قال ابن عباس: لبث رسول الله ﷺ بعد خروجه من الطائف ستة أشهر، ثم أمره الله بغزوة تبوك، وهي التي ذكر الله ساعة العسرة، وذلك في حر شديد، وقد كثر النفاق، وكثر أصحاب الصفة، والصفة بيت كان لأهل الفاقة يجتمعون فيه فتأتيهم صدقة النبي ﷺ والمسلمين، وإذا حضر غزو عمد المسلمون إليهم فاحتمل الرجل الرجل أو ما شاء الله بشبعة فجهزوهم وغزوا معهم واحتسبوا عليهم، فأمر رسول الله ﷺ المسلمين بالنفقة في سبيل الله والحسبة، فأنفقوا احتسابًا، وأنفق رجال غير محتسبين، وحمل رجال من فقراء المسلمين، وبقي أناس. وأفضل ما تصدق به يومئذ أحد عبد الرحمن بن عوف، تصدق بمئتي أوقية، وتصدق عمر بن الخطاب بمئة أوقية، وتصدق عاصم الأنصاري بتسعين وسقًا من تمر. وقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، إني لا أرى عبد الرحمن إلا قد اترب، ما ترك لأهله شيئًا، فسأله رسول الله ﷺ هل تركت لأهلك شيئًا؟ قال: نعم، أكثر مما أنفقته وأطيب، قال: كم؟ قال: ما وعد الله ورسوله من الرزق والخير. وجاء رجل من الأنصار يقال له أبو عقيل بصاع من تمر فتصدق.
وعمد المنافقون حين رأوا الصدقات، فإذا كانت صدقة الرجل كثيرة تغامزوا به وقالوا: مراء، وإذا تصدق الرجل بيسير طاقته من تمر، قالوا: هذا أحوج إلى ما جاء به، فلما جاء أبو عقيل بصاعه من تمر قال: بت ليلتي أجر بالجرير على صاعين والله ما كان عندي من شيء غيرهما وهو يعتذر ويستحي، فأتيت بأحدهما وتركت الآخر لأهلي، فقال
[ ١ / ١٥٩ ]
المنافقون: هذا أفقر إلى صاعه من غيره، وهم في ذلك ينتظرون يصيبون من الصدقات غنيهم وفقيرهم، فلما أزف خروج رسول الله ﷺ أكثروا الاستئذان وشكوا شدة الحر وخافوا، زعموا الفتنة إن غزوا، ويحلفون بالله على الكذب، فجعل رسول الله ﷺ يأذن لهم لا يدري ما في أنفسهم، وبنى طائفة منهم مسجد النفاق يرصدون به الفاسق أبا عامر، وهو عند هرقل قد لحق به، وكنانة بن عبد ياليل وعلقمة بن علاثة العامري، وسورة براءة تنزل في ذلك أرسالًا. ونزلت فيها آية ليست فيها رخصة لقاعد. فلما أنزل الله ﷿: " انفروا خفافًا وثقالًا ". اشتكى الضعيف الناصح لله ورسوله والمريض والفقير إلى رسول الله ﷺ، وقالوا: هذا أمر لا رخصة فيه. وفي المنافقين ذنوب مستورة لم تظهر حتى كان بعد ذلك، وتخلف رجال غير مستيقنين ولا ذوي علة ونزلت هذه السورة بالبيان والتفصيل في شأن رسول اله ﷺ فسار بمن اتبعه حتى بلغ تبوك، فبعث منها علقمة بن مجزز المدلجي إلى فلسطين، وبعث خالد بن الوليد إلى دومة الجندل، فقال: أسرع لعلك أن تجده خارجًا يتقنص فتأخذه، فوجده فأخذه وأرجف المنافقون في المدينة بكل خبر سوء. فإذا بلغهم أن المسلمين أصابهم جهد وبلاء تباشروا به وفرحوا، وقالوا: قد كنا نعلم ذلك ونحذر منه، وإذا أخبروا بسلامة منهم وخير أصابوه حزنوا وعرف ذلك منهم فيهم كل عدو لهم بالمدينة، فلم يبق أحد من المنافقين أعرابي ولا غيره إلا استخفى بعمل خبيث ومنزلة خبيثة واستعلن، ولم يبق ذو علة إلا هو ينتظر الفرج فيما ينزل الله في كتابه، ولم تزل سورة براءة تنزل حتى ظن المؤمنون الظنون، وأشفقوا أن لا ينفلت منهم كبير أحد أذنب في شأن التوبة قط ذنبًا إلا أنزل فيه أمر بلاء حتى انقضت، وقد وقع بكل عامل تبيان منزله من الهدى والضلالة.
