الباب الستون: في ذكر دعائه ومناجاته
عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: "كان أوّل خطبة خطبها عمر - الليلة التي دفن فيها أبو بكر - ﵄ - فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله نَهَجَ سبيله، وكفانا برسوله، فلم يبق إلا الدّعاء والاقتداء، فالحمد لله الذي ابتلاني بكم وابتلاكم بيَ، والحمد لله الذي أبقاني فيكم بعد صاحِبَيَ كنفر ثلاثة اغتربوا الطِيَّة١؛ فأخذ أحدهم مهلة إلى داره وقراره، فسلك أرضًا مضلة، فتشابهت الأسباب والأعلام، فلم يزل عن السبيل، ولم يخرم٢ عنه حتى أسلمه إلى أهله، فأفضى إليهم سالمًا، ثم تلاه الآخر فسلك سبيله واتبع أثره فأفضى إليه سالمًا ولقي صاحبه، ثم تلاه الثّالث فإن سلك سبيلهما، واتبع أثرهما، أفضى إليهما سالمًا ولاقاهما، وإن هو زلّ يمينًا أو شمالًا لم يجامعهما أبدًا، ألا إن العرب جمل أنف٣ فلا أعطيت بخطامه، ألا وإني حامله على المحجة، مستعين بالله، ألا وإني داعٍ فأمنّوا، اللهم إني شحيح فسخني، اللهم إني غليظ فليّني، اللهم إني ضعيف فقوّني، اللهم أوجب لي بموالاتك وموالاة أوليائك، ولايتك ومعونتك، وأبرني بمعاداة عدوّك من الآفات"٤.
_________________
(١) ١ الطِيَّة: النيّة، قال الخليل: "الطِيّة تكون منزلًا وتكون منتأى. تقول منه: مضى لطِيّة، أي: لنيته التي انتواها. (الصحاح ٦/٢٤١٥) . ٢ لم يخرم: أي: ما عدل. (الصحاح ٥/١٩١١) . ٣ الجمل الأنف: أي: المأنوف وهو الذي عقر الخشاش أنفه فهو لا يمتنع على قائده للوجع الذي به. (النهاية ١/٧٥) . ٤ ابن الجوزي: مناقب ص ١٧٠، ١٧١، وهو منقطع، بين سالم بن عبد الله، وعمر ابن الخطاب
[ ٢ / ٦٣٩ ]
وعن الأسود بن هلال المحاربي١، قال: "لما ولي عمر قام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس إني داعٍ فهيمنوا٢: اللهم إني غليظ فليّني، وشحيح فسخّني، وضعيف فقوّني"٣.
وعن عمر بن ميمون الأودي، عن عمر أنه كان فيما يدعو: "اللهم توفّني مع الأبرار، ولا تخلفني في الأشرار، وألحقني بالأخيار"٤.
وعن أبي عبد الرحمن٥، قال: "كان عمر بن الخطّاب ﵁ يقول: "اللهم لا تكثر لي من الدنيا فأطغى، ولا تُقِلَّ لي منها فأنسى، فإنه ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى"٦.
وعن الشعبي قال: "خرج عمر ﵁ يستسقي بالناس، فما زاد على الاستغفار حتى رجع، قالوا: "يا أمير المؤمنين، ما نراك استسقيت؟ "، قال: "لقد طلبت المطر بمجَادِيح٧ السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم
_________________
(١) ١ الكوفي مخضرم، ثقة جليل، من الثانية، توفي سنة أربع وثمانين. (التقريب ص ١١١) . ٢ هَيْمَنَ: قال: آمن. (القاموس ص ١٦٠٠) . ٣ أبو نعيم: الحلية ١/٥٣، وإسناده صحيح، ابن سعد: الطبقات ٣/٢٧٤، عن جامع ابن شداد عن ذي قرابة له وإسناده صحيح إلى جامع بن شداد. وابن أبي شيبة: المصنف ١٠/٣٢١، ابن الجوزي: مناقب ص ١٧١. ٤ البخاري: الأدب المفرد ص ٢٢٠، وإسناده صحيح. وصحّحه الألباني. (صحيح الأدب المفرد ص ٢٣٥)، ابن الجوزي: مناقب ص ١٧١، والمتقي الهندي: كنْز العمال ٢/٦٧٥. ٥ ميكائيل الخراساني، يروي عن عمر بن الخطاب، روى عنه طعمة بن غيلان. (الثقات ٥/٤٦٣) . ٦ ابن أبي شيبة: المصنف ١٠/٣٢٣، ١٣/٢٨٠، وفي إسناد ميكائيل الخراساني لم يوثّقه غير ابن حبان. ابن الجوزي: مناقب ص ١٧١. ٧ مَجَادِيحُ السماء: أنواؤها. (لسان العرب ٢/٤٢١) .
