عن الفلتان بن عاصم قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ شخص بصره إلى رجل، فإذا هو يهودي عليه قميص وسراويل ونعلان، قال: فجعل النبي ﷺ يكلمه وهو يقول: يا رسول الله، فقال النبي ﷺ: أتشهد أني رسول الله؟ قال: لا. قال رسول الله ﷺ: أتقرأ التوراة؟ قال: نعم. قال: أتقرأ الإنجيل؟ قال: نعم. قال: والقرآن ولو تشاء قرأته. فقال رسول الله ﷺ: فيما تقرأ التوراة والإنجيل، أتجدني نبيًا؟ قال: إنا نجد نعتك ومخرجك، فلما خرجت رجونا أن تكون فينا، فلما رأيناك عرفنا أنك لست به. قال رسول الله ﷺ: ولم
[ ٢ / ٤٦ ]
يا يهودي؟ قال: إنا نجده مكتوبًا أنه يدخل من أمته سبعون ألفًا بلا حساب، ولا نرى معك إلا نفرًا يسيرًا. فقال رسول الله ﷺ: إن أمتي لأكثر من سبعين ألفًا وسبعين ألفًا. وعن أبي هريرة ﵁ قال: بلغني أن إسرائيل لما أصابها ما أصابهم من ظهور بخت نصر عليهم وفرقتهم وذلتهم تفرقوا، وكانوا يجدون محمدًا رسول الله منعوتًا في كتابهم، وأنه يظهر في بعض هذه القرى العربية في قرية ذات نخل.
فلما خرجوا من أرض الشام جعلوا يقترون كل قرية من تلك القرى العربية بين الشام واليمن يجدون نعتها نعت يثرب فتنزل بها طائفة منهم، ويرجون أن يلقوا محمدًا فيتبعوه، حتى نزل من بني هارون ممن حمل التوراة بيثرب منهم طائفة، فمات أولئك الآباء وهم يؤمنون بمحمد ﷺ أنه جاءٍ ويحثون أبناءهم على إتباعه إذا جاء، فأدركه من أدركه من أبنائهم فكفروا به وهم يعرفونه. عن نملة بن أبي نملة عن أبيه قال: كانت يهود بني قريظة يدرسون ذكر رسول الله ﷺ في كتبهم ويعلمونه الولدان بصفته واسمه ومهاجره إلينا. فلما ظهر رسول الله ﷺ حسدوه وبغوا عليه، وقالوا: ليس به. وعن عائشة ﵂ قالت: سكن يهودي بمكة يبيع بها تجارات. فلما كانت ليلة ولد رسول الله ﷺ قال في مجلس من مجالس قريش: هل كان فيكم من مولود هذه الليلة؟ قالوا: لا نعلمه. قال: أخطأت والله حيث كنت أكره، انظروا يا معشر قريش واحصوا ما أقول لكم، ولد الليلة نبي هذه الأمة أحمد الآخر ﷺ فإن أخطأكم فبفلسطين، به شامة بين كتفيه سوداء صفراء، فيها شعرات متواترات، فتتصدع القوم من مجالسهم وهم يتعجبون من حديثه. فلما صاروا في منازلهم ذكروا لأهاليهم فقيل لبعضهم: ولد لعبد الله بن عبد المطلب الليلة غلام وسماه محمدًا ﷺ، فالتقوا بعد من يومهم فأتوا اليهودي في منزله فقالوا: أعلمت؟ إنه ولد فينا مولود، قال:
[ ٢ / ٤٧ ]
أبعد خبري أم قبله؟ قالوا: قبله واسمه أحمد ﷺ. قال: فاذهبوا بنا إليه، فخرجوا معه حتى دخلوا على أمه فأخرجته إليهم، فرأى الشامة في ظهره فغشي على اليهودي ثم أفاق، فقالوا: ويلك مالك؟ قال: ذهبت النبوة من بني إسرائيل، وخرج الكتاب من أيديهم، وهذا مكتوب بقتلهم وببير أحبارهم، فازت العرب بالنبوة، أفرحتم يا معشر قريش؟ أما والله ليسطون بكم سطوة يخرج نماؤها من المشرق إلى المغرب. وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ بيت المدارس فقال: أخرجوا إلي أعلمكم. فقالوا: عبد الله بن صوريا، فخلا به رسول الله ﷺ فناشده بدينه وما أنعم الله به عليهم، وأطعمهم من المن والسلوى، وظللهم به من الغمام، أتعلمني رسول الله؟ قال: اللهم نعم، وإن القوم ليعرفون ما أعرف، وإن صفتك ونعتك لمبين في التوراة ولكنهم حسدوك. قال: فما يمنعك أنت؟ قال: أكره خلاف قومي، وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلموا. وعن المسور بن مخرمة قال: كان عبد المطلب إذا ورد اليمن نزل على عظيم من عظماء حمير، فنزل عليه مرة من المرات فوجد عنده رجلًا من أهل اليمن، قد أمهل له في العمر وقد قرأ الكتب فقال له: يا عبد المطلب، تأذن لي أن أفتش مكانًا منك؟ قال: ليس كل مكان مني آذن لك في تفتيشه. قال: إنما هو منخريك. قال: فدونك. قال: فنظر إلى نار وهو الشعر في منخريه فقال: أرى نبوة وأرى ملكًا وأرى أحدهما في بني زهرة، فرجع عبد المطلب فتزوج هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة، وزوج ابنه عبد الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فولدت محمدًا ﷺ فجعل الله في بني عبد المطلب النبوة والخلافة. والله أعلم حيث وضع ذلك.
وعن العباس قال: قال لي أبي عبد المطلب: قدمت اليمن في رحلة الشتاء فنزلت على حبر من اليهود فقال لي رجل من أهل اليهود: يا عبد المطلب، أتأذن لي أن أنظر إلى بدنك بعيني، فقلت: انظر ما لم تكن عورة. قال: ففتح أحد منخري فنظر فيه، ثم نظر في الآخر فقال: أشهد أن في إحدى يديك ملكًا وفي الأخرى نبوة، وإني أرى ذلك في بني زهرة فكيف ذلك؟
[ ٢ / ٤٨ ]
فقلت: لا أدري. قال: هل لك من شاغة قال: فقلت: وما الشاغة؟ قال: زوجة. قلت: أما اليوم، فلا. قال: إذا قدمت فتزوج فيهم. ورجع عبد المطلب مكة فتزوج هالة بنت وهيب بن عبد مناف فولدت له حمزة وصفية، وزوج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب فولدت رسول الله ﷺ، فقالت قريش حين تزوج عبد الله آمنة: ولج عبد الله على أبيه. حدث يحيى بن عروة عن أبيه أن نفرًا من قريش منهم ورقة بن نوفل وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث كانوا عند صنم لهم يجتمعون إليه، قد اتخذوا ذلك اليوم من كل سنة عيدًا كانوا يعظمونه، وينحرون له الجزر، ثم يأكلون ويشربون الخمر ويعكفون عليه، فدخلوا عليه في الليل فرأوه مكبوبًا على وجهه، فأنكروا ذلك فأخذوه فردوه إلى حاله، فلم يلبث أن انقلب انقلابًا عنيفًا، فأخذوه فردوه إلى حاله، فانقلب الثالثة. فلما رأوا ذلك اغتموا له وأعظموا ذلك. فقال عثمان بن الحويرث: ما له قد أكثر التنكس؟ إن هذا لأمر قد حدث. وذلك في الليلة التي ولد فيها سيدنا رسول الله ﷺ فجعل عثمان يقول: من الطويل.
أيا صنم العيد الذي صف حوله صناديد وفد من بعيد ومن قرب
تكوست مغلوبًا فما ذاك قل لنا أذاك سفيهٌ أم تكوست للعتب؟
فإن كان من مذنب أتينا فإننا نبوء بإقرارٍ ونلوي عن الذنب
وإن كنت مغلوبًا تكوست صاغرًا فما أنت في الأوثان بالسيد الرب
قال: فأخذوا الصنم فردوه على حاله، فلما استوى هتف بهم هاتف من الصنم، بصوت جهير وهو يقول: من الطويل
تردى لمولودٍ أنارت بنوره جميع فجاج الأرض بالشرق والغرب
وخرت له الأوثان طرًا وأرعدت قلوب ملوك الأرض طرًا من الرعب
ونار جميع الفرس باخت وأظلمت وقد بات شاه الفرس في أعظم الكرب
وصدت عن الكهان بالعتب جنها فلا مخبرٌ عنهم بحقٍ ولا كذب
[ ٢ / ٤٩ ]
فيال قصي ارجعوا عن ضلالكم وهبوا إلى الإسلام والمنزل الرحب
فلما سمعوا ذلك خلصوا نجيًا، فقال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض. فقالوا: أجل. فقال لهم ورقة بن نوفل: تعلمون والله ما قومكم على دين ولقد أخطؤوا المحجة وتركوا دين إبراهيم، ما حجر تطيفون به لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر؟! يا قوم التمسوا لأنفسكم الدين. قال: فخرجوا عند ذلك يضربون في الأرض ويسألون عن الحنيفية دين إبراهيم ﷺ، فأما ورقة فتنصر وقرأ الكتاب حتى علم علمًا. وأما عثمان بن الحويرث فصار إلى قيصر فتنصر وحسنت منزلته عندهم. وأما زيد بن عمر بن نفيل فأراد الخروج فحبس، ثم أنه خرج بعد ذلك فضرب في الأرض حتى بلغ الرقة من أرض الجزيرة فلقي بها راهبًا عالمًا فأخبره بالذي يطلب فقال له الراهب: إنك لتطلب دينًا ما تجد من يحملك عليه، ولكن قد أظلك زمان نبي يخرج من بلدك يبعث بدين الحنيفية. فلما قال له ذلك رجع يريد مكة، فغارت عليه لخم فقتلوه. وأما عبيد الله بن جحش فأقام بمكة حتى بعث النبي ﷺ ثم خرج مع من خرج إلى أرض الحبشة، فلما صار بهم تنصر وفارق الإسلام فكان بها حتى هلك هنالك نصرانيًا.
قال عبد الله بن محمد بن عقيل: أراد أبو طالب المسير إلى الشام فقال له النبي ﷺ: أي عم، إلى من تخلفني فما لي أم تكفلني ولا أحد يؤويني قال: فرق له ثم أردفه خافه، فخرج به فنزلوا على صاحب دير. فقال صاحب الدير: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال: ما هو بابنك ولا ينبغي أن يكون له أب حي. قال: ولم؟ قال: لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي. قال: وما النبي؟ قال: الذي يوحى إليه من السماء فينبئ به أهل الأرض. قال: الله أجل مما تقول. قال: فاتق عله اليهود. قال: ثم خرج حتى نزل براهب أيضًا صاحب دير فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال: ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون له أب حي. قال: ولم ذلك؟ قال: إن وجهه وجه نبي وعينه عني نبي. قال: وما النبي؟ قال: الذي يوحى إليه من السماء فينبىء به أهل الأرض. قال: الله أجل مما تقول. قال: فاتق عليه اليهود. قال: ثم خرج حتى نزل براهب أيضًا صاحب دير فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني قال: ما هو بابنك ومل ينبغي أن يكون له أب حي. قال: ولم ذلك؟ قال: إن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي. قال: سبحان الله الله أجل مما تقول، فقال: يا بن أخي ألا تسمع ما يقول؟ قال: أي عم لا تنكر لله قدرة.
