الباب السادس والأربعون: في قوله وفعله في بيت المال
في الصحيحين عن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، أن حكيم ابن حزام١ قال: "سألت رسول الله ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي: "يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى" قال حكيم: فقلت يا رسول الله: والذي بعثك بالحق لا أرزأ٢ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر يدعو حكيم ًا ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئًا، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال: "يا معشر المسلمين إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد النبي ﷺ"٣.
في الصحيح عن عائشة قالت: "فأما صدقته يعني: النبي ﷺ بالمدينة فدفعها عمر إلى علي، وعباس، وأما خيبر وفدك٤ فأمسكها عمر، وقال: "هما / [٦٦ / ب] صدقة رسول الله ﷺ كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من
_________________
(١) ١ الأسدي، المكي، أسلم يوم الفتح، وصحب، توفي سنة أربع وخمسين، وكان عالمًا بالنسب. (التقريب ص ١٧٦) . ٢ ما رزأ فلانًا شيئًا، أي: ما أصاب من ماله شيئًا ولا نقص منه. (لسان العرب ١/٨٥) . ٣ البخاري: الصحيح، كتاب الخمس ٣/١١٤٥، رقم: ٢٩٧٤، مسلم: الصّحيح، كتاب الزكاة ٢/٧١٧، رقم: ١٠٣٥. ٤ فَدَك: واد ذو نخيل وعيون، والآن هو بلد يعرق باسم: (الحائط)، تابع لإمارة حائل. (شمال المملكة ص ١٠٢٣) .
[ ٢ / ٤٧٧ ]
ولي الأمر، فهما على ذلك إلى اليوم"١.
وفي الصحيح عن مالك بن أوس٢ قال: "بينما أنا جالس في أهلي حين مَتَع٣ النهار، إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني، فقال: أجب أمير المؤمنين، فانطلقت معه حتى أدخل على عمر، فإذا هو جالس على رمال٤ سرير وليس بينه وبينه فراش، متكئ على وسادة من أدم، فسلّمت عليه ثم جلست، فقال: "يا مالك إنه قدم علينا من قومك أهل أبيات، وقد أمرت فيهم برضخ٥ فاقبضه، فاقسمه بينهم.
قلت: "يا أمير المؤمنين لو أمرت له غيري، قال: "فاقبضه أيها المرء" فبينما أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفأ، وقال: هل لك في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، يستأذنون؟ قال: "نعم" فأذن لهم فدخلوا فسلموا وجلسوا ثم جلس يرفأ يسيرًا، ثم قال: "هل لك في علي، وعباس"؟ قال: "نعم" فأذن لهما، فدخلا فسلما وجلسا، فقال عباس: "يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا" وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من مال بني النضير، فقال الرهط عثمان وأصحابه: "يا أمير المؤمنين اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر".
فقال عمر: "تيدكم٦، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض،
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح، كتاب الخمس ٣/١١٢٦، رقم: ٢٩٢٦. ٢ ابن الحدثان النصري، له رؤية، وروى عن عمر، توفي سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة إحدى. (التقريب ص ٥١٦) . ٣ متع النهار: ارتفع قبل الزوال. (القاموس ص ٩٨٥) . ٤ الرمال: جمع رمل بمعنى مرمول: والمراد أنه كان السرير قد نُسج وجهه بالسّعف ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير. (لسان العرب ١١/٢٩٥) . ٥ الرضخ: العطاء. (لسان العرب ٣/١٩) . ٦ التيد: الرفق، قال: تيدك هذا، أي: اتئد. (القاموس ص ٣٤٤) .
[ ٢ / ٤٧٨ ]
هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة" يريد رسول الله ﷺ نفسه؟ قال الرهط: "قد قال ذلك" فأقبل عمر على عليّ، وعباس، فقال: "أنشد كما بالله هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قد قال ذلك"؟ قالا: "قد قال ذلك" قال عمر: "فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله قد خصّ رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره، ثم قرأ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُم فَمَا أَوْجَفْتُم عَلَيْهِ مِنْ خِيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ إلى قوله - ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] .
فكانت هذه خاصة لرسول الله ﷺ ووالله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، فقد أعطاكموها، وبثها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مال الله، فعمل رسول الله ﷺ بذلك حياته، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك؟ قالوا: "نعم" ثم قال لعلي، وعباس: أنشدكم بالله، هل تعلمان ذلك؟ قالا: "نعم" قال عمر: "ثم توفى الله نبيه ﷺ فقال أبو بكر: "أنا ولي رسول الله ﷺ فقبضها أبو بكر، فعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ والله يعلم إنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر، فكنت أنا ولي أبي بكر فقبضتها سنتين من إمارتي، أعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ وما عمل فيها أبو بكر، [والله] ١ يعلم إني فيها لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني تكلماني، وكلمتكما واحدة، وأمركما واحد، جئتني يا عباس، تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا "يريد عليا" - يريد نصيب امرأته من [أبيها] ٢
_________________
(١) ١ لفظ الجلالة مطموس في الأصل. ٢ سقط من الأصل.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
فقلت لكما: إن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة". فلما بدا لي أأدفعه إليكما؟، قلت: إن شئتما دفعتها إليكما، على أن عليكما عهد الله وميثاقه: لتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله ﷺ وما عمل أبو بكر، وما عملت فيها منذ وليتها، فقلتما: ادفعها إلينا، فبذلك دفعتها إليكما، فأنشدكم بالله هل / [٦٧ / أ] دفعتها إليكما بذلك؟ " قال الرهط: "نعم". ثم أقبل على عليّ وعباس فقال: "أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك؟ "، قالا: "نعم". قال: "فتلتمسان مني قضاء غير ذلك، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليّ فإني أكفياكهما"١.
وفي الصحيح عن ثعلبة بن أبي مالك، أن عمر بن الخطاب قسم مروطًا بين نساء من نساء أهل المدينة، فبقي منها مرطٌ جيدٌ، فقال له بعض من عنده: "يا أمير المؤمنين، أعط هذا بنت رسول الله ﷺ التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت عليّ"، فقال عمر: "أم سليط أحق به"، وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله ﷺ قال عمر: "فإنها كانت تُزْفِرُ القِرَب يوم أحد"٢.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب إلى السوق، فلحقت عمر امرأةٌ شابةٌ، فقالت: "يا أمير المؤمنين، هلك زوجي، وترك صبية صغارًا، والله ما يُنضِجون كراعًا، ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت أن تأكلهم الضّبع٣، وأنا بنت خفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع النبي ﷺ فوقف معها عمر ولم يمض، ثم قال: "مرحبًا بنسب قريب"، ثم انصرف إلى
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح، كتاب الخمس ٣/١٢٦، رقم: ٢٩٢٧، مسلم: الصّحيح، كتاب الجهاد والسير ٣/١٣٧٧، رقم: ١٧٥٧. ٢ سبق تخريجه ص ٤١٩. ٣ الضبع: السنة المُجْدِبة. (القاموس ص ٩٥٦) .
[ ٢ / ٤٨٠ ]
بعير ظَهير كان مربوطًا في الدار، فحمل عليه غراراتين، ملأَها طعامًا، وحمل١ بينهما نفقة وثيابًا، ثم ناولها بخطامه، ثم قال: "اقتاديه فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير"، فقال رجل: "يا أمير المؤمنين، أكثرت لها"، فقال عمر: "ثكلتك أمك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصنًا زمانًا فافتتحاه، ثم أصبحنا نستفيء سُهْمَانَهُمَا فيه"٢.
وفي الصحيح عن زيد عن أبيه أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببّانًا ليس لهم شيء، ما فُتحت عليّ قريةٌ إلا قسمتها، كما قسم النبي ﷺ خيبر، ولكني أتركها خِزَانَةً لهم يقتسمونها"٣.
وقوله: "ببانًا"، ببائين موحدتين من أسفل، والثالثة نون موحدة من فوق، وهو: الفارغ الخاوي، كلمة حبشية٤.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال عمر: "لولا آخر المسلمين، ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم النبي ﷺ خيبر"٥.
وعن قتادة٦ قال: "آخر ما قدم عمر ﵁ ثمان مئة ألف درهم من البحرين، فما قام من مجلسه حتى أمضاه، ولم يكن للنبي ﷺ بيت مال، ولا لأبي بكر الصديق ﵁، وأوّل من اتخذ بيت المال
_________________
(١) ١ في الرواية السابقة: (وجعل) . ٢ سبق تخريجه ص ٤١٩. ٣ البخاري: الصحيح، كتاب المغازي ٤/١٥٤٨، رقم: ٣٩٩٤، وقد سبق تخريجه ص ٥٤٢. ٤ انظر: الأزهري: تهذيب اللغة ١٥/٥٩٢، ابن حجر: فتح الباري ٧/٤٩٠. ٥ البخاري: الصحيح، كتاب المغازي ٤/١٥٤٨، رقم: ٣٩٩٥. ٦ قتادة بن دعامة السدوسي، ثقةثبت، توفي سنة بضع عشر ومئة. (التقريب ص ٤٥٣) .
[ ٢ / ٤٨١ ]
عمر ﵁"١.
وعن مالك بن أوس قال: "كان ﵁ يحلف على أيمان ثلاث، يقول: "والله ما من أحد أحق بهذا المال من رجل، وما أنا بأحق من أحد، ووالله ما من المسلمين من أحد إلا وله في هذا المال من نصيب إلا عبدًا مملوكًا، ولكنا على منازلنا من كتاب الله عزوجل وقسمنا من رسول الله ﷺ / [٦٧ / ب] فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقِدَمُه في الإسلام، والرجل وغناه في الإسلام، والرجل وحاجته، والله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال، وهو يرعى مكانه"٢.
وعن موسى بن عُليّ٣ عن أبيه٤: أن عمر بن الخطاب خطب الناس بالجابية، فقال: "من أراد أن يسأل عن القرآن، فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله تعالى جعلني خازنًا وقاسمًا، وإني بادئ بأزواج النبي ﷺ، ثم المهاجرين الأوّلين أنا وأصحابي، أخرجنا من مكة من ديارنا، وأموالنا، ثم الأنصار ﴿الَّذِينَ
_________________
(١) ١ ابن شبه: تاريخ المدينة ٣/٨٥٧، ٨٥٨، وفيه: "آخر مال أتي به النبي ﷺ". ابن الجوزي: مناقب ص ٩٩، وهو ضعيف لانقطاعه، قتادة لم يدرك عمر ولم يصرح عمن رواه. ٢ أبو داود: السنن ٣/١٣٦، رقم: ٢٩٥٠، ابن زنجويه: الأموال: ٢/٥٦٩، البيهقي: السنن: ٦/٣٤٦، وفي إسناده محمّد بن إسحاق وقد عنعن وهو مدلس. وابن سعد: الطبقات ٣/٢٩٩، ومن طريقه البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ٢٣٩، وفي إسنادهما الواقدي. وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ٩٩، ١٠٠. ٣ موسى بن عُلَيّ اللخمي، صدوق، ربما أخطأ، توفي سنة ثلاث وستين ومئة. (التقريب ص ٥٥٣) . ٤ عُلَيّ - بالتصغير - ابن رباح اللخمي، ثقة، توفي سنة بضع عشرة ومئة. (التقريب ص ٤٠١) .
[ ٢ / ٤٨٢ ]
تَبَوَّءْوا الدَّارَ وَالإِيْمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، ثم قال: فمن أسرع إلى الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ به العطاء، فلا يلومنّ رجل إلا مناخ راحلته"١.
وعن نافع عن ابن عمر، قال: "قدم على عمر ﵁ مال من العراق، قال: فأقبل يقسمه، قال: فأقبل إليه رجل فقال: "يا أمير المؤمنين، لو أبقيت من هذا المال لعدو إن حضر، أو نائبة إن نزلت؟ "، فقال عمر: "ما لك، قاتلك الله، نطق بها على لسانك شيطان، كفاني٢ الله حجتها، والله لا أغصبن اليوم لغد، لا ولكن أعدّ لهم ما أعد رسول الله ﷺ"٣.
وعن أبي هريرة قال: "قدمت على عمر بن الخطاب من عند أبي موسى الأشعري بثمان مئة ألف درهم، فقال لي: "بماذا قدمت؟ "، قلت: "بثمان مئة ألف درهم"، قال: "إنما قدمت بثمانين ألف درهم"، قلت: "إنما قدمت ثمان مئة ألف درهم"، قال: "إنما قدمت بثمانين ألف درهم"، قلت: "قدمت بثمان مئة ألف درهم"، قال: "ألم أقل إنك يمان أحمق، إنما قدمت بثمانين ألف درهم، فكم ثماني مئة ألف درهم؟ "، فعددت مئة ألف، ومئة ألف،
_________________
(١) ١ سعيد: السنن ٢/١٢٤، أبو عبيد: الأموال ص ٢٣٥، ٢٣٦، ابن زنجويه: الأموال: ٢/٤٩٩، وإسنادهم ضعيف لانقطاعه، مداره على عليّ بن رباح وعليّ لم يدرك عمر، وفيه أيضًا موسى بن عليّ صدوق ربما أخطأ. وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٠، ابن سعد مختصرًا: الطبقات ٢/٣٤٨، عن الواقدي عن موسى بن عُليّ. ٢ في الحلية: (لقاني) . ٣ أبو نعيم: الحلية ١/٤٥، وفي إسناده عبد الله بن محمّد بن الغيرة، قال أبو حاتم: "ليس بالقوي". (الجرح والتعديل ٥/١٥٨، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٠، والمتقي الهندي: كنز العمال ٢/٦٦١، ونسبه للحلية.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
حتى عددت ثمان مئة ألف، فقال: "أطيب ويلك؟ "، قلت: "نعم". قال فبات عمر ليلة أرقًا١ حتى إذا نودي لصلاة الفجر، قالت له امرأته: "يا أمير المؤمنين، ما نمت الليلة؟ "، قال: "كيف ينام عمر بن الخطاب، وقد جاء الناس ما لم يكن جاءهم مثله منذ كان الإسلام، فما يؤمِّن عمر لو هلك، وذلك المال عنده، لم يضعه في حقه.
فلما صلى الصبح اجتمع إليه نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لهم: "إنه قد جاء الناس الليلة ما لم يأتهم منذ كان الإسلام، وقد رأيت رأيًا، فأشيروا عليّ أن أكيل للناس بالمكيال". فقالوا: "لا تفعل، يا أمير المؤمنين، إن الناس يدخلون في الإسلام، ويكثر المال، ولكن أعطهم على كتاب، فكلما كثر الإسلام وكثر المال أعطيتهم". قال: "فأشيروا عليّ بمن أبدأ منهم". قالوا: "بك يا أمير المؤمنين، إنك ولي ذلك، ومنهم من قال: أمير المؤمنين أعلم". قال: "لا. ولكن أبدأ برسول الله / [٦٨ / أ] ﷺ ثم الأقرب فالأقرب إليه". فوضع الديوان على ذلك، قال عبيد الله٢: "بدأ بهاشم والمطلب فأعطاهم، ثم أعطى بني شمس، ثم بني نوفل بن عبد مناف"٣.
وعن الأحنف قال: "كنا جلوسًا بباب عمر، فمرت جارية فقالوا: سرية أمير المؤمنين"، فقالت: "ما هي لأمير المؤمنين بسرية، وما تحل له، إنها من
_________________
(١) ١ الأرق: السَّهَر بالليل. (القاموس ص ١١١٦) . ٢ في الأصل: (عبد الله)، وهو تحريف. وهو عبيد الله بن عبد الرحمن بن مَوْهب التيمي، ويقال: عبد الله، ليس بالقوي، من السّابعة. (التقريب ص ٣٧٢) . ٣ البيهقي: السنن: ٦/٣٦٤، وابن الجوزي: مناقب ص ١٠١، وفي إسناد البيهقي عبيد الله بن عبد الله، قال عنه الحافظ: "مقبول". وفيه أيضًا، عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب التيمي، ليس بالقوي، من السابعة. (التقريب ص ٣٧٢) . ووثّقه ابن حبان. (الثقات ٧/١٤٧) .
[ ٢ / ٤٨٤ ]
مال الله". فقلنا: "فماذا يحل له من مال الله؟، فما هو إلا قدر أن بلغت، فجاء الرسول فدعانا، فأتيناه، فقال: "ماذا قلتم؟، قلنا: لم نقل بأسًا، مرت جارية فقلنا: هذه سرية أمير المؤمنين، فقالت: "ما هي لأمير المؤمنين بسرية وما تحل له، إنها من مال الله". فقلنا: ماذا يحل له؟ "، قال: "أنا أخبركم بما استحل منه؛ حلتان، حلة في الشتاء، وحلة في القيظ١ وما أحج عليه وأعتمر من الظهر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش، ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم"٢.
وعن عروة: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لا يحل لي من هذا المال إلا ما كنت آكلًا من صلب مالي"٣.
وعن محمّد بن إبراهيم٤، قال: "كان عمر يستنفق كل يوم درهمين له ولعياله، وأنفق في حجته ثمانين ومئة درهم"٥.
وعن ابن سعد بإسناده عن عمر أنه قال: "إني أنزلت مال الله مني٦،
_________________
(١) ١ القيظ: صميم الصيف، من طلوع الثريا إلى طلوع سهيل. (القاموس ص ٩٠١) . ٢ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٧٦، ومن طريقه البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ١٦٨، وهو ضعيف لانقطاعه، عروة لم يدرك عمر بن الخطاب. وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٢. ٣ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٧٦، ومن طريقه البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ١٦٨، وهو ضعيف لانقطاعه، عروة لم يدرك عمر بن الخطاب. وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٢. ٤ ابن الحارث التيمي. ٥ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٠٨، وهو ضعيف لانقطاعه، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٢، وابن عساكر: تاريخ دمشق ١٣ / ق ١١٠، عن مجاهد مرسلًا. ٦ في الأصل: (عني)، وهو تحريف. وفي مناقب عمر: (عندي) .
[ ٢ / ٤٨٥ ]
بمنزلة اليتيم، فإن استغنيت عففت عنه، وإن افتقرت أكلت بالمعروف"١.
وعن عمر٢ أنه إذا احتاج أتى صاحب بيت المال [فاستقرضه، فربما أعسر، فيأتيه صاحب بيت المال] ٣ يتقاضاه فيلزمه فيحتال له عمر، وربما٤ خرج عطاؤه فقضاه٥.
وخرج يومًا حتى أتى المنبر، وقد كان اشتكى شكوى فنعت٦ له٧ العسل، وفي٨ بيت المال عكة٩، فقال: "إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلاّ فإنها عليّ حرام" فأذنوا له فيها.١٠
وقال عمر ﵁: "ما مثلي ومثل هؤلاء إلا كقوم سافروا
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٧٦، وفي إسناده زكريا بن أبي زائدة ثقة. وكان يدلس وسماعه من أبي إسحاق بآخره. (التقريب ص ٢١٦) . وهنا لم يصرح بالسماع. وقد أورده ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٢، وسيأتي نحو منه ص ٥٧٧، ٦٢٤. ٢ في الطبقات، وتاريخ الطبري: (أخبرنا عمران أن عمر) . ٣ سقط من الأصل. ٤ في الأصل: (وبما)، وهو تحريف. ٥ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٧٦، ومن طريقه الطبري: التاريخ ٤/٢٠٨، ابن شبه: تاريخ المدينة ٢/٧٠٣، ٧٠٤، ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٢، السيوطي: تاريخ الخلفاء ص ١٣٩، وهو ضعيف لانقطاعه، لأن عمران بن عبد الله الخزاعي لم يدرك عمر. (التقريب ص ٤٢٩) . ٦ في الأصل: (فنعث)، وهو تصحيف. ٧ في الأصل: (إليه)، وهو تحريف. ٨ في الأصل: (في) . ٩ العُكّة - بالضم -: آنية السمن أصغر من القربة. (التقريب ص ١٢٢٥) . ١٠ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٧٦، ٢٧٧، ومن طريقه الطبري ٤/ ٢٠٨، والبلاذري أنساب الأشراف (الشيخان أبوبكر وعمر) ص ١٧٠، وهو ضعيف لأن في إسناديهما رجل مجهول. ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٢، والسيوطي: تاريخ الخلفاء ص ١٣٩.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم، فقالوا: "أنفق علينا"، فهل يحل له أن يستأثر منها بشيء؟ "، قالوا: "لا، يا أمير المؤمنين"، قال: "فكذلك مثلي ومثلهم"١.
