الوهابية:
إن من أبرز الأكاذيب على دعوة شيخ الإسلام تسميتها "بالوهابية"، ولكن أصحاب المطامع حاولوا من هذه التسمية أن يثبتوا أنها دين خارج عن الإسلام.
واتحد الإنجليز والأتراك والمصريون فجعلوها "شبحا مخيفا" بحيث كلما قامت أي حركة إسلامية في العالم الإسلامي في القرنين الماضيين، ورأى الأوربيون فيها خطرا على مصالحهم ربطوا حبالها بالوهابية النجدية، فالحركة السنوسية في المغرب تناقض الدعوة النجدية في الفروع الفقهية، ولكن مع ذلك يقال إنها نتيجة لدعوة شيخ الإسلام.
وهذا بسبب أن الحركة السنوسية ما زالت خطرا على الطليان بسبب أعمالها في سبيل الجهاد مدة طويلة. وكذلك حركة التجديد والإمامة في الهند، قد ألحقت بنجد إلحاقا تاما حتى زعم أهلها فضلا عن الآخرين أنهما واحدة. ولا شك أن المأخذ الأصلي (الكتاب والسنة) واحد، ولكن توجد فروق واضحة في أساليب الدعوة وطرقها مع توافقهما في الأصول.
ولكن الحقيقة التي لا تجحد أن حركة تجديد الجهاد التي قام بها السيد أحمد الشهيد (سنة ١٢٤٦هـ / ١٨٣١م)، والشيخ إسماعيل الشهيد (١٢٤٦) لم تتأثر أبدا بالدعوة النجدية١.
وعلى كل حال فنظرا إلى تلك المحاولات التي بذلت لإظهار الوهابية في صورة مذهب مستقل وطائفة ضالة هذا الاسم منتقد أشد الانتقاد، ولكن بغض النظر عن هذه الأكذوبة والافتراء فلا أرى حرجا في هذه التسمية.
فلو كانت النسبة إلى داعي حركة الإصلاح والتجديد محمد بن عبد الوهاب فكان ينبغي أن يقال لأصحابه "محمديون"، ولكن من البديهي أن الأعداء ما كانت تتحقق غاياتهم في تسميتهم بالمحمدي، ولذلك نسبوا هذه الجماعة إلى والده وهو الشيخ عبد الوهاب، وهكذا اشتهر هذا الاسم "الوهابي أو الوهابية"، ثم راجت هذه النسبة حتى إن كثيرا من
_________________
(١) ١ يوجد تفصيل هذه المسألة في كتابي "الحركة الإسلامية الأولى في الهند" ونظرة على أفكار الشيخ السندي"
[ ١٦٥ ]
المؤرخين والمترجمين نسبوا راية التجديد والإصلاح إلى عبد الوهاب. وعلى سبيل المثال يراجع كتاب برائجس (٢: ١٣٤) .
ولقد بالغ برائجس١ (Rrydges) في زعمه الباطل حتى كتب "إن ولد صاحب الدعوة "محمد" كان ضريرا (ص: ١٣٤) وهذا باطل في باطل، مع أن الصواب أن الشيخ حسين٢ بن محمد بن عبد الوهاب وهو النجل الأكبر لشيخ الإسلام كان ضريرا. وان "هنتر" أكبر خصوم المجاهدين في الهند أيضا مبتلى بهذا الوهم، فإنه حينما يترجم إحدى رسائل الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب يصف المصنف بأنه حفيد مؤسس الجماعة٣.
ولم ينفرد هذان بهذا الزعم بل هناك طائفة ابتليت بالوهم نفسه. فقد ذكر "ني بور" أول السياح الأوربيين الذين تجولوا في بادية العرب - أن مؤسس الجماعة هو عبد الوهاب، ويقول: إن ولده "يخلفه الآن٤ " ومن الجدير بالذكر أن "ني بور" كان موجودا في البلاد العربية سنة ١٧٦٤م أي قبل وفاة الشيخ بثمان وعشرين سنة.
ومن أغرب الأوهام ما وقع فيه رئيس المبشرين المسيحيين الراهب "زويمر" فقد ظن الوهابية أو الوهابي دينا أو مذهبا مستقلا كما يشاع. ثم رأى أن الإمام ابن القيم (م سنة ٧٥١هـ) تشبه أفكاره وآراؤه الوهابيين فقال بدون تردد "إنه وهابي"، ولكن يسمي نفسه حنبليا٥. ولكن المسكين لم يعرف أن اصطلاح الوهابية ما راج إلا بعد ابن القيم بأربعة قرون أو أكثر.
_________________
(١) ١ مرجع برائجس هوبرك هارت وهو أيضا يصف عبد الوهاب بأنه مؤسس الجماعة (٢: ٩٦) بل لقد تجاوز إلى حد أنه اخترع فرعا خاصا في قبيلة بني تميم باسم "الوهابي" wahhabia ص: ٩٧. ٢ توفي سنة ١٢٢٤ هـ. ٣ ١٨٧٤ p. ٦٨ (bengal) general asiatie saeity. ٤ رحلة ني بور: ١٣١، ١٣٣. ٥ المقتطف: ٢٧: ٢٩٥.
[ ١٦٦ ]
ولم نجد حجة قاطعة تدلنا على أول من نادى بهذا الاسم، ولكن الظاهران المخالفين اتهموهم بهذه التسمية في حياة شيخ الإسلام نفسه. وهذا هو رأي مرغليوث١. ومع أنه ليس حجة في هذا الباب إلا أن هناك قرائن أخرى تؤيد هذا٢.
وقد ورد هذا اللفظ في قصيدة للملا عمران بن رضوان والغالب أنه أحد معاصري شيخ الإسلام٣ فقد قال:
إن كان تابع أحمد متوهبا فأنا المقر بأنني وهابي٤
ومعاصر مصري آخر قد ذهب إلى هذا الرأي، وأن الأعداء كانوا قد بدءوا في استعمال هذا اللقب في أيام الحروب الأولى٥.
