الباب السابع والعشرون: في قيامه ببيعة أبي بكر ومجادلته عنه
ذكر ابن الجوزي عن زر١ عن عبد الله٢ قال: "لما توفي رسول الله ﷺ قالت الأنصار: "منا أمير ومنكم أمير"، فأتاهم عمر فقال: "يا مشعر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ أمَرَ أبا بكر أن يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ "، فقالت الأنصار: "نعوذ بالله أن تقدم أبا بكر"٣.
وعن ابن عباس - ﵄ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "كان خبرنا حين توفي رسول الله ﷺ أن عليًّا والزبير ومَن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ، وتخلف عنا الأنصار بأجمعهم في سقيفة٤ بني ساعدة واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ﵁، فقلت له: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا [فانطلقنا] ٥ نؤمّهم، حين لقينا رجلان صالحان٦، فذكروا لنا الذي صنع القوم، فقالا لنا: "أين تريدون يا معشر
_________________
(١) ١ في الأصل: (ابن)، وهو تحريف. ٢ ابن مسعود. ٣ أحمد: المسند ١/٢١٣، والنسائي: السنن ٢/٧٤، ٧٥، وفي إسناديهما: عاصم بن أبي النجود، قال أحمد شاكر: "إسناده صحيح"، وقال الألباني: "حسن الإسناد". (صحيح سنن النسائي ١/١٦٨) . ٤ السقيفة: الصّفّة، ومنه سقيفة بني ساعدة، وهي ظلة كانوا يجلسون تحتها، فيها بويع أبو بكر الصديق ﵁. (الصحاح ٤/١٣٧٥، معجم معالم الحجاز ٤/٢١١) . ٥ سقط من الأصل. ٦ وردت تسميتهما في بعض الروايات وهما: عويمر بن ساعدة، ومعن بن عدي. (انظر: فتح الباري ١٢/١٥، الفتح الرباني ٢٣/٦٠) .
[ ١ / ٢٨٠ ]
المهاجرين؟ "، فقلت: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار فقالا: "لا عليكم أن لا تقربوهم واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين"، فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى إذا جئناهم فإذا هم مجتمعون وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمَّل١ فقلت: من هذا؟ فقالوا: "سعد بن عبادة"، فقلت: ما له؟ قالوا: "وجع" فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله عزوجل بما هو أهله ثم قال: "أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفّت دافّة٢ منكم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، ويحضنونا٣ من الأمر"، فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت قد زورت٤ مقالة أعجبتني، أريد أن أقولها بين يدي أبي بكر، / [٢٨ / ب] وقد كنت أُداري منه بعض الحدّ، وهو كان أحلم مني وأوقر، فقال أبو بكر: "على رسلك"، فكرهت أن أغضبه وكان أعلم مني وأوقر، فقال: والله ما ترك كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل، حتى سكت فقال: "أما بعد: فما ذكرتم من خير فأنتم أهله، ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم"، وأخذ بيدي ويد [أبي] ٥ عبيدة بن الجراح، فلم أكره مما قال غيرها، وكان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يُقرّبُني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن
_________________
(١) ١ التّزميل: الإخفاء، واللف في الثوب. (القاموس ص ١٣٠٦) . ٢ الدّافة: هي الجماعة من الناس تقبل من بلد إلى بلد. (لسان العرب ٩/١٠٤، وانظر: فتح الباري ١٢/١٥١) . ٣ حضنه واحتضنه عن الأمر: أخرجه من ناحية عنه، واستبد به أو حبسه عنه. (لسان العرب ١٣/١٢٣، فتح الباري ١٢/١٥٢) . ٤ زوّرت: هيّأت وأصلحت، والتزوير: إصلاح الشيء. (لسان العرب ٤/٣٣٧) . ٥ سقط من الأصل.
[ ١ / ٢٨١ ]
أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر إلا أن تغير نفسي عند الموت، فقال قائل من الأنصار: "أنا جُذَيْلها المُحَكَّك١، وعُذَيقها المُرَجَّب٢، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش".
قال: "فكثر اللغط٣ وارتفعت الأصوات حتى خشيت الاختلاف فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار - ﵃"٤.
وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن عوف٥ أن رجلًا أتى عمر بن الخطاب فقال: "إن فلانًا يقول: لو قد مات عمر بايعت فلانًا"، فقال عمر: "إني قائم العشية في الناس فمُحذَّرهم٦ هؤلاء الرهط الذي يريدون أن يغصبوهم أمرهم، فقال عبد الرحمن فقلت: "يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع٧ الناس وغوغاهم٨، وإنهم الذين يغلبون على مجلسك إذا قمت في الناس، فأخشى أن تقول مقالة يطير بها أولئك فلا يعُوها ولا يضعوها على موضعها، ولكن تقدم المدينةَ، فإنها دار الهجرة والسنة وتخلّص بعلماء الناس وأشرافهم، فتقول ما قلت متمكنًا،
_________________
(١) ١ الجذيل: الأصل من الشجرة تحتكّ به الإبل، فتشفى به، فأراد أنه يستشفى برأيه. (لسان العرب ١١/١٠٧، فتح الباري ٧/٣١، معجم الأمثال ١/٥٢) . ٢ العُذيق: تصغير عَذْق، والمُرَجَّب، الترجيب: إرفاد النخلة من جانب، ليمنعها من السقوط. أي: أن لي عشيرة تعضدني، تمنعني، وترفدني. (لسان العرب ١/٤١٢) . ٣ اللغط: الأصوات المبهمة المختلفة والجلبة لا تُفهم. (لسان العرب ٧/٣٩١) . ٤ يأتي تخريجه في الذي بعده. ٥ في المسند وصحيح البخاري: الحديث عن ابن عباس. ٦ في الأصل: (لمحذرهم)، وهو تحريف. ٧ رعاع: سُقاطهم وسفلتهم. (لسان العرب ٨/١٢٨) . ٨ أصل الغوغاء: الجراد حين يخفّ للطيران، ثم استعير للسفلة من الناس والمتسرعّين إلى الشرّ. (لسان العرب ٨/٤٤٤) .
[ ١ / ٢٨٢ ]
فيعون مقالتك ويضعونها موضعها". قال عمر: "لئن قدمت المدينة سالمًا لأكلّمن بها الناس في أوّل مقام أقومه"، فلما قدمنا المدينة في عقب ذي الحجّة، وكان يوم الجمعة، عجلت الرّواح١ صكة الأعمى؟.
قلت٢: لمالك: "وما صكة الأعمى؟ "، قال: "إنه لا يبالي أي٣ ساعة خرج لا يعرف الحر والبرد ونحو هذا"٤، وليست هذه الزيادة في الصحيح - فوجدت سعيد بن زيد عند ركن المنبر الأيمن قد سبقني، فجلست حذاءه تحك ركبتي ركبته، فلم أنشب أن طلع عمر فلما رأيته قلت: ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة ما قالها عليه أحد قبله، قال فأنكر سعيد بن زيد ذلك فقال: "وما عسيت أن يقول ما لم يقل أحد؟ "، فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذن قام فأثنى على الله عزوجل بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد: أيها الناس فإني قائل مقالة قدِّر لي أن أقولها، لا أدري٥ لعلها بين يدي أجلي، فمن وعاها وعقلها فليحدّث بها حيث انتهت به راحلته، ومن لم يعها فلا أحل له أن يكذب عليّ، إن الله ﵎ بعث محمّدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب وكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها ورجم رسول الله، ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة / [٢٩ / أ] قد أنزلها الله عزوجل، فالرجم في كتاب الله حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والسناء، إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف،
_________________
(١) ١ الرواح: المضي إلى الجمعة والخفة إليها. (لسان العرب ٢/٤٦٤) . ٢ السائل: إسحاق بن عيسى الطباع. ٣ في الأصل: (انه)، وهو تحريف. ٤ انظر: ابن منظور: لسان العرب ١٠/٤٥٧. ٥ في الأصل: (لادري)، وهو تحريف.
[ ١ / ٢٨٣ ]
ألا وإنا قد كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم، فإن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم، ألا وإن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطْري عيسى بن مريم، وإنما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله"، وقد بلغني أن قائلًا منكم يقول: "لو قد مات عمر بايعت فلانًا"، فلا يغترّن أمرؤ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة١ ألا وإنها كانت كذلك، ألا إن الله عزوجل وقى شرّها.
وليس فيكم اليوم من تُقْطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، ألا وإنه كان من خَبَرنا حين توفي رسول الله أنّ عليًّا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله، وتخلفت عنا الأنصار بأجمعها في سقيفة بني ساعدة واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت له: يا أبا بكر انطلق٢ بنا إلى إخواننا من الأنصار". فانطلقنا نؤمّهم حتى لقِيَنَا رجلان صالحان، فذكرا لنا الذي صنع القوم. فقالا: "أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ ". فقلت: "نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار". فقالا: "لا عليكم أن لا تقربوهم، واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين"، فقلت: "والله لنأتينهم فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا هم مجتمعون، وإذا بين ظهرانيهم رجل مُزمَّل، فقلت: "من هذا؟ "، قالوا: "سعد بن عبادة"، فقلت: "ما له؟ "، قالوا: "وجع"، فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، وقال:
"أما بعد فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفّت دافّة منكم يريدون أن يختزلونا٣ من أصلنا ويحضنونا من الأمر".
فلمّا سكت أردت أن أتكلم
_________________
(١) ١ فلتة: فجأة من غير تردد وتدبر. (القاموس ص ٢٠١) . ٢ في الأصل: (انطلقوا)، وهو تحريف. ٣ الاختزال: الاقتطاع. يقال: اختزله عن القوم مثل: اخترعه. (لسان العرب ١١/٣٠٤) .