وقال أبو أمامة٢ بن سهل٣: "مكث عمر ﵁ زمانًا لا يأكل من المال شيئًا حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة، فأرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فاستشارهم، فقال: "قد شغلت نفسي في هذا الأمر، فما يصلح لي منه؟ "، فقال عثمان ﵁: "كل وأطعم"، وقال ذلك سعيد بن زيد، وقال لعلي: "ما تقول أنت؟ "، قال: "غذاءً وعشاءً"، فأخذ عمر بذلك"٤.
وعن ابن عمر، قال: "جمع عمر الناس بالمدينة حين انتهى إليه فتح القادسية، ودمشق، فقال: "إني كنت امرءًا تاجرًا، وقد شغلتموني بأمركم٥ هذا، فماذا ترون أنه يحل لي من هذا المال؟ "، فأكثر القوم، وعليّ ﵁ ساكت، فقال: "يا عليّ ما تقول؟ "، قال: "ما يصلحك ويصلح عيالك بالمعروف، وليس لك من هذا الأمر غيره". فقال: "القول ما قال عليّ بن أبي طالب"٦.
وعن أسلم قال: "قام رجل إلى عمر ﵁ فقال: "مايحل لك
_________________
(١) ١ سبق تخريجه ص ٣٨٢، ٣٨٣. ٢ في الأصل: (أبو ثمامة)، وهو تحريف. ٣ أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري، معروف بكنيته، معدود في الصحابة، له رؤية ولم يسمع من النبي ﷺ توفي سنة مئة. (التقريب ص ١٠٤) . ٤ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٠٧، وفيه الواقدي، ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٢، ١٠٣. ٥ في الأصل: (بأمرهم)، وهو تحريف. ٦ الطبري: التاريخ ٣/٦١٦، من طريق سيف بن عمر، ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٣.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
من هذا المال؟ "، فقال: "ما أصلحني وأصلح عيالي بالمعروف، وحلة للشتاء وحلة للصيف، / [٦٨/ب] وراحلة عمر للحج، والعمرة، ودابة لحوائجه وجهاده"١.
وعن الزهري قال: "انكسرت قلوص من إبل الصدقة، فنحرها عمر، ودعا الناس عليها، فقال العباس ﵁: "لو كنت تصنع بنا هكذا"، فقال عمر: "إنا والله ما وجدنا إلى هذا سبيلًا، إلا أن يؤخذ من حق، فيوضع في حق، ولا يمنع من حق"٢.
وعن حارثة بن مُضَرّب٣، قال: قال عمر ﵁: "إني أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا أيسرت قضيت"٤.
وعن عليّ ﵁ قال: " [قال] ٥ عمر للناس: "قد فضل عندنا فضل من هذا المال"، فقال الناس: "يا أمير المؤمننين، قد شغلناك عن أهلك، وصنعتك وتجارتك، فهو لك"، فقال لي: "ما تقول أنت؟ "، فقلت: قد أشار عليك القوم"، قال: "فقل"، فقلت: "لِمَ تجعل يقينك ظنا؟ "، قال: "لتخرجن مما قلت"، فقلت: أجل والله لأخرجن منه أتذكر حين بعثك نبي الله ﷺ ساعيًا فأتيت العباس بن عبد المطلب، فمنعك صدقته، فكان بينكما شيء،
_________________
(١) ١ الطبري: التاريخ ٣/٦١٦، من طريق سيف بن عمر، ابن الجوزي: مناقب ص١٠٣. ٢ ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٣، وقد سبق نحوًا منه، عن سعيد بن المسيب ص ٣٦٩. ٣ العبدي، الكوفي، ثقة، من الثالثة. (التقريب ص ١٤٩) . ٤ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٧٦، وإسناده صحيح، والبلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ١٦٩، وابن شبه: تاريخ المدينة ٢/٦٩٤، وابن الجوزي: مناقب ص ١٠٣. ٥ سقط من الأصل.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
فقلت: انطلق معي إلى نبي الله، فوجدناه خاثرًا١، فرجعنا، ثم غدونا عليه فوجدناه طيب النفس، فأخبرته بالذي صنع، فقال لك: "أما علِمت أن [عم] ٢ الرجل صِنو أبيه؟ "، وذكرنا له الذي رأينا من خثوره في اليوم الأوّل، والذي رأينا من طيب نفسه في اليوم الثاني، فقال: "إنكما أتيتماني في اليوم الأوّل وقد بقي عندي من الصدقة ديناران، فكان الذي رأيتما من خثوري لهن وأتيتماني اليوم الثاني وقد وجهتها، فذاك الذي رأيتما من طيب نفسي، فقال عمر: "صدقت، والله لأشكرن [لك] ٣ الأولى والآخرة"٤.
وعن الربيع بن زياد الحارث: "أنه وفد على عمر ﵁ فأعجبه هيئته، فشكى عمر وجعًا به من الطعام يأكله، فقال: "يا أمير المؤمنين، إن أحق الناس بمطعم طيب، ومبلس لين ومركب وطئ [لأنت] ٥، وكان متكئًا، وبيده جريدة فاستوى جالسًا، فضرب بها رأس الربيع بن زياد، وقال: "والله ما أردت بهذا إلا مقاربتي، وإن كنت لأحسب فيك خيرًا! ألا أخبرك بمثلي ومثل هؤلاء؟، إنما مثلنا كمثل قوم سافروا، فدفعوا نفقتهم إلى رجل منهم، فقالوا له: أنفق علينا، فهل له أن يستأثر عليهم بشيء؟ "، قال: "لا"٦.