وعن كعب بن مالك عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا أراد المسير في الغزاة أذن في المسلمين بالجهاز، وكتمهم أين يجاهدون مكيدة للعدو، وما كان رسول الله ﷺ يؤذن بالجهاز إلا وعندي بعير فأقوى به على الخروج معه حتى كانت تبوك، فكانت في حر شديد وحين أقبلت الثمرة، فأذن رسول الله ﷺ بالجهاز
[ ١ / ١٦٠ ]
إلى تبوك وبينها للمسلمين ووافق ذلك عندي بعيرين، فرأيت أني قوي على الخروج، فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون، وأغدو أنا لأتجهز، فوا لله لكأنما أربط فأرجع وما قطعت شعرة وعندي بعيران، وأنا أرى أني قوي على الخروج إذا أردت. فخرج رسول الله ﷺ والمسلمون، ثم ذهبت أنظر، فإذا ما أرى رجلًا تخلف إلا رجلًا مغموصًا عليه في دينه، غير أني قد رأيت رجلين من الأنصار صحيحين كدت أسكن إليهما: هلال بن أمية الواقفي ومرارة العمري، حتى إذا أيست من الخروج قلت: أعتذر إلى رسول الله ﷺ إذا رجع.
قال ابن إسحاق:
ثم خرج رسول الله ﷺ يوم الخميس، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري. فلما خرج رسول الله ﷺ ضرب عسكره على ثنية الوداع، ومعه زيادة على ثلاثين ألفًا من الناس، وضرب عبد الله بن أبي عدو الله على ذي حدة عسكرًا أسفل منه نحوًا من كذا وكذا، وما كان فيما يزعمون بأقل العسكرين. فلما سار رسول الله ﷺ تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، وخلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵇ على أهله وأمره بالإقامة فيهم، فأرجف به المنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالًا له وتخففًا منه، فلما قال ذلك المنافقون أخذ علي بن أبي طالب ﵁ سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ وهو نازل بالجرف، فقال: يا رسول الله، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني تستثقلني وتخفف مني. فقال رسول الله ﷺ: كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فأخلفني في أهلي وأهلك، ألا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي، فرجع إلى المدينة، ومضى رسول الله ﷺ لسفره.
وعن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في عزوة غزاها، حتى كانت غزوة تبوك إلا بدرًا ولم يعاتب النبي ﷺ أحدًا تخلف عن بدر، إنما خرج يريد العير فخرجت قريش مغوثين لعيرهم، فالتقوا عن غير موعد كما قال الله ﷿. ولعمري إن أشرف مشاهد
[ ١ / ١٦١ ]
رسول الله ﷺ في الناس لبدر، وما كنت أحب أني شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة حيث توافقنا على الإسلام، ولم أتخلف بعد عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها، حتى كانت غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها، فأذن رسول الله ﷺ الناس بالرحيل وأراد أن يتأهبوا أهبة عدوهم، وذلك حين طاب الظلال وظابت الثمار، فكان قلما أراد غزوة إلا ورى بغيرها، وكان يقول: الحرب خدعة، فأراد النبي ﷺ في غزوة تبوك أن يتأهب الناس أهبته، وأنا أيسر ما كنت، قد جمعت راحلتين، وأنا أقدر شيء في نفسي على الجهاد وخفة الحاذ، وأنا في ذلك أصغوا إلى الظلال وطيب الثمار. فلم أزل كذلك حتى قام النبي ﷺ غاديًا بالغداة، وذلك يوم الخميس، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس.
