الباب الرابع والخمسون: في ذكر حلمه
في الصحيح عن أبي الدّرداء١ قال: "كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه٢، فقال النبي ﷺ: "أما صاحبكم فقد غامر" ٣، فسلم، وقال: "إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى عليّ، فأقبلت إليك"، فقال: "يغفر الله لك يا أبا بكر"، ثلاثًا. ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثمَّ أبو بكر؟ قالوا: "لا". فأتى النبي ﷺ يسلم عليه فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر٤ حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: "يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين"، فقال النبي ﷺ: "إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت٥، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ " مرتين، فما أوذي بعدها"٦.
ومن طريق آخر: "كان بين أبي بكر وعمر محاورة فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عمر عنه مغضبًا، فاتّبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ، - فقال أبو الدّرداء:
_________________
(١) ١ عويمر بن زيد الأنصاري. ٢ في صحيح البخاري: (ركبته) . ٣ غامر: أي: خاصم غير. (لسان العرب ٥/٣٠) . ٤ تمعر: تغير وعلته صُفرة. (لسان العرب ٥/١٨١) . ٥ في صحيح البخاري: (صدق) . ٦ البخاري: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة ٣/١٣٣٩، رقم: ٣٤٦١.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
ونحن عنده - فقال رسول الله ﷺ: "أما صاحبكم هذا فقد غامر"، قال: وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي ﷺ وقصّ على رسول الله ﷺ الخبر، قال أبو الدّرداء: وغضب رسول الله ﷺ وجعل أبو بكر يقول: "والله يا رسول الله، لأنا كنت أظلم"، فقال النبي ﷺ: "هل أنتم تاركوا لي صاحبي، هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ إني قلت: يا أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: صدقت" ١.
وفي الصحيح عن ابن عباس، قال: "قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس٢، وكان من النفر الذي يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شُبانًا، فقال عيينة لابن أخيه: "يابن أخي هل لك أو قال: لك وجه عند الأمير، فاستأذن لي عليه". قال: "سأستأذن لك عليه"، قال ابن عباس: فاستأذن / [٨٧ / أ] الحرُ لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: "إيهْ، أو هِيْ٣ يابن الخطاب، فوالله ما تعطينا
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح، كتاب التفسير ٤/١٧٠١، رقم: ٤٣٦٤. ٢ الفزاري، صحابي، أسلم مع وفد فزارة. (الإصابة ٢/٥) . ٣ إيه - بكسر الهمزة والهاء، وفتحها وَتُنَوَّن المكسورة -: كلمة استزادةٍ واستنطاقٍ، وإيه، بإسكان الهاء: زجرٌ بمعنى: حسبك. كما يقال: "إيه عنا أي: كفّ"، وهِيْ، بكسر ثم سكون، وفي بعضها، هيه - بكسر الهاء من بينهما تحتية ساكنة - قال النووي بعد أن ضبطها: "هكذا هي كلمة تقال في الاستزادة"، وقال ابن الملقن: "هِيْ يا ابن الخطاب، بمعنى: التهديد له"، وقال الزركشي: "هي يا ابن الخطاب - بكسر الهاء وآخره همزة مفتوحة - تقول للرجل إذا استزدته "هيه وإيه"، قال ابن حجر: "وقوله: وآخره همزة مفتوحة لا وجه له، ولعله من الناسخ، أو سقط من كلامه شيء، والذي يقتضيه السياق أنه أراد بهذه الكلمة الزجر وطلب الكفّ لا الازدياد". (الصحاح ٦/٢٢٢٦، لسان العرب ١٣/٤٧٤، القاموس ص ١٦٠٤، فتح الباري ١٣/٢٥٨، ٢٥٩) .
[ ٢ / ٥٩٩ ]
الجزل١ ولا تحكم فينا بالعدل". فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحرّ: "يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بالعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين". والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله"٢.
ورواه ابن الجوزي عن ابن عباس بلفظه إلا أن فيه: "وكان القراء أصحاب مجلس عمر"٣، وهي في بعض طرق الصحيح٤.
وعن إبراهيم بن حمزة٥، قال: "أُتي عمر ﵁ ببرود فقسمها بين المهاجرين والأنصار - ﵃ - وكان فيها برد فاضل لها، فقال: "إن أعطيته واحدًا منهم غضب أصحابه ورأوا أني فضلته عليهم، فدلّوني على فتى من قريش نشأ نشأة حسنة أعطيه إياه". فسمّوا له المسور ابن مخرمة، فدفعه إليه، فنظر إليه سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال: "تكسوني هذا البرد وتكسوا ابن أخي مسورًا أفضل منه؟ "، قال: "يا أبا إسحاق، إني كرهت أن أعطيه واحدًا منكم فيغضب أصحابه، فأعطيته فتى نشأ نشأة حسنة لا يتوهم فيه أني أفضله عليكم"، فقال سعد: "إني قد حلفت لأضربن بالبرد الذي أعطيه رأسك"، فخضع له عمر رأسه وقال: "عندك يا أبا إسحاق وليرفق الشيخ بالشيخ".
_________________
(١) ١ الجزيل: العظيم. وأجزلت له من العطاء، أي: أكثرت. (لسان العرب ١١/١٠٩) . ٢ البخاري: الصحيح، كتاب الاعتصام ٦/٢٦٥٧، رقم: ٦٨٥٦، ٤٣٦٦. ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ١٥٤. ٤ البخاري: الصحيح، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ٦/٢٦٥٧، رقم: ٦٨٥٦. ٥ ابن محمّد بن حمزة بن مصعب الزُّبيري، المدني، صدوق، من العاشرة، توفي سنة ثلاثين ومئتين. التقريب ص ٨٩) .
[ ٢ / ٦٠٠ ]
فضرب رأسه بالبرد"١.
وعن الحسن٢ قال: "كان بين عمر بن الخطاب ﵁ وبين رجل كلام في شيء، فقال له رجل: "اتّق الله يا أمير المؤمنين"، فقال له رجل من القوم: "أتقول لأمير المؤمنين: اتّق الله؟ "، فقال له عمر ﵁: "دعه فليقلها لي، نعم، ما قال، ثم قال عمر: لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبلها منكم"٣.
وعن عليّ بن رباح عن ناشرة٤، قال: "سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول يوم الجابية، وهو يخطب الناس: "إن الله جعلني خازنًا لهذا وقاسمًا له، ثم قال: بل الله يقسمه وأنا بادئ بأهل النبي ﷺ"، ففرض لأزواج النبي ﷺ عشرة آلاف، عشرة آلاف، إلا جويرية وصفية وميمونة، فقالت عائشة - ﵂ -: "إن رسول الله ﷺ كان يعدل بيننا"، فعدل بينهن عمر ﵁، ثم قال: "إني بادئ بي وأصحابي المهاجرين الأوّلين فإنا أخرجنا من ديارنا ظلمًا وعدوانًا ثم أشرفهم"، ففرض لأصحاب بدر منهم، خمسة آلاف، خمسة آلاف، ولمن شهد بدرًا من الأنصار، أربعة آلاف، أربعة آلاف، وفرض لمن شهد الحديبية، ثلاثة آلاف، ثلاثة آلاف، وقال: "من أسرع بالهجرة أسرع به العطاء ومن أبطأ في الهجرة أبطأ به العطاء، فلا يلومن
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: مناقب ص ١٥٥، الفارسي: العقد الثمين ٧/١٩٩، وعزاه للزبير بن بكار بدون إسناد. ٢ البصري. ٣ ابن شبه: تاريخ المدينة ٢/٧٧٣، وهو ضعيف لانقطاعه بين الحسن وعمر، وفيه مبارك بن فضالة مدلس وقد عنعن. (التقريب رقم: ٦٤٦٤)، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ١٥٥. ٤ ابن سمّي اليَزَني.
[ ٢ / ٦٠١ ]
رجل إلا مناخ راحلته، وإني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد فإني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين، فأعطى ذا البأس، وذا الشرف، وذا اللسان فنزعته / [٨٧ / ب] وأمرت أبا عبيدة بن الجراح". فقام أبو عمرو بن حفص بن المغيرة١، فقال: "والله ما اعتذرت يا عمر، ولقد [نزعت] عاملًا استعمله رسول الله ﷺ وأغمدت سيفًا سله رسول الله ﷺ ووضعت امرأ٢ نصبه رسول الله ﷺ وقطعت رحمًا، وحسدت ابن العم". فقال عمر ﵁: "إنك قريب القرابة، حديث السن، تغضب في ابن عمك"٣.
وعن أصبغ بن نُباتة٤، قال: "خرجت أنا وأبي من زَرُوْد٥ حتى ننتهي إلى المدينة في غلس٦، والناس في الصلاة فانصرف الناس من صلاتهم وخرج الناس إلى أسواقهم، فدخل إلينا رجل معه درّه، فقال: "يا أعرابي أتبيع؟ "، فلم يظل يساوم أبي٧ حتى أرضاه على ثمن، وإذا عمر بن الخطاب ﵁ فجعل يطوف في السوق، ويأمرهم بتقوى الله يقبل فيه ويدبر، ثم مرّ على أبي، فقال: "حبستني ليس هذا وعدتني"، ثم مرّ الثانية، فقال له مثل ذلك، فردّ عليه عمر: "لا أريم حتى أوفيك"، ثم مرّ به الثالثة فوثب أبي مغضبًا
_________________
(١) ١ المخزومي، ويقال فيه: أبو حفص بن عمرو بن المغيرة. (الإصابة٧/١٣٦، التقريب ص ٦٦٠) . ٢ في مسند: (لواء) . ٣ سبق تخريجه ص ٥٩٠. ٤ التميمي الحنظلي، الكوفي، متروك، رمي بالرّفض من الثالثة. (التقريب ص ١١٣) . ٥ زَرُوْدُ: من أشهر منازل الحاجّ العراقي بعد الثّعلبية وقبل الأجفر للمتجه إلى مكّة، ويبعد عن الإجفر ٥٨ كيلًا، وعن مدينة حائل بنحو ١٧٠ كيلًا، وهي لبني مجاشع من تميم، والآن مياه قبيلة شمر. (المناسك ص ٢٩٩، المعجم الجغرافي (شمال المملكة) ٢/٦٣٢-٦٣٧) . ٦ الغَلَس: ظلمة آخر الليل. (القاموس ص ٧٢٣) . ٧ في الأصل: (أفيك) .
[ ٢ / ٦٠٢ ]
فأخذ ثياب عمر، فقال له: "كذبتني وظلمتني"، ولهزه١، فوثب المسلمون إليه: يا عدوّ الله، لهزت أمير المؤمنين، فأخذ عمر ﵁ ثياب أبي فجره لا يملك من نفسه شيئًا وكان شديدًا فانتهى إلى قصاب، فقال: "عزمت عليك أو أقسمت عليك لتعطين هذا حقّه، وأهبك ربحي"، وكان عمر باع الغنم منه، فقال: "يا أمير المؤمنين لا، ولكن أعطي هذا حقّه، وأهبك ربحك"، فأخرج حقّه، فأعطاه، فقال له عمر: "استوفيت؟ "، فقال: "نعم"، فقال عمر ﵁ "بقي حقنا عليك لهزتك التي لهزتني، قد تركتها لله عزوجل ولك"، قال أصبغ: فكأني أنظر إلى عمر أخذ ربحه لحمًا فعلقه في يده، وفي يده اليمنى الدّرّة يدور في الأسواق حتى دخل رحله"٢.
وعن الحسن٣ ﵁ قال: "خرج عمر ﵁ في يوم حار واضعًا رداءه على رأسه، فمرّ به غلامٌ على حمار، فقال: "يا غلام احمِلني معك"، قال: "فوثب الغلام عن الحمار فقال: "اركب يا أمير المؤمنين"، فقال: "لا أركب، وأركب خلفك، تريد أن تحملني على المكان الخشن، وتركب على المكان الموطأ٤، ولكن اركب أنت، وأكون أنا خلفك". قال: فدخل المدينة وهو خلفه،
_________________
(١) ١ لَهَزَهُ: ضربه بجُمعه في لهازمه ورقبته. (لسان العرب ٥/٤٠٧) . ٢ ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص ٢٥٠، وابن الجوزي: مناقب ص ١٥٦، وفيه أصبغ ابن نباتة وهو متروك. ٣ البصري. ٤ في تاريخ دمشق وكنْز العمال: " تريد أن تحملني على المكان الواطي وتركب أنت على الموضع الخشن".
[ ٢ / ٦٠٣ ]
والناس ينظرون إليه"١.
وفي مسند الإمام أحمد، عن أبي ظبيان٢: أن عمر أُتي بامرأة قد زنت، فأمر برجمها فذهبوا بها ليرجموها، فلقيهم عليّ ﵁ فقال: "ما هذه؟ "، قالوا: "زنت فأمر عمر برجمها"، فانتزعها عليّ من أيديهم وردّهم، فرجعوا إلى عمر، فقال: "ما ردّكم؟ "، قالوا: "ردنا عليّ"، فقال: "ما فعل هذا إلا لشيء قد علمه"، فأرسل إلى عليّ فجاء هو شبيه المغضب، فقال: "ما لك رددت هؤلاء؟ "، فقال: "أما سمعت [النبي ﷺ] يقول: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستييقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المبتلى حتى يعقل". قال عليّ: "هذه مُبتلاة بني فلان، فعلّه٣ أتاها وهو بها". فقال عمر: "لا أدري". قال: "وأنا لا أدري"، فلم يرجمها"٤. / [٨٨ / أ] .
وفي أمالي الجوهري٥ عن عبد الله [بن] ٦ صبعة العبدي٧، عن أبيه٨،
_________________
(١) ١ ابن عساكر: تاريخ دمشق ج ١٣ / ق ١١٦، ابن الجوزي: مناقب ص ١٥٧، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٦٥٤، وعزاه للدنيوري، وهو ضعيف لانقطاعه بين الحسن وعمر بن الخطاب. ٢ حُصَين بن جندب الجُنْبي، الكوفي، ثقة من الثانية، توفي سنة تسعين. (التقريب ص١٦٩) . ٣ في المسند: (فلعله) . ٤ أحمد: المسند ٢/٣٣٥، وإسناده صحيح، وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: ١٣٢٧. ٥ الحسن بن عليّ الشيرازي ثم البغدادي، المحدّث الصدوق، كان من بحور الرواية روى الكثير، وأملى عدة مجالس، وكان ثقة أمينًا، توفي سنة أربع وخمسين وأربع مئة. (تاريخ بغداد ٧/٣٩٣، سير أعلام النبلاء (١٨/٦٨) . ٦ سقط من الأصل. ٧ لم أجد له ترجمة. ٨ لم أجد له ترجمة.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
عن جده١، قال: "أتى عمر بن الخطاب ﵁ رجلان سألاه عن طلاق الأمة، فقام معهما يمشي حتى أتى حلقة في المسجد فيها رجل أصلع، فقال: "أيها الأصلع، ما ترى في طلاق الأمة؟ "، فرفع رأسه إليه ثم أومأ إليه بإصبعيه السبابة والوسطى، فقال لهما عمر: "تطليقتان)، فقال أحدهما: "سبحان الله جئناك وأنت أمير المؤمنين فمشيت معنا حتى وقفت على هذا الرجل فسألته فرضيت منه أن أومأ إليك؟! " فقال لهما: "ما تدريان من هذا؟، هذا عليّ بن أبي طالب، أشهد على رسول الله ﷺ لسمعته وهو يقول: "إن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعتا في كفّة، ووضع إيمان عليّ في كفّة ميزان لرجّح إيمان عليّ" ٢.
_________________
(١) ١ لم أجد له ترجمة. ٢ لم أجده.
[ ٢ / ٦٠٥ ]