_________________
(١) ١ خاثر النفس: أي: ثقيلها غير طيب ولا نشيط. (لسان العرب ٤/٢٣٠) . ٢ سقط من الأصل. ٣ سقط من الأصل. ٤ أحمد: المسند ٢/٩٨، رقم: ٧٢٥، وضعّفه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: ٧٢٥، وقال: "إسناده ضعيف لانقطاعه، أبو البختري أحاديث عن عليّ مرسلة". ٥ سقط من الأصل. ٦ سبق تخريجه ص ٤٥٠.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
وعن الحسن١، قال: قال عمر بن الخطاب: "السنة ثلاث مئة وستون يومًا، وإن حقا على عمر يكسح٢ بيت المال في كل سنة يومًا عذرًا إلى الله عزوجل، إني لم أدع فيه شيئًا"٣.
وعن الحسن٤ أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان - ﵄ - كانا يرزقان الأئمة، والمؤذنين، والمعلّمين، والقضاة٥.
وعن الحسن٦ ﵁ قال: "بينما عمر ﵁ يمشي في سكة من سكك المدينة، إذا هو بصبية تطيش٧ على وجه الأرض، تقوم مرة، وتقع أخرى، فقال عمر: "يا حوبتها٨، يا بؤسها من يعرف هذه منكم؟ "، فقال عبد الله بن عمر: "أما تعرفها يا أمير المؤمنين؟ "، قال: "لا، ومن هي؟ "، قال: "هذه إحدى بناتك"، قال: "وأيّ٩ بناتي هذه؟ "، قال: "هذه فلانة بنت عبد الله بن عمر"، قال: "ويحك، وما صيرها إلى ما أرى؟ "، قال: "منعك١٠ ما عندك"، قال: "ومنعي ما عندي "يمنعك" أن تطلب لبناتك ما يكسب القوم لبناتهم، إنك والله ما لك عندي غير
_________________
(١) ١ البصري. ٢ كسح: كنس. (القاموس ص ٣٠٤) . ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٥، وهو ضعيف، لانقطاعه، الحسن لم يدرك عمر، ورويته عنه مرسلة. ٤ البصري. ٥ الخطيب: تاريخ بغداد: ٢/١، ابن الجوزي: مناقب ص١٠٥، وهو ضعيف، لانقطاعه. ٦ البصري. ٧ الطيش: النّزق والخفة. (القاموس ص ٧٧٠) . ٨ الحوبة: الحاجة، وفي حديث الدعاء: "إليك أرفع حوبتي"، أي: حاجتي. (لسان العرب ١/٣٣٧) . ٩ في الأصل: (ولي)، وهو تحريف. ١٠ في الأصل: (ما منعك)، وهو تحريف.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
سهمك من فيء المسلمين، وسعك أو عجزك هذا كتاب الله بيني وبينكم"١.
وعن مالك بن أوس، قال: قال عمر: "ما أحد إلا وله في هذا المال حق إلا ما ملكت أيمانكم"٢.
وعن عاصم بن عمر - ﵄ - قال: بعث / [٦٩ / أ] إليّ عمر عند الهَجِير٣، أو عند صلاة الصبح فأتيته، فوجدته جالسًا في المسجد فحمد الله عزوجل وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: فإني لم أكن أرى شيئًا من هذا المال يحل لي قبل أن أليه إلا بحقه، ثم ما كان أحرم عليّ منه حين وليته، فعاد أمانتي، وإني كنت أنفقت عليك من مال الله شهرًا٤، فلست بزائدك عليه، وإني أعطيت ثمرك بالعالية٥ فبعه٦، فخذ ثمنه، ثم ائت رجلًا من تجار قومك فكن إلى جانبه، فإذا ابتاع شيئًا فاستشركه، وأنفق عليك وعلى أهلك". قال: "فذهبت ففعلت"٧.
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٧٧، البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ١٧٩، ابن أبي الدنيا: إصلاح المال ص ٢٤٦، ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٥، الذهبي: تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) ص: ٢٧١، وهو ضعيف لانقطاعه، الحسن لم يدرك عمر بن الخطاب. ٢ الشاقعي: المسند ص ٣٢٥، ابن زنجويه: الأموال ١/١١٠، وإسنادهما صحيح. ٣ الهَجِير: نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر. (القاموس ص ٦٣٨) . ٤ في الأصل: (شيئا)، وهو تحريف. ٥ هكذا في الأصل ولعله: (وإني أعطيتك ثمري بالعالية) . ٦ في الطبقات: (ولكني معينك بثمر مالي بالغابة) . وفي الأموال: (وقد أعنتك بثمر مالي بالعالية) . ٧ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٧٧، وإسناده صحيح. ابن شبه: تاريخ المدينة ٢/٦٩٩، البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ١٧٠، ابن زنجويه: الأموال: ٢/٥١٨، ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٧.
[ ٢ / ٤٩١ ]
وعن قتادة، قال: "كان معيقيب١ على بيت مال لعمر، فكسح بيت المال يومًا فوجد فيه درهمًا، فدفعه إلى ابن عمر، قال معقيب: ثم انصرفت إلى بيتي، فإذا رسول عمر قد جاء يدعوني، فجئت فإذا الدرهم في يده، فقال: "ويحك يا معيقيب أوجدت عليّ في نفسك شيئًا؟ "، أو ما لي ولك؟ "، قلت: "وما ذلك؟ "، قال: "أردت أن تخاصمني أمة محمّد ﷺ في هذا الدرهم يوم القيامة؟ "٢.
وروى عمر بن شبه، أن عبد الله بن الأرقم قال لعمر: "إن عندنا حلية من حلية جلواء، وآنية وفضة، فانظر ما تأمر فيها"، فقال: "إذا رأيتني فارغًا فآذني"، فجاءه يومًا، فقال: "يا أمير المؤمنين، إني أراك اليوم فارغًا"، قال: "ابسط لي نطعًا"٣، فبسط، ثم أتي بذلك المال فصب عليه، فأتى فوقف٤، فقال: "اللهم إنك ذكرت هذا المال، فقلت: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِيْنَ وَالقَنَاطِيْرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ﴾ [آل عمرن: ١٤] .
وقلت: ﴿لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَاءَاتَاكُم﴾ [الحديد: ٢٣] .
اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا، اللهم إني أسألك أن تضعه في حقه، وأعوذ بك من شرّه". قال: فأُتي بابن له يقال له عبد الرحمن
_________________
(١) ١ معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، من السابقين الأوّلين هاجر الهجرتين وشهد المشاهد، وولي بيت المال لعمر، وتوفي في خلافة عثمان أو علي. (التقريب ص ٥٤٢) . ٢ ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٦، وهو ضعيف لانقطاعه، قتادة لم يدرك خلافة عمر، ولم يصرح عمن رواه. ٣ النطع - بالكسر وبالفتح والتحريك -: بساط من الأديم. (القاموس ص ٩٩١) . ٤ في الأصل: (واقف)، والمثبت من تاريخ المدينة.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
بن لُهيّة١، فقال: "يا أبتاه هب لي خاتمًا"، قال: "اذهب إلى أمك تسقيك سويقًا٢فما أعطاه شيئًا"٣.