وعن محمد بن مسلم الزهري قال: ثم غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك وهو يريد الروم وكفار العرب بالشام، حتى إذا بلغ تبوك أقام بها بضع عشرة ليلة ولقيه بها وفد أذرح ووفد أيلة، فصالحهم رسول الله ﷺ على الجزية، ثم قفل رسول الله ﷺ من تبوك ولم يجاوزها.
وفي حديث غيره فبينما رسول الله ﷺ ذات يوم في جهازه في غزوة تبوك إذ قال للجد بن قيس: يا جد، هل لك في بنات بني الأصفر؟ قال: يا رسول الله ﷺ لقد علم قومي أنه ليس من أحد أشد عجبًا بالنساء مني، وإني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر أن يفتني، فائذن لي يا رسول الله. فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: قد أذنت، فأنزل الله تعالى " ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا " يقول: ما وقع فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله ﷺ ورغبته بنفسه عن نفسه أعظم مما يخاف من فتنة نساء بني الأصفر " وإن جهنم لمحيطة بالكافرين " يقول لمن وراءه. وقال رجل من جملة المنافقين: لا تنفروا في الحر. فأنزل الله ﷿: " قل نار جهنم أشد حرًا لو كانوا
[ ١ / ١٦٢ ]
يفقهون " ثم إن رسول الله ﷺ جد في سفره، وأمر الناس بالجهاز وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى وأحسنوا، وأنفق عثمان ﵁ في ذلك نفقة عظيمة، لم ينفق أحد أعظم منها وحمل على مئتي بعير.
ومما جمع من أحاديث تبوك قالوا:
كانت الضافطة وهم الأنباط يقدمون المدينة بالدرمك والزيت في الجاهلية وبعد أن دخل الإسلام، فإنما كانت أخبار الشام عند المسلمين كل يوم لكثرة من يقدم عليهم من الأنباط. فقدمت منهم قادمة، وذكروا أن الروم قد جمعت جموعًا كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجليت معه لخم وجذام وغسان وعاملة، وزحفوا وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء وعسكروا بها، وتخلف هرقل بحمص. ولم يكن ذلك، وإنما ذلك شيء قيل لهم فقالوه، ولم يكن عدو أخوف عند المسلمين منهم، وذلك لما عاينوا منهم، إذ كانوا يقدمون عليهم تجارًا، من العدد والعدة والكراع، وكان رسول الله ﷺ لا يغزو غزوة إلا ورى بغيرها لئلا تذهب الأخبار بأنه يريد كذا وكذا: حتى كانت غزوة تبوك فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا، واستقبل غزوًا وعددًا كبيرًا، فجلا للناس أمرهم ليتأهبوا لذلك أهبة عدوهم وأخبرهم بالوجه الذي يريد. وبعث رسول الله ﷺ إلى القبائل وإلى مكة يستنفرهم إلى عدوهم فبعث إلى أسلم بريدة بن الحصيب، وأمره أن يبلغ الفرع، وبعث أبا رهم الغفاري إلى قومه أن يطلبهم ببلادهم. وخرج أبو واقد الليثي في قومه، وخرج أبو جعد الضمري في قومه بالساحل، وبعث رافع بن مكيث وجندب بن مكيث في جهينة، وبعث نعيم بن مسعود في أشجع، وبعث في بني كعب بن عمرو عدة: بديل بن ورقاء وعمرو بن سالم وبسر بن سفيان، وبعث في سليم عدة منهم العباس بن مرداس.
