علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن أحمد البغدادي الظفري المقري الفقيه الأصولي الواعظ المتكلم أبو الوفاء أحد الأعلام وشيخ الإسلام ولد سنة إحدى
[ ٢٩ ]
وثلاثين وأربعمائة وأخذ عن مشايخ كثيرين وكان له الخاطر العاطر والفهم الثاقب والفطنة البغدادية والبحث عن الغوامض والدقائق والتبريز في المناظرة على الأقران والتصانيف الكبار ومن طالع أو قرأ شيئًا من خواطره وواقعاته في كتابه المسمى بالفنون وهو مائتا مجلد عرف مقدار الرجل وكان ﵀ عظيم الحرمة وافر الجلالة عند الخلفاء والملوك وكان شهمًا مقدامًا على الأكابر بالإنكار بلفظه وخطه ولما توفي الخليفة المستظهر غسله ابن عقيل مع البستي قال ابن عقيل ولما تولى المسترشد تلقاني ثلاثة من المستخدمين يقول كل واحد منهم قد طلبك مولانا أمير المؤمنين ثلاث مرات فلما صرت بالحضرة قال لي قاضي القضاة وهو قائم بين يديه طلبك مولانا أمير المؤمنين ثلاث مرات فقلت ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ثم مددت يدي فبسط يده الشريفة فصافحته بعد السلام وبايعته فقلت أبايع سيدنا ومولانا أمير المؤمنين المسترشد بالله على كتاب الله وسنة رسوله وسنة الخلفاء الراشدين ما أطاق واستطاع وله الطاعة مني وكان ابن عقيل ﵀ من أفاضل العالم وأذكياء بني آدم مفرط الذكاء متسع الدائرة في العلوم وكان خبيرًا بالكلام ذكر ابن الجوزي وغيره عنه أنه قال أنا أقطع بأن الصحابة
ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت قال الحافظ ضياء الدين المقدسي كتب بعضهم إلى أبي الوفا بن عقيل يقول له صف لي أصحاب الإمام أحمد على ما عرفت به من الأنصاف فكتب إليه يقول هم - قوم خشن تقلصت أخلاقهم عن المخالطة وغلظت طباعهم عن المداخلة وغلب عليهم الجد وقل عندهم الهزل وعزت نفوسهم عن ذل المراباة وفزعوا عن الآراء إلى الروايات وتمسكوا بالظاهر تخرجا عن التأويل وغلبت عليهم الأعمال الصالحة فلم يدققوا في العلوم الغامضة بل دققوا في الورع وأخذوا ما ظهر من العلوم وما وراء ذلك قالوا الله أعلم بما فيها خشية باريها ولم أحفظ على أحد منهم تشبيهًا إنما غلب عليهم التحري لإيمانهم بظواهر الآي والأخبار من غير تأويل ولا إنكار والله يعلم أنني لا أعتقد في الإِسلام طائفة محقة خالية من البدع سوى من سلك هذا الطريق
[ ٣٠ ]
والسلام - وكان ابن عقيل يقول لا يعظم عندك بذلك نفسك في سبيل الله فهي التي بذلتها بالأمس في حب مغنية وهوى أمرد وخاطرت بها في الأسفار لأجل زيادة الدنيا فلما جئت إلى طاعة الله عظمت ما بذلتها والله ما يحسن بذل النفس إلا لمن إذا أباد أعاد وإذا أعاد أفاد وإذا أفاد خلد فائدته على الأباد ذاك والله يحسن فيه بذل النفوس وإبانة الرؤوس أليس هو القائل ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾، روى المترجم بسنده عن أحمد بن نصر قال رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت يا رسول الله من تركت لنا في عصرنا هذا نقتدي به قال عليكم بأحمد بن حنبل - ولابن عقيل تصانيف كثيرة في أنواع العلم وأكبر تصانيفه كتاب الفنون وهو كتاب كبير جدًا فيه فوائد كثيرة جليلة في الوعظ والتفسير والفقه والأصلين والنحو واللغة والشعر والتاريخ والحكايات وفيه مناظراته ومجالسه التي وقعت له وخواطره ونتائج فكره قيدها فيه قال ابن الجوزي وهذا الكتاب مائتا مجلدة وقع لي منه نحو من مائة وخمسين مجلدة وقال الحافظ الذهبي في تاريخه لم يصنف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب قال ابن رجب وأخبرني أبو حفص عمر بن علي القزويني ببغداد قال سمعت بعض مشايخنا يقول هو ثمان مائة مجلدة وله في الفقه كتاب الفصول ويسمى كفاية المغني في عشر مجلدات وعمدة الأدلة والمفردات والمجالس النظريات
والتذكرة مجلد والإشارة مجلد لطيف وهو مختصر كتاب الروايتين والوجهين والمنثور وله في الأصلين الإرشاد في أصول الدين والواضح في أصول الفقه والانتصار لأهل الحديث مجلد ونفي التشبيه ومسائل مشكلة في آيات من القرآن وأحاديث سئل عنها فأجاب وله كتاب تهذيب النفس وكتاب تفضيل العبادات على نعيم الجنات وكان ابن عقيل كثير التعظيم للإِمام أحمد وأصحابه والرد على مخالفيهم وله مسائل كثيرة ينفرد بها ويخالف فيها المذهب ومن كلامه الحسن في صفة الأرض أيام الربيع وإن الأرض أهدت إلى السماء غبرتها بترقية الغيوم فكستها السماء زهرتها من الكواكب والنجوم" توفي أبو الوفاء بن عقيل ﵀ بكرة الجمعة ثاني عشر جمادي الأولى سنة ثلاث عشرة وخمس مائة وصلي عليه في جامعي القصر والمنصور وحزر من اجتمع في جنازته بثلاث
[ ٣١ ]
مائة ودفن في دكة قبر الإِمام أحمد - وكان له ولدان ماتا في حياته أحدهما أبو الحسن عقيل كان في غاية الحسن وكان شابًا فهما ذا خط حسن ولد في رمضان سنة إحدى وثمانين وأربع مائة وسمع من جماعة وتفقه على أبيه وكان فقيهًا فاضلًا يقول الشعر ويحضر المواكب توفي يوم الثلاثاء منتصف محرم سنة عشر وخمسمائة وصلي عليه يوم الأربعاء ودفن في داره بالمظفر به فلما مات أبوه نقل معه إلى دكة الإِمام أحمد ﵁ - والولد الآخر أبو منصور هبة الله ولد في ذي الحجة سنة أربع وسبعين وأربعمائة وحفظ القرآن وتفقه وظهر منه أشياء تذكر من عقل غزير ودين متين ثم مرض وطال مرضه وأنفق عليه أبوه اموالًا في المرض ثم توفي ﵀ سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وله نحو أربعة عشرة سنة وحمل أبو الوفا في نفسه من شدة الألم أمرًا عظيمًا ولكنه تصبر ولم يظهر منه جزع وكان يقول لولا أن القلوب توقن باجتماع ثان لتفطرت المرائر لفراق المحبوبين رحمهم الله تعالى.