[ ١ / ٢٨٤ ]
وكنت قد زوَّرت مقالة أعجبتني، أريد أن أقولها بين يدي أبي بكر، وقد كنت أداري١ منه بعض الحدّ٢، وهو كان أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري٣ إلا قالها في بديهته وأفضل، حتى سكت، فقال: "أما بعد: فما ذكرتم من خير فأنتم أهله، ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم، وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة ابن الجراح، فلم أكره مما قال غيرها، وكان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك إلى إثم، أحب إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر ﵁، إلا أن تغير نفسي عند الموت".
فقال قائل من الأنصار: "أنا جُذْيلها المُحَكّك وعُذْيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش".
فقلت٤ لمالك: ما معنى جذيلها المحكك وعذيقها المجرب؟، قال: كأنه يقول: أنا داهيتها"٥.
قال: فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى خشيت الاختلاف، فقلت: "أبسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: "قتلتم سعدًا"، فقلت: قتل الله سعدًا، قال عمر: أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرًا هو أوفق من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم يكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما٦ أن نُتَابِعَهُم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم
_________________
(١) ١ في الأصل: (أدري)، وهو تحريف. ٢ في الأصل: (الجد)، وهو تحريف. ٣ قوله: (تزويري)، تكرر في الأصل. ٤ القائل: إسحاق بن عيسى الطبّاع. ٥ انظر: ص ٣٢٨. ٦ في الأصل: (وإما)، وهو تحريف.
[ ١ / ٢٨٥ ]
فيكون فيه فساد، فمن بايع أميرًا من غير مشورة المسلمين فلا بيعة للذي بايعه، تغرة أن يقتلا"١، ٢.
_________________
(١) ١ أي: خوفًا أن يقتلا. ٢ أحمد: المسند ١/٥٦، واللفظ له، البخاري: الصحيح، كتاب المحاربين ٦/٢٥٠، رقم: ٦٤٤٢، مسلم: الصّحيح، كتاب الحدود ٣/١٣١٧، رقم: ١٦٩١، مختصرًا ولم يذكر قصة السقيفة.
[ ١ / ٢٨٦ ]
الباب الثامن والعشرون: في ذكر عهد أبي بكر إليه ووصيّته إياه
عن إبراهيم النخعي١ قال: "أوّل من ولي أبو بكر شيئًا من أمور المسلمين عمر بن الخطاب، ولاّه القضاء، فكان أوّل قاضٍ في الإسلام"٢.
وعن الحسن بن٣ أبي الحسن - رضي الله عنه٤، قال: "لما ثقل أبو بكر واستبان له من نفسه، جمع الناس إليه فقال: "إنه قد نزل بي ما ترون، وإني لأظنني إلا المأتيّ، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقْدي٥، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم عليكم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي"، فقاموا في ذلك وحلوا عليه، ولم يستقم لهم فقالوا: "أرأى لنا يا خليفة رسول الله"، قال: "فلعلكم تختلفون؟ "، قالوا: "لا"، قال: فعليكم عهد الله على الرضى، قالوا: "نعم"، قال: فأمهلوني أنظر لله ولدينه ولعباده، فأسل أبو بكر إلى عثمان بن عفان - ﵄ - قال: "أشر علي برجل، والله إنك عندي٦ لها لأهل وموضع"، قال: "عمر"، فقال: "اكتب"، وكتب حتى انتهى إلى الاسم فغشي عليه
_________________
(١) ١ إبراهيم بن يزيد النخعي، الكوفي، ثقة إلا أنه يرسل كثيرًا، توفي سنة ست وتسعين، وهو ابن خمسين أو نحوها. (التقريب ص ٩٥) . ٢ ابن عبد البر: الاستيعاب ٣/١١٥٠، ابن الجوزي: مناقب ص ٥٢، وهو منقطع لأن النخعي لم يدرك خلافة أبي بكر. ٣ في الأصل: (عن)، وهو تحريف. وهو البصري. ٤ في الأصل: (عنهما)، وهو تحريف. ٥ العقد: هو ما عقد عليه، والبيعة المعقود لهم. (القاموس ص ٣٨٣) . ٦ في الأصل: (عند)، وهو تحريف.
[ ١ / ٢٨٧ ]
ثم أفاق، فقال: "اكتب عمر"١.
