عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النظر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ القرشي التميمي البكري البغدادي المحدث الحافظ المفسر الفقيه الواعظ الأديب الإِمام القدوة أستاذ الأئمة حبر الأمة بحر العلوم سيد الحفاظ فارس المعاني والألفاظ فريد العصر فريع الدهر شيخ الإسلام قدوة الأنام علامة الزمان ترجمان القرآن قامع المبتدعين سلطان المتكلمين جمال الدين أبو الفرج المعروف بابن الجوزي ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة وتوفي والده سنة أربع عشرة
[ ٤٢ ]
وخمسمائة فكفلته أمه وعمته وكان أهله تجارًا بالنحاس ولما ترعرع سمع الحديث وأول مشايخه أبو الفضل بن ناصر وحفظ القرآن وقرأه بالروايات عَلَى جماعة وعني بالطلب وذكر في مشيخته من كبار مشايخه سبعة وثمانين شيخًا من أعيان المذهب وغيرهم ووعظ وهو صغير جدًا وحزر الجمع في أول يوم وعظ فيه بخمسين ألفًا وصحب في الفقه ابن الزاغوني ثم صحب كلا من أبي بكر الدينوري وأبي يعلى الصغير وأبي حكيم النهروائي وقرأ الأدب عَلَى أبي منصور الجواليقي ووعظ في جامع المنصور وغيره سنة سبع وعشرين وخمسمائة واشتهر أمره من ذلك الوقت وأخذ في التصنيف والجمع وعظم شأنه في ولاية الوزير أبي هبيرة ولما ولي المستنجد بالله الخلافة خلع عليه خلعة مع الشيخ عبد القادر وأمثاله وأذن لهم في الجلوس بجامع القصر فتكلم الشيخ أبو الفرج وكان يحزر مجلسه على الدوام بعشرة آلاف وخمسة عشر ألفًا.
وقدم مرة إلى بغداد واعظ يقال له البروي فتعصب في كلام على الحنابلة كثيرًا فلم تطل مدته حتى هلك وكان في تلك الأيام قد تشيع الأسود للشيعة فانبط ووقع ميتًا فجلس الشيخ عقيب ذلك وقال في أثناء كلامه: كم براق مبتدع بأصحاب أحمد وأرعد فحظي هو بالدرهم وهم بالعيش الأرغد وأما أنت يا أبعد فإن أردت أن تموت وإن أردت أن تحرد مات البروي وانبط الأسود وقال له قائل: ما فيك عيب إلا أنك حنبلي فأنشد:
وعيرني الواشون أني أحبها … وتلك شكاة ظاهر لك عارها
وكتب إليه رجل في رقعة والله ما أستطيع أن أراك فقال: أعمش وشمس كيف تراها ثم إذا خلوت في البيت عرست الدر في أرض القراطيس وإذا جلست للناس دفعت بدرياق العلم سموم الهوى أحميكم عن طعام البدع وتأبون إلا التخليط والطبيب مبغوض وأسند للشيخ مدرستان بعد وفاة شيخه النهرواني وفي خلافة المستضيء قوي اتصال الشيخ به وصنف له الكتاب الذي سماه المصباح المضي في دولة المستضي وكتابًا آخر لما خطب له بمصر سماه النصر عَلَى مصر وحظي عنده وحصل له من القبول وحضور الخلفاء في مجالسه ما لا يكاد يوصف ثم بنى مدرسته ودرس بها سنة سبعين وذكر أول يوم تدريسه.
[ ٤٣ ]
بها أربعة عشر بحثًا من فنون العلم وبهذه السنة انتهى تفسيره للقرآن على المنبر فسجد عليه سجدة الشكر وقال ما عرفت أن واعظًا فسر القرآن كله في مجلس الوعظ منذ نزل القرآن ثم في شعبان أسندت إليه مدرسة أخرى كتب اسمه على حائطها وبنى له دكة في جامع القصر فجلس فيها يوم الجمعة ثالث رمضان وحضر الخليفة مجالسه غير مرة وتكلم يوم عاشوراء سنة أربع وسبعين وأمير المؤمنين حاضر فقال: لو إني مثلت بين يدي السدة الشريفة لقلت يا أمير المؤمنين كن لله سبحانه مع حاجتك إليه كما كان لك مع غناه عنك أنه لم يجعل أحدًا فوقك فلا ترض أن يكون أحد أشكر له منك فتصدق أمير المؤمنين يومئذ بصدقات وأطلق محبوسين وتقدم أمير المؤمنين في هذه السنة بعمل لوح ينصب على قبر الإِمام أحمد وحصل للشيخ أبي الفرج والحنابلة بسببه التعظيم الزائد وجعل الناس يقولون للشيخ أبي الفرج هذا كله بسببك فإنه ما ارتفع هذا المذهب عند السلطان إلا بسماع كلامك وتكلم يومًا بحضرة الخليفة فحكى له موعظة شيبان للرشيد وقوله له في كلامه يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك وإن سكت خفت عليك وأنا أقدم خوفي عليك على خوفي منك والحاصل أن مجالسه الوعظية لم يكن لها نظير ولم يسمع بمثلها وكانت عظيمة النفع يتذكر بها الغافلون ويتعلم منها الجاهلون ويتوب فيها المذنبون ويسلم فيها المشركون.
وقال على المنبر في آخر عمره كتبت بأصبعي هاتين ألفي مجلدة وتاب على يدي مائة ألف وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني وله التصانيف في فنون العلم من التفسير والفقه والحديث وهو أحسن فنونه والوعظ والرقائق والتواريخ وغير ذلك وإليه انتهت معرفة الحديث وعلومه والوقوف عَلَى صحيحه من سقيمه وله فيه المصنفات من المسانيد والأبواب والرجال ومعرفة ما يحتج به في أبواب الأحكام والفقه وما لا يحتج به من الأحاديث الواهية والموضوعة وله في الوعظ العبارات الرائقة والإشارات الفائقة وكان من أحسن الناس كلامًا وأتمهم نظامًا وأعذبهم لسانًا وأجودهم بيانًا وبورك له في عمره وعمله فروى الكثير وسمع الناس منه أكثر من أربعين سنة وحدث بمصنفاته مرارًا ومن إنشاده لنفسه وهو بواسط:
[ ٤٤ ]
يا ساكن الدنيا تأهب … وانتظر يوم الفراقِ
واعد زادًا للرحيل … فسوف يجدي بالرفاق
وابكِ الذنوب بأدمع … تنهل من سحب المآقي
يا من أضاع زمانه … أرضيت ما يفنى بباقي
وكان يكتب في اليوم أربع كراريس ويرتفع له كل سنة من كتابته ما بين خمسين مجلد إلى ستين ويقال أنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول الله ﷺ فحصل منها شيء كثير وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته ففعل ذلك فكفت وفضل منها وكان له في كل علم مشاركة وأوقف كتبه على مدرسته التي بناها بدرب دينار وسئل عن عدد مصنفاته فقال زيادة على ثلاثمائة وأربعين مصنفًا منها ما هو عشرين مجلدًا ومنها ما هو كراس واحد ولم يترك فنا إلا وله فيه مصنف وكان كثير الاطلاع على مصنفات الناس حسن التبويب والترتيب وقال الشيخ أول ما صنفت وألفت ولي من العمر ثلاث عشرة سنة.
ومن تصانيفه المغني في التفسير أحد وثمانون جزءًا. زاد المسير في علم التفسير. عمدة الراسخ في معرفة المنسوخ والناسخ. منهاج الوصول إلى علم الأصول خمسة أجزاء. جامع المسانيد بالحض على الأسانيد. الموضوعات من الأحاديث المرفوعات مجلدان. العلل المتناهية في الأحاديث الواهية. موت الخضر مجلد. مختصره جزء. فضائل عمر بن الخطاب مجلد. فضائل عمر بن عبد العزيز مجلد. مناقب الإِمام أحمد مجلد. مناقب الإِمام الشافعي جزء. مناقب معروف الكرخي جزء. مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن. وله في علوم الوعظ أكثر من مائة مجلد منها اليواقيت. اللؤلؤ. منتخب المنتخب. شاهد ومشهود. مغاني المعاني. إيقاظ الوسنان من الرقدات بأحوال الحيوان والنبات. منتهى المشتهى. تلبيس إبليس. إعلام الأحياء بأغلاط الإحياء. عطف العلماء على الأمراء والأمراء على العلماء. المقامات مجلد. الطب الروحاني جزء. الوفا بفضائل المصطفى مجلدان. منهاج الإصابة في محبة الصحابة. مناقب أبي بكر مجلد. مناقب علي مجلد. فضائل العرب مجلد. المختار من
[ ٤٥ ]
الأشعار عشر مجلدات. الفصول الوعظية على حروف المعجم. سلوة الأحزان عشر مجلدات. المجالس اليوسفية في الوعظ كتبها لابنه يوسف - قال الحافظ الذهبي ما علمت أن أحدًا من العلماء صنف ما صنفه هذا الرجل - وقال يومًا وقد طرب أهل مجلسه فهمتم فهمتم.
وسأله رجل أيما أفضل أسمح أو أستغفر فقال الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون منه إلى البخور وقال في حديث أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين: إنما طالت أعمار الأوائل لطول البادية فلما شارف الركب بلد الإقامة قيل حثوا المطي ومن كلماته الحسنة من قنع طاب عيشه ومن طمع طال طيشه وقال لصاحب له أنت في أوسع العذر من التأخر عني لثقتي بك وفي أضيقه من شوقي إليك وقيل له إن فلانًا أوصى فقال يا مفرطين ما تطينون سطوحكم إلا في كانون.
ويحكى أنه وقع النزاع ببغداد بين السنة والشيعة في المفاضلة بين أبي بكر وعلي ورضي الكل بما يقوله الشيخ فأقاما من يسأله عن ذلك وهو على الكرسي في مجلس وعظه فقال على البديهة أفضلهما من كانت ابنته تحته ونزل في الحال حتى لا يراجع فكل من الفريقين احتج بها لنفسه ومما ينسب إليه من الشعر:
تملكوا واحتكموا … وصار قلبي لهم
تصرفوا في ملكهم … فلا يقال ظلموا
إن وصلوا محبهم … أو قطعوا فهم هم
اصبر لما شاؤوا وإن … ساء الذي قد حكموا
يا أرض سلع خبري … وحدثيني عنهم
يا ليت شعري اذحدوا … أأنجدوا أم اتهموا
تشتاقهم أرض منى … وتشتكيهم زمزم
ومن كلامه قدس الله روحه:
يا أهل حب الفانية … أهل القلوب القاسية
أهل الخلاف والفرا … ق والذنوب الرابية
أهل النكوس والنقو … ص والعيوب البادية
[ ٤٦ ]
أهل المخاط والبصا … ق والعظام الواهية
ما سمعوا ما فهموا … ما قلت من كلاميه
تكبرو تجبروا … باعوا الجنان العالية
تنعموا تترفوا … وآثروا الرفاهية
إن هي إلا أخذة … سارية أو غادية
وقد حوتهم جنة … أو قعر نار حامية
وقال كل كاسب … مالي وأين ماليه
وقال كل سيد … جاهي عدمت جاهية
وقال ذو السلطان حيـ …
_________________
(١) ـن ذل واسلطانية أين أبي أين اخي … أين مضى غلمانيه يومئذ ترى العيـ … ون بالدماء باكية كل يقول حسرتي … خسرت واحرمانيه يا ليتني مت وقد … حرمت من أفعاليه ياليت قلبي لم يكن … مع القلوب القاسية يا ليتها يا ليتها … كانت علي القاضية قرأ العلم على الشيخ أبي الفرج جماعة من أعيان المذهب وسمع الحديث وغيره من تصانيفه خلق لا يحصون كثرة وممن روى عنه الشيخ موفق الدين والحافظ عبد الغني - وقد نالته محنة في آخر عمره وحمل إلى واسط وحبس بدار فيها وكان بعض الناس يدخلون عليه ويسمعون منه وبقي على ذلك من سنة تسعين إلى سنة خمس وتسعين وخمسمائة فافرج عنه وقدم بغداد وخرج خلق كثير لتلقيه وفرح به أهل بغداد فرحًا عظيمًا وخلع عليه وجلس عند تربة أم الخليفة للوعظ وأنشد: شقينا بالنوى زمنًا فلما … تلاقينا كانا ما شقينا سخطنا عندما جنت الليالي … فما زالت بنا حتى رضينا سعدنا بالوصال وكم شقينا … بكاسات الصدود وكم ضنينا فمن لم يحيى بعد الموت يومًا … فأنا بعد ما متنا حيينا
[ ٤٧ ]
ولم يزل الشيخ على عادته الأولى في الوعظ ونشر العلم وكتابته إلى أن مات قال سبطه أبو المظفر جلس جدي يوم السبت سابع شهر رمضان وكنت حاضرًا فأنشدنا أبياتًا قطع عليها المجلس أولها.
الله أسأل ان يطول مدتي … وأنال بالأنعام ما في منيتي
ثم نزل من المنبر فمرض خمسة أيام وتوفي ليلة الجمعة بين العشائين ثالث عشر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة في داره واجتمع أهل بغداد وغلقت الأسواق وقد غسل وقت السحر وشد تابوته بالحبال وحمل إلى تربة أم الخليفة مكان جلوسه فصلى عليه ابنه أبو القاسم علي ثم ذهبوا به إلى جامع المنصور فصلوا عليه وكان يومًا مشهودًا ودفن عند قبر الإِمام أحمد وحزن الناس عليه حزنًا شديدًا وباتوا عند قبره يختمون الختمات بالقناديل والشموع ورؤيت له المنامات الصالحة وأنشد القادر العلوي قصيدة مطلعها:
الدهر من شر يغر ويخدع … وزخارف الدنيا تميل وتطمع
وأوصى أن يكتب على قبره:
يا كثير الصفح عمن … كثر الذنب لديه
جاءك المذنب يرجو … الصفح عن جرم يديه
أنا ضيف وجزاء … الضيف إحسان إليه
وكان له من الذكور ثلاثة أولاد أولهم أبو بكر عبد العزيز مات بالموصل في حياة والده سنة أربع وخمسين وخمسمائة وكان فقيهًا واعظًا والثاني أبو القاسم علي توفي سنة ثلاثين وستمائة وله ثمانون سنة والثالث أبو محمد يوسف الآتي ذكره رحمهم الله تعالى.