الباب السادس والخمسون: في ذكر بكائه
روي عن علقمة بن وقاص١ قال: "كان عمر يقرأ في العشاء الآخرة سورة يوسف وأنا في مؤخر حتى إذا ذكر يوسف - ﵇ -[٨٩ / ب] سمعت نشيجه"٢٣.
وعن عبد الله بن شداد بن الهاد٤ قال: "سمت عمر بن الخطّاب ﵁ يقرأ في صلاة الصبح سورة يوسف، فسمعت نشيجه وإني لفي آخر الصفوف، وهو يقرأ ﴿إِنَمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله﴾ [يوسف: ٨٦] ٥.
وعن عبد الله بن عيسى٦ قال: "كان في وجه عمر بن الخطّاب ﵁ خطان أسودان من البكاء"٧.
_________________
(١) ١ الليثي المدني، ثقة ثبت، من الثالثة، توفي في خلافة عبد الملك. (التقريب ص ٣٩٧) . ٢ النّشيج: أشد البكاء. (لسان العرب ٢/٣٧٧) . ٣ عبد الرزاق: المصنف ٢/١١١، وإسناده صحيح، وابن أبي شيبة: المصنف: ١/٣٥٥، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ١٦٧. ٤ الليثي المدني، ولد على عهد النبي ﷺ ومات بالكوفة مقتولًا سنة إحدى وثمانين. (التقريب ص ٣٠٧) . ٥ عبد الرزاق: المصنف ٢/١٤٤، وابن أبي شيبة: المصنف: ١/٣٥٥، وسعيد بن منصور في السنن كما في فتح الباري ٢/٦، وأسانيدهم صحيحة. البخاري: الصحيح، معلقًا، كتاب الجماعة والإمامة ١/٢٥٣، ابن الجوزي: مناقب ص ١٦٧، والمتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٥٧٤. ٦ ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، الأنصاري، ثقة فيه تشيع، من السادسة. توفي سنة ثلاثين ومئة. (التقريب ص ٣١٧) . ٧ أحمد: فضائل الصحابة ١/٢٥٣، والزهد ص ١٣١، وأبو نعيم: الحلية ١/٥١، ابن الجوزي: مناقب ص ١٦٨، وصفة الصّفوة ١/٢٨٦، وهو ضعيف لانقطاعه بين عبد الله بن عيسى وعمر.
[ ٢ / ٦١٤ ]
وفي رواية: "خطّان أسودان مثل الشراك من البكاء"١.
وعن الحسن٢ قال: "كان عمر ﵁ يمر بالآية من ورده بالليل فيبكي حتى يسقط، ويبقي بالبيت حتى يعاد للمرض"٣.
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: "رأيت عمر ﵁ نشج حتى اختلفت أضلاعه"٤.
وعن أبي عثمان النهدي: أن عمر ﵁ كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: "اللهم إن كنت كتبتنا عندك في شِقوة وذنب فإنك تمحو ماتشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، فاجعلها سعادة ومغفرة"٥.
وعن ابن عمر ﵁ قال: "غلب على عمر ﵁ البكاء، وهو يصلي بالناس صلاة الصبح، فسمعت حنينه من وراء ثلاثة صفوف"٦.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: مناقب ص ١٦٨. ٢ البصري. ٣ ابن أبي شيبة: المصنف ١٣/٢٦٩، أحمد: الزهد ص ١١٩، وإسنادهما حسن إلى الحسن لكنه منقطع بين الحسن وعمر، أبو نعيم: الحلية ١/٥١، أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٧٥، ابن الجوزي: مناقب ص ١٦٨. ٤ يأتي تخريجه ص ٧٤٤، ٧٤٦. ٥ ابن جرير: التفسير ٨/١٦٧، وإسناده حسن. فيه أبو حكيمة الغزال قال أبو حاتم: "ملحة الصدق"، وابن بطة: الإبانة جـ ١ / ق ١١٤ ب، جـ ٢ / ق ١٩٧، ١٩٨، اللالكائي: أصول اعتقاد أهل السنة جـ ٢/ ٦٦٤، رقم: ١٢٠٧، ابن الجوزي: مناقب ص ١٦٨، ابن كثير: التفسير ٤/٣٩٠، والمتقي الهندي: كنْز العمال ٢/٦٧٦، وعزاه للالكائي. ٦ أبو نعيم: الحلية: ١/٥٢، في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق بن الحارث، وهو ضعيف. (التقريب رقم: ٣٧٩٩)، ابن الجوزي: مناقب ص ١٦٨.
[ ٢ / ٦١٥ ]
وعن عمر بن شبه بإسناده: أن عمر زار أبا الدّرداء - ﵄ - فقال له أبو١ الدرداء: "أتذكر حديثًا حدّثناه رسول الله ﷺ؟ "، قال: "أي حديث؟ "، قال: "ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب"، قال: "نعم"، قال: "فماذا فعلنا بعده يا عمر؟ "، قال: فما زالا يتجاوبان بالبكاء، حتى أصبحا"٢.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني: أنه كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء٣.