وعن الشعبِي قال: "بينا طلحة والزبير وعثمان وسعد وعبد الرحمن - ﵃ - جلوس عند أبي بكر في مرضه عوادًا، فقال أبو بكر: "ابعثوا إليّ عمر"، فأتاه فدخل عليه فلما دخل حست نفوسهم أنه خيّرته فتفرقوا عنه، وخرجوا وتركوهما / [٢٩ / ب]، فجلسوا في المسجد، وأرسلوا إلى عليّ ﵁ ونفر معه، فوجدوا عليّا في حائط فتوافروا إليه واجتمعوا، وقالوا: "يا عليّ ويا فلان، إن خليفة رسول الله ﷺ مستخلف٢ عمر، وقد علم الناس أن إسلامنا كان قبل إسلام عمر، وفي عمر من التسلط على الناس ما فيه، ولا سلطان له، فادخلوا بنا عليه نسأله، فإن استعمل عمر كلمناه فيه وأخبرناه عنه"، ففعلوا. فقال أبو بكر ﵁: "اجمعوا٣ لي الناس أخبركم من اخترت لكم، فخرجوا فجمعوا الناس إلى المسجد فأمر من يحمله إليهم حتى وضعه على المنبر، فقام فيهم باختيار عمر لهم، ثم دخل فاستأذنوا عليه، فأذن لهم، فقالوا: "ماذا تقول [لربك] ٤ وقد استخلفت علينا عمر؟ "، فقال: "أقول: استخلفت عليهم خير أهلك"٥.
وعن عاصم بن عدي٦، قال: "جمع أبو بكر الناس وهو مريض فأمر من
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: مناقب ص ٥٢، وهو مرسل من مراسيل الحسن. ٢ في الأصل: (يستخلف)، وهو تحريف. ٣ في الأصل: (جمعوا)، وهو تحريف. ٤ سقط من الأصل. ٥ ابن الجوزي: مناقب ص ٥٣، وهو مرسل، لأن الشعبي لم يدرك خلافة أبي بكر ولم يصرح عمن رواه. ٦ الأنصاري، صحابي، شهد بدرًا، توفي في خلافة معاوية. (التقريب ص ٢٨٥) .
[ ١ / ٢٨٨ ]
يحمله إلى المنبر فكانت آخر خطبة خطب بها: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس احذروا الدنيا ولا تثقوا بها فإنها غدارة، وآثروا الآخرة على الدنيا وأحبّوها، فبحب كل واحدةٍ منهما تبغض الأخرى، وإن هذا الأمر الذي هو أملك بنا لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوّله، ولا يحتمله إلا أفضلكم مقدرة، وأملككم لنفسه أشدّكم في حال الشدّة، وأسلسكم في حال اللين، وأعلمكم برأي ذوي الرأي لا يتشاغل بما لا يعنيه، ولا يحزن لما ينزل به، ولا يستحي من التعلم، ولا يتحير عند البديهة، قوي على الأمور، لا يخور لشيء منها حده بعدوان ولا تقصير، يرصد لما هو آت عتاده من الحذر والطاعة، وهو عمر بن الخطاب". ثم نزل فدخل، فحمل الساخط إمارته الراضي بها على الدخول معهم توصلا"١.
وعن عائشة - ﵂ - قالت: "كان عثمان يكتب وصية أبي بكر - ﵄ - فأُغمي٢ على أبي بكر، فجعل عثمان يكتب فكتب عمر، فلما أفاق قال له: "ما كتبت؟ "، قال: "كتبت عمر"، قال: "كتبت الذي أردت أن آمرك به، ولو كتبت نفسك كنت لها أهلًا"٣.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "كتب عثمان ﵁ عهد الخليفة بعد أبي بكر ﵁ فأمره أن لا يسمي أحدًا وترك اسم الرجل، فأغمي على أبي بكر إغماء، فأخذ عثمان العهد فكتب اسم عمر، قال: "فأفاق أبو بكر فقال: "أرني العهد"، فإذا فيه اسم الرجل عمر، قال: "من كتب هذا؟ "،
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: مناقب ص ٥٣، ٥٤. ٢ أغمي: غشي عليه، ثم أفاق. (القاموس ص ١٧٠٠) . ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ٥٤.
[ ١ / ٢٨٩ ]
قال عثمان: "أنا"، فقال: رحمك الله وجزاك خيرًا، فوالله لو كتبت نفسك لكنت لذلك أهلًا"١.
وعن الواقدي عن أشياخه: أن أبا بكر ﵁ لما اشتد به المرض دعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: "أخبرني عن عمر بن الخطاب"، فقال: "ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني"، فقال أبو بكر: "وإن"، فقال عبد الرحمن: "هو والله أفضل من رأيك٢ فيه"، ثم دعا عثمان فقال: / [٣٠ / أ] "أخبرني عن عمر"، فقال: "أنت أخبرنا به"، قال: "على ذلك يا أبا عبد الله"، فقال عثمان: "اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله". فقال أبو بكر: "يرحمك الله٣، والله لو تركته ما عدوتك".
وشاور معهما سعيد بن زيد، وأُسيد بن الحُضير٤ وغيرهما من المهاجرين والأنصار - ﵃ - وسمعه بعضهم أصحاب النبيّ ﷺ فدخلوا على أبي بكر، فقال له قائل منهم: "ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلاف عمر علينا وقد ترى غلظته؟ "، فقال أبو بكر: "أجلسوني، أبالله٥ تخوفوني! خاب من تزود من أمركم بظلم أقول: اللهمّ استخلفت عليهم خير أهلك، أبلغ عني ما قلت من ورائك"، ثم اضطجع.
ودعا عثمان فقال: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها، وأوّل عهده بالآخرة داخلًا فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر،
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: مناقب ص ٥٤، وأورده الطبري من طريق آخر بنحوه (تاريخ الطبري ٣/٤٢٩) . ٢ في الأصل: (رأيك)، ثم طمس عليها. ٣ في الأصل: (يرحمك الله به) . ٤ الأنصاري، الأشهلي، صحابي جليل، توفي سنة عشرين. (التقريب ص ١١٢) . ٥ في الأصل: (بالله)، والمثبت من تاريخ الإسلام والطبقات.
[ ١ / ٢٩٠ ]
ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرًا، فإن عدل فذلك ظني به، وعلمي فيه، وإن بدّل فلكل امرئ ما اكتسب، والخيرَ أردتُ ولا أعلم الغيب ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
ثم أمر بالكتاب فختمه١، وخرج به مختومًا، فقال عثمان للناس: "أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ "، قالوا: "نعم"، ثم رفع أبو بكر يديه وقال: "اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة، فاجتهدت لهم رأيي، فوليت عليهم خيرهم، وأحرصهم على ما أرشدهم وقد حضرني من أمرك ما حضر، فاخلفني فيهم فهم عبادك"٢.
وعن قيس بن أبي حازم، قال: "خرج علينا عمر ومعه شديد٣ مولى أبي بكر، ومعه جريدة٤ يُجلس بها الناسَ، فقال: "أيها الناس اسمعوا قول خليفة رسول الله ﷺ، قال: "إني قد رضيت لكم عمر فبايعوه"٥.
وعن [ابن] ٦ أبي خالد٧ عن قيس٨ قال: "رأيت عمر وبيده
_________________
(١) ١ الطين يختم به الشيء. (القاموس ص ١٤٢٠) . ٢ ابن سعد: الطبقات ٣/١١٩، ابن الجوزي: مناقب ص ٥٥، الذهبي: تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) ١١٦-١١٧، من طريق الواقدي. ٣ له إدراك، وهو الذي أحضر عهد عمر بعد موت أبي بكر. (الإصابة ٣/٢٢٢) . ٤ الجريدة: سعفة طويلة رطبة أو يابسة. (القاموس ص ٣٤٧) . ٥ ابن الجوزي: مناقب ص ٥٥، وبنحوه في الطبري: التاريخ ٣/٤٢٩، وصحّح ابن حجر إسناده. (فتح الباري ١٣/٢٠٨) . ٦ سقط من الأصل. ٧ إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي مولاهم، ثقة ثبت، توفي سنة ست وأربعين ومئة. (التقريب ص ١٠٧) . ٨ ابن أبي حازم.
[ ١ / ٢٩١ ]
عسيب١ نخل وهو يجلس الناس ويقول: "اسمعوا قول خليفة رسول الله ﷺ فجاء مولى أبي بكر يقال له شديد بصحيفة فقرأها على الناس، فقال: يقول أبو بكر: "اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه الصحيفة، فوالله ما آلوتكم". قال قيس: فرأيت عمر بعد ذلك على المنبر"٢.
قال عبد الله بن مسعود ﵁: "أفرس الناس ثلاثة أبو بكر في عمر، وصاحبة موسى ﵇، حين قالت: "استأجره"، وصاحب يوسف ﵁"٣.
وعن موسى الجهني٤ قال: "سمعت أبا بكر بن حفص٥، يقول: "قال أبو بكر حين احتضر لعائشة - ﵂ - "يا بنية وَلينا هذا، - أمر المسلمين - فلم نأخذ لهم دينارًا ولا درهمًا، ولكنا أكلنا من جريش٦ طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا، وإنه لم يبق عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير، إلا هذا العبدَ الحبشي، وهذا / [٣٠ / ب] البعير
_________________
(١) ١ العسيب: جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها. (القاموس ص ١٤٧) . ٢ أحمد: المسند ١/٢٦٧، قال أحمد شاكر: "إسناده صحيح". وقال الساعاتي: "قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح". (الفتح الرباني ٢٣/٧٠)، الخلال: السنة ١/٢٧٧، ابن الجوزي: مناقب ص ٥٥، ابن حجر: الإصابة ٣/٢٢٢. ٣ الحاكم: المستدرك ٣/٩٠، وصحّحه ووافقه الذهبي، الطبراني: المعجم الكبير ٩/١٨٥، بأطول، قال الهيثمي: مجمع الزوائد ١٠/٢٦٨: "رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح، إن كان محمّد بن كثير هو العبدي، وإن كان هو الثقفي فقد وثق على ضعف كثير فيه". "والهيثمي المكي: الصواعق المحرقة ص١٣٦، ونسبه لابن سعد والحاكم. ٤ موسى بن عبد الله الجهني الكوفي، ثقة عابد، توفي سنة أربع وأربعين ومئة. (التقريب ص ٥٥٢) . ٥ عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد الزهري، مشهور بكنيته، ثقة، من الخامسة. (التقريب ص ٣٠٠) . ٦ أي: خشِن طعامهم. (لسان العرب ٦/٢٧٢، ٢٧٣) .
[ ١ / ٢٩٢ ]
الناضح، وجرد١ هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر، فجاء الرسول وعنده عبد الرحمن بن عوف فبكى عمر حتى سالت دموعه على الأرض، وقال: "يرحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده، ارفعهن يا غلام"، فقال عبد الرحمن: "سبحان الله يا أمير المؤمنين! تسلب عيال أبي بكر عبدًا حبشيًا، وبعيرًا ناضحًا، وجرد قطيفة وثمنها خمسة دراهم"، فقال: "ما تأمر؟ "، قال: "آمر بردهن على عياله٢". قال: "خرج أبو بكر عنهن عند الموت، وأردهن أنا على عياله، لا يكون والله ذلك أبدًا، الموت أسرع من ذلك"٣.
وروى أبو القاسم الأصفهاني عن عبد الله٤ قال: "أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف: ٢١]، والمرأة التي أتت موسى فقالت لأبيها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: ٢٦]، وأبو بكر حين استخلف عمر"٥.
فصل
ينبغي للخليفة إذا احتضر أن ينظر في أمر المسلمين، فإن كان استخلافه أصلح لهم استخلف عليهم، وإن كان ترك الاستخلاف أصلح لهم لم
_________________
(١) ١ أي: التي انجرد خملها وخلقت. (لسان العرب ٣/١١٥) . ٢ في الأصل: (عائلته) . ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ٥٦، وهو منقطع؛ لأن أبا بكر بن حفص لم يدرك خلافة أبي بكر، ولم يصرح بمن روى عنه. والذهبي بنحو مختصرًا: تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) ص ١١٩، والخبر ورد من طريق أخرى غير هذا الطريق. انظر: ابن سعد: الطبقات ٣/١٩٢. ٤ ابن مسعود. ٥ أبو القاسم: سير السلف ص ١٤٢، ١٤٣، وقد سبق تخريجه ص ٢٤٠.
[ ١ / ٢٩٣ ]
يستخلف. وإذا رأى الاستخلاف١ عليهم فينظر في الأصلح لهم في أمورهم، والقيام عليهم، والنصح لهم، وكونه من أهل الدين والورع والفضل، فإن رأي رجلًا من أهل الدين والورع والخير، لكنه ضعيف عن القيام بأمورهم، وآخر هو دونه في الورع والفضل، وهو أقوى منه على أمورهم، ومصالحهم، والذبّ عنهم، فهو مقدم؛ لأن هذا الأمر والنظر فيه إلى المصلحة لهم، والأوّل صلاحه لنفسه، ولا ينظر لهم فاسقًا.
والفاسق: من ارتكب كبيرة أو أصر على صغيرة٢.
والكبيرة: هي ما فيه حدّ في الدنيا لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النّور: ٢]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]، أو وعيد في الآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَونَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] ٣.
وقال أبو العباس بن تيمية٤ وغيره: "أو لعنة: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ﴿وَالخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ﴾، [النور: ٧] .
وقوله - ﵇ -: " لعن الله السارق"٥، "لعن الله المحلِّلَ والمحلَّل له"٦، "لعن الله
_________________
(١) ١ في الأصل: (الاستخلف)، وهو تحريف. ٢ انظر: ابن قدامة: المغني ١٤/١٥٠، ابن تيمية: الفتاوى ١٥/٣٥٨. ٣ انظر: ابن القيم: مدارج السالكين ١/٣٢٠، وما بعدها، ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٧٠. ٤ الإمام العلامة شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النميري الحراني، توفي سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. (ذيل طبقات الحنابلة ٢/٣٨٧، طبقات الحفاظ ٤/٣٧٤) . ٥ البخاري: الصحيح، كتاب الحدود ٦/٤٨٩، رقم: ٦٤٠١، ومسلم: الصّحيح، كتاب الحدود ٣/١٣٤، رقم: ١٦٨٧. ٦ أحمد: المسند ٦/١٤٩-١٥٠، رقم: ٤٣٠٨، قال أحمد شاكر: "إسناده صحيح". الترمذي: السنن ٣/٤١٨، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، أبو داود: السنن ٢/٢٢٧، ابن ماجه: السنن ١/٦٢٢، وصحّحه الألباني. (صحيح سنن الترمذي ١/٣٢٦ رقم: ٨٩٤، وصحيح ابن ماجه رقم: ١٥٣٥) .
[ ١ / ٢٩٤ ]
الواشمة١ والمستوشمة"٢، "لعن الله آكل الربا ومؤكله" ٣، ونحو ذلك.
أو غضب: ﴿وَالخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللهَ عَلَيْهَا﴾ [النور: ٩] .
أو نفي الإيمان: "لا يزني الزاني حين يزني هو مؤمن، ولا يسرق السّارق حين يسرق وهو مؤمن" ٤، ٥. / [٣١ / أ] .
قال جماعة من أصحابنا منهم ابن عقيل٦ وغيره: "تثبت ولاية الإمام بأحد أشياء:
منها: عهد الخليفة قبله، ومعنى ذلك أن يعهد إليه الخليفة قبله أنه إذا مات كان خليفة بعده، فهذا يصير بهذا خليفة يحرم قتاله، والخروج عليه، ومن هذا كانت خلافة عمر فإن أبا بكر الصديق عهد إليه عند الموت٧.
ومنها أن ينزل له عن الخلافة في حال الحياة، ويعزل نفسه منها ويجعله هو
_________________
(١) ١ الوشم: غرز الإبرة في البدن، وذرّ النيلج عليه. (القاموس ص ١٥٠٦) . ٢ البخاري: الصحيح، كتاب اللباس ٥/٢٢١٦، رقم: ٥٥٨٩، ومسلم: الصّحيح، كتاب اللباس ٣/١٦٧٧، رقم: ٢١٢٤. ٣ مسلم: الصّحيح، كتاب المساقاة ٣/١٢١٩، رقم: ١٥٩٧. ٤ البخاري: الصحيح، كتاب الأشربة ٥/٢٠٢١، رقم: ٥٢٥٦، ومسلم: الصّحيح، كتاب الإيمان ١/٧٦، رقم: ٥٧. ٥ابن تيمية: الفتاوى١١/٦٥٠، ٦٥٢وانظر: ابن أبي العز: شرح العقيدةالطحاوية ص٣٧٠ ٦ عليّ بن محمّد بن عقيل أبو الوفاء البغدادي الحنبلي، شيخ الحنابلة ومؤلف كتاب الفنون، توفي سنة ثلاث عشرة وخمس مئة. (ذيل طبقات الحنابلة ١/١٤٢، سير أعلام النبلاء (١٩/٤٤٣) . ٧ انظر: ابن قدامة: المغني ١٢/٢٤٣، وابن عبد البر: الكافي ٤/١٤٦، ابن تيمية: منهاج السنة ١/٥٣٢، والمرداوي: الإنصاف في معرفة الخلاف ١٠/٣١٠.
[ ١ / ٢٩٥ ]
الخليفة، فتستفاد بها الولاية أيضًا، وليس لأحد قتاله، ولا الخروج عليه.
ومنها اتفاق الناس عليه ونصبه، فإذا اتفقوا على شخص ونصبوه خليفة فليس لأحد قتاله، ولا الخروج عليه، ولا مبايعة غيره١.
واختلفت الرواية عن الإمام أحمد وأصحابه، اختلفوا أيضًا هل يعتبر اتفاق جميع أهل الحل والعقد على مبايعته؟ ٢.
أم يكفي بعض أهل الحل والعقد أو أكثرهم؟ ٣.
أو يكفي واحد من أهل الحل والعقد في خلاف؟ ٤.
ومن هذا الباب كانت خلافة أبي بكر رضي الله عنه٥.
لكن اختلفوا في خلافة أبي بكر هل كانت من النبي ﷺ بالنص الظاهر، أم بالنص الخفي والإيماء على قولين٦.
فعلى قولنا: إنها ثبتت بالنص الخفي والإيماء؛ لكون خلافة أبي بكر من هذا
_________________
(١) ١ انظر: الخرقي: المختصر ص١١٢، وابن قدامة: المغني١٢/٢٤٣، وابن عبد البر: الكافي ٤/١٤٦. ٢ انظر: أبا يعلى: الأحكام السلطانية ص ٢٣، ابن تيمية: منهاج السنة ١/٥٢٩. ٣ انظر: ابن تيمية: منهاج السنة ١/٥٢٧. ٤ انظر: الأشعري: مقالات الإسلاميين٢/١٤٩، قال ابن تيمية: "وإن كان بعض أهل الكلام يقولون: إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة، كما قال بعضهم: تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم: تنعقد ببيعة واحد، فليست هذه أقوال أئمة أهل السنة". (منهاج السنة ١/٥٢٦) . وقال محمّد رأفت: "لم يحصل في عصر من العصور انحصار الحل والعقد في واحد، ويندر أن يحصل ذلك". (رئاسة الدولة في الفقه الإسلامي ص ٢٧٣) . ٥ البخاري: الصحيح، كتاب الحدود ٦/٢٥٠٣، رقم: ٦٤٤٢، ابن تيمية: منهاج السنة النبوية ١/٥٤٢. ٦ انظر: الخلال: السنة ١/٣٠١، أبا يعلى: المعتمد في أصول الدين ص ٢٢٦، ابن تيمية: الفتاوى ٥/٤٧، منهاج السنة ١/٥١٦-٥٢٤، ٤٩٩.