وحض رسول الله ﷺ المسلمين على الجهاد، ورغبهم فيه، وأمرهم بالصدقة، فحملوا صدقات كبيرة، فكان أول من حمل أبو بكر الصديق جاء بماله كله أربعة آلاف درهم فقال له
[ ١ / ١٦٣ ]
رسول الله ﷺ: هل أبقيت لأهلك شيئًا قال: الله ورسوله أعلم، وجاء عمر ﵁ بنصف ماله فقال له رسول الله ﷺ: هل أبقيت شيئًا؟ قال: نعم نصف ما جئت به. وبلغ عمر ما جاء به أبو بكر الصديق فقال: ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقني إليه، وحمل العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ مالا، وحمل طلحة بن عبيد الله إلى النبي ﷺ مالًا، وحمل عبد الرحمن بن عوف إليه مالًا مئتي أوقية، وحمل سعد بن عبادة إليه مالًا وحمل محمد بن مسلمة إليه مالًا، وتصدق عاصم بن عدي بتسعين وسقًا تمرًا، وهز عثمان بن عفان ثلث ذلك الجيش، وكان من أكرمهم نفقة حتى كفى ثلث ذلك الجيش مؤونتهم، حتى إن كان ليقال: ما بقيت له حاجة حتى كفاهم شنق أسقيتهم فيقال: إن رسول الله ﷺ قال يومئذ: ما يضر عثمان ما فعل بعد هذا. ورغب أهل الغنى في الخير والمعروف. واحتسبوا في ذلك الخير وقوى ناس دون هؤلاء من هو أضعف منهم، حتى إن الرجل ليأتي بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول: هذا البعير بينكما تعتقبانه، ويأتي الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج، حتى إن كان النساء ليعن بكل ما قدرن عليه.
لقد قالت أم سنان الأسلمية: لقد رأيت ثوبًا مبسوطًا بين يدي رسول الله ﷺ في بيت عائشة فيه مسكة ومعاضد وخلاخل وأقرطة وخواتيم وخدمات مما يبعث به النساء يعن به المسلمين في جهازهم، والناس في عسرة شديدة، وحين طابت الثمار وأحبت الظلال، فالناس يحبون المقام ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذي هم عليه. وأخذ رسول الله ﷺ الناس بالانكماش والجد، وضرب رسول الله ﷺ عسكره بثنية الوداع، والناس كثير لا يجمعهم كتاب قل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله ﷿. فلما استمر برسول الله ﷺ سفره، وأجمع المسير استخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، ويقال محمد بن مسلمة، لم يتخلف عنه في غزوة غيرها، ويقال ابن أم مكتوم وأثبتهم محمد بن مسلمة. وقال رسول الله ﷺ: استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبًا ما دام منتعلًا. فلما سار رسول الله ﷺ تخلف ابن أبي عن
[ ١ / ١٦٤ ]
رسول الله ﷺ فيمن تخلف من المنافقين وقال: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد إلى ما لا قبل له به! يحسب محمد أن قتال بني الأصفر العب؟! ونافق ممن هو معه على مثل رأيه ثم قال ابن أبي: والله لكأني أنظر إلى أصحابه غدًا مقرنين في الحبال، إرجافًا برسول الله ﷺ وأصحابه.
فلما رحل رسول الله ﷺ من ثنية الوداع إلى تبوك وعقد الألوية والرايات، فدفع لواءه الأعظم إلى أبي بكر، ورايته العظمى إلى الزبير، ودفع راية الأوس إلى أسيد بن حضير، ولواء الخزرج إلى أبي دجانة، ويقال إلى الحباب بن المنذر بن الجموح. قال: ومضى رسول الله ﷺ من المدينة فصبح ذا خشب فنزل تحت الدومة، وكان دليله إلى تبوك علقمة بن الفغواء الخزاعي، فقال رسول الله ﷺ تحت الدومة، فراح منها ممسيًا حيث أبرد، وكان في حر شديد.
قالوا: وكان الناس مع رسول الله ﷺ ثلاثين ألفًا. ومن الخيل عشرة آلاف فرس، وأمر رسول الله ﷺ كل بطن من الأنصار أن يتخذوا لواء أو راية. والقبائل من العرب فيها الرايات والألوية، وكان رسول الله ﷺ قد دفع راية بني مالك بن النجار إلى عمارة بن حزم. فأدرك رسول الله ﷺ زيد بن ثابت فأعطاه الراية. قال عمارة: يا رسول الله، لعلك وجدت علي، قال: لا والله، ولكن قدموا القرآن. وكان زيد أكثر أخذًا للقرآن منك. والقرآن مقدم، وإن كان عبدًا أسود مجدعًا، وأمر في الأوس والخزرج أن يحمل راياتهم أكثرهم أخذًا للقرآن. وكان أبو زيد يحمل راية بني عمرو بن عوف، وكان معاذ بن جبل يحمل راية بني سلمة.
