عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله المقدسي ثم الدمشقي الصالحي الفقيه الزاهد الرباني إمام السنة مفتي الأمة شيخ الإِسلام سيد العلماء الأعلام علم الزهاد أوحد العباد إمام المحدثين آخر المجتهدين موفق الدين أبو محمد أخو الشيخ أبي عمر المتقدم ذكره ولد في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمسمائة بجماعيل وقدم دمشق مع أهله وله عشر سنين سمع من والده ومن جماعة ورحل إلى بغداد هو وابن خالته الحافظ عبد الغني سنة إحدى وستين وسمع الكثير من الشيخ عبد القادر ولازم بعده أبا الفتح بن المثنى وقرأ عليه المذهب والخلاف والأصول حتى برع وكانت إقامته في بغداد نحوًا من أربع سنين وحج سنة أربع وسبعين ثم اشتغل بتصنيف كتاب المغني في شرح الخرقي فبلغ الأمل في إتمامه وهو كتاب بليغ في المذهب عشر مجلدات تعب عليه وأجاد فيه وجمل به المذهب وقرأ عليه جماعة وقد انتفع بعلمه طائفة كبيرة ونشأ على سمت أبيه وأخيه في الخير والعبادة وكان كثير الحياء عزوفًا عن الدنيا وأهلها هينا لينًا متواضعًا محبًا للمساكين حسن الأخلاق جوادًا سخيًا من رآه كأنما رأى بعض الصحابة ولا يصلي ركعتي السنة غالبًا إلا في بيته اتباعًا للسنة وقد أخذ بمجامع الحقائق النقلية والعقلية فأما الحديث فهو سابق فرسانه وأما الفقه فهو فارس ميدانه وكان مجلسه عامرًا بالفقهاء والمحدثين وأهل الخير وصار في آخر عمره يقصده كل أحد وكان كثير العبادة دائم التهجيد لم ير مثله ولم ير مثل نفسه وكان بعد موت أخيه أبي عمر هو الذي يؤم بالجامع المظفري ويخطب يوم الجمعة وجاءه مرة الملك العزيز ابن الملك العادل يزوره فصادفه يصلي فلم
[ ٤٥ ]
يتجوز في صلاته ثم اجتمع به ومن أظرف ما حكى عنه أنه كان يجعل في عمامته ورقة مصرورة فيها رمل يرمل به ما يكتبه للناس من الفتاوى والإجازات وغيرها فاتفق ليلة أنه بينما كان ماضيًا من الجامع المظفري إلى بيته إذ خطفت عمامته فقال لخاطفها يا أخي خذ من العمامة الورقة المصرورة بما فيها ورد عليَّ العمامة أغطي بها رأسي وأنت في أوسع الحل مما في الورقة فظن الخاطف أنها فضة لأنه رآها
ثقيلة فأخذها ورد العمامة وخلص الشيخ عمامته بهذا الوجه الطيف. قال الشيخ تقي الدين بن تيمية ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من الشيخ الموفق وكان لا يكاد يناظر أحدًا إلا وهو يبتسم حتى قال بعض الناس هذا الشيخ يقتل خصمه بتبسمه وكان يشتغل عليه الناس من بكرة إلى ارتفاع النهار ثم يