الباب الرابع والتسعون: في ذكر محبّته وثوابها
ذكر ابن الجوزي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "حبّ أبي بكر وعمر من الإيمان، وبغضهما من الكفر، ومن سبّ أصحابي فعليه لعنة الله" ١.
وعن محمّد بن خالد بن عَثْمَة٢ قال: "سمعت مالك بن أنس يقول: "يؤتى بأقوام يوم القيامة فيقفون بين يدي الله عزوجل فيؤمر بهم إلى النار، فإذا هَمَّ الزبانية بأخذهم، وقربوا من النار، وهَمَّ مالكٌ بأخذهم، قال الله تعالى لملائكة الرحمة: "ردّوهم"، فيردوهم، فيقفون بين يدي الله عزوجل طويلًا فيقول: "يا عبادي أمرت بكم إلى النار بذنوب سلفت لكم استوجبتم لها، وقد روعتكم، وقد أذهبت ذنوبكم لحبّكم أبا بكر وعمر"٣.
وعن إسماعيل بن يحيى٤ بن سلمة بن كهيل٥ قال: "كانت لي أخت أسن مني فاختلطت، وذهب عقلها، فتوحشت، وكانت في غرفة بضع
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: مناقب ص ٢٥٣، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ ١٣/ ق ٦٨، وإسناده ضعيف، لأجل خليد بن دعلج، والسيوطي: الجامع الصغير ١/١٤٦، ونسبه لابن عساكر، وضعفه. وضعّفه الألباني، وقال: "ضعيف جدًّا"، ضعيف الجامع الصغير ٣/٩٠) . ٢ الحنفي البصري، صدوق يخطئ. من العاشرة. (التقريب ص ٤٧٦) . ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ٢٥٣، وإسناده منقطع، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ ١٣/ ق ٦٩، عن عبد الله بن عمر، وفي إسناده محمّد بن السّري التمار، قال الذهبي: "يروي المناكير والبلايا، ليس بشيء". (ميزان الاعتدال ٣/٥٥٩) . ٤ في الأصل: (يحيى بن إسماعيل) . ٥ إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، متروك، من العاشرة. (التقريب ص ١١٠) .
[ ٣ / ٩١٨ ]
عشرة سنة، وكانت مع ذهاب عقلها تحرص على الطهور، وتعقد الصلوات، وربما غلبت على عقلها الأيام فتحفظ ذلك حتى تقضيه. قال: فبينا أنا نائم ذات ليلة إذ باب بيتي يدق في نصف الليل فقلت: من هذا؟، قالت: "بجة"، قلت: أختي؟، قالت: "أختك"، قلت: لبيك، وفتحت الباب، فدخلت ولا عهد لها بالبيت منذ أكثر من عشرين سنة، فقلت لها: يا أختاه، خير؟، فقالت: "خير أتيت الليلة في منامي، فقيل لي: السلام عليك يا بجة، فقلت: وعليكم السلام، فقيل لي: إن الله قد حفظ أباك يحيى١ لسلمة بن كهيل٢، وحفظ إسماعيل لأبيك، فإن شئت دعوت الله لك فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنة فإن أبا بكر وعمر قد شفعا لك إلى الله عزوجل بحبّ أبيك وجدك إياهما، فقلت: إن كان لا بدّ أختار أحدهما فالصبر على ما أنا فيه والجنة، والله واسع لا يتعاظمه شيء، إن شاء أن يجعلهما لي فعل، قالت: فقال لي: قد جمعهما لك الله ورضي عن أبيك، وجدك بحبّهما أبا بكر وعمر، قومي فانزلي فأذهب الله ما كان بها"٣.
عن هبة بن سلامة المفسر٤ قال: "كان لنا شيخ يقرأ قراءة حمزة٥ في باب مُحَوِّل٦، فمات بعض أصحابه فرآه الشيخ في النوم، فقال: "ما
_________________
(١) ١ يحيى بن سلمة، متروك، وكان شيعيًا، توفي سنة تسع وسبعين ومئة. (التقريب ص٥٩١) . ٢ سلمة بن كهيل الحضرمي، ثقة من الرابعة. (التقريب ص ٢٤٨) . ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ٢٥٣، ٢٥٤. ٤ هبة الله بن سلامة، أبو القاسم البغدادي، مفسر له كتب منها: الناسخ والمنسوخ في القرآن، توفي سنة عشر وأربع مئة. (الأعلام ٨/٧٢) . ٥ حمزة بن حبيب الزيات القارئ، الكوفي التيمي، مولاهم، صدوق زاهد ربما وهم، توفي سنة ستّ وخمسين. (التقريب ص ١٧٩) . ٦ باب محول: محلة كبيرة هي اليوم منفردة بجنب الكرخ، وكانت متصلة بالكرخ أوّلا. (معجم البلدان ٥/٦٦) .
[ ٣ / ٩١٩ ]
فعل الله بك؟ "، قال: "غفر لي١"، قال: "فما حالك مع منكر ونكير؟ "، قال: "يا أستاذ لما أجلساني وقالا لي: من ربُّكَ؟، ومن نبيّك؟، فألهمني الله أن قلت لهما: بحقّ أبي بكر وعمر دعاني"، فقال أحدهما للآخر: "قد أقسم علينا بعظيم، دعه، فتركاني وانصرفا"٢. / [١٣٥ / ب] .
وعن الحسين بن محمّد القطان٣ قال: حدّثني أبي٤ قال٥: "رأيت بشر بن الحارث٦ وقد اشترى مسكًا بدرهم، ورأيته يطوف في مزبلة، فإذا رأى رقعة فيها اسم الله عزوجل طرح عليها من المسك وجعلها في كوة، ويقول في إثرها: كذا أو هكذا أرفع اسمك إليك٧، قال: وقال لي بشر: أصبت رقعة ليس لله فيها اسم، فرميت بها، فرأيت في المنام قائلًا يقول لي: "يا بشر رميت بالرقعة وفيها اسمان يحبهما الله تعالى: أبو بكر وعمر - ﵄ - ٨.
وفي الصحيحين وغيرهما عن أنس "أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ: "متى الساعة؟ "، قال: "وما أعددت لها؟ "، قال: "لا شيء إلاّ أني أحبّ الله
_________________
(١) ١ قوله: (لي)، تكرر في الأصل. ٢ ابن الجوزي: مناقب ص ٢٥٤، بدون إسناد. ومعلوم أنه لا يجوز القسم بغير الله، وأنه شرك. (فتح المجيد ص ٣٦٤) . ٣ لم أجد له ترجمة. ٤ لم أجد له ترجمة. ٥ مطموس في الأصل، سوى (ل) . ٦ المروزي، نزيل بغداد، أبو نصر الحافي، ثقة قدوة، توفي سنة سبع وعشرين ومئتين. (التقريب ص ١٢٢) . ٧ في الأصل: (إليه)، وهو تحريف. ٨ ابن الجوزي: مناقب ص ٢٥٤، بدون إسناد.
[ ٣ / ٩٢٠ ]
ورسوله". قال: "فإنك مع من أحببت". [قال] ١ أنس: "فما فرحنا بشيء بعد الإسلام فرحًا بقول النبي ﷺ: "أنت مع من أحببت"، فقال أنس: "فأنا أحبّ النبي ﷺ وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم لحُبِّي إياهم، وإن كنت لا أعمل بأعمالهم"٢.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني قال أبو بكر بن عياش: "ذكر عمر بن الخطّاب عبادة"٣.
وذكر الشيخ موفق الدين في "المنهاج"، عن عبد الرحيم بن زيد العمي٤ أخبرني أبي٥ قال: "أدركت سبعين شيخًا من التابعين كلهم يحدّثون عن أصحاب رسول الله ﷺ أنه قال: "من أحبّ جميع أصحابي، وتولاهم، واستغفر لهم، جعله الله يوم القيامة معهم في الجنة" ٦.
وروى الشيخ موفق الدين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) ١ سقط من الأصل. ٢ البخاري: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة ٣/١٣٤٩، رقم: ٣٤٨٥، ومسلم: الصّحيح، كتاب البر والصلة ٤/٢٠٣٢، رقم: ٢٦٣٩. ٣ أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٩٠، بدون إسناد، ولا أرى أن المعنى يستقيم، لأن العبادات توقيفية، فإن قصد أن ذكره ومعرفة أعماله يعين على الطاعة فحسن. ٤ البصري، متروك كذبه ابن معين، من الثامنة، توفي سنة أربع وثمانين. (التقريب ص ٣٥٤) . ٥ زيد بن الحواري العمي البصري، قاضي هراة، ضعيف من الخامسة. (التقريب ص ٢٢٣) . ٦ موفق الدين ابن قدامة المقدسي: منهاج القاصدين ١٢/ ق أ، وابن عرفة في جزئه ص ٧٢، والقطيعي: زيادته على فضائل الصحابة لأحمد ١/٣٤٠، والحديث موضوع فيه متهمان بالكذب: مسلم بن سالم وعبد الرحيم بن زيد. (ميزان الاعتدال ٢/١٨٥، المجروحين ١/٣٤٤) .
[ ٣ / ٩٢١ ]
"لا يجتمع حبّ هؤلاء الأربعة إلاّ في قلب مؤمن: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ" ١.
وفي (فضائل الصحابة) لإبراهيم بن عبد الرحمن المقدسي٢ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن على حوضي أربعة أركان، فأوّل ركن منها٣ في يدي أبي بكر، والركن الثاني في يد عمر، والركن الثالث في يد عثمان، والركن الرابع في يد عليّ، فمن أحبّ أبا بكر وأبغض عمر لم يسقه أبو بكر٤، ومن أحبّ عمر وأبغض أبا بكر لم يسقه عمر، ومن أحبّ عثمان وأبغض عليًّا لم يسقه عثمان، ومن أحبّ عليًّا وأبغض عثمان لم يسقه عليّ٥، ومن أحسن القول في أبي بكر فقد أقام الدين، ومن أحسن القول في عمر فقد وضح السبيل، ومن أحسن القول في عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحسن القول في عليّ فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، ومن
_________________
(١) ١ موفق الدين ابن قدامة المقدسي: منهاج القاصدين ق ١٦ / أ، والقطيعي: زيادته على فضائل الصحابة لأحمد ١/٤٢٧، وابن البختري: أماليه ٢٢٥/أ، وأبو نعيم: فضائل الخلفاء الأربعة ٢/١٤/أ، والخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ١٤/٣٣٢، وهو حديث ضعيف لانقطاعه بين عطاء بن أبي مسلم الخراساني وأبي هريرة، وعطاء موصوف بالوهم مع كثرة الإرسال والتدليس، وفيه - أيضًا - يزيد بن حيان قال فيه البخاري: "عنده غلط كثير". (تاريخ البخاري ٨/٣٢٥، ميزان الاعتدال ٣/٧٣، تهذيب التهذيب ٧/٢١٢) . وقال الحافظ في المطالب العالية ٤/٨٤: "فيه انقطاع". ٢ إبراهيم بن عبد الرحمن الكناني الحموي الأصل المقدسي، الصوفي، كان زاهد وقته، توفي في ذي الحجة سنة أربع وستّين وسبع مئة. (الدر الكامنة ١/٣٦، ٣٧) . ٣ في الأصل: (منهما)، وهو تحريف. ٤ في الأصل: (أبا بكر)، وهو تحريف. ٥ في الأصل: (عليا)، وهو تحريف.
[ ٣ / ٩٢٢ ]
أحسن القول في أصحابي فهو مؤمن" ١.
وفي (أمالي) الجوهري عن عليّ أن النبي ﷺ / [١٣٦ / أ] نظر إلى أبي بكر وعمر يأتيان من قبل قباء، فقال: "سابقان، سابقان بالخير حبّهما إيمان، وبغضهما نفاق، أتحبّهما يا عليّ؟ "، قال: نعم. يا رسول الله إني أحبّهما، وقد - والله - ازددت لهما حبًّا، وقال: "أجل فأحبهما فإن حبهما إيمان، وبغضهما نفاق" ٢.
وفي (أمالي) أبي عبد الله بن مَنْدَة٣ عن مسروق بن الأجدع قال: "حبّ أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة"٤.
وفي (أحاديث) أبي بكر محمّد بن عبد الله بن إبراهيم٥ الشافعي٦ عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "من أحبّ أن يتمسك بقضيب الدرّ الذي غرسه الله في جنة
_________________
(١) ١ إبراهيم: فضائل الصحابة ق ٣٠٥ / ب، ٣٠٦ / أ، وأبو بكر الشافعي: فوائد أبي بكر ق١٠/ب، ومن طريقه ابن الجوزي: العلل المتناهية١/٢٥٢، ٢٥٣، وفي إسناده من لم أجد له ترجمة، وفيه - أيضًا - عليّ بن عاصم صدوق، يخطئ، ويصرّ ورمي بالتشيع. (التقريب رقم: ٤٧٥٨) . قال ابن الجوزي: "هذا لا يصح فيه مجاهيل، وعليّ بن عاصم قال فيه يزيد بن هارون: "ما زلنا نعرفه بالكذب". ٢ لم أجده. ٣ محمّد بن إسحاق العبدي الأصفهاني الحافظ الإمام المحدّث، صاحب التصانيف المفيدة، توفي سنة خمس وتسعين وثلاث مئة. (أخبار أصبهان ٢/٣٠٦، سير أعلام النبلاء ١٧/٢٨) . ٤ اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٤/١٢٣٩. ٥ في الأصل: (محمّد بن إبراهيم بن عبد الله) . ٦ محمّد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، المحدث، الحجة الفقيه، أبو بكر البغدادي، صاحب الأجزاء (الغيلانيات) العالية، توفي سنة أربع وخمسين وثلاث مئة. (تاريخ بغداد ٥/٤٥٦، سير أعلام النبلاء ١٦/٣٩) .
[ ٣ / ٩٢٣ ]
عدن بيده، فليحبّ عمر ابن الخطّاب ﵁" ١.
وفي (أحاديث) إسماعيل بن محمّد الصفار٢ عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "حبّ أبي بكر، وعمر سنة وبغضهما كفر، وحبّ الأنصار إيمان وبغضهم كفر، وحبّ العرب إيمان وبغضهم كفر" ٣.
فصل
محبّة أبي بكر وعمر واجبة على كلّ أحدٍ، فمن أبغضهما فقد ترك واجبًا كالصلاة والصوم، وما سبق من الأحاديث يدلّ على ذلك، وأن الإنسان إذا ترك محبّتهما حكمه كمن ترك غير ذلك من الواجبات: الصلاة والصوم ونحو ذلك، وأنه يستتاب على ذلك، فإن تاب ورجع وإلاّ قتل، فإنه تقدم أن النبي ﷺ قال: "بغضهما كفر"، وذلك لأن الرسول ﵇ أمر بمحبّتهما، ومن لم يفعل ذلك فقد ردّ على الرسول ما أمر به، ومن فعل ذلك كفر واستتيب فإن تاب وإلاّ قتل.
_________________
(١) ١ لم أجده فيما تبقى من أحاديث أبي بكر. والحديث بنحوه أورده ابن الجوزي: الموضوعات ١/٣٨٧، وابن عراق: تنزيه الشريعة ١/٣٦١، من حديث البراء وزيد بن أرقم. وفيه "فليتمسك بحبّ عليّ بن أبي طالب". ٢ أبو عليّ البغدادي، ثقة، توفي سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة. (تاريخ بغداد٦/٣٠٢، سير أعلام النبلاء ١٥/٤٤٠) . ٣ لم أجده فيما تبقى من أحاديث الصفار.
[ ٣ / ٩٢٤ ]