وعن عبد الرحمن بن غنم، قال: "شهدت عمر ﵁ ينظر في أمور المسلمين حتى تعالى النهار، وافترق الناس وقام إلى منزله، واستتبعني فلما صار فيه قال لجاريته: "آتينا غداءنا"، فقّربت زيتًا وخبزًا، فقال: "ويحك ألا جعلت مكان الزيت سمنا؟ "، قالت: "يا أمير المؤمنين، إنك جلعت مال الله في أمانتي، وإن فَرقَ٤ الزيت يقوم بكذا وكذا [وفرق السمن يقوم بكذا وكذا] ٥، فقال: "ويحك، أما علمت أن داود ﵇ كان يعمل فيأكل من عمل يده"٦.
وعن عاصم بن عمر [عن عمر] ٧ قال: "إني لأجده يحل لي أن آكل من مالكم هذا إلا كما كنت آكل من صلب مالي، الخبز والزيت [و] ٨
_________________
(١) ١ عبد الرحمن الأوسط، وأمه لُهيّة أم ولد، وهو أبو المجبر. (أنساب الأشراف الشيخان: أبو بكر وعمر ص ١٤٦، ٢٩٠. ٢ السويق: ما يتخذ من الحنطة والشعير. (لسان العرب ١٠/١٧٠) . ٣ ابن شبة: تاريخ المدينة ٢/٦٩٩، ٧٠٠، وفي إسناده هشام بن سعد المدني، صدوق له أوهام، ورمي بالتشيع. (التقريب ص ٥٧٢)، وعبد الله بن أحمد: الزهد ص١١٥، عن هشام بن سعد، ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٦، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٦٤١، ٦٤٢. ٤ الفَرْق: مكيال بالمدينة يَسَع ثلاثة آصع، ويحرك وهو أفصح، أو يسع ستة عشر رطلًا. (القاموس ص ١١٨٣) . ٥ سقط من الأصل. ٦ ابن شبه: تاريخ المدينة ٢/٧٠٤، وفي إسناده سعيد بن سليمان الدمشقي، مجهول. الجرح والتعديل ٤/٢٦، ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٦، ١٠٧. ٧ سقط من الأصل. ٨ سقط من الأصل.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
الخبز والسمن". قال: فكان ربما يؤتى بالجفنة قد صنعت بالزيت وما يليه منها بسمن/ [٦٩/ب] ١ فيعتذر إلى القوم، ويقول: "إني رجل عربي ولست أستمرئ٢ الزيت"٣.
قال أسامة بن مرشد٤ الذي اختصر (سيرة عمر)، لابن الجوزي - بعد هذا الحديث، قلت: "من غير رد على الشيخ المصنف - يعني ابن الجوزي - أمير المؤمنين منزه عن هذا وقد أجمع أصحاب السير أنه حرم على نفسه السمن، وأكل الزيت حتى اسودَّ لونه، فكيف يأكل من جفنة واحدة بين يديه سمن، وبين يدي مواكليه زيت؟!، هذا ينافي فعله وخلقه"٥.
قلت: وهذا الكلام ساقط من وجهين:
الأوّل: أن كلامه يدل على إنكار على ابن الجوزي، ولا مدخل له في ذلك، فإنه أثر ذكره كما ورد.
فإن قيل: قد قال: من غير رد على الشيخ، قيل: الظاهر أن قوله: من غير رد على الشيخ، كأنه احتقر نفسه عند المصنف، فإن قوة اللفظ تعطي ذلك مع أنه أنكر عليه، وليس عليه إنكار فإنه نقل الخبر كما مرّ.
الثاني: أن قوله: "أمير المؤمنين منزه عن ذلك"، لا أرى التنزه عن ذلك
_________________
(١) ١ ق ٦٩ / ب بياض وليس ثمة نقص، فالكلام متصل. ٢ مرا: طَعِمَ. (القاموس ص ٦٦) . ٣ هناد: الزهد ٢/٣٦٣، وإسناده صحيح. وابن الجوزي: مناقب ص ١٠٧، المحب الطبري: الرياض النضرة ٢/٣٧٨، وقال: "خرجه أبو معاوية الضرير". ٤ أسامة بن مرشد الكناني الكلبي، أمير من أكابر بني مُنقذ أصحاب قلعة شيزر، ومن العلماء الشجعان، توفي سنة أربع وثمانين وخمس مئة. (البداية والنهاية ١٢/٣٣١، الأعلام ١/٢٩١) . ٥ أسامة بن مرشد: مختصر مناقب عمر ص ١٠٧.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
وجهًا، فإنه١ كان يفعل ذلك في بعض الأوقات لعلة، فلهذا فيه٢: "كان ربما"، فدلك على أن ذلك كان يفعله بعض الأوقات وفيه ما يدل على أنه كان يفعله لعلة، ولو كان لغير علة فإنه يجوز له، فيجوز لصاحب الغداء أن يضع بين يديه ما هو أجود مما يضعه بين يدي ضيفه. وليس في هذا شيء يدل على أن ذلك كان من مال المسلمين. والله أعلم.
وقال القاسم: "خطب عمر الناس، فقال: "إن أمير المؤمنين يشتكي بطنه من الزيت، فإن رأيتم أن تحلوا له ثلاثة دراهم ثمن عكة سمن من بيت مالكم، فافعلوا"٣.
وهذا يدل على أنه إنما فعل ذلك لعلة، وأنه لم يأكل الزيت معهم لعلة فيه، ولا يقدر أن يطعم الجميع السمن وفيه ضرر.
وعن ناشرة بن سُمّي اليَزَني٤ قال: "سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول يوم الجابية وهو يخطب الناس: "إن الله عزوجل جعلني خازنًا لهذا المال وقاسمه، ثم قال: بل الله يقسمه، وأنا بادئ بأهل النبي ﷺ ثم أشرفهم"، فَفَرَض لأزواج النبي ﷺ عشرة آلاف درهم إلا جويرية وصفية وميمونة، قالت عائشة: "إن رسول الله ﷺ كان يعدل بيننا"، فعدل بينهن عمر، ثم قال: "إني بادئ بأصحابي المهاجرين الأوّلين، فإنا أخرجنا من ديارنا
_________________
(١) ١ في الأصل: (فإن) . ٢ أي: في كلام ابن الجوزي: حيث قال: "فكان ربما يؤتى. . . " ص ٤٦٣. ٣ ابن شبه: تاريخ المدينة ٢/٧٠٥، وابن الجوزي: مناقب ص ١٠٧، وهو ضعيف لانقطاعه، القاسم لم يدرك عمر، ولم يصرح عمن رواه. ٤ المصري، ثقة، من الثانية. (التقريب ص ٥٥٧) .