ولكن "ني بور" المعاصر الأوروبي لشيخ الإسلام لم يستعمل اصطلاح الوهابية أصلا٦. فيظهر من هذا أن اصطلاح الوهابية لم يكن معروفا إلى ذلك الوقت (١٧٦٤م) . ولكنه يسمي دعوة الشيخ بدين جديد (New Religion) مع أنه في النهاية يعبر عن "مذهب عبد الوهاب الجديد" بالمحمدية٧، وبعد مدة قصيرة من وفاة شيخ الإسلام نجد سائحين آخرين يتكلمان في الحركة النجدية ودعوتها وهما: "علي بيك
_________________
(١) ١ مقالة "الوهابية". ٢ وهو الذي استظهره داؤد البغدادي (م سنة ١٢٩٩ هـ / ١٨٨٢ م) في كتابه صلح الإخوان. ينظر (ص: ٢١٩ notes on mahammedanism) . ٣ مع الأسف لم نتمكن من معرفة عصره بالتحديد مع محاولة تامة وبعض القرائن الأخرى تدل أنه لم يكن معاصرا لشيخ الإسلام. ٤ الهدية السنية: ١١٠. ٥ محمد حامد الفقي: ٥، ٦. ٦ وهو السائح الأوربي الأول الذي ورد البلاد العربية. يراجع باب المراجع. ٧ المجلد الثاني: ١٣٣- ١٣٥.
[ ١٦٧ ]
عباسي باديا" (سنة ١٨٠٧م) و"برك هارت" (سنة ١٨١٤م) .
أما (باديا) فقد وصل إلى الحجاز قبل احتلال المصريين، ومع الأسف لم توجد رحلته الأصلية حتى نعرف هل استعمل هذا الاصطلاح أم لا؟ والمقتطفات التي أتى بها (هوغارث) لا تسفر عن رأي صحيح١.
وأما برك هارت فقد جاء إلى الحجاز بعد استيلاء محمد علي المصري في سنة ١٢٢٩هـ / ١٨١٤م، وألف مذكرة في أخبار الوهابيين في سنة ١٨١٦م، وقد نشرت هذه المذكرة فيما بعد في مجلدين باسم (مذكرات في البدو والوهابيين) Wahhabys) and The Bedouins on The Notes «سنة ١٨٣١م) وقد أكثر من استعمال كلمة (الوهابي فقلما تجد صفحة من المجلد الثاني تخلو عن هذا اللفظ. وفي أيام قريبة منه رتب عبد الرحمن الجبرتي (م سنة ١٢٣٨هـ) تاريخه، وهو أيضا يكثر من استعمال هذا الاصطلاح٢.
فيقول في حوادث سنة ١٢١٨هـ: "وحضر صحبة الحاج كثير من أهل مكة هروبا من الوهابي، ولغط الناس في خبر الوهابي واختلفوا فيه٣.
ويظهر من هذا أن هذا الاصطلاح كان شائعا أيام الغارة المصرية، والكتاب فيما بعد يذكرون هذه الجماعة باسم "الوهابي" دائما. وقد قلنا آنفا: إن مجرد التسمية لا حرج فيه ولكن هذا الاسم قد أشيع وكأنه مذهب خارج عن الإسلام. وهذا ما نشكو منه ولهذا أوليته عناية خاصة في صدد ذكر الافتراءات.
أول المفترين:
وأول من بدأ نسبة الأكاذيب والافتراءات إلى شيخ الإسلام في حياته هو سليمان
_________________
(١) ١ ص: ٧٨- ٨١. ٢ يلاحظ: المجلد الثالث: ص: ٢٣٢: ٢٣٥: ٢٥٢. ٣ عجائب الآثار ٣: ٢٢٥.
[ ١٦٨ ]
بن محمد بن سحيم١ (م سنة ١١٨١هـ)، وقد اتهمه بعدة أمور في رسالة متجولة في العالم الإسلامي ٢.
١. هدم قبة زيد بن الخطاب في الجبيلة.
٢. هدم مسجد عند القبر.
٣. إحراق دلائل الخيرات وروض الرياحين.
٤. تكفير ابن الفارض وابن عربي.
فقبور زيد وأصحابه غير معروفة أصلا.
وأما قصة إحراق دلائل الخيرات وروض الرياحين فمن الافتراءات، نعم لقد نهى الشيخ عن قراءة هذه الكتب. أما تكفير ابن عربي وابن الفارض وأمثالهم من المتصوفة فمنقول عن الشيخ، فقد قال ابن غنام: "وقد كفر الشيخ ابن عربي وابن الفارض وأمثالهما ٣.
_________________
(١) ١ اسمه الكامل هو: سليمان بن محمد بن أحمد بن علي بن سحيم، وكان أبوه محمد بن أحمد أيضا من أعداء الدعوة. روضة الأفكار ١: ٣٨ السحب الوابلة ص: ٣١٣. ٢ وقد ذكرت هذه الرسالة بكاملها في روضة الأفكار ١: ٤٢، ٤٣، و١: ٣٧. ٣ روضة الأفكار ١:، ١٥٨، ١٦٧، ١٩٨. وليس الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو المنفرد في هذا الباب، فقد سبقه جهابذة العلماء ونبغاء الأئمة. ويقول البقاعي في ابن عربي: وقد صرح بكفر هذا الرجل ومن نحا نحوه في مثل هذه الأقوال الظاهرة من الضلال جماعة من العلماء والأعلام ومشايخ الإسلام. ويقول في ابن الفارض: فقد رماه بالزندقة بشهادة الكتب الموثوق بها نحو من أربعين عالما هم دعائم الدين من عصره إلى عصرنا إلخ وقد ذكر البقاعي أسماء عشرات منهم، ومن هؤلاء: عز الدين بن عبد السلام، وتقي الدين ابن الصلاح، والقسطلاني، وابن دقيق العيد، وابن جماعة والسبكي، والذهبي وابن حجر، والعيني، وولي الدين العراقي، وعلاء الدين، البخاري وغيرهم. وإذا أراد القارئ الكريم التوسع في معرفة مفاسد هذه الطائفة ومكائدها فليرجع إلى كتاب: مصرع التصوف للبقاعي بتعليق للعلامة الأستاذ عبد الرحمن الوكيل - ﵀ - وكتاب التصوف بين الخلق والحق للأستاذ محمد فهر شقفة، وكتاب هذه هي الصوفية" للشيخ عبد الرحمن الوكيل. (المترجم) .
[ ١٦٩ ]
معاصرون آخرون وشتائمهم:
وهناك معاصرون آخرون لشيخ الإسلام قد شاركوا ابن سحيم وأيدوه. إلا أن كتبهم ليس فيها إلا الشتائم والافتراءات، وقد اشتهر منهم أحمد بن علي البصري (سنة ١١٥٠هـ / ١٧٤٤م١ ومحمد بن عبد الرحمن بن عفالق الإحسائي الحنبلي (سنة ١١٧٠؟ / ١٧٥٦م) ٢ عبد الله بن عيسى مويس (م سنة ١١٧٥هـ)، وابن فيروز (م سنة ١٢١٦هـ) .
ويأتي بعد هؤلاء في الدرجة الثانية: عفيف الدين عبد الله بن داود الزبيري الحنبلي (م سنة ١٢٢٥هـ / ١٨١٠م)، وأحمد عبد الله الحداد باعلوى التريمي الشافعي٣، وسنذكر كتبهم في باب المراجع. وقد ذكر أكثرهم ابن غنام أيضا٤ ورد على قصيدة لابن فيروز أيضا.
أما شتائم هؤلاء فلا أجد في نفسي جرأة لذكرها، ولكن مع ذلك أرجو من القارئ الكريم أن يسامحني إن ذكرت مثالا واحدا فقط لإظهار مروءتهم وأخلاقهم كما آمل من أهل العلم أن يعفوني.
يوجد تقريظان في كتاب "الصواعق والرعود"٥ لعبد الله بن داود الزبيري (م سنة ١٢٢٥هـ / ١٨١٠م) أولهما هو لمحمد بن فيروز الحنبلي (م سنة ١٢١٦هـ / ١٨٠١م) وقد كتب في ١٨ صفر سنة ١٢١٠هـ.
وفي بداية هذا التقريظ يبصر القارئ العبارة التالية ولعله يذوب حياء لمجرد رؤيتها ولكن نقل الكفر ليس بكفر فاضغط على قلبك واقرأ:
_________________
(١) ١ لم يعرف تاريخ وفاته بالتحديد والسنة المذكورة هي سنة تأليف كتابه وأن وجوده ثابت في هذا الوقت.
[ ١٧٠ ]
".. بل لعل الشيخ (يعني عبد الوهاب) غفل عن مواقعة أمه (يعني محمد بن عبد الوهاب) فسبقه الشيطان إليها فكان أبا هذا المارد.. الخ".
إنا لله وإنا إليه راجعون - وهل يستطيع كبار المقذعين أن ينحطوا إلى هذا المستوى من الإقذاع.
هذا مكتوب سنة ١٢١٠هـ وفي حوادث سنة ١٢١١هـ أيضا ذكر ابن غنام منظومة لابن فيروز هذا فيقول: "وقد وصل إلينا من هاتيك الديار منظومة لابن فيروز متضمنة لأقبح العار.. الخ١ " ويتبين لنا من هذا أن التفحش كان من سجية هذا الرجل.
نماذج من الأكاذيب:
١- ادعاء النبوة:
إن أعداء دعوة الشيخ إذا لم يجدوا مجالا للطعن فيه يقولون: "لقد كان الرجل في الحقيقة يريد أن يدعي النبوة إلا أنه تستر٢ ".
ويردد أحمد زيني دحلان هذا الاتهام نفسه بهذه الكلمات: "والظاهر من حال محمد بن عبد الوهاب أنه يدعي النبوة، إلا أنه ما قدر على إظهار التصريح بذلك٣ ".
_________________
(١) ١ روضة الأفكار ٢ ص: ٢١٤. ٢ مصباح الأنام "مخطوط" الورقة: ٥، ٦. ٣ الدرر السنية ٤٦.
[ ١٧١ ]
والغريب أن "ني بور" أيضا اعتمد على هذه الشائعات وكتب: "إن محمد بن عبد الوهاب كان يعظم الرسول إلا أنه ما كان يؤمن بالوحي، أو الإلهام بواسطة الملائكة١ ".
ونموذج قبيح من هذا القبيل نجده في مذكرات رافنشا (Rawensha) التي كتبها٢ أثناء محاكمة الشيخ أحمد الله الصادقبوري٣ حينما كان حاكما لمديرية بتنة:
"ولقد كان هذا المصلح يرى أنه لم يوجد إلهام لأي إنسان على طريق مباشر من عند الله، ولم يوجد أي كتاب يمكن أن يوصف بأنه إلهامي (Divine)، ويظهر من هذا أن عبد الوهاب (؟) لم يكن يرى أن ثمة دينا إلهيا. فإنه إذ يسمي الدين المحمدي دينا إلهيا فليس ذلك لأنه منزل من عند الله بل لمجرد كماله وشموله".
ويضيف إلى ذلك: "إن المسلمين المثقفين (المحمديين) قد استقبلوا بحرارة في البدو الذين لم يسلموا أبدا بأن محمدا رجل مصطفى (Divine) ولم يؤمنوا بالقرآن بأنه كتاب إلهي".
ومذكرة هذا الرجل الذي كان يحكم مديريتنا في سنة ١٨٦٥م مليئة من مثل هذه الجهالات، وكذلك لقد تفضل "المحسن المعروف" على مجاهدي الهند "سير وليام
_________________
(١) ١ رحلة ني بور ٢: ١٣٤. ٢ كلكته كزت عدد ٢٠ سبتمبر سنة ١٨٦٥ ملحق ٤٣٧، ٤٤٥. ٣ كان الشيخ أحمد الله الصادقبوري أحد الأفراد البارزين في بيت "صادقبور" وكان هذا البيت ذا صلة وثيقة بجماعة السيد أحمد الشهيد ﵀. ولقد حوكم بتهمة مؤامرة سنة ١٨٦٥ م / ١٢١٨ هـ، وعوقب بالنفي والسجن المؤبد من المحكمة العليا، فبقي منفيا في جزر أنديمان سبع عشرة سنة وتوفي هناك في ذي الحجة سنة ١٢٩٨ هـ. نوفمبر سنة ١٨٨١ م". وللتفصيل يراجع كتابي: الحركة الإسلامية الأولى في الهند.
[ ١٧٢ ]
ولسون هنتر" Hunter) W.W.) بمثل هذه الكلمات حيث قال في موضع آخر من كتابه١:
"لم يؤمن البدو في يوم من الأيام بأن محمدا رجل إلهي ولا أن القرآن كتاب إلهي" الخ٢.
ولعله استقى هذه الأفكار من مذكرات رافنشا نفسه، ومن الممكن أن يكون كل منهما قد أخذ من رحلة (ني بور)؛ لأن أوربا أول ما عرفت هذه الجماعة عرفت عن طريقها.
٢- إنكار الحديث:
إن الزمان لغريب وإن نوادره لعجيبة، فالرجل الذي يقوم ويقعد وينام تحت ظل ظليل من سنة الرسول ﷺ، وكأنها هي غطاءه وفراشه يتهم بإنكار الحديث، والفضل في هذا الافتراء يرجع إلى مصنف مصباح الأنام أحمد عبد الله الحداد باعلوي٣.
وأعجب من ذلك أن هذا الاتهام الذي لا أصل له قد ردده كاتب معروف في بلادنا (وهو عبد الله يوسف علي) في هذا القرن العشرين.
_________________
(١) ١ the indian muosalmans ص: ٥٥: ٥٦. ٢ مصباح الأنام ورقة: ٥، ٦. ٣ وهذأ أمر لا ينحصر في هذا الرجل فقط، بل عامة المثقفين والعلماء في بلادنا مبتلون بهذا، فلا يزالون يكتبون أمثال هذه الكلمات المكذوبة على هذه الجماعة، وقد سبقهم المولوى فضل رسول بدايوني (م سنة ١٢٩٨ / ١٨١٢) فقد كتب كتابا يسمي "تصحيح المسائل درتردبد فرقة نجدية أراذل" "أي تصحيح المسائل في الرد على الفرقة النجدية الأراذل" ولكنه مجموعة خرافات ليس إلا. وكذلك معاصر آخر في كتابه "آثار جمال الدين" يذكر في حق هذه الجماعة أمورا لا أصل لها. "٢٣٦، ٣٣٧" فبيانه المشتمل على صفحتين مجموعة مؤلمة من الأخطاء والفهم السيء، حتى إنه لا يفرق بين عقيدة السنوسي والوهابية النجديين ص ٢٣٩.
[ ١٧٣ ]
" وكان -كرامت علي- يؤمن بالأحاديث، وقد رفضها الوهابيون، وأنه مؤيد للعقائد الصوفية القديمة١ ". وهذا مبلغ معرفة مترجمنا للقرآن الكريم عن جماعة إسلامية.
ولكن تعالوا معنا نقص عليكم بيانا لراهب متعصب للمقارنة والعبرة، فيقول هيوجز (Thomas petric Huges) مقارنا بين الوهابية والبروتستانت: "إن الوهابية قد توصف في بعض الأحيان بأنها فرقة بروتستنتية في الإسلام.. ولكن البون بينهما شاسع، فالبروتستنتية المسيحية ترى من الواجب رفض التعليمات التقليدية مع اعترافها بمرتبة الكتب الإلهامية المقدسة، وعلى عكس من ذلك فإن الوهابية تتمسك بالأحاديث أيضا مع القرآن٢ ".
تكفير المسلمين وقتالهم
ومن الاتهامات التي يتهم بها شيخ الإسلام وأتباعه أنهم يكفرون جميع أهل القبلة، ويستبيحون قتل المسلمين، وقد ردد هذا الاتهام في أوقات مختلفة مرات وكرات حتى أشيع في حياة الشيخ نفسه، وقد أنكر ذلك إنكارا واضحا صريحا: "وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبة عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبهم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله أو لم يهاجر إلينا ولم يكفر سبحانك هذا بهتان عظيم٣ ".
ولكن مع هذا النفي الواضح الصريح، فلا يزال يردد هذا الافتراء بين حين وآن مع زيادات أخرى وإليك بعض الأمثلة:
_________________
(١) ١ انكريزي عهد مين هندوستان كي تمدن كي تاريخ "تاريخ الحضارة الهندية في عهد الإنجليز" ص: ١٩٢. ٢ dictienary of islam ص: ٦٦١. ٣ روضة الأفكار "ص ٤٧٩ بتحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد. "المترجم".
[ ١٧٤ ]
قال ابن عابدين الشامي (م سنة ١٢٥٨هـ / ١٨٤٢م) في حاشيته المشهورة رد المحتار:- "كما وقع في زماننا في اتباع عبد الوهاب (؟) الذين خرجوا من نجد، وتغلبوا على الحرمين وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة، لكنهم اعتقدوا أنهم المسلمون وأن من خالف اعتقادهم مشركون استباحوا قتل أهل السنة وقتل علمائهم الخ١ ".
أما أحمد زيني دحلان (م سنة ١٢٠٤هـ / ١٨٨٦م) فكأنه يتقرب إلى الله بعداء هذه الجماعة، وقد ردد هذا الاتهام مرات عديدة٢.
والعالم السلفي المشهور في بلادنا النواب صديق حسن خان (م سنة ١٣٠٧هـ / ١٨٩٠م) أيضا لم يصل إلى حكم قاطع في هذه الجماعة، ولذلك توجد بيانات معقدة في كتبه المختلفة٣ إلا أن كلامه طيب وأقرب إلى الحقيقة في "اتحاف النبلاء" ولكن مع ذلك فتهمة التكفير٤ غير المشروط لم تزل باقية فيه٥.
_________________
(١) ١ رد المختار ٣: ٣٠٩. ٢ الدرر السنية ص: ٤٥، ٤٦، وخلاصة الكلام ص: ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣٢. ٣ ترجمان وهابية، هداية السائل، موائد العوائد، التاج المكلل وغيرها. ٤ إتحاف النبلاء ص: ٤١٣. ٥ لم يفصل المؤلف - ﵀ - الكلام في موقف صديق حسن خان - ﵀ - في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -، وإذا أردنا أن نفهم ذلك يجب أن تكون المقدمات التالية على بالنا. ١- عاش صديق حسن خان في مدة بين ١٢٤٨- ١٣٠٧ هـ. وفي هذه المدة كانت الدول المحاربة قد استولت على نجد وجميع ملحقاتها، وكانت الدعاية والافتراءات قائمة على قدم وساق في جميع العالم الإسلامي على أهل نجد، حتى كان من الصعب جدا أن يتصدى المرء للدفاع عنها جهارا وعيانا، حتى إن كتاب "صيانة الإنسان لما طبع لأول مرة لم ينشر باسم مؤلفه. ٢- كانت القوة الحربية للمجاهدين في الهند قد تشتت في سنة ١٢٤٦ هـ في معركة بالأكوت أي قبل ولادة صديق حسن خان بسنتين، ولكن سلسلة التعذيب والتشريد والنفي والقتل كانت مستمرة وبكل شدة في المدة التي عاشها صديق حسن ﵀. حتى إن كل من رفع يديه في الصلاة أو جهر بآمين كان