[ ٢ / ٥٠ ]
وعن شعيب بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان بمر الظهران راهب من الرهبان يدعى عيضًا من أهل الشام، وكان متخفرًا بالعاص بن وائل، وكان الله قد أتاه علمًا كثيرًا وجعل فيه منافع كثيرة لأهل مكة من طب ورفق وعلم، وكان يلزم صومعة له ويدخل مكة في كل سنة فيلقى الناس ويقول: إنه يوشك أن يولد فيكم مولود يا أهل مكة، يدين له العرب ويملك العجم، هذا زمانه، ومن أدركه واتبعه أصاب حاجته، ومن أدركه وخالفه أخطأ حاجته. وتالله ما تركت أرض الخمر والخمير والأمن ولا حللت أرض البؤس والجوع والخوف إلا في طلبه، فكان لا يولد مولود بمكة إلا يسأل عنه فيقول: ما جاء بعد، فيقال: فصفه، فيقول: لا ويكتم ذلك، للذي قد علم أنه لاقٍ من قومه مخافةً على نفسه أن يكون ذلك داعية إلى أدنى ما يفضي إليه من الأذى يومًا. فلما كان صبيحة اليوم الذي ولد فيه رسول الله ﷺ خرج عبد الله بن عبد المطلب حتى أتى عيضًا فوقف في أصل صومعته، ثم نادى يا عيض فناداه: من هذا؟ فقال: أنا عبد الله فأشرف عليه فقال: كن أباه فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم عنه يوم الاثنين، ويبعث يوم الاثنين ويموت يوم الاثنين. قال: فإنه قد ولد لي مع الصبح مولود. قال: فما سميته؟ قال: محمدًا. فقال: والله لقد كنت أشتهي أن يكون هذا المولود فيكم أهل البيت لثلاث خصال بها نعرفه، فقد أتى عليهن منها إن نجمه طلع البارحة، وإنه يولد اليوم، وإن اسمه محمد. انطلق إليه فإنه الذي كنت أحدثكم عنه ابنك، قال: فما يدريك أنه ابني، ولعله يولد يومنا مولودون عدة؟ قال: قد وافق ابنك الاسم، ولم يكن الله ﷿ ليشتبه على العلماء لأنه حجة، وآية ذلك أنه الآن وجع فيشتكي أيامًا ثلاثة يظهر به الوجع ثلاثًا ثم يعافى. فاحفظ لسانك، فإنه لم يحسد حسده أحدٌ قط، ولم يبغ على أحدٍ كما يبغى عليه. وإن تعش حتى تبدو معالمه ثم يدعو، ثم يظهر لك من قومك ما لا تحتمله إلا على صبرٍ على ذلك، فاحفظ لسانك، ودار عنه. قال: فما عمره؟ قال: إن طال عمره أو قصر لم يبلغ السبعين يموت في وترٍ، دونها من السنين في إحدى وستين أو ثلاث وستين. الستون أعمار جل أمته.
[ ٢ / ٥١ ]
وعن عبد الله بن عباس قال: قدم الجارود بن عبد الله، وكان سيدًا في قومه، عظيمًا في عشيرته، مطاع الأمر، رفيع القدر، عظيم الخطر، ظاهر الأدب، شامخ الحسب، بديع الجمال، حسن الفعال، ذا منعةٍ ومالٍ في وفد عبد القيس من ذوي الأخطار والأقدار والفضل والإحسان والفصاحة والبرهان. كل رجل منهم كالنخلة السحوق على ناقة كالفحل العتيق قد جنبوا الجياد وأعدوا للجلاد مجدين في مسيرهم حازمين في أمرهم يسيرون ذميلًا، ويقطعون ميلًا فميلًا، حتى أناخوا عند مسجد النبي ﷺ فأقبل الجارود على قومه، والمشايخ من بني عمه، فقال: يا قوم، هذا محمد ﷺ الأغر سيد العرب، وخير ولد عبد المطلب، فإذا دخلتم عليه، ووقفتم بين يديه، فأحسنوا ﵇، وأقلوا عنده الكلام، فقالوا بأجمعهم: أيها الملك الهمام والأسد الضرغام لن نتكلم إذا حضرت، ولن نجاوز إذا
أمرت، فقل ما شئت فإنا سامعون، واعمل ما شئت فإنا تابعون. فنظر الجارود في كل كمي صنديد قد دوموا العمائم، وتردوا بالصوارم، يجرون أسيافهم ويسحبون أذيالهم، يتناشدون الأشعار، ويتذاكرون مناقب الأخيار، لا يتكلمون طويلًا، ولا يسكتون عيًا. إن أمرهم ائتمروا، وإن زجرهم ازدجروا، كأنهم أسد غيل يقدمها ذو لبدة مهول، حتى مثلوا بين يدي النبي ﷺ، فلما دخل القوم المسجد وأبصرهم أهل المسجد دلف الجارود أما النبي ﷺ، وحسر أمامه، وأحسن سلامه ثم أنشأ يقول: من الخفيف فقل ما شئت فإنا سامعون، واعمل ما شئت فإنا تابعون. فنظر الجارود في كل كمي صنديد قد دوموا العمائم، وتردوا بالصوارم، يجرون أسيافهم ويسحبون أذيالهم، يتناشدون الأشعار، ويتذاكرون مناقب الأخيار، لا يتكلمون طويلًا، ولا يسكتون عيًا. إن أمرهم ائتمروا، وإن زجرهم ازدجروا، كأنهم أسد غيل يقدمها ذو لبدة مهول، حتى مثلوا بين يدي النبي ﷺ، فلما دخل القوم المسجد وأبصرهم أهل المسجد دلف الجارود أما النبي ﷺ، وحسر أمامه، وأحسن سلامه ثم أنشأ يقول: من الخفيف
يا نبي الهدى أتتك رجالٌ قطعت فدفدًا وآلًا فآلا
[ ٢ / ٥٢ ]
وطوت نحوك الصحاصح طرًا لا تخال الكلال فيك كلالا
كل دهماء يقصر الطرف عنها أرقلتها قلانصًا إرقالا
وطوتها الجياد تجمح فيها بكماة كأنجم تتلالا
تبتغي دفع بأس يومٍ عبوس أوجل القلب ذكره ثم هالا
فلما سمع رسول الله ﷺ فرح فرحًا شديدًا، وقربه وأدناه، ورفع مجلسه، وحباه وأكرمه، وقال: يا جارود، لقد تأخر بك وبقومك الموعد، وطال بكم الأمد، قال: والله يا رسول الله لقد أخطأ من أخطأك قصده وعدم رشده، وتلك وأيم الله أكبر خيبة، وأعظم حوبة، والرائد لا يكذب أهله ولا يغش نفسه، لقد جئت بالحق، ونطقت بالصدق والذي بعثك بالحق نبيًا واختارك للمؤمنين وليًا، لقد وجدت وصفك في الإنجيل. ولقد بشر بك ابن البتول وطول التحية لك والشكر لمن أكرمك وأرسلك لا أثر بعد عين ولا شك بعد يقين. مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله. قال: فآمن الجارود وآمن من قومه كل سيد، فسر النبي ﷺ سرورًا، وابتهج حبورًا وقال: يا جارود، هل في جماعة وفد عبد القيس من يعرف لنا قسًا؟ قال: كلنا نعرفه يا رسول الله. وأنا من بين قومي كنت أقفو أثره وأطلب خبره. كان قس سبطًا من أسباط العرب صحيح النسب، فصيحًا إذا خطب، ذا شيبةٍ حسنةٍ، عمر سبع مئة سنة، يتقفر القفار، لا تكنه دار، ولا يقره قرار يتحسى في تقفره بيض النعام ويأنس بالوحوش والهوام، يلبس المسوح، ويبيع السياج على منهاج المسيح لا يفتر من الرهبانية، مقر لله بالوحدانية، تضرب بحكمته الأمثال، وتكشف به الأهوال، وتتبعه الأبدال، أدرك رأس الحواريين شمعان. فهو أول من تأله من العرب، وأعبد من تعب في الحقب، وأيقن بالبعث والحساب، وحذر سوء المنقلب والمآب، ووعظ بذكر الموت، وأمر بالعمل قبل الفوت، الحسن الألفاظ الخاطب بسوق عكاظ العالم بشرق وغرب، ويابس ورطب،
[ ٢ / ٥٣ ]
وأجاج وعذب، كأني أنظر إليه، والعرب بين يديه، يقسم بالرب الذي هو له ليبلغن الكتاب أجله، وليوفين كل عامل عمله. ثم أنشأ يقول: من الخفيف
هاج للقلب من جواه ادكار وليالٍ خلالهن نهار
ونجوم يحثها قمر اللي ل وشمس في كل يومٍ تدار
ضوؤها يطمس العيون وإرعا دٌ شديدٌ في الخافقين مطار
وغلامٌ وأشمطٌ ورضيعٌ كلهم في التراب يومًا يزار
وقصورٌ مشيدةٌ حوت الخي ر وأخرى خلت فهي قفار
وكثيرٌ مما تقصر عنه جوسة الناظر الذي لا يحار
والذي قد ذكرت دل على الل هـ نفوسًا لها هدىً واعتبار
فقال النبي ﷺ: على رسلك يا جارود، فلست أنساه بسوق عكاظ على جمل له أورق، وهو يتكلم بكلام مؤنق ما أظن أني احفظه فهل فيكم يا معشر المهاجرين والأنصار من يحفظ لنا منه شيئًا؟ فوثب أبو بكر الصديق ﵁ قائمًا فقال: يا رسول الله، إني أحفظه، وكنت حاضرًا ذلك اليوم بسوق عكاظ حين خطب فأطنب، ورغب ورهب وحذر وأنذر، وقال في خطبته: أيها الناس، اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت أت، مطر ونبات، وأرزاق وأقوات، وآباء وأمهات، وأحياء وأموات، جميعٌ وأشتات، وأنات بعد أنات إن في السماء لخبرا، إن في الأرض لعبرا، ليلٌ داج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات رتاج، وبحار ذات أمواج، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا، أقسم قس قسمًا حقًا لا حانثًا فيه ولا أثمًا إن لله دينًا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، ونبيًا قد حان حينه، وأظلكم أوانه، وأدرككم إبانه، فطوبى لمن آمن به فهداه، وويل لمن خالفه وعصاه. ثم قال: تبًا لأرباب الغفلة من الأمم الخالية والقرون الماضية، يا معشر إياد، أين الآباء والأجداد، وأين المريض والعواد، وأين الفراعنة الشداد، أين من بنى وشيد،
[ ٢ / ٥٤ ]
وزخرف ونجد، وغره المال والولد، أين من بغى وطغى، وجمع فأوعى، وقال أنا ربكم الأعلى، ألم يكونوا أكثر منكم أموالا، وأبعد منكم آمالا، وأطول منكم آجالا، طحنهم الثرى بكلكله، ومزقهم بتطاوله، فتلك عظامهم بالية، وبيوتهم خاوية، عمرتها الذئاب العاوية، كلا بل هو الله الواحد المعبود، ليس بوالد ولا مولود، ثم أنشأ يقول: من مجزوء الكامل
في الذاهبين الأولي ن من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردًا للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها تمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إلي ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محا لة حيث صار القوم صائر
قال: ثم جلس، فقام رجل من الأنصار بعده كأنه قطعة جبل، ذو هامة عظيمة وقامة جسيمة، قد دوم عمامته وأرخى ذؤابته، منيف أنوف، أشدق، حسن الصوت، فقال: يا سيد المرسلين، وصفوة رب العالمين، لقد رأين من قس عجبًا، وشهدت منه مرغبًا، فقال: وما الذي رأيته منه وحفظته عنه؟ فقال: خرجت في الجاهلية أطلب بعيرًا لي شرد مني أقفو أثره، وأطلب خبره في تنائف ذات دعادع وزعازع ليس للركب فيها مقيل، ولا لغير الجن سيبل، وإذا بموئل مهول في طود عظيم، ليس به إلا البوم، وأدركني الليل فولجته مذعورًا لا آمن فيه حتفي، ولا أركن لغير سيفي. فبت بليلٍ طويل كأنه بليلٍ موصول، أرقب الكوكب، وأرمق الغيهب، حتى إذا عسعس الليل، وكاد الصبح أن يتنفس هتف بي هاتف: من الرجز
يا أيها الراقد في الليل الأحم قد بعث الله نبيًا في الحرم
من هاشم أهل الوفاء والكرم يجلو وجنّات الدياجي والبهم
قال: فأدرت طرفي فما رأيت له شخصًا، ولا سمعت له فحصًا، وأنشأت
[ ٢ / ٥٥ ]
أقول:
أيها الهاتف في داجي الظلم أهلًا وسهلًا بك من طيفٍ ألم
بين هداك الله في لحن الكلم ماذا تدعو إليه يغتنم
قال: فإذا أنا بنحنحة وقائل يقول: ظهر النور، وبطل الزور، وبعث الله ﷿ محمدًا ﷺ بالحبور، صاحب النجيب الأحمر، والتاج والمغفر، والوجه الأزهر، والحاجب الأقمر والطرف الأحور، صاحب قول شهادة أن لا إله إلا الله، فذلك محمدًا المبعوث إلى الأسود والأبيض أهل المدر والوبر، ثم أنشأ يقول: مجزوء الرجز
الحمد لله الذي لم يخلق الخلق عبث
لم يخلنا أبدًا سدىً من بعد عيسى واكترث
أرسل فينا أحمدًا خير نبي قد بعث
صلى عليه الله ما حج له ركبٌ وحث
قال: فذهلت عن البعير، واكتنفني السرور، ولاح الصباح، واتسع الإيضاح، فتركت المور، وأخذت الجبل، فإذا أنا بالغسق يشقشق إلى النوق، فملكت خطامه، وعلوت سنامه، فمرج طاعة، وهززته ساعة، حتى إذا لغب، وذل منه ما صعب، وحميت الوسادة، وبردت المزادة، وإذا الزاد قد هش له الفؤاد، بركته فبرك، وأذنت له فترك في روضة خضرة نضرة عطرة ذات حوذان وقربان وعبقران وعبيثران ونعنع وشيح وحلي وأقاح وجثجاث وبرار وشقائق وبهار، كأنما قد بات الجو بها مطيرا، أو باكرها المزن بكورا محلالها شجر، وقرارها نهر فجعل يرتع أبا وأصيد ضبا، حتى إذا أكلت وأكل، ونهلت ونهل وعللت وعل حللت عقاله، وعلوت جلاله وأوسعت محاله، فاغتنم الجملة ومر كالنبلة يسبق الريح، ويقطع عرض الفسيح، حتى أشرف بي على واد، وشجر من شجر عاد مورقة مونقة
[ ٢ / ٥٦ ]
قد تهدلت أغصانها كأنما بريرها حب فلفل، فدنوت فإذا أنا بقس بن ساعدة في ظل شجرة بيده قضيب من أراك ينكب به الأرض وهو يترنم بشعر ويقول: من البسيط
يا ناعي الموت والملحود في جدثٍ عليهم من بقايا بزهم خرق
دعهم فإن لهم يومًا يصاح بهم فهم إذا انتبهوا من بعضهم فرقوا
حتى يعودوا لحالٍ غير حالهم خلقًا جديدًا كما من قبله خلقوا
منهم عراةٌ ومنهم في ثيابهم منها الجديد ومنها المنهج الخلق
قال: فدنوت منه فسلمت عليه فرد علي السلام، وإذا أنا بعين خرارة في أرض خوارة، ومسجد بين قبرين، وأسدين عظيمين يلوذان به، ويتمسحان بأثوابه، فإذا أحدهما سبق الآخر إلى الماء فتبعه الآخر يطلب الماء فضربه بالقضيب في يده وقال: ارجع ثكلتك أمك حتى يشرب الذي ورد قبلك، فرجع ثم ورد بعده فقلت له: ما هذان القبران. فقال: هذان قبرا أخوين لي كانا يعبدان الله ﷿ معي في هذا الحال لا يشركان بالله ﷿ شيئًا فأدركهما الموت فقبرتهما، وها أنا بين قبريهما حتى ألحق بهما، ثم نظر إليهما فتغرغرت عيناه بالدموع، وانكب عليهما يقول: من الطويل
خليلي هبا طالما قد رقدتما أجدكما لا تقضيان كراكما
ألم تريا أني بسمعان مفردٌ وما لي فيها من خليل سواكما
مقيمٌ على قبريكما لست بارحًا طوال الليالي أو يجيب صداكما
أبكيكما طول الحياة وما الذي يرد على ذي عولة إن بكاكما
فإنكما والموت أقرب غائبٍ بروحي في قبريكما قد أتاكما