وعن الحسن٤: "كان عمر ﵁ يمرّ بالآية في وِرْدِهِ فتخنقه فيبكي حتى يسقط، ثم يلزم بيته حتى يعاد يحسبونه مريضًا"٥.
وقال البخاري في صحيحه، قال عبد الله بن شداد: "سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ [يوسف: ٨٦] ٦.
وفي فوائد أبي الفرج مسعود بن الحسن بن القاسم الثقفي٧ عن الحسن٨: "أن قومًا أتوا عمر بن الخطّاب ﵁ فقالوا: "يا أمير المؤمنين، إن لنا إمامًا شابًا إذا
_________________
(١) ١ مطموس في الأصل، سوى (أتذكر) . ٢ لم أجد في تاريخ المدينة لعمر بن شبه، والخبر في ابن الجوزي: مناقب ص ١٦٨. ٣ أبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص ١٧٥، والخبر سبق تخريجه ص ٧٢٩. ٤ البصري. ٥ سبق تخريجه ص ٧٢٨. ٦ البخاري: الصحيح، كتاب الجماعة والإمامة ١/٢٥٢، تعليقًا، ووصله سعيد في السنن والبيهقي في شعب الإيمان كما في تغليق التعليق لابن حجر، وقال الحافظ بعد ذكر إسناديهما: "هذا إسناد صحيح". (تغليق التعليق ٢/٣٠٠) . ٧ الأصبهاني، توفي سنة اثنتين وستين وخمس مئة. (سير أعلام النبلاء (٢٠/٤٦٩، لسان الميزان ٦/٢٤، ٢٥) . ٨ البصري.
[ ٢ / ٦١٦ ]
صلى لا يقوم من المحراب حتى يتغنى بقصيدته"، قال عمر: "فامضوا بنا إليه، إنا إن دعوناه يظن بنا أنا تجسسنا، نريد قبح أمره، فقام عمر ﵁ والقوم معه حتى إن قرعوا بابه١ عليه، قال: "يا أمير المؤمنين، ما الذي جاء بك؟ إن كنت جئتني في حاجتي فقد كان الواجب عليّ أن أتي، وإن تكن٢ الحاجة لك، فأحقّ من عظمنا خليفة خليفة رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين، وصاحب رسول الله ﷺ"، قال: "بلغني عنك أمر ساءني"، قال: "فإني أعيذك بالله يا أمير المؤمنين ما الذي بلغك عني؟ "، قال: "بلغني٣ عنك أنك تتغني٤ بين يديك"، قال: "نعم، قال يا أمير المؤمنين، [إنما عظة] ٥ أعظ بها نفسي، قال له عمر: "قل"، قال: "إني أخاف الشُّنعة٦ أن أفعل٧ بين يديك"، قال له: "قل فإن كان حسنًا قلت معك، وإن كان قبيحًا نهيتك عنه". قال: فأطرق الفتى ثم أنشأ يقول٨:
وفؤادي كلما نبهته عاد في اللّذات يبغي تعبي
لا أراه الدّهر إلا لاهيًا في تماديه فقد برح بيَ
يا قرين السّوء ما هذا الصّبا فني العمر كذا باللّعب
_________________
(١) ١ مطموس في الأصل، سوى (با) . ٢ مطموس في الأصل، سوى (تكـ) . ٣ مطموس في الأصل، سوى (بلغـ) . ٤ مطموس في الأصل، سوى (تتغـ) . ٥ غير واضح في الأصل، والمثبت من فوائد أبي الفرج. ٦ الشّنعة: الفظاعة. لسان العرب ٨/١٨٦، القاموس ص ٩٤٩) . ٧ مطموس في الأصل، سوى (أفعـ) . ٨ مطموس في الأصل، سوى (يقـ) .
[ ٢ / ٦١٧ ]
وشباب١ بان مني فمضى قبل أن أقضي منه أربي / [٩٠/أ]
ما أرجي بعده إلا الغنى ضيق الشّيب عليَ مطلبي
ويح نفسي لا أراها أبدًا في جميل لا ولا في أدب
نفسي لا كنت ولا كان الهوى راقبي مولاك وخافي وارهبي
فبكى عمر ﵁ وقال: "هكذا ينبغي كلّ من يكره"، قال عمر ﵁: "وأنا أيضًا أقول:
نفسي لا كنت ولا كان الهوى راقبي مولاك وخافي وارهبي٢
_________________
(١) ١ في الأصل: (وشاب)، وهو تحريف. ٢ أبو الفرج: الفوائد ق ٩٨ / ب، ٩٩ / أ، عن الحسن مرسلًا وبنحوه في ابن عساكر: تاريخ دمشق جـ ١٣ / ق ١١٣ عن الحسن.
[ ٢ / ٦١٨ ]