معرضا لأشد أنواع الأذى لأنه وهابي. ٣- كان صديق حسن خان - ﵀ - قد بلغ رتبة عالية في أمور الدنيا مع منزلته العليا في العلم والتقى، وهذا لم يرق الأعداء المخالفين فكانوا يتربصون به الدوائر يتملقون لدى المستعمرين البريطانيين يتمنون إقصاءه من منصبه، وكانت جريمته التي وشوا بها لدى المستعمرين بأنه ينشر المذهب الوهاب، ي وأنه يريد أن ينظم حركة الجهاد الإسلامي. وما أحسنها من جريمة. ومن هنا نعلم أن صديق حسن خان - ﵀ - لم يكن في موقف يسطيع أن يدافع عن هذه الدعوة كما تمكن من أتى بعده، فكان الشغل الشاغل لدى صديق حسن خان كغيره من زعماء الموحدين في الهند في ذلك الوقت هو الدفاع عن أرواح الموحدين في الهند وأموالهم وأعراضهم، الذين كانوا يؤخذون بجريمة "الوهابية" يقتلون وينقون ويشردون. ولذلك فالأمر الغالب في كتاباته وكثير من علماء أهل الحديث في ذلك الوقت هو بيان أن الموحدين في الهند ليست لهم صلة مع أهل نجد، وهم كانوا على حق في ذلك، فالموحدون في الهند لم يتعلموا عقيدتهم من أهل نجد ولكنهم تعلموها من الكتاب والسنة فالتقوا مع أهل نجد ومع غيرهم على جادة الحق وصراط الهدى. ولكن مع ذلك لم ينحرف - ﵀ - عن العدل والإنصاف، بل دافع عن دعوة نجد وأبرزها في كل مناسبة، فقد ألف عدة كتب في تراجم النبغاء من المحدثين والفقهاء والدعاة، وأورد ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كل هذه الكتب وبتفصيل. وأسلوبه في كتاباته أنه يأتي بنقول المخالفين ثم يتبع بنقول من المؤيدين، وهكذا يبين الحق للناظر والبصير. وما ذكره المؤلف - ﵀ - أن اتهام التكفير والتجارى على قتل النفوس ما زال باقيا في كتابه "إتحاف النبلاء" هو من هذا القبيل، فقد أتى ذلك في كلام محمد بن ناصر الحازمي من رسالته "فتح المنان"، ولكنه سرعان ما اتبع ذلك بكلام الشيخ عبد الله بن عبد الوهاب في الرد على ذلك. وهذا دفاع مجيد وأسلوب حسن في زمن لا يسمع فيه إلا التهم، وإلا فكيف يقال فيمن عين مؤلف "صيانة الإنسان" مشرفا على شئون التعليم في بلاده، وأجاز الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ بأنه لم يعرف الدعوة حق المعرفة. وللدلالة على ما قلنا نورد نماذج من كتابه "إتحاف النبلاء" نفسه مترجما بالعربية. لقد ذكر - ﵀ - أولا كلاما طويلا من كتاب "فتح المنان"، ثم أتى بعد ذلك فقال: "وكثير من أهل العلم الذين لا يعرفون حاله (يعني الشيخ محمد بن عبد الوهاب) " حق المعرفة، أو يعرفون ولكن غلب عليهم التعصب والهوى يكفرونه ويضللونه بدون حجة أو برهان من كتاب ولا سنة، ويتهمون كل موحد ومتبع بأنه من أتباعه، مع أن الواقع أن دعوته لم تتجاوز حدود اليمن والحجاز، ولا أحدا من علماء الهند من ذلك الوقت إلى هذه الأيام تتلمذ عليهم ولا درس كتبهم، ولا انتشرت مؤلفاته في هذه البلاد. وبعد هذا كله فالزعم بأن الموحدين والمتبعين في هذا البلد من اتباعه أو على عقيدته ظلم واعتداء على الحق والانصاف، وهولاء لا يعرفون أن أحدا من الخلق لم يتعبد بأقواله وأفعاله ولا غيره من العلماء والفقهاء، ولكنهم كلهم متعبدون باتباع القرآن الكريم وسنن الرسول الرحيم سواء خالف أحدا أو وافق." ثم أتي بكلام ابن عابدين الذي مر قريبا في الكتاب وعلق عليه: "وفي هذا الكلام وهم حيث أن اسمه محمد بن عبد الوهاب وليس عبد الوهاب، ومن هنا كان الواجب أن يقال في النسبة إليه "محمدي" لا "وهابي"، وهكذا بين أن كلامه لم يصدر بعد تحري الحقائق وتحقيقها، ثم أورد كلاما طويلا من رسالة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب التي ألفها لأهل مكة، ورد فيها على التهم والأكاذيب، وعقب عليه بقوله: "ومن هنا تبين ضعف تقرير ابن عابدين، حيث إنه قد اتهم في حياته بهذه التهمة فتبرأ منها وأنكرها، فليس من الإنصاف أن يتهم بأنه أحدث دينا جديدا أو مذهبا غير سديد، وكذلك لا يصح زعم أن كل من نهى عن الشرك والبدعة فهو من اتباعه." إتحاف النبلاء المتقين بإحياء مآثر الفقهاء والمحدثين ص: ٤١٣ وما بعدها. المقصد الثاني في ذكر أكابر المحدثين. فأنت ترى أيها القارئ الكريم بأن هذا كلام في غاية الصحة والإنصاف. ولا نطيل الكلام بذكر نصوص أخرى والله أعلم. (المترجم) .
[ ١٧٥ ]
وكذلك العالم اليمني المحقق المعروف القاضي محمد بن علي الشوكاني (م سنة
[ ١٧٦ ]
١٢٥٠هـ)
- فضلا عن الآخرين- لم يتمكن من معرفة صحيحة لمذهب أهل نجد في هذا الباب وهو نفسه يشكو هذا: " ولكنهم يرون أن من لم يكن داخلا تحت دولة صاحب نجد وممتثلا لأوامره خارج عن الإسلام، وتبلغ عنهم أشياء الله أعلم بصحتها١ ".
ثم بعد قليل خالفه في قتاله لمن يترك صلاة الجماعة إلا أنه يبيح تكفير من يترك الصلاة٢.