أمن طول نومٍ لا تحسان داعيًا كأن الذي يسقي العقار سقاكما
فلو جعلت نفسٌ لنفسٍ وقايةً لجدت بنفسي أن تكون فداكما
فقال رسول الله ﷺ رحم الله قسًا، إني أرجو أن يبعثه الله ﷿ أمة وحده. ولما ظهر سيف ذي يزن على الحبشة وذلك بعد مولد رسول الله ﷺ بسنتين أتته
[ ٢ / ٥٧ ]
وفود العرب وأمراؤها وشعراؤها تهنئه وتذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه، وأتاه وفد قريش، منهم عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس وعبد الله بن جدعان وأسد بن عبد العزى ووهب بن عبد مناف وقصي بن عبد الدار فدخل عليه آذنه وهو في رأس قصر يقال له غمدان، وهو الذي يقول فيه أمية بن أبي الصلت الثقفي: من البسيط
اشرب هنيئًا عليك التاج مرتفقًا في رأس غمدان دارٌ فيك محلالا
واشرب هنيئًا فقد شالت نعامتهم وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ شيبًا بماء فعادا بعد أبوالا
قال: والملك متضمخ بالعبير يلصف وبيص المسك في مفرق رأسه، وعليه بردان أخضران مرتديًا بأحدهما متزرًا بالآخر، سيفه بين يديه وعن يمينه وشماله الملوك والمقاول، فأخبر بمكانهم، فأذن لهم، فدخلوا عليه، ودنا منه عبد المطلب، فاستأذنه في الكلام، فقال: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك.
فقال: إن الله ﷿ أحلك أيها الملك محلا رفيعًا شامخًا باذخًا وأنبتك نباتًا، طابت أرومته، وعظمت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، في أطيب موضع، وأكرم معدن. وأنت أبيت اللعن ملك العرب الذي له ينقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد، سلفك خبر سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يهلك ذكر من أنت خلفه، ولن يخمل ذكر من أنت سلفه. نحن أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة. قال له الملك: من أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم، قال ابن أختنا؟ قال: نعم. قال: ادنه ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحبًا وأهلًا، وأرسلها
[ ٢ / ٥٨ ]
مثلًا. وكان أول من تكلم بها، وناقة ورحلًا ومستناخًا سهلًا وملكًا ربحلا يعطي عطاء جزلًا. قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم، فإنكم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحيا إذا ظعنتم، ثم أنهضوا إلى دار الضيافة والوفود، وأجرى عليهم الأنزال، فأقاموا بذلك شهرًا لا يصلون إليه، ولا يؤذن لهم في الانصراف، ثم انتبه إليهم انتباهة، وأرسل إلى عبد المطلب فأدناه، ثم قال: يا عبد المطلب، إني مفضٍ إليك من سر علمي أمرًا لو غيرك يكون لم أبح لديه، ولكن رأيتك معدنه فأطلعتك طلعة فليكن عندك مخبأ حتى يأذن الله فيه: إني أجد في الكتاب المكنون، والعلم المخزون الذي ادخرناه لأنفسنا، واحتجناه دون غيرنا خبرًا عظيمًا وخطرًا جسيمًا، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة، للناس عامة، ولرهطك كافة، ولك خاصة، فقال له عبد المطلب: مثلك أيها الملك سر وبر، فما هو فداك أهل الوبر، زمرًا بعد زمر؟ قال: إذا ولد بتهامة، غلام بين يديه شامة، كانت له الإمامة، ولكم به الزعامة، إلى يوم القيامة. قال عبد المطلب: أيها الملك، لقد أبت بخير ما آب بمثله وافد قوم، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من ساره إياي ما ازداد به سرورا. قال له الملك: هذا حينه الذي يولد فيه، أو قد ولد، اسمه محمد، يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه، قد ولدناه مرارًا، والله باعثه جهارًا، وجاعل له منا أنصارًا، يعز بهم أولياؤه، ويذل بهم أعداؤه، ويضرب بهم الناس عن عرض، ويستبيح بهم كرائم الأرض، يعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، وتخمد النيران، ويكسر الأوثان، قوله فصل، وحكمه عدل، ويأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله. قال عبد المطلب: عز جدك، ودام ملكك، وعلا كعبك، فهل الملك ساري بإفصاح، فقد وضح لي بعض الإيضاح.
[ ٢ / ٥٩ ]
قال له سيف ذي يزن: والبيت ذي الحجب، والعلامات على النصب، إنك لجده يا عبد المطلب غير كذب. قال: فخر عبد المطلب ساجدًا.
فقال له سيف ذي يزن: ارفع رأسك، ثلج صدرك، وعلا كعبك، فهل أحسست بشيء مما ذكرت لك؟ قال: نعم أيها الملك، إنه كان لي ابن، وكنت معجبًا به، وعليه رفيقًا، وإني زوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فجاءت بغلام فسميته محمدًا. مات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه. فقال له ابن سيف ذي يزن:
إن الذي قلت لك كما قلت، فاحتفظ من ابنك، واحذر عليه اليهود، فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإني لست آمن أن تتداخلهم النفاسة من أن يكون لكم الرئاسة، فينصبون له الحبائل، ويبغون له الغوائل، وهو فاعل ذلك، أو أبناء عمهم غير شك، ولولا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيل ورجلٍ حتى أصير بيثرب دار ملكي، فإني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن بيثرب استحكام أمره، وأهل نصرته، وموضع قبره، ولولا أني أقيه الآفات، وأحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه أمره، ولأوطات على أسنان العرب كعبه، ولكني سأصرف ذلك إليك عن غير تقصير بمن معك، ثم دعا بالقوم فأمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد سود وعسر إماء سود ومئة من الإبل وكرش مملوء عنبرًا، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك. وقال: إذا حال الحول فأتني بخبره وما يكون من أمره. قال: فمات سيف بن ذي يزن قبل أن يحول عليه الحول.
[ ٢ / ٦٠ ]
قال: وكان كثيرًا مما يقول عبد المطلب: يا معشر قريش، لا يغبطني منكم بجزيل عطاء الملك، وإن كثر، فإلى نفاد، ولكن يغبطني بما يبقى لي ولعقبي ذكره وفخره. فإذا قيل: وما هو؟ قال: سيعلم ما أقول ولو بعد حين. وعن مرداس بن قيس الدوسي قال: حضرت النبي ﷺ، وقد ذكرت عنده الكهانة، وما كان من تغييرها عند مخرجه فقلت: يا رسول الله، قد كان عندنا من ذلك شيء، أخبرك أن جارية منا يقال لها خلصة لم نعلم عليها إلا خيرًا، إذ جاءتنا فقالت " يا معشر دوس، العجب، العجب لما أصابني، هل علمتم إلا خيرًا؟ قلنا وما ذاك؟ قالت: إني لفي غنمي إذ غشيتني ظلمة، ووجدت كحس الرجل مع المرأة، وخشيت أن أكون قد حبلت. حتى إذا دنت ولادتها وضعت غلامًا أغضف له أذنان كأذني الكلب، فمكث فينا، حتى إنه ليلعب مع الغلمان إذ وثب وثبة وألقى أزراره وصاح بأعلى صوته، وجعل يقول: يا ويله، يا ويله، يا غوله، يا غوله، يا ويل غنم، يا ويل فهم، من قابس النار، الخيل والله وراء العقبة، فيهن فتيان حسان نجبة. قال: فركبنا وأخذنا الأداة، وقلنا: ويلك ما ترى؟ قال: هل من جارية طامث؟ قلنا: من لنا بها؟ فقال شيخ منا: هي والله عندي عفيفة الأم. فقلنا: فعجلها، فأتى بالجارية، وطلع الجبل، وقال للجارية: اطرحي ثوبك، واخرجي في وجوههم وقال للقوم: اتبعوا أثرها، ثم صاح برجل منا يقال له أحمر بن حابس فقال: يا أحمر بن حابس، عليك أول فارس، فحمل أحمر فطعن أول فارس، فصرعه وانهزموا، وغنمناهم. قالوا: قالوا: فابتنينا عليه بيتًا، وسميناه ذا الخلصة، وكان لا يقول لنا شيئًا إلا كان كما يقول حتى إذا كان مبعثك يا رسول الله قال لنا يومًا: يا معشر قريش، نزلت بنو الحارث بن كعب فاركبوا فركبنا فقال لنا: اكدسوا الخيل كدسًا، واحشوا القوم رمسًا، ألقوهم غدية، واشربوا الخمر عشية، قال: فلقيناهم فهزمونا وفضحونا، فرجعنا إليه فقلنا: ما حالك وما الذي صنعت بنا؟! فنظرنا إليه، وقد احمرت عيناه، وانتصبت
[ ٢ / ٦١ ]
أذناه؟! وأبزم غضبًا حتى كاد أن ينفطر ونام، فركبنا واغتفرنا هذه له. ومكثنا بعد ذلك حينًا ثم دعانا فقال: هل لكم في غزوة تهب لكم عزًا، وتحصل لكم حرزًا، وتكون في أيديكم كنزًا، قلنا: ما أحوجنا إلى ذلك. فقال: فاركبوا فركبنا، وقلنا: ما تقول: قال: بنو الحارث بن مسلمة، ثم قال: قفوا فوقفنا، ثم قال: عليكم بفهم ثم قال: ليس لكم فيهم دم، عليكم بمضر، هم أرباب خيل ونعم، ثم قال: لا، رهط دريد بن الصمة قليل العدد، وفي الذمة، ثم قال: لا، ولكن عليكم بكعب بن ربيعة، واشكروها صنيعة عامر بن صعصعة، فلتكن بهم الوقيعة، قال: فلقيناهم فهزمونا وفضحونا فرجعنا وقلنا: ويلك ماذا تصنع بنا؟! قال: ما أدري كذبني الذي كان يصدقني، اسجنوني في بيتي ثلاثًا، ثم ائتوني، ففعلنا به ذلك ثم أتيناه بعد ثالثة، ففتحنا عنه، فإذا هو كأنه جمرة نار، فقال: يا معشر دوس، حرست السماء، وخرج خير الأنبياء، قلنا أين. قال: بمكة، وأنا مت، فادفنوني في رأس جبل، فإني سوف أضطرم نارًا، وإن تركتموني كنت عليكم عارًا، وإذا رأيتم اضطرامي وتلهبي فاقذفوني بثلاثة أحجار، ثم قولوا مع كل جحر: باسمك اللهم، فإني أهدأ وأطفأ. قال: وإنه مات واشتعل نارًا، ففعلنا به ما أمر، وقذفناه بثلاثة أحجار، نقول مع كل حجر: باسمك اللهم، فخمد وطفئ
