وسبب ذلك أنه لم تزل الناس على ما كان عليه السلف وقولهم أن القرآن غير
[ ٧ ]
مخلوق حتى ظهرت المعتزلة الضالة وقالت يخلق القرآن وكان الناس في زمن أمير المؤمنين هارون الرشيد على ما كان عليه السلف كما روي عن محمد بن نوح قال سمعت هارون أمير المؤمنين يقول بلغني أن بشر المريسي زعم أن القرآن مخلوق على أن ظفرني الله به لأقتلنه قتلة ما قتلها أحد قط. واستمر الأمر كذلك في زمن الأمين محمد بن هارون الرشيد. ثم ولي المأمون أبو جعفر عبد الله بن هارون الرشيد وكانت ولايته في الحرم وقيل في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة فصار إليه قوم من المعتزلة وأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل وحسنوا له قبيح القول بخلق القرآن فصار إلى مقالتهم وقدر أنه في آخر عمره خرج من بغداد لغزو بلاد الروم فعن له أن يكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب صاحب الشرطة ببغداد أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن. فاستدعى جماعة من
العلماء والقضاة وأئمة الحديث ودعاهم إلى ذلك فامتنعوا فهددهم فأجاب أكثرهم مكرهين واستمر الإمام أحمد ﵁ على الامتناع فلما أصر حمل على بعير وسيروه إلى الخليفة فبلغه توعد الخليفة له بالقتل إن لم يجب إلى القول بخلق القرآن فتوجه الإمام أحمد بالدعاء إلى الله تعالى أن لا يجمع بينه وبينه فبينما هو في الطريق قبل وصوله إليه إذ جاءهم الصريخ بموت المأمون وكان موته في شهر رجب سنة ثمان عشرة ومائتين. فرد الإِمام أحمد إلى بغداد وحبس - ثم ولي الخلافة المعتصم وهو أبو اسحاق محمد بن هارون الرشيد وقدم من بلاد الروم فدخل بغداد في مستهل شهر رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين فامتحن الإِمام وضرب بين يديه في الشهر المذكور وكان ما كان. . . ثم أمر الخليفة بحبسه فبقي محبوسًا نحو ثمانية وعشرين شهرًا آخرها رمضان سنة عشرين ومائتين - ثم في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين ولي الواثق وهو أبو جعفر هارون بن المعتصم فلم يتعرض للإِمام في شيء وإنما امره أن يختفي فاختفى الإمام إلى أن توفي الواثق - ولما ولي المتوكل وهو أبو الفضل جعفر بن المعتصم وكانت ولايته في ذي الحجة سنة اثنين وثلاثين ومائتين خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقاد وطعن عليهم. فيما كانوا يقولونه من خلق القرآن ونهى عن الجدل والمناظرة في الآراء وعاقب عليه وأمر بإظهار الرواية للحديث فأظهر الله به السنة وأمات البدعة فاستبشر الناس بولايته وأمر بالقبض على
[ ٨ ]
وزيره الزيات فوضعه في تنور إلى أن مات. وذلك سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وابتلي قاضي القضاة أحمد بن أبي داود بالفالج بعد موت الوزير بسبعة وأربعين يومًا فولي القضاء مكانه ولده محمد فلم تكن طريقته مرضية ثم سخط المتوكل عل أحمد بن أبي داود وولده في سنة ٢٣٩ وأخذ جميع ضياع الأب وأمواله وأخذ من الولد مائة وعشرين ألف دينار وجوهرًا بأربعين ألف دينار وسيره إلى بغداد وولى القاضي يحيى بن أكتم قضاء القضاة وكان من أئمة الدين وعلماء السنة ثم مات ابن أبي داود بمرض الفالج في المحرم سنة أربعين ومائتين ومات ولده محمد قبله بعشرين يومًا وكان بشر المريسي قد أهلكه الله ومات في ذي الحجة سنة ٢١٨ وعن عمران بن موسى قال دخلت على أبي العروق الجلاد الذي ضرب الإمام أحمد
لانظر إليه فمكث خمسًا وأربعين يومًا ينبح كما ينبح الكلب وقد انتقم الله من كل خصومه المبتدعين الذين سعوا في أمره وخذلهم ونصره عليهم بحول الله وقوته وبركة كتابه العزيز وسنة نبيه ﷺ وشرع المتوكل في الإحسان إلى الإِمام وتعظيمه وإكرامه وكتب إلى نائبه بغداد إسحاق بن إبراهيم أن يبعث إليه بالإِمام أحمد فبعث به معظمًا مكرمًا إلى الخليفة بسر من رأى قال عبد الله بن أحمد وبعث المتوكل يقول أحببت أن أراك وأن أتبرك بدعائك وأنزلنا دارًا والمتوكل يرانا من وراء الستر فأمر لأبي بثياب ودراهم وخلعة فبكى وقال أنسلم من هؤلاء منذ ستين سنة فلما كان آخر العمر ابتليت بهم ولما جاؤوا بالخلعة لم يمسها فجعلها على كتفيه فما زال يتحرك حتى رمى بها وأبى أن يقبل المال فقبل له أن رددتُه وجد عليك في نفسه ففرقه على مستحقيه ولم يأخذ منه شيئًا وكان كل يوم يرسل إليه من طعامه الخاص فلا يأكل منه لقمة قال صالح وأمر المتوكل أن يشرى له في دارًا فقال أبي يا صالح إن أقررت لهم بشراء دار لتكونن القطيعة بيني وبينك فلم يزل يدفع شراء الدار حتى اندفع ثم عاد إلى بغداد وكان المتوكل لا يولي احدًا إلا بمشورة الإمام أحمد ومكث الإمام إلى حين وفاته قل أن يأتي يوم إلا ورسالة الخليفة تنفذ إليه في أمور يشاوره فيها رحمهما الله تعالى.