قال: وكان هرقل قد بعث رجلًا من غسان إلى النبي ﷺ ينظر إلى صفته وإلى علاماته، إلى حمرة في عينيه وإلى خاتم النبوة بين كتفيه. وسأل فإذا هو لا يقبل الصدقة، فوعى أشياء من حال النبي ﷺ ثم انصرف إلى هرقل يذكر ذلك له، فدعا قومه إلى التصديق به فأبوا حتى خافهم على ملكه وهو في موضعه لم يتحرك ولم يزحف.
[ ١ / ١٦٥ ]
وكان الذي خبر النبي ﷺ من تعبئة أصحابه ودنوه إلى أدنى الشام باطلًا لم يرد ذلك ولم يهم به، وشاور رسول الله ﷺ أصحابه في التقدم، فقال عمر بن الخطاب: إن كنت أمرت بالمسير فسر، قال رسول الله ﷺ: لو أمرت به ما استشرتكم فيه، قال: يا رسول الله. فإن للروم جموعًا كثيرة وليس بها أحد من أهل الشام، وقد دنوت منهم حيث ترى، وقد أفزعهم دنوك، فلو رجعت هذه السنة حتى ترى أو يحدث الله تعالى لك في ذلك أمرًا.
وعن معاذ بن جبل قال:
إنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك، فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، فأخر الصلاة يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا. ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا ثم قال: إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك. وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي، قال: فجئناك وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك، تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله ﷺ: هل مسستما من مائها شيئًا قالا: نعم. فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين بأيديهم قليلًا قليلًا حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله ﷺ فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس. ثم قال رسول الله ﷺ: يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانًا.
وعن سعيد بن أبي راشد مولى لآل معاوية قال: قدمت الشام فقيل لي: في هذه الكنيسة رسول قيصر إلى رسول الله ﷺ قال: فدخلنا الكنيسة فإذا أنا بشيخ كبير: فقلت له: أنت رسول قيصر إلى رسول الله ﷺ؟ فقال: نعم. قلت: حدثني عن ذلك. قال: إنه لما غزا تبوكًا كتب إلى قيصر كتابًا وبعث به مع رجل يقال له دحية بن خليفة. فلما قرأ كتابه وضعه معه على سريره، وبعث إلى بطارقته ورؤوس أصحابه فقال: إن هذا الرجل ق بعث إليكم رسولًا، وكتب إليكم كتابًا يخيركم إحدى ثلاث: إما أن تتبعوه على دينه، أو تقروا له بخراج يجري عليكم ويقركم على هيئتكم في بلادكم، أو أن تلقوا إليه بالحرب. قال فنخروا نخرة حتى خرج بعضهم من برانسهم وقالوا: لا نتبعه على دينه، وندع ديننا ودين آبائنا، ولا نقر له
[ ١ / ١٦٦ ]
بخراج يجري له علينا، ولكن نلقي إليه الحرب. فقال: قد كان ذاك ولكني كرهت أن أفتات دونكم بأمر، قال عباد: فقلت لابن خثيم: أوليس قد كان قارب وهم بالإسلام فيما بلغنا؟ قال: بلى لولا أنه رأى منهم. قال: فقال: ابغوني رجلًا من العرب أكتب معه إليه جواب كتابه. قال: فأتيت وأنا شاب وانطلق بي إليه فكتب جوابه وقال لي،: مهما نسيت من شيء فاحفظ عني ثلاث خلال: انظر إذا هو قرأ كتابي هذا هل يذكر الليل والنهار، وهل يذكر كتابه إلي، وانظر هل ترى في ظهره علمًا، قال: فأقبلت حتى أتيته وهو بتبوك في حلقة من أصحابه منتحين. فسألت فأخبرت به فدفعت إليه الكتاب، فدعا معاوية فقرأ عليه الكتاب. فلما أتى على قوله: دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ قال رسول الله ﷺ: إذا جاء الليل فأين النهار؟ قال: فقال: إني كتبت إلى النجاشي فحرقه، فحرقه الله محرق الملك. قال عباد: فقلت لابن خثيم أليس قد أسلم النجاشي ونعاه رسول الله ﷺ بالمدينة إلى أصحابه فصلى عليه؟ قال: بلى. ذاك فلا بن فلا وهذا فلان بن فلان قد ذكرهما ابن خثيم جميعًا ونسيتهما وكتبت إلى كسرى كتابًا فمزقه، فمزقه الله، ممزق الملك. وكتبت إلى قيصر كتابًا فأجابني فيه، فلن يزال الناس يخشون منهم بأسًا ما كان في العيش خير. ثم قال لي: ممن أنت؟ قلت: من تنوخ. قال: يا أخا تنوخ، هل لك في الإسلام؟ قلت: لا، إني أقبلت من قبل قوم وأنا فيهم على دين، ولست مستبدلًا بدينهم حتى أرجع إليهم فضحك رسول الله ﷺ أو تبسم. فلما قضيت حاجتي قمت، فلما وليت دعاني فقال: يا أخا تنوخ، هلم فامض للذي أمرت به، قال: وكنت نسيتها فاستدرت من وراء الحلقة وألقى بردة كانت عليه عن ظهره، فرأيت على غضروف كتفه مثل المحجم الضخم.