وأقمنا حتى قدم علينا الحاج، فأخبرونا بمبعثك يا رسول الله. وعن ابن عباس: أن قريشًا أتو امرأة كاهنة فقالوا لها: أخبرينا يا شهنا بصاحب المقام، يعنون إبراهيم، فقالت: إن أنتم جرزتم كبشًا على هذه السهلة، ثم مشيتم عليها، أنبأتكم. قال: فجرزوا ثم مشى الناس عليها، فأبصرت أثر محمد ﷺ فقالت: هذا أقربكم إليه شبهًا، فمكثوا بعد ذلك عشرين سنة أو ما شاء الله تعالى، ثم بعث الله محمدًا ﷺ. حدث رجال من خثعم، قال: كانوا يقولون: إن مما دعانا إلى الإسلام أنا كنا قومًا نعبد الأوثان، فبينا نحن ذات يوم عند وثن لنا
[ ٢ / ٦٢ ]
إذ أقبل يتقاضون إليه، ويرجزن الفرج من عنده لشيء شجر بينهم إذ هتف هاتف من الصنم فجعل يقول: من الرجزقمنا حتى قدم علينا الحاج، فأخبرونا بمبعثك يا رسول الله. وعن ابن عباس: أن قريشًا أتو امرأة كاهنة فقالوا لها: أخبرينا يا شهنا بصاحب المقام، يعنون إبراهيم، فقالت: إن أنتم جرزتم كبشًا على هذه السهلة، ثم مشيتم عليها، أنبأتكم. قال: فجرزوا ثم مشى الناس عليها، فأبصرت أثر محمد ﷺ فقالت: هذا أقربكم إليه شبهًا، فمكثوا بعد ذلك عشرين سنة أو ما شاء الله تعالى، ثم بعث الله محمدًا ﷺ. حدث رجال من خثعم، قال: كانوا يقولون: إن مما دعانا إلى الإسلام أنا كنا قومًا نعبد الأوثان، فبينا نحن ذات يوم عند وثن لنا إذ أقبل يتقاضون إليه، ويرجزن الفرج من عنده لشيء شجر بينهم إذ هتف هاتف من الصنم فجعل يقول: من الرجز
يا أيها الناس ذوو الأجسام من بين أشياخٍ إلى غلام
ما أنتم وطائش الأحلام ومسند الحكم إلى الأصنام
أكلكم في حيرة المنام أم لا ترون ما أرى أمامي
من ساطع يجلو دجى الظلام قد لاح للناظر من تهام
ذاك نبي سيد الأنام قد جاء بعد الكفر بالإسلام
أكرمه الرحمن من إمام ومن رسولٍ صادق الكلام
أعدل ذي حكمٍ من الحكام يأمر بالصلاة والصيام
البر والصلات للأرحام ويزجر الناس عن الآثام
والرجس والأوثان والحرام من هاشم في ذروة السنام
مستعليًا في البلد الحرام
قال: فلما سمعنا ذلك تفرقنا عنه، وأتينا النبي ﷺ فأسلمنا. وعن طلحة قال: وجد في البيت كتاب في حجر منقور في الهدمة الأولى فدعي رجلٌ فقرأه فإذا فيه: عبدي المنتخب المتمكن المنذر المختار، مولده بمكة، ومهاجره طيبة، لا يذهب حتى يقيم السنة العوجاء، ويشهد أن لا إله إلا الله، أمته الحمادون يحمدون الله ﷿ بكل أكمة، يأتزرون على أوساطهم، ويظهرون أطرافهم. لما حضرت الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر الوفاة اجتمع إليه قومه من غسان فقالوا: إنه قد حضر من أمر الله ﷿ ما ترى، وقد كنا نأمرك بالتزويج في شبابك فتأبى، وهذا أخوك الخزرج له خمس بنين، وليس لك ولد غير مالك، فقال: لن يهلك هالك، ترك مثل مالك، إن الذي يخرج النار من الوثيمة قادر أن يجعل لمالك نسلا
[ ٢ / ٦٣ ]
ورجالًا بسلًا، وكل إلى موت، ثم أقبل على مالك فقال: أي بني، المنية ولا الدنية، العقاب ولا العتاب، التجلد ولا التلذذ، القبر خير من الفقر، إنه من قل ذل، ومن كرم الكريم الدفع عن الحريم، والدهر يومان: فيوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصطبر، وكلاهما سينحسر، ليس ينفلت منها الملك المتوج ولا اللئيم المعلهج، سلم ليومك حيال ربك، ثم أنشأ يقول: من الطويل
شهدت السبايا يوم آل محرقٍ وأدرك عمري صيحة الله في الحجر
فلم أر ذا ملكٍ من الناس واحدًا ولا سوقة إلا إلى الموت والقبر
فعل الذي أردى ثمودًا وجرهمًا سيعقب لي نسلًا على آخر الدهر
تقر بهم من آل عمرو بن عامر عيونٌ لذي الداعي إلى طلب الوتر
فإن تكن الأيام أبلين جدتي وشيبن رأسي والمشيب مع العمر
فإن لنا ربًا علا فوق عرشه عليها بما تأتي من الخير والشر
ألم يأتي قومي أن لله دعوةً يقول بها أهل السعادة والبشر
إذا بعث المبعوث من آل غالبٍ بمكة فيما بين زمزم والحجر
هنالك فابغوا نصره ببلادكم بني عامرٍ إن السعادة في النصر
ثم قضى ساعته.
[ ٢ / ٦٤ ]