الباب السادس عشر: في نزول القرآن بموافقته
روى الترمذي عن نافع بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله عزوجل جعل الحق على لسان عمر وقلبه".
وقال ابن عمر: "ما نزل للناس أمر قط فقالوا فيه، وقال فيه عمر أو قال ابن الخطاب - شك خارجة - إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر".
وقال: "حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه"١.
وقال ابن عبد البر: "ونزل القرآن بموافقته في أسرى بدر، وفي الحجاب، وفي تحريم الخمر، وفي مقام إبراهيم ﵇"٢.
وفي الصحيحين عن أنس٣ قال: "قال عمر: وافقت الله تعالى في ثلاث، أو وافقني ربّي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى ذلك، وقلت: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله تعالى آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبة النبي ﷺ بعض أزواجه، فدخلت عليهن، قلت: إن انتهيتنّ أو ليبدلنّ الله
_________________
(١) ١ الترمذي: السنن ٥/٢٨٠، طبعة دار الفكر، المزي: تحفة الأشراف ٦/٩٤، وأحمد: المسند ٨/٦٠، رقم: ٥٦٩٧، وفضائل الصحابة ١/٢٥٠، رقم: ٣١٣، وإسنادهما حسن. عن عبد الملك عن نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم عن نافع وإسنادهم حسن، وصححه أحمد شاكر (المسند ٧/١٣٢، و٨/٦٠) . والألباني في صحيح الجامع الصغير ١/٣٥٨، رقم: ١٧٣٦. وسيأتي في ص ٢٢٣، ٢٢٤، عن أبي ذر، وأبي هريرة، وابن عمر. ٢ ابن عبد البر: الاستيعاب ٣/١١٤٧. ٣ ابن مالك الأنصاري الخزرجي.
[ ١ / ١٨٥ ]
رسوله خيرًا منكن، حتى أتيت إحدى نسائه، قالت: يا عمر، أما في رسول الله ﷺ ما يعظ نساءه، حتى تعظهن أنت؟، فأنزل الله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ﴾، [التحريم: ٥]، الآية"١. / [١١ / ب] .
وعن أنس قال: "قال عمر: اجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، فنزلت هذه الآية"٢.
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: "لما توفي عبد الله بن أبيّ، جاء ابنه عبد الله٣ إلى رسول الله ﷺ فسأله عن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله أتصلي عليه، وقد نهاك ربّك أن تصلي عليه؟ "، فقال رسول الله ﷺ: "إنّما خيرني الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]، وسأزيده على السبعين".
قال: "إنه منافق، قال: وصلى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله عزوجل: ﴿وَلاَ تُصُلِّ عَلَى أَحْدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] ٤.
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح، كتاب التفسير ٤/١٦٢٩، رقم: ٤٢١٣، ومسلم من طريق ابن عمر مختصرًا، ولم أجده من أنس. (صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة ٤١٨٦٥) . ٢ البخاري: الصحيح، كتاب التفسير ٤/١٨٦٩، رمق: ٤٦٣٢. ٣ عبد الله بن عبد الله الأنصاري الخزرجي، شهد بدرًا والمشاهد، وقتل باليمامة شهيدًا. (الإصابة ٤/٩٦) . ٤ البخاري: الصحيح، كتاب التفسير ٤/١٧١٥، رقم: ٤٣٩٣. مسلم: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة ٤/١٨٦٥، رقم: ٢٤٠٠.
[ ١ / ١٨٦ ]
وفي رواية: "أتصلي عليه وهو منافق، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ "، قال: "إنما خيّرني الله - أو خبرني١ الله - فقال: ﴿اسْتِغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، فقال رسول الله ﷺ: "وسأزيده على سبعين"، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ وصلّينا معه، ثم أنزل الله عليه: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحْدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] ٢.
وفي رواية عن ابن عباس وعن عمر أنه قال: "لما مات عبد الله بن أبي سلول، دعي له رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فلما قام رسول الله ﷺ ليصلي عليه، وثبت إليه، فقلت: رسول الله، أتصلي على ابن أبي؟ وقد قال يوم كذا: كذا وكذا، قال: أُعَدِّدُ عليه قوله، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "أخِّر عني يا عمر"، فلما أكثرت عليه، قال: "إني خُيّرت فاخترت، فلو أعلم أني إن زدتُ على السبعين يغفر له لزدت عليها"، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرًا، حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحْدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾، [التوبة: ٨٠]، والله ورسوله أعلم"٣.
وعن عروة بن الزبير٤ عن عائشة - ﵂ - قال: "كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ: "أحجب نساءك"، قالت: فلم يفعل، قالت: وكان أزواج رسول الله ﷺ يخرجن ليلًا إلى ليل قبل المناصع٥، فخرجت
_________________
(١) ١ في البخاري: (أخبرني) . ٢ البخاري: الصحيح، كتاب التفسير ٤/١٧١٦، رقم: ٤٣٩٥. ٣ البخاري: الصحيح، كتاب التفسير ٤/١٧١٥-١٧١٦، رقم: ٤٣٩٤. ٤ الأسدي، ثقة، فقيه، مشهور، توفي سنة أربع وتسعين على الصحيح. (التقريب ص ٣٨٩) . ٥ المناصع: المجالس. أو مواضع يُتخلَّى فيها لبولٍ أو حاجة. (القاموس ص ٩٩١) .
[ ١ / ١٨٧ ]
سودة١ - وكانت امرأة طويلة -، فرآها عمر - وهو في المسجد - فقال: "قد عرفناك يا سودة". حرصًا على أن ينزل الحجاب فأنزل الله عزوجل الحجاب"٢.