وفي رواية: فضحك رسول الله ﷺ يعني حين دعاه إلى الإسلام، فأبى أن يسلم، وتلا هذه الآية: " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " ثم قال رسو
[ ١ / ١٦٧ ]
الله ﷺ إنك رسول قوم وإن لك حقًا، ولكن جئتنا ونحن مرملون، فقال عثمان بن عفان: أنا أكسوه حلة صفورية وقال رجل من الأنصار: علي ضيافته.
قال ابن إسحاق:
فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالح رسول الله ﷺ وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية، وكتب رسول الله ﷺ لهم كتابًا فهو عندهم. فكتب ليحنة بن رؤبة: بسم الله الرحمن الرحيم هذا أمنة من الله ومحمد النبي ورسوله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة أساقفهم وسائرهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة النبي ومن كان معه من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وأنه طيب لمن أخذه من الناس وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقًا يريدونه من بر أو بحر. هذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة بإذن رسول الله ﷺ.
قال ابن إسحاق: وكتب لأهل جرباء وأذرح: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد النبي لأهل أذرح: إنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وإن عليهم مئة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان إلى المسلمين. ومن لجأ إليهم من المسلمين. وذكر باقي الحديث.
وأعطى رسول الله ﷺ أهل أيلة برده مع كتابه الذي كتب لهم أمانًا لهم، فاشتراه أبو العباس عبد الله بن محمد بثلاث مئة دينار.
ثم إن رسول الله ﷺ دعا خالد بن الوليد فبعثه إلى أكيدر دومة.
وعن قيس بن النعمان السكوني قال: خرجت خيل لرسول الله ﷺ فسمع بها أكيدر دومة الجندل فانطلق إلى رسول الله ﷺ
[ ١ / ١٦٨ ]
فقال: يا رسول الله، إنه بلغنا أن خيلك انطلقت، وإني خفت على أرضي ومالي فاكتب كتابًا لا يعرضوا من شيء لي، فإني مقر بالذي علي من الحق، فكتب له رسول الله ﷺ. ثم إن أكيدر أخرج قباء من ديباج منسوج مما كان كسرى يكسوهم فقال: يا رسول الله، أقبل عني هذا فإني أهديته لك. فقال له رسول الله ﷺ: ارجع بقبائك فإنه ليس يلبس هذا في الدنيا إلا حرمة يعني في الآخرة فرجع به حتى أتى منزله، وإنه وجد في نفسه أن يرد عيه هديته فقال: يا رسول الله، إنا أهل بيت يشق علينا أن ترد علينا هديتنا، فاقبل مني هديتي فقال رسول الله ﷺ: انطلق فادفعه إلى عمر بن الخطاب قال: وقد كان عمر قد سمع ما قال رسول الله فبكى، فدمعت عيناه. وظن أنه قد لحقه شيء. فانطلق إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أحدث في أمر؟ قلت في هذا القباء ما قلت ثم بعثت به إلي، فضحك رسول الله ﷺ حتى وضع يده أو ثوبه على فيه. ثم قال: ما بعثت به إليك لتلبسه. ولكن تبيعه وتستعين بثمنه.
[ ١ / ١٦٩ ]