_________________
(١) ١ البدر الطالع ٢: ٥. ٢ المرجع السابق. لقد كتب الإمام الشوكاني كتابه البدر الطالع أيام كانت الحروب قائمة على قدم وساق بين الأمير عبد العزيز ابن سعود والشريف غالب، وليس من الغريب في هذه الأحوال أن تشتد الحرب النفسية، وتكثر الدعايات والشائعات، وخاصة على أهل نجد، فقد امتلأت الدنيا بالافتراءات والأكاذيب التي نسبت إليهم، وليس من الغريب أيضا أن تبلغ هذه الشائعات بلاد اليمن المجاورة، ويبلغ إلى الشوكاني ما لم يعلم صحته، ولكن مع ذلك نرى الإمام الشوكاني يتلمس الحقائق ويتنسم عطور العقيدة الإسلامية والتوحيد الخالص، والفضل في ذلك راجع إلى ما أعطاه الله من الحظ الوافر في علوم الكتاب والسنة النبوية. ونرى هذا واضحا في تعليقاته على بعض هذه الأخبار فيقول: "ولقد رأيت كتابا من صاحب نجد الذي هو الآن صاحب تلك الجهات أجاب بعض أهل العلم، وقد كاتبه رسالة في بيان ما يعتقد فرأيت جوابه مشتملا على اعتقاد حسن موافق للكتاب والسنة فالله أعلم بحقيقة الحال" ٢ / ٧ ثم قال بعد ذلك: "وفي سنة ١٢١٥ هـ وصل من صاحب نجد المذكور مجلدان أرسل بها إلى حضرة مولانا الإمام حفظه الله وهي رسائل جيدة مشحونة بأدلة الكتاب والسنة". كل هذا التحفظ والتوقف كان في بداية الأمر، ولكن سرعان ما تبددت الظلمات وانقشعت سحب الشائعات والافتراءات، وأدرك الإمام الشوكاني أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - كل همه أن يعلي كلمة الإسلام ويطبقه في المسلمين عقيدة وشريعة وسياسة، ونرى أثر هذا واضحا جليا في تلك القصيدة البليغة التي قالها الشوكاني حينما بلغه خبر وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -، وما أحسن ما قال: لقد مات طود العلم قطب رحى العلا ومركز أدوار الفحول الأفاضل وماتت علوم الدين طرا بموته وغيب وجه الحق تحت الجنادل إمام الهدى ماحي الردى قامع العد ومروي الصدى من فيض علم ونائل إمام الورى علامة العصر قد وتى وشيخ الشيوخ الجد فرد الفضائل
[ ١٧٧ ]
فإذا اتهم الأعداء أهل نجد بتكفير أهل القبلة فلهم نوع من الشبهة، ويمكن التباس الأمر على من ليس له باع طويل في العلم.
ونحن نذكر الآن مذهب أهل نجد بلسانهم وهو ليس بمذهب جديد، ولكنه المذهب المشهور للحنابلة١ والظاهرية.
كان الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان المعمر النجدي (م سنة ١٢٢٥هـ) أحد تلامذة شيخ الإسلام قد عرض ثلاث مسائل على علماء الحرم الشريف في سنة ١٢١١هـ، وإليكم ملخص المسألة الثانية منها بلسانه:
_________________
(١) ١ الشيخ ﵀ لم يقل بتكفير من دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله – مثلا - على أساس أنه مذهب لأي طائفة، بل إنما قال به لدلالة النصوص القطعية من الكتاب والسنة عليه. "الناشر".
[ ١٧٨ ]
(أما من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وهو يقيم على شركه يدعو الموتى ويسألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، فهذا كافر مشرك حلال الدم والمال وإن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وصلى وصام وزعم أنه مسلم) .
وفي هذه الرسالة أجاز ابن معمر النجدي قتال من ترك الصلاة كسلا ونقل الإجماع من الأئمة ما عدا الزهري وأبا حنيفة١.
ولا يتسع المجال للتفصيل في هذه المسألة إلا أنه هو المذهب المعروف للحنابلة وعليه عمل أهل نجد، فإن كفر تارك
الصلاة محقق عندهم٢ ومن لا يُصَلِّ فهو لا شك كافر
كما قاله المعصوم أكمل سيد
وتأتي مسألة عباد القبور بعد تاركي الصلاة، وقد سبق الشيخ في تكفيرهم معاصره ومؤيده في رأيه محمد بن إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني (م سنة ١١٨٢) فإنه لا يفرق البتة بين عباد الأصنام وعباد القبور٣، وذكر الشوكاني رجوعه وخالف هذا التشديد على عباد القبور٤، وقد نفى سليمان بن سحمان هذا الرجوع نفيا قاطعا وهذا هو الأقرب إلى القياس٥، فشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يوافق الأمير الصنعاني في رأيه إلا أنه يشترط إتمام الحجة ولذلك لا يكفر جميعهم.
_________________
(١) (الإجماع على تاركي الصلاة كسلا بخلاف أبي حنيفة والزهري" وللتفصيل يراجع "الهدية السنية: ٦٩، ٨٦". ٢ الهدية السنية: ١٠٥. ٣ تطهير الاعتقاد: ١٢. ٤ الدر النضيد: ٣٤، ٣٥. (أ) هذه ترجمة لما وجدته في نص الكتاب المطبوع باللغة الأردية في باكستان عام ١٣٩٥ هـ، وليس لدي الآن نسخة أخرى منه، ويبدو لي أن هنا شيئا من الاختلال أو التحريف في العبارة. فالشوكاني حينما ذكر الرجوع المنسوب إلى الصنعاني في كتابه الدر النضيد أعقبه برد علمي بليغ مدعم بأدلة صريحة من الكتاب والسنة. والشوكاني أيضا يرى ما رآه شيخ الإسلام - ﵀ - وهو رأي مبني على أدلة واضحة من الكتاب والسنة كما ذكره المؤلف في باب حقيقة الدعوة، إذن فلا يمكن أن يسمى ذلك تشديدا. والله أعلم (المترجم) . ٥ تبرئة الشيخين الإمامين: ٨٢، ٨٣.
[ ١٧٩ ]
ومن جملة هذه الأكاذيب ما ذكره أن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - يسفك الدماء وينهب الأموال ويتجارى على قتل النفوس وتكفير الأمة المحمدية في جميع الأقطار. وهذا كله كذب١.
فأهل نجد ينفون اتهام التكفير العام نفيا قاطعا، وأما بعد إتمام الحجة والتبليغ فيظهر أنهم يقولون بالتكفير والقتال:- ﴿فلم يكفر ﵀ إلا عباد الأوثان من دعاة الأولياء والصالحين وغيرهم ممن أشرك بالله، وجعل له أندادا بعد إقامة الحجة ووضوح المحجة، وبعد أن بدءوه بالقتال فحينئذ قاتلهم وسفك دماءهم ونهب أموالهم، ومعه الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة٢﴾ وهنا عذر آخر زائد على إقامة الحجة، وهو أن الأعداء هم بدءوا القتال.
وفي موضع آخر ذكر من أقوال الشيخ:- ﴿فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء والصالحين، نحكم بأنهم مشركون، ونرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية٣﴾ .