وذكر ابن الجوزي عن عمر قال: "وافقت ربّي عزوجل في ثلاث: في الحجاب، والأسارى، وفي مقام إبراهيم ﵇"٣.
وعن أبي وائل٤ قال: قال عبد الله٥: "فضل الناسَ عمر بن الخطاب بأربع: بذكر الأسارى يوم بدر، أمرَ بقتلهم، فأنزل الله عزوجل: ﴿لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُم فِيمَا أَخَذْتُم عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨]، وبذكر الحجاب أمر نساء النبي ﷺ أن يحتجبن فقالت له زينب٦: "وإنك علينا يا ابن الخطاب، والوحي ينزل في بيوتنا!! ". فأنزل الله عزوجل: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وبدعوة النبي ﷺ: "الله أيّد الإسلام بعمر". وبرأيه في أبي بكر، كان أوّل الناس بايعه"٧.
_________________
(١) ١ سودة بنت زمعة القرشية العامرية أم المؤمنين، توفيت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين. (ابن سعد: الطبقات ٨/٥٢-٥٨، سير أعلام النبلاء (٢/٢٦٥) . ٢ البخاري: الصحيح، كتاب الاستئذان ٥/٢٣٠٣، رقم: ٥٨٨٦، مسلم: الصحيح بنحوه كتاب السلام ٤/١٧٠٩، رقم: ٢١٧٠. ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ٢٢، والحديث أخرجه مسلم: الصحيح، كتاب فضائل الصحابة ٤/١٨٦٥، رقم: ٢٣٩٩. ٤ شقيق بن سَلَمة الأسدي، قثة، مخضرم، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز. (التقريب ص ٢٦٨) . ٥ ابن مسعود. ٦ زينب بنت جَحش الأسدية، أم المؤمنين، توفي سنة عشرين. (التقريب ص ٧٤٧) . ٧ أحمد: المسند ٦/١٦٨، والبزار كما في كشف الأستار ٣/١٧٥، والطبراني كما في مجمع الزوائد ٩/٦٧، وكلهم من طريق أبي نهشل عن أبي وائل. وأبو نهشل: قال الذهبي: (لا يعرف)، وقال الحافظ: (ذكره ابن حبان في الثقات)، وذكره البخاري ولم يذكر فيه ضعفًا. (الكنى: للبخاري ص: ٧٧، ميزان الاعتدال ٤/٥٨١، تعجيل المنفعة ص ٣٤٢) . قال الهيثمي: "رواه أحمد والبزار الطبراني، وفيه أبو نهشل ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات". (مجمع الزوائد ٩/٦٧) . قال أحمد شاكر: "وإسناده حسن".
[ ١ / ١٨٨ ]
وعن عائشة - ﵂ - قال: "كنت آكل مع رسول الله ﷺ حيسًا١، فمر عمر فدعاه فأكل، فأصاب يده إصبعي، فقال: "لو أطاع ما أرى فيكن٢ ما رأتكن عين"، فنزلت آية الحجاب"٣. / [١٢/أ] .
وذكر أبو القاسم الأصفهاني في (سيرة السلف) عن عمر ﵁: "وافقت ربّي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي أسارى بدر"٤.
قال عمر ﵁: "لما كان يوم بدر وهزم الله المشركين فقتل منهم سبعون وأسر سبعون، استشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا، فقال لي: "ما ترى يا ابن الخطاب؟ "، فقلت: أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن عليًّا من عقيل٥ فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان فيضرب عنه، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم، وقادتهم، فلم يهوَ رسول الله ﷺ ما قلت،
_________________
(١) ١ الحيس: الخلط، وتمر يخلط بسمن وأقط، يعجن شديدًا، ثم يندر منه نواه، وربما جعل فيه سويق. (القاموس ص ٦٩٦) . ٢ في تفسير ابن كثير، والمناقب (لو أطاع فيكن ما رأتكن) . ٣ أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير ٦/٤٥، وإسناده حسن، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ٢٢. ٤ أبو القاسم: سير السلف ١٣٤، وسبق تخريجه ص ١٨٩. ٥ عقيل بن أبي طالب الهاشمي، أسلم عام الفتح، وتوفي في أول خلافة يزيد. (الإصابة ٤/٢٥٥) .
[ ١ / ١٨٩ ]
فأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد غدوت إلى النبي ﷺ فإذا هو قاعد وأبو بكر، وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله! ما يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، قال النبي ﷺ: "للذي عَرَضَ عليّ أصحابك: من الفداء، لقد عُرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة" - لشجرة قريبة - فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾، إلى قوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧]، فلما كان من العام المقبل قتل منهم سبعون، وفر أصحاب رسول الله ﷺ وكُسِرَت رباعيته١، وهشمت البيضة٢ على رأسه، وسال الدم على وجهه، وأنزل الله تعالى: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيهَا قُلْتُم أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفِسِكُم﴾، بأخذكم الفداء ﴿إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شِيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] ٣.
_________________
(١) ١ الربّاعية: السِّنّ التي بين الثَّنَّية والناب. (القاموس ص ٩٢٩) . ٢ البَيْضة: الخُوذة؛ سميت بذلك لأنّها على شكل بيضة النعام. (لسان العرب ٧/١٢٥) . ٣ أخرجه أحمد: المسند ١/٢٥٠، رقم: ٢٢١، وصحّحه أحمد شاكر، وأخرجه بنحوه مسلم: الصحيح، كتاب الجهاد والسير ٣/١٣٨٥، رقم: ١٧٦٣.
[ ١ / ١٩٠ ]