[ ١ / ٢٩٦ ]
الليل لا يقبله بالنهار، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازنيه يوم القيامة، باتباعهم في الدنيا الحق وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلًا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم في الدنيا الباطل وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفًا، وأن الله عزوجل ذكر أهل الجنة وصالح ما عملوا، وتجاوز عن سيئاتهم، وذكر آية الرحمة وآية العذاب ليكون المؤمن راغبًا راهبًا فلا يتمنى على الله غير الحق، ولا تلقي بيدك إلى التهلكة، فإن حفظت قولي فلا يكونن غائبًا أحبّ إليك من الموت، ولا بد لك منه، وإن ضيعت وصيتي فلا يكونن غائبًا أبغض إليك من الموت، ولن تعجزه"١.
وعن أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم بن أبي بكر٢ بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب٣ - ﵃ -، قال: "سمعت جدي أبا بكر بن سالم٤ يقول: "لما حضرت٥ أبا بكر الصديق، عند آخر عهده بالدنيا خارجًا منها، وأوّل عهده بالآخرة داخلًا فيها، حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم من بعدي عمر بن الخطاب، فإن قصد وعدل فذاك ظني، وإن جار وبدل فالخير أردت، ولا أعلم الغيب ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ
_________________
(١) ١ الخلال: السنة ١/١/٢٧٥، ٢٧٦، ابن الجوزي: مناقب ص ٥٦، ٥٧، وهو مرسل؛ لأن زبيدًا لم يدرك وفاة أبي بكر. وورد الأثر من طريق أبي بكر بن سالم فيتقوى الأثر بذلك ويكون حسنًا لغيره. ٢ مطموس في الأصل، سوى: (بكـ) . ٣ لو أعثر على ترجمة له. ٤ أبو بكر بن سالم بن عبد الله بن عمر، ثقة، من الخامسة. (التقريب ص ٦٢٢) . ٥ حذف الفاعل، أي: لما حضرت أبا بكر الوفاة كما قال تعالى: ﴿كَلاّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾، أي: الروح.
[ ١ / ٢٩٨ ]
ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَّنْقَلِبُونَ﴾، [الشعراء: ٢٢٧]، ثم بعث إلى عمر فدعاه فقال: "يا عمر أبغضك مبغض وأحبّك محب، وقل ما يُبْغض الخير ويحب الشّر".
قال: "فلا حاجة لي فيها"، قال: "ولكن لها بك حاجة، قد رأيت رسول الله ﷺ وصحبته، ورأيت إثرته أنفسنا على نفسه حتى إن كنا لنهدي لأهله فضل ما يأتينا منه، ورأيتني وصحبتني وإنما اتبعت أثر من كان قبلي، والله ما نمت فحكمت١ ولا شبهت فتوهمت، وإن لعلى طريقي ما زغت، تعلم يا عمر إن لله حقًا في الليل لا يقبله في النهار - الكلام الذي تقدم -.
ثم قال: "إن أوّل ما أحذرك نفسك، وأحذرك الناس، فإنهم قد طمحت أبصارهم، وانتفخت أجوافهم، وإن لهم لحيرة عن زلة تكون، فإياك أن تكونه، وإنهم لم يزالوا خائفين لك فرقين٢ منك ما خفت الله وفرقته. هذه وصيتي وأقرأ عليك السلام"٣.
فائدة
يستحب للخليفة إذا استخلف شخصًا أن يوصيه بمصالح المسلمين وأمورهم، فإن لم يستخلف شخصًا استحب له أن يوصي من يستخلف بعده، فإن النبي ﷺ أوصى بما يفعله الخليفة بعده، من إجازة الوفد٤، ونحو ذلك وأبو بكر أوصى كما تقدم.
وعمر ﵁ قال: "أوصي الخليفة بعدي"، كما تأتي وصيته٥، وذلك لأنه لم يستخلف فأوصى بهذه الوصية لمن وقعت الخلافة. والله أعلم. / [٣٢ / أ] .
_________________
(١) ١ في المناقب: (فحملت) . ٢ فرِق: إذا فزع من الشيء. (القاموس ص ١١٨٤) . ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ٥٧-٥٨، وهو مرسل؛ لأن أبا بكر لم يدرك وفاة الصديق، ولم يصرح بمن روى عنه. وفيه إسحاق بن إبراهيم لم أعثر له على ترجمة. ٤ البخاري: الصحيح، كتاب الجزية ٣/١١٥٦، رقم: ٢٩٩٧. ٥ انظر: ص ٩٥٧، ٩٦٨.
[ ١ / ٢٩٩ ]