ومن هذه المقتطفات تبين لنا أن الشيخ وأتباعه يشترطون الإبلاغ وإقامة الحجة قبل التكفير والقتال، ولذلك نجدهم ينفون اتهام التكفير العام أشد النفي، نعم إنهم لا يرون عبادة القبور والأعمال الشركية الظاهرة كفرا عمليا فقط، كما جرت عادة الناس التفريق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي٤. فهؤلاء يرون أن توحيد الربوبية
_________________
(١) ١ تبرئة الشيخين الإمامين: ٨٥. ٢ تبرئة الشيخين الإمامين: ٨٦. ٣ الهدية السنية. ٤ وذكرت مجلة إشاعة السنة (العدد الخامس من المجلد السادس سنة ١٣٠٠ هـ / ١٨٨٢ م) "أهل الحديث في الهند يخالفون وهابية نجد في هذا التكفير والقتال: ٢١٧". وقد أكد على هذا السيد صديق حسن خان في موائد العوائد" إلا أن أسلوبه معقد، وسبب اعتماده على كتاب الكولونيل فنديك [المرآة الوضية في الكرة الأرضية] كتب بعض الأشياء خطأ مما لا تصح نسبتها إلى أهل نجد (المؤلف) [راجع التعليق ص: ٢١١ المترجم] .
[ ١٨٠ ]
وحده لا يكفي، بل لا بد من توحيد الألوهية أيضا وهو شرط أساسي ولازم للإسلام، ولا يمكن النجاة بمجرد الإيمان بأن الله هو الخالق والمدبر للكون، فقد كان أهل الجاهلية أيضا يؤمنون بتوحيد الربوبية ولكنهم كانوا يشركون في الألوهية، ولذلك كانوا يسمون كل ما كانوا يعبدونه من الحجر والشجر (إلها)، أما المشركون والجاهلون في هذا الزمان فإنهم احترزوا من تسمية غير الآلهة إلها، ولكنهم أعطوهم جميع حقوق الألوهية ومستلزماتها كالنذر لهم ودعائهم والطواف حول قبورهم والذبح لهم وغيرها، وسموها باسم التوسل والاستشفاع ولكن الحقائق لا تتغير بتغيير الأسماء١.
هذا هو ملخص مذهب الشيخ وكتب الجماعة توضح هذه المسائل أكمل توضيح، فكتاب -تبرئة الشيخين الإمامين- لسليمان بن سحمان خصص لهذا "٨٢ - ١٢٥" وسنذكر كتبا أخرى في باب المراجع وللتفصيل ينبغي الرجوع إليها.
وينبغي أن نرسخ في أذهاننا أمرا واحدا فقط، وهو أن أهل نجد لا يكفرون مسلمي العالم تكفيرا عاما، بل يكفرون فقط أولئك الذين يرتكبون أعمالا شركية ولا ينتهون عن غيهم حتى بعد
_________________
(١) ١ لقد كتب المرحوم العلامة السيد رشيد رضا كلاما طيبا في موضع من حواشيه على تبرئة الشيخين الإمامين فقال: [السبب الصحيح لتسمية عرب الجاهلية كل شيء مما ذكر إلها هو أنهم أهل اللغة، وهذا معنى الإله في لغتهم للاشتراط في مفهوم لفظ الإله في اللغة العربية أن يكون هو الخالق والمدبر للخلق، بل هذا يدخل في مفهوم اسم الله ولذلك دعاهم الرسول كما دعا سائر الرسل أقوامهم [أن لا تعبدوا إلا الله ما لكم من إله غيره] . وأما جهلة المسلمين الذين اتخذوا آلهة مع الله تعالى فلم يسموها آلهة لجهلهم باللغة كجهلهم بالشرع، فظنوا أن الإسلام إنما ينهى عن تسمية غير الله إلها، وأما عبادة غيره كدعاء الموتى والنذر لهم وتقريب القرابين والطواف بقبورهم وغير ذلك فلا ينافي التوحيد عندهم إذا سمى توسلا أو استشفاعا مثلا، وقد ينكرون كون أعمالهم هذه تسمى عبادة لجهلهم باللغة والشرع وبالتاريخ أيضا ولذلك قلت منذ أكثر من ربع قرن: إن مشركي المسلمين الجغرافيين قد جنوا على الدين واللغة العربية، ومشركي الجاهلية حافظوا على لغتهم فسموا كل شيء باسمه؛ لأنهم أهل اللغة- ص: ١٤- الطبعة الأولى مطبعة المنار]:.
[ ١٨١ ]
الدعوة والتبليغ ويبيحون قتال هؤلاء، وقد ردد الشيخ هذه الحقيقة أكثر من مرة في كتبه واستدل على ذلك بقتال أبي بكر ﵁ مانعي الزكاة١.
فالأقوال والمقتطفات التي مرت معنا تنفي التكفير العام إذا نفت، وإذا أثبتت فهو يتعلق بالذين يصرون على الأعمال الشركية بعد إقامة الحجة والتبليغ أيضا.
فإذا وجه الاتهام وذكرت غاياته فالإنسان يستطيع أن يفكر في الأمر، ومن الممكن جدا أن تبذل جهود لإزالة سوء التفاهم، ولكن إزاء مجرد الظن السوء بدون مسوغ والافتراء بدون أساس لا نملك سوى أن نظهر أسفنا على هذا.
وقد تألمنا ألما عظيما حينما رأينا بعض العلماء المعروفين في بلادنا يحملون أراء عجيبة وغريبة حتى في هذا العصر، فقول عالم مثل الشيخ أنور شاه الكشميري (م سنة ١٣٥٢هـ / ١٩٣٣م في الشيخ: "أما محمد بن عبد الوهاب النجدي فإنه كان رجلا بليدا قليل العلم، فكان يتسارع إلى الحكم بالكفر "٢.
مؤلم ومؤسف إلى أقصى الحد، وإني لأتحير كيف تجرأ الشيخ أنور شاه أن يقول لمؤلف كتاب التوحيد بأنه "بليد وقليل العلم"؟.
أكاذيب مختلفة:
لقد نسبت أمور لا أساس لها إلى الشيخ وأتباعه من أول يوم، وقد رد الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب على افتراءات كثيرة من هذا النوع في رسالته التي كتبها لأهل مكة في سنة ١٢١٨هـ / ١٨٠٣م ٣.
_________________
(١) ١ القواعد الأربعة. روضة الأفكار ١: ١٣٥، ١٣٧، ٢: ٣٢. ٢ فيض الباري ١ ص: ١٧١. ٣ لقد ذكر هذا الجزء بكامله الآلوسي في تاريخ نجد (٤٥- (٤٩) والسيد صديق حسن خان في إتحاف النبلاء (٤١٤- ٤١٦) .