[ ٢ / ٤٩٥ ]
ظلمًا وعدوانًا ثم أشرافهم". ففرض لأصحاب بدر منهم خمسة آلاف، ولمن كان شهد بدرًا من الأنصار أربعة آلاف، قال: "ومن أسرع في الهجرة أسرع به في العطاء، ومن أبطأ في الهجرة أبطأ به في العطاء، فلا يلومنّ رجل إلا مناخ راحلته، وإني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد إني أمرته / [٧٠/أ] ١ أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس، وذا الشرف، وذا اللسان، فنزعته وأمرت أبا عبيدة بن الجراح"٢.
وعن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، أن عمر ﵁ كتب المهاجرين على خمسة آلاف، والأنصار على أربعة آلاف، فمن لم يشهد بدرًا من أبناء المهاجرين على أربعة آلاف، فكان منهم عمر بن أبي سلمة ابن عبد الأسد المخزومي٣، وأسامة بن زيد٤، ومحمّد بن عبد الله بن جحش الأسدي٥، وعبد الله بن عمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: "إن ابن عمر ليس من هؤلاء، إنه وإنه"، فقال ابن عمر: "إن كان لي حق فأعطني، وإلا فلا تعطني". فقال عمر لابن عوف: "اكتبه على خمسة آلاف واكتبني على أربعة آلاف"، فقال عبد الله: "لا أريد هذا"، فقال عمر: "والله لا أجتمع أنا وأنت على خمسة آلاف"٦.
فرض عمر ﵁ لأهل بدر عربيهم ومولاهم في خمسة آلاف،
_________________
(١) ١ ق ٧٠ / أنصفها بياض وليس ثمة ما يشير إلى نقص فالكلام متصل. ٢ أحمد: المسند ٣/٤٧٥، ٤٧٦، وإسناده صحيح، والبيهقي: السنن: ٦/٣٤٩) . ٣ ربيب النبي ﷺ صحابي صغير، توفي سنة ثلاث وثمانين على الصحيح. (التقريب ص ٤١٣) . ٤ ابن حارثة. ٥ صحابي صغير، وأبوه من كبار الصحابة، وعمته زينب أم المؤمنين. (التقريب ص ٤٨٧) . ٦ البيهقي: السنن: ٦/٣٥٠، وفيه عليّ بن زيد بن جدعان، ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٨.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
وقال: "لأفضلنهم على من سواهم"١.
وعن الزهري قال: "فرض عمر للعباس عشرة آلاف"٢.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن٣، قال: "قال عمر ﵁: "إني متخذ٤ المسلمين على الأعطية ومُدَوِّنهم، ومتحرّ الحق، فقال عبد الرحمن وعثمان وعلي - ﵃ - "ابدأ بنفسك"، فقال: "لا، بل أبدأ بعم رسول الله ﷺ ثم الأقرب فالأقرب منهم من رسول الله ﷺ ففرض للعباس فبدأ به، ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف، ثم فرض لمن بعد أهل بدر إلى الحديبية أربعة آلاف أربعة آلاف، ثم فرض لمن بعد الحديبية إلى أن أقلع أبو بكر ﵁ عن أهل الردة ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، ودخل في ذلك من شهد الفتح، ثم فرض لأهل القادسية، وأهل الشام أصحاب اليرموك، ألفين ألفين، وفرض لأهل البلاء البارع منهم ألفين وخمس مئة ألفين وخمس ومئة، فقيل له: "لو ألحقت أهل القادسية بأهل الأيام؟ "، قال: "لم أكن لألحقهم بدرجة من لم يدركوا، لاها الله إذًا"٥، وقيل له: "قد سويتهم على بعد دارهم ممن قربت داره؟ "، فقال: "هم حق بالزيادة لأنهم كانوا ردءًا لهتوف٦، وشجى لعدو، وايم الله ما سويتهم حتى استبطنتهم٧،
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح، كتاب المغازي ٤/١٤٧٥، رقم: ٣٧٩٧، بنحوه. ٢ ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٨، وهو ضعيف لانقطاعه. ٣ ابن عوف. ٤ في الأصل: (مجتد)، وهو تحريف. ٥ انظر: ص ٥٧٧. ٦ الهتف والهاتف: الصوت الجافي العالي. (لسان العرب ٦/٣٤٤) . ٧ في الأصل: (استبطهم)، وهو تحريف.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
والرّوادف١ الذين ردفوا بعد فتح القادسية، واليرموك ألفًا ألفًا، ثم الروادف الثني خمس مئة خمس مئة، ثم الروادف الثلث٢ بعدهم ثلاث مئة ثلاث مئة. سوّى كل طبقة في العطاء ليس بينهم فيما بينهم تفاضل قويهم وضعيفهم، وعربيهم وأعجميهم في طبقاتهم سواء [حتى] ٣ إذا حوى أهل الأمصار ما حووا من سباياهم، وردفت الرّبع من الروادف فرض لهم على خمسين ومئتين، وفرض لمن ردف من الروادف الخمس على مئتين، وكان آخر من فرض له عمر ﵁ أهل هجر٤ على مئة. ومات عمر على ذلك. وأدخل عمر في أهل بدر أربعة من غير أهل بدر: الحسن والحسين، وأبا ذر وسلمان، - ﵃٥.
وعن زهرة بن أبي سلمة٦، قال: "فرض للعباس على خمسة وعشرين ألفًا"٧.
وقال الزهري: "على اثني عشر ألفًا، وجعل نساء أهل بدر على خمس مئة، خمس مئة، ونساء من بعد بدر إلى الحديبية على أربع مئة، أربع مئة، ونساء بعد ذلك إلى الأيام على ثلاث مئة، ثم نساء القادسية على مئتين مئتين، ثم سوى بين النساء بعد ذلك، وجعل الصبيان من أهل بدر وغيرهم على مئة، مئة، وفرض
_________________
(١) ١ الروادف: أتباع القوم المؤخرون. (لسان العرب ١١/١١٦) . ٢ في الطبري: (التليث)، وهما سواء. ٣ سقط من الأصل. ٤ هجر: مدينة وهي قاعدة البحرين، فُتحت في أيام النبي ﷺ قيل: في سنة ثمان، وقيل: في سنة عشر، ومدينة هجر تبعد ميلين عن الأحساء المعروفة، شرق المملكة. (معجم البلدان ٥/٣٩٣، المنطقة الشرقية ٤/١٨٢٩) . ٥ الخبر بنحوه في الطبري: التاريخ ٣/٦١٤، ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٩، ابن الأثير: الكامل ٢/٥٠٢، ٥٠٣، بدون إسناد. ٦ لم أجد له ترجمة، وفي مناقب عمر: (أبي زهرة) . ٧ الطبري: التاريخ ٣/٦١٤، ابن الجوزي: مناقب ص ١٠٩، بدون إسناد.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
لأزواج النبي ﷺ عشرة آلاف إلاّ من جرى عليها الملك، وفضل عائشة - ﵂ - ألفين، فأبت، فقالت: "بفضل ميزاتك عند رسول الله ﷺ فإذا أخذت فشأنك"١.