[ ٢ / ٦٤٠ ]
ذإِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلُ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠-١١]، ثم قرأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] ١.
وعن أسلم: أنه سمع عمر بن الخطّاب ﵁ يقول: "اللهم لا تجعل قتلي على يد عبدٍ قد سجد لك سجدة يحاجني بها يوم القيامة"٢.
وعن سُليم بن حنظلة٣ عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنه كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك أن تأخذني [على] ٤ غرة، أو تذرني في غفلة، أو تجعلني من الغافلين"٥.
وعن عبد الله بن خِرَاش٦ عن عمّه٧ قال: "سمعت عمر بن الخطّاب
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات ٣/٣٢٠، من طريق الواقدي. وابن أبي شيبة: المصنف١٠/٣١١، وإسناده صحيح إلى الشعبي. وأورده من طريق آخر متصل صحيح. (المصنف١٠/٣١١)، وابن شبه: تاريخ المدينة ٢/٧٣٧، ابن الجوزي: مناقب ص ١٧١، وابن عساكر: تاريخ دمشق جـ ١٣ / ق ١٣٠، ابن كثير: التاريخ ٤/٩٤، وعزاه لابن أبي الدنيا. ٢ أبو نعيم: الحلية ١/٥٣، وإسناده صحيح. ابن الجوزي: مناقب ص ١٧٢. ٣ في الأصل: (سليمان)، وهو تحريف. وهو البكري، الكوفي، سمع عمر، وأبي، وعبد الله، روى عنه هارون بن عنْتَرة، وعياش العامري. (التاريخ الكبير ٤/٢٢، الطبقات ٦/١٢٠، الثقات ٤/١٣١) . ٤ سقط من الأصل. ٥ ابن أبي شيبة: المصنف ١٠/٣٢٣، وهو ضعيف، في إسناده ليث بن أبي سيلم صدوق اختلط جدًا ولم يتميز حديثه فترك. (التقريب رقم: ٥٦٨٥)، وسليم بن حنظلة لم يوثّقه غير ابن حبان. أبو نعيم: الحلية ١/٥٤، عن ابن أبي شيبة به، ابن الجوزي: مناقب ص ١٧٢. ٦ الشيباني الكوفي، ضعيف، وأطلق عليه ابن عمار الكذب، توفي بعد الستين ومئة. (التقريب ص ٣٠١) . ٧ العوام بن حوشب الشيباني، ثقة، فاضل توفي سنة ثمان وأربعين ومئة. (التقريب ص٤٣٣) .
[ ٢ / ٦٤١ ]
﵁ يقول في خطبته: "اللهم اعصمنا بحفظك، وثبّتنا على أمرك"١.
وروى ابن أبي الدنيا٢ في كتاب: "القناعة" عن ميكائيل أبي عبد الرحمن، قال: "كان عمر ﵁ يقول في دعائه: "اللهم لا تكثر لي من الدنيا فأطغى، ولا تقلّ لي منها فأنسى، فإنه ما قل وكفى خير مما كثر وألهى"٣.
فائدة
قد تقدم أنه كان يبكي في الصلاة / [٩٤ / أ] حتى يسمع نشيجه من آخر الصفوف، فالبكاء في الصلاة إن كان من خشية الله تعالى لا يبطل الصلاة مطلقًا، وإن لم يكن من خشية الله تعالى فإن بان فيه حرفان من حروف الهجاء فهو كالكلام، يبطل الصلاة عمده وسهوه٤. وقيل: "يبطل الكثير دون اليسير في السهو، وأن لا يبين منه حرفان، فإن كان يسيرًا لم يبطل وإن كان كثيرًا أبطل"٥.
_________________
(١) ١ أبو نعيم: الحلية ١/٥٤، وهو ضعيف، لانقطاعه، وعبد الله بن خراش ضعيف. ابن الجوزي: مناقب ص ١٧٢. ٢ عبد الله بن محمّد بن عبيد الله القرشي مولاهم، صدوق حافظ، صاحب تصانيف. توفي سنة إحدى وثمانين، وله ثلاث وسبعون. (التقريب ص ٣٢١) . ٣ لم أجده في كتاب القناعة والتعفف المطبوع، والأثر سبق تخريجه ص ٧٥٩. ٤ انظر: ابن قدامة: المغني ٢/٤٥٣، ابن مفلح: الفروع ١/٤٩١، المرداوي: الإنصاف ٢/١٣٨. ٥ انظر: ابن مفلح: الفروع ١/٤٩٠، ٤٩١، المرداوي: الإنصاف ٢/١٣٧.
[ ٢ / ٦٤٢ ]