مرض الإِمام ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول فأقبل الناس لعيادته وكثروا ولزموا الباب بالليل والنهار وسمع السلطان بكثرة الناس فوكل ببابه وباب الزقاق المرابطة وأصحاب الأخبار فأغلق باب الزقاق وكان الناس بالشوارع والمساجد حتى تعطل بعض الباعة وكان ابن عطاء يتعاهده بالغداة والعشي ولم يجتمعا وجاء إليه حاجب ابن طاهر وقالا أن الأمير يقرئك السلام وهو يشتهي أن يراك فقال له هذا مما أكره وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه وجعلوا يبكون وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم وكان يخدمه في أموره المروذي وكان قد كتب وصيته فقال اقرأوها فقرئت عليه ونسختها (بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل أوصى أنه يشهد أن لا
[ ١٣ ]
إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره عَلَى الدين كله ولو كره المشركون وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا الله تعالى في العابدين وأن يحمدوه في الحامدين وأن ينصحوا لجماعة المسلمين وإني رضيت بالله ربًا وبالإِسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا وأوصى أن لعبد الله فوران علي نحوًا من خمسين دينارًا وهو يصدق فيما قال فيقضى ماله على من غلة الدار إن شاء الله تعالى) انتهى. فلما مات أحله فوران من دينه ولم يأخذه فإنه كان من أعظم أصحابه ثم أن الإمام استدعى بالصبيان من ذريته فجعلوا ينضمون إليه وجعل يشمهم ويمسح بيده على رؤوسهم وعينه تدمع فقال له رجل لا تغتم لهم يا أبا عبد الله فأشار بيده أن لا وجعل يدعو لهم واشتدت به العلة يوم الخميس قال المروذي فلما كانت ليلة الجمعة ثقل وظننت أنه قبض وأردنا أن نمده فجعل يقبض قدميه وهو موجه وجعلنا نلقنه فيقول لا إله إلا الله وهو مستقبل القبلة بقدميه فلما كان يوم الجمعة اجتمع الناس حتى ملأوا السكك والشوارع فلما كان النهار من يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين قبض ﵀ وله سبع وسبعون سنة وكان مرضه تسعة أيام وبعض العاشر فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجت وقعد الناس فخفنا أن ندع الجمعة فأشرفت عليهم فأخبرتهم أنا نخرجه بعد صلاة الجمعة قال المروذي فلما فرغنا من غسله وأردنا أن نكفنه غلبنا عليه بنو هاشم وجعلوا يبكون عليه ويأتون بأولادهم فيبكون عليه ويقبلونه وكان له ثلاث شعرات من شعر النبي ﷺ فأوصى أن يجعل في كل عين شعرة وعلى لسانه شعرة ووضعناه على السرير وشددناه بالعمائم وحمل جنازته وصلى عليه محمد بن عبد الله بن طاهر وكانت الصفوف من الميدان إلى باب القطيعة وحزر من حضرها من الرجال بمائة ألف ومن النساء بستين ألفًا غير من كان في الطرق وفي السفن. وعلى السطوح وقيل أكثر من ذلك ودفن بباب حرب ببغداد وقبره ظاهر مشهور يزار ويتبرك به وما خلف إلا ستة قطع أو سبعة في خرقة كان يمسح بها وجهه وقال أمير المؤمنين المتوكل لمحمد بن عبد الله بن طاهر طوبى لك صليت على أحمد بن حنبل وعن
[ ١٤ ]