وعن أبي سلمة٢، ومحمّد٣، والمهلب٤ وطلحة٥، قالوا: "لما أعطى عمر ﵁ وذلك في سنة خمس عشرة، وكان صفوان بن أمية قد أفرض في أهل القادسية، وسهيل بن عمرو٦ فلما دعي صفوان وقد رأى ما أخذ أهل بدر ومن بعدهم إلى الفتح، فأعطاه في أهل الفتح، فقال: "لست آخذًا أقل من هو دوني"، فقال: "إنما أعطيتهم على السابقة في الإسلام لا على الأحساب"، قال: "فنعم إذا". / [٧٠/ب] فأخذ وقال: "أهل ذلك هم"، ولما بلغ القسم سهيل بن عمرو والحارث بن هشام، قالا: "أنت تعرف قريشًا وتقصر بنا"، قال: "إنما القسم على السابقة وقد سبقتما"، قالا: "نعم، إذا ولئن كنا سبقنا إلى ذلك لا نسبق إلى الجهاد وأخذا"٧.
وعن عبد الملك بن عمير٨ قال: "أصاب المسلمين يوم المدائن، بساط بهار كسرى، ثقُل عليهم أن يذهبوا به، وكانوا يعدونها للشتاء، إذا ذهبت
_________________
(١) ١ الطبري: التاريخ٣/٦١٤، ابن الجوزي: مناقب ص١٠٩، ١١٠، وهو ضعيف لانقطاعه. ٢ لعله ابن عبد الرحمن بن عوف. ٣ محمّد بن نويرة روى عن أم عثمان عن ابن مكنف روى عنه سيف بن عمر. (الجرح والتعديل ٨/١١٠) . ٤ ابن عقبة. ٥ ابن الأعلم الحنفي. ٦ في الأصل " عمر " وهو تحريف. ٧ ابن الجوزي: مناقب ص ١١٠، وبنحوه في الطبري: التاريخ ٣/٦١٣، ابن الأثير ٢/٥٠٢. ٨ اللخمي.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
الرياحين، وكانوا إذا أرادوا الشرب شربوا [عليه] ١ فكأنهم٢ في رياض بساط واحد ستين في ستين، أرضه بذهب٣، ووشِيَه٤ بفصوص، وثمره بجوهر، وورقه بحرير وماء ذهب، فلما قسم سعد فيهم فضل، ولم يتفق قسمه، فجمع سعد المسلمين فقال: "إن الله تعالى قد ملأ أيديكم، وقد عسر قسم هذا البساط، ولا يقدر على شرائه أحد، فأرى أن تطيبوا به نفسًا لأمير المؤمنين يضعه حيث يشاء"، ففعلوا. فلما قدم على عمر ﵁ بالمدينة رأى رؤيًا فجمع الناس، وحمد الله وأثنى عليه، واستشارهم في البساط، وأخبرهم خبره، فمن مشير بقبضه، وآخر مُفوّض إليه، وآخر مرقق فقام عليّ ﵁ حين رأى عمر يأبى حتى انتهى إليه، فقال: "لِمَ تجعل عملك جهلًا ويقينك شكًا؟ إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت، أو لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت"، قال: "صدقتني"، فقطعه فقسمه بين الناس، فأصاب عليًّا ﵁ قطعة منه فباعها بعشرين ألفًا، وما هي بأجود تلك القطع"٥.
وعن الزهري أن عمر كسا أصحاب النبي ﷺ فلم يكن فيها ما يصلح للحسن والحسين فبعث إلى اليمن فأتى لهما بكسوة فقال: "الآن طابت نفسي"٦.
_________________
(١) ١ سقط من الأصل. ٢ في الأصل: (فإنهم)، وهو تحريف. ٣ في الأصل: (بذهب وذهب) . ٤ الوشي: نقش الثوب. (القاموس ص ١٧٣٠) . ٥ الطبري: التاريخ ٤/٢٢، وهو ضعيف لانقطاعه عبد الملك بن عُمير لم يدرك عمر، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ١١٠، وقد سبق مختصرًا ص ٥٢٥. ٦ ابن الجوزي: مناقب ص ١١١، وهو ضعيف لانقطاعه.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
وعن أبي وائل١، قال: "استعملني ابن زياد٢ على بيت المال، فأتى رجل بصك فقال فيه: "أعط صاحب المطبخ ثمان مئة درهم"، فقلت له: مكانك، ودخلت على ابن زياد فحدثته فقلت: إن عمر استعمل عبد الملك بن مسعود على القضاء وبيت المال، وعثمان بن حنيف على ما سقي الفرات، وعمار بن ياسر على الصلاة والجند، ورزقهم كل يوم شاة، فجعل نصفها وسقطها وأكارعها٣ لعمار، لأنه كان في الصلاة والجند، وجعل لعبد الله بن مسعود ربعها، وجعل لعثمان بن حنيف ربعها، ثم قال: "إن مالًا يؤخذ منه كل يوم شاة، فإن ذلك فيه لسريع"، فقال ابن زياد: "ضع المفتاح واذهب حيث شئت"٤.
فما ورد عنه في بيت المال وقيامه فيه، ونظر في مصالحه، وحذره من أن يأخذ هو أو أحد من أهله منه شيئًا بغير حقه، لم يرد عن أحد من الأمة ﵁، وجزاه عن المسلمين خيرًا. إنه على كل شيء قدير.
_________________
(١) ١ شقيق بن سلمة الأسدي. ٢ عبد الملك بن زياد بن أبيه أمير العراقيين، ليزيد بن معاوية، قتل في أيامه وعلى يده الحسين بن عليّ ﵁ وقتله إبراهيم بن الأشتر سنة سبع وستين. (تاريخ الطبري ٦/٨٦) . ٣ في الأصل: (وأكراعها) . ٤ البيهقي: السنن: ٦/٣٥٤، وفي إسناده عامر بن شقيق، قال الحافظ: "لين الحديث". التقريب ص ٢٨٧)، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ١١١.
[ ٢ / ٥٠١ ]