[ ١٨٢ ]
"وأما ما يكذب علينا سترا للحق بأنا نفسر القرآن برأينا ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا وأنا نضع من رتبة نبينا ﷺ بقولنا: النبي رمة في قبره، وعصا أحدنا أنفع منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة وأنا مجسمة وأنا نكفر الناس على الإطلاق فجميع هذه الخرافات وأشباهها كان جوابنا في كل مسألة من ذلك سبحانك هذا بهتان عظيم١.
هدم القبة المبنية على قبر الرسول ﷺ:
ومما افتراه الأعداء من التهم المكذوبة أن سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود (سنة ١٢١٨هـ / سنة ١٢٢٩هـ / ١٨١٤م) كان هدم القبة المبنية على القبر النبوي.
والغريب أن المؤرخين الأوربيين يتلذذون بذكر هذه الأسطورة الباطلة. فنرى ستودارد "حاضر ١: ٦٤" وهيوجز "ذكشنري أوف إسلام: ٦٦٠" وزويمر "ص: ١٩٥" وبلنت "مستقبل الإسلام ص: ٤٥" ومرغليوث "دائرة معارف الأديان والأخلاق ٢: ٦٦١" وجماعة أخرى غيرهم يرددون هذه التهمة المكذوبة بكل مناسبة وبدون مناسبة مع أنها باطلة أصلا ومفتراة قطعا.
فأهل نجد مهما كانت آراؤهم في بنائها٢ إلا أنهم لم يلقوا نظرة سوء على قبر الرسول في يوم من الأيام، فنجدهم يفرحون بذكر هدم القباب الأخرى وتوزيع الأموال المخصصة لها وهم يعترفون بكل ما ينسب إليهم في هذا.
ولكن تهمة هدم القبة المبنية على قبر الرسول ﷺ فرية محضة وأسطورة لا أساس لها، ولم يستطع برائجس الذي كان قد سكن بغداد والبصرة أيام ازدهار أهل نجد أن يصدق هذه الافتراءات إلا أنه لم يمتنع من اتهام أهل نجد في نيتهم فقال: "لقد أراد -يعني سعود بن عبد العزيز- أن يهدم القبة إلا أنه لم يتمكن من ذلك؛
_________________
(١) ١ الهدية السنية ص: ٤٦. ٢ لقد اكتفى برك هارت شيخ برائجس وأستاذه "وأحيانا يأخذ منه برائجس حرفيا" بقوله: "إنه حاول هدم القبة العليا في المقبرة أيضا" (destroy) ج ٢ ص: ١٩٩، ولعل برائجس أراد التحشية عليه، ولكن هذا الخبر من برك هارت غلط يقينا؛ فإنه بنفسه يقول بعد قليل: "إن القبر لم يصبه سوء" ٢/ ص: ١٠٩، ١١٠.
[ ١٨٣ ]
لأن القبة كانت محكمة، أو أن آلات الهدم ما كانت ميسرة له وهكذا بقيت محفوظة".
وصاحبنا برائجس هذا سنعرفه وقيمة أقواله في الباب الآتي، ويكفى أن أذكر هنا أنه كان قد وصل إلى البصرة ١٧٨٤م وقامت له صلات بالعالم العربي في حياة شيخ الإسلام، وبقيت مدة طويلة في صور مختلفة.
شهادة إنجليزي خبير:
هناك أكوام من الافتراءات والأكاذيب ولا يمكن إزالتها، فلذلك نأتي إلى نهاية هذا الكلام بتقرير من برائجس وقد نفى فيه هذه التهم كلها.
"لقد أشاع الباب العالي أنه -أي سعود بن عبد العزيز- نهى الناس عن زيارة المدينة، إلا أن هذا ليس بصحيح فإنه نهي فقط عن ارتكاب الأعمال الشركية عند الروضة المطهرة، كما نهى عنها عند قبور الأولياء الآخرين.
بعض الجهال يرونهم كفارا، وقد اعتمد الأتراك على الشائعات وروجها الأشراف إلا أن الحقيقة أنهم متبعون تماما للقرآن والسنة، وكانت حركتهم حركة تطهيرية خالصة (puritanism) في الإسلام ١.
لقد كتب فرنسي أحمق في سنة ١٨٠٨ م بأنه أنشأ مذهبا جديدا ونسخ الحج، ويدعي أنه سمعه من رجل مقرب إلى سعود. وكل هذا كذب؛ فإن الوهابيين يعتقدون أن السنة أمر أساسي مع القرآن (fundameeter)، ولكنهم يرون الأنبياء والأولياء بشرا.
وما أعلنه سعود بعد فتح مكة يسلم الآن بأنه موافق الكتاب والسنة، والتدخين ممنوع عند المالكية وهم أيضا نهوا عنه!.
_________________
(١) ١ المرجع السابق.
[ ١٨٤ ]
أما خبر تحريم القهوة فغلط محض.
والأتراك أشاعوها دعاية، ويجب على هذا الفرنسي الأحمق١ الذي ذكر نسخ الحج أن يعرف أن سعودا نهى عن التقاليد القبيحة في الحج، وأن أول عمل عمله هو بعد دخوله مكة هو الطواف والعمرة٢ ".
افتراء عجيب:
لقد ذكرت قصة خيالية بلسان شيخ بدوي في كتاب الأئمة والسادة في عمان (Emams and Sayads Of Oman) لسليل بن رازق وهي "أن الوهابيين يملكون ذلك الجزء الذي كان عثمان ﵁ حذفه عن مصحفه٣ والعجيب أن المترجم نفسه يضعف هذه الرواية٤، ولعل هذا هو السبب في أن أحدا لم يرددها. ولكني ذكرت هنا لكشف الستار عن الأعمال التافهة والافتراءات الجنونية من الأعداء.
والذين يستطيعون أن ينحطوا إلى هذا المستوى من الكذب والافتراء لا يرجى منهم أي خير) .
_________________
(١) ١ ألف roussau في سنة ١٨٠٨ م الكتابين التاليين، وقد اتهم فيهما الوهابيين بأنهم يمنعون من الحج. p asbalike baghded ١- ta memoris in the min de، lorion ٢- ٢ برائجس س: ١٠٦، ١١٤ وبرك هارت ٢ ص ٢٠٠، ٢١٥. ٣ الكتاب المذكور ص: ٢٥١، ٢٥٣. ٤ الكتاب المذكور "حاشية" ص ٢٥٢، ٢٥٣.
[ ١٨٥ ]