أبي الحسن التميمي عن أبيه عن جده أنه حضر جنازة الإمام أحمد قال فمكثت طول الأسبوع رجاء أن أصل إلى قبره فلم أصل من ازدحام الناس عليه وأسلم يوم مات أحمد بن حنبل عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس ووقع عليه المآتم من جميع الطوائف وكان الإمام أحمد يقول بيننا وبينهم يوم الجنائز يعني أهل البدع - وكان له كرامات واضحة ﵁ فمن كراماته ما روي عن ابنه عبد الله قال رأيت أبي حرج على النمل أن تخرج من داره ثم رأيت النمل قد خرجت نملًا سودًا فلم أرها بعد ذلك وقال أبو طالب علي بن أحمد دخلت يومًا على أبي عبد الله وهو يملي وأنا أكتب فاندق قلمي فأخذ قلمًا فأعطانيه فجئت بالقلم إلى أبي علي الجعفري فقلت هذا قلم أبي عبد الله أعطانيه فقال لغلامه خذ القلم فضعه في النخلة عسى تحمل فوضعه فيها فحملت النخلة - وروي عن قاضي القضاة ابن الحسين الزيني أن الحريق وقع في دارهم فاحترق ما فيها إلا كتاب كان فيه شيء بخط الإِمام أحمد وذكر الشيخ الإمام أبو الفرج بن الجوزي قال لما وقع الغريق ببغداد سنة أربع وخمسين وخمسمائة وغرقت كتبي سلم لي مجلد فيه ورقات من خط الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه وعن الربيع بن سليمان قال كتب الشافعي كتابًا إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل ثم قال لي يا أبا سليمان انحدر بكتابي هذا إلى العراق إلى أحمد بن حنبل ولا تقرأه فأخذت الكتاب وخرجت من مصر حتى قدمت العراق فوافيت مسجد أحمد بن حنبل فصادفه يصلي الفجر فصليت معه وكنت لم أركع السنة فقمت أركع عقيب الصلاة فجعل ينظر إلي مليًا حتى عوفني فلما سلمت من صلاتي سلمت عليه وأوصلت كتابي إليه فجعل يسألني عن الشافعي طويلًا قبل أن ينظر في الكتاب ثم فضه وقرأه حتى إذا بلغ موضعًا منه بكى وقال أرجو من الله تعالى أن يحقق ما قاله الشافعي قلت يا أبا عبد الله أي شيء قد كتب إليك قال أنه رأى النبي ﷺ في نومه وهو يقول له يا ابن إدريس بشر هذا الفتى أبا عبد الله أحمد بن حنبل أنه سيمتحن في دين الله ويدعي أن يقول القرآن مخلوق فلا يفعل وأنه سيضرب بالسياط فإن الله ﷿ ينشر له بذلك علمًا لا ينطوي إلى يوم القيامة فقلت البشارة فأي شيء جائزتي عليها وكان عليه ثوبان فنزع
[ ١٥ ]
أحدهما فدفعه إلي وكان مما يلي جلده وأعطاني جواب الكتاب فخرجت حتى قدمت عَلَى الشافعي فأخبرته بما جرى قال فأين الثوب قلت هو ذا قال لا نبتاعه منك ولا نستهديك ولكن اغسله وجئنا به قال فغسلته وحملت مائه إليه فتركه في قنينة فكنت أراه في كل يوم يأخذ منه فيمسح على وجهه تبركًا بأحمد بن حنبل ﵄. ومن ورعه أنه نهى ولديه وعمه عن أخذ العطاء من مال الخليفة فاعتذروا بالحاجة فهجرهم شهرًا وأجرى عليه المتوكل وعلى ولده وأهله أربعة آلاف درهم في كل شهر فبعث إليه أبو عبد الله أنهم في كفاية فبعث إليه المتوكل إنما هذا لولدك ما لك ولهذا وقال أحمد بن محمد التستري أتى على أحمد ثلاثة أيام ما طعم فيها شيئًا فبعث إلى صديق له فافترض منه شيئًا من دقيق فعرف أهله شدة حاجته إليه فخبزه عاجلًا فلما وضع بين يديه قال كيف خبزتم هذا بسرعة قالوا كان تنور صالح مسجورًا فخبزناه عاجلًا قال ارفعوه ولم يأكل منه لأن صالحًا ولي القضاء قال ابن عساكر لما ولي ابنه صالح القضاء كان بينه وبينه باب فسده الإمام أحمد وله غير ذلك شيء كثير رحمه الله تعالى.