الباب الخمسون: في جمعه القرآن في المصحف
وفي الصحيح عن الزهري، أخبرني ابن السباق١، أن زيد بن ثابت الأنصاري، وكان ممن يكتب الوحي، قال: "أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة٢، وعنده عمر، فقال أبو بكر: "إن عمر أتاني فقال: "إن القتل قد استحرّ٣ يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى٤ أن يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه، وإني لأرى٥ أن تجمع القرآن"، قال أبو بكر: "فقلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ "، قال عمر: "هو والله خير"، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي [رأى] ٦ عمر". فقال٧ زيد بن ثابت: وعمر جالس عنده لا يتكلم، فقال أبو بكر: "إنك رجل شاب عاقل [و] ٨ لا نتهمك كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتّبع القرآن فاجمعه".
_________________
(١) ١ عبيد بن السباق الثقفي، من الثالثة. (التقريب ص ٣٧٧) . ٢ اليمامة: معدودة من نجد وقاعدتها حجر، وكان اسمها قديمًا جوًّا فسميت باليمامة بنت سهم بن طسم، وكان فتحها وقتل مسيلمة في أيام أبي بكر ﵁، وفتحها خالد ابن الوليد. (معجم البلدان ٥/٤٤٢) . ٣ استحر: اشتد وكثر. (لسان العرب ٤/١٧٩) . ٤ مطموس في الأصل، سوى: (شى) . ٥ مطموس في الأصل، سوى: (رى) . ٦ مطموس في الأصل. ٧ في صحيح البخاري: (قال) . ٨ مطموس في الأصل.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
فوالله لو كلفوني نقل١ جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟، فقال أبو بكر: "هو والله خير". فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صَدْرِي للذي شرح الله له صَدْرِي أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من٢ الرّقاع والأكتاف، والعُسُب٣، وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة / [٧٧ / ب] آيتين مع خزيمة الأنصاري٤، لم أجدهما مع أحد غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨-١٢٩]، إلى آخرهما. فكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عمر حتى توفاه الله [ثم] ٥ عند حفصة بنت عمر"٦.
وذكر ابن الجوزي عن الحسن٧، أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل عن آية في كتاب الله عزوجل فقيل: "كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال: "إنا لله"، وأمر بالقرآن فجمع، فكان أول من جمعه في المصحف٨.
وعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: "أراد عمر بن الخطاب
_________________
(١) ١ مطموس في الأصل، سوى (ل) . ٢ مطموس في الأصل، سوى (ن) . ٣ العسب: الذي لم ينبت عليه الخوص من السعف. (القاموس ص ١٤٧) . ٤ خزيمة بن ثابت الأنصاري، ذو الشهادتين، قتل مع عليّ بصفين. (التقريب ص ١٩٣) . ٥ مطموس في الأصل. ٦ البخاري: الصحيح، كتاب التفسير ٤/١٩٠٧، رقم: ٤٧٠١. ٧ البصري. ٨ ابن الجوزي: مناقب ص ١٢٦، والخبر في ابن أبي داود: المصاحف ص ١٦، إسناده ضعيف لانقطاعه، الحسن لم يسمع من عمر، وفيه مبارك بن فضالة عنعن وهومدلس.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
﵁ أن يجمع القرآن، فقام في الناس، فقال: "من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئًا من القرآن فليأتنا به"، وكانوا قد كتبوا ذلك في الصحف، والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شاهدان"١.
وعن عبد الله بن فضالة٢، قال: "لما أراد عمر بن الخطاب أن يكتب القرآن أقعد له نفرًا من أصحابه، فقال: "إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة أهل مضر٣، فإن القرآن نزل على رجل من مضر"٤.
وعن جابر بن سمرة، قال: "سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لا يملين في مصاحفنا إلا غلمان قريش، وغلمان ثقيف"٥.
قال أسامة بن مرشد: "قد كان عمر عزم على جمع القرآن والسنة أيضًا، ثم بدأ له"٦.
وروي عن عروة٧، قال: "أراد عمر أن يكتب للناس السنن، فاستخار الله
_________________
(١) ١ ابن أبي داود: المصاحف ص ١٦، ١٧، وإسناده ضعيف لانقطاعه، يحيى بن عبد الرحمن لم يدرك عمر، وفي إسناده محمّد بن عمران بن علقمة صدوق له أوهام. (التقريب رقم: ٦١٨٨)، وابن الجوزي: مناقب ص ١٢٦، ١٢٧. ٢ الزهراني الليثي، له رؤيةمرسلة، عاش إلى زمن الوليدبن عبد الملك. (التقريب ص٣١٧) . ٣ في المصاحف، والمناقب: (بلغة مضر) . ٤ ابن أبي داود: المصاحف ص ١٧، وإسناده حسن. فيه إسماعيل بن أسد، وهَوْدَة بن خليفة وهما صدوقان. (التقريب رقم: ٤٢٤، ٧٣٢٧)، وابن الجوزي: مناقب ص١٢٧. ٥ ابن أبي داود: المصاحف ص ١٧، ١٨، وإسناده حسن، وفيه شيبان الحبطي، صدوق يهم. (التقريب رقم: ٢٦٩)، لكن له شاهد مرسل عن عبد الله بن معقل. (المصاحف ص ١٧، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ١٢٧، وابن حجر: فتح الباري ٣/١٩، وعزاه لابن أبي داود. ٦ أسامة بن مرشد: مختصر مناقب عمر لابن الجوزي ص ١٢٧. ٧ عروة بن الزبير.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
شهرًا، ثم أصبح وقد عزم لهن فقال: "ذكرت قومًا كتبوا كتابًا فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله عزوجل"١.
وفي الصحيح عن أنس بن مالك: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: "يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب، اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف نَنْسَخُها في المصاحف ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام٢، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم". ففعلوا حتى إذا نسخوا الصّحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلّ أفقٍ٣ بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة، أو مصحف أن يحرق٤. أو قال: "يخرق"٥.
وفي مسند الإمام أحمد عن عباد بن عبد الله بن الزبير٦، قال:
_________________
(١) ١ ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله ص ١٠٩، والخطيب: تقييد العلم ص ٥٠، وابن الجوزي: مناقب ص ١٢٧، وأورده عن الزهري ابن سعد: الطبقات ٣/٢٨٧، والبلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ٢١٧) . ٢ المخزومي، له رؤية، وكان من كبار ثقات التابعين، توفي سنة ثلاث وأربعين. (التقريب ص ٣٣٨) . ٣ الأفق: الناحية. (القاموس ص ١١١٦) . ٤ البخاري: الصحيح، كتاب فضائل القرآن ٤/١٩٠٨، رقم: ٤٧٠٢. ٥ قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٩/٢٠: "وفي رواية الأكثر: "أن يخرق"، بالخاء المعجمة. ٦ ابن العوام، كان قاضي مكة زمن أبيه وخليفته إذا حج، ثقة، من الثالثة. (التقريب ص ٢٩٠) .
[ ٢ / ٥٤١ ]
"أتى الحارث بن خَزْمة١ بهاتين الآتين من آخر براءة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨-١٢٩] إلى عمر بن الخطاب، فقال: "من معك على هذا؟ " قال: "لا أدري، والله إني أشهد لسمعتها من رسول الله ﷺ ووعيتها وحفظتها"، فقال عمر: "وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله ﷺ"، ثم قال: "لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فضعوها فيها". فوضعتها في آخر براءة"٢. / [٧٨ / أ] .
_________________
(١) ١ الحارث بن خَزْمة المخزومي الأنصاري، شهد بدرًا وما بعدها، توفي بالمدينة سنة أربعين. (أسد الغابة ١/٣٨٩، الإصابة ١/٢٩٠) . ٢ أحمد: المسند ٣/١٦٢، وإسناده ضعيف، قال أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: ١٧١٥: "إسناده ضعيف، لانقطاعه، عباد بن عبد الله، ثقة، ولكنه لم يدرك قصة جمع القرآن، بل ما أظنه أدرك الحارث بن خرمة، ولئن أدركه لما كان مصححًا للحديث، إذ لم يروه عنه، بل أرسل القصة إرسالًا". والحديث في ابن أبي داود: المصاحف ص ٣٠، والهيثمي: مجمع الزوائد، وقال: "رواه أحمد، وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات". قال أحمد شاكر: "ولم ينتبه الحافظ الهيثمي لتعليله بالإرسال".
[ ٢ / ٥٤٢ ]