتستّر حتى لا يعلم الناس به، فإنه ربما حصل له نوع مدح وشهرة ورياء، والله يكره ذلك للآدمي، ولهذا لم يرد عن الصحابة كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ وغيرهم، فعل ذلك بمشهد الناس، وإن وقع منهم خفية٤.
فإن قيل: فعمر قد قال على المنبر: "يا ساري الجبل".
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح، كتاب البيوع ٢/٧٤٨، رقم: ٢٠٢٠، ٢٢٦٦. ٢ البخاري: الصحيح، كتاب المغازي ٤/١٥٠٥، رقم: ٣٨٧٦، ومسلم: الصّحيح، كتاب الأشربة ٤/١٦١٠، رقم: ٢٠٣٩، ٢٠٤٠. ٣ الصّحيح أن ما كان في حقّ الرسول ﷺ يسمى آية، أو معجزة، قال شيخ الإسلام: "وإن كان اسم المعجزة يعم كلّ خارق للعادة في اللغة، وعرف الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد بن حبل وغيره، يسمّونها: الآيات. لكن كثيرًا من المتأخرين يفرق في اللفظ بينهما، فيجعل المعجزة للنبي، والكرامة للولي، وجماعها الأمر الخارق للعادة". (مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/٣١١) . ٤ الكرامة تقع من أولياء الله بمحضر من الناس كما وقع من أبي بكر وعمر وخبيب والبراء بن مالك وغيرهم، وتقع لإعزاز الدين أو لحاجة المسلمين، وقد تقع سرًا. قال شيخ الإسلام: "وخيار أولياء الله كراماتهم الحجة في الدين أو الحاجة بالمسلمين كما كانت معجزات نبيّهم ﷺ كذلك". وقد ذكر شيخ الإسلام أكثر من ثلاث وعشرين كرامة وقعت لبعض الصحابة والتابعين. (مجموع الفتاوى ١١/٢٧٤، ٢٧٧)، وانظر عن الكرامات: ابن سيد الناس: المقامات العلية في الكرامات الجلية.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
قيل: الجواب عن ذلك من أوجه:
الأوّل: كأنه وقع منه فلتة ثم أنكره، فلهذا قال بعد ذلك: "لم أقل شيئًا".
والثّاني: فعله للحاجة إليه؛ لأنه لو لم يقل ولو لم يوجد منه ربما حصل لأصحابه هلاك.
والثّالث: أنه أُجْرِي على لسانه من غير إشعار بذلك وبحضور جماعة؛ لأنه لما حصلت له المشاهدة لأصحابه أولئك اشتغل قلبه بهم، فلما اشتغل قلبه بهم لهي عمن هو فيهم، ولم يدر أنه فيهم فخاطب أولئك يظنه معهم.
وقد صار في زماننا هذا من الزنادقة ونحوهم من يظهر ما لا يدخل على الدين، بل يدل على الفساد، ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون١. كما يفعل طائفة من الصوفية٢ من دخول النار ونحو ذلك٣، وأخبرني شخص عن رجل منهم أنه يدعو الطير فيأتي إليه، ويدعو الوحوش فتأتي إليه فيظهر ذلك ويقول لهم: "انظروا"، ويفعل أشياء من هذا القبيل فكنت قلت له: "ما أظن هذا على خير٤، فبعد
_________________
(١) ١ في الأصل: (الكاذبون)، وهو تحريف. ٢ في الأصل: (الصوفة)، وهو تحريف. ٣ انظر: تيمية: مجموع الفتاوى ١١/٤٦٥. ٤ قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١١/٤٦٦: "قال يونس بن عبد الأعلى للشافعي: "أتدري ما قال صاحبنا" - يعني: الليث بن سعد؟ - قال: "لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء فلا تغتر به". فقال الشافعي: "لقد قصر الليث، لو رأيت صاحب هوى يطير في الهواء فلا تغتر به".
[ ٢ / ٦٥٠ ]
مدة أخبرني أنه أراد أن يلوط بغلام وأنه سقط من أعين الناس، ولم يصدقوه بعد ذلك. والله الموفق. / [٩٦ / أ] ١.
_________________
(١) ١ هذه الورقة وردت في مكانها الصحيح، وقد أوردت الترتيب الصحيح كما بدا لي لاتصال الكلام.
[ ٢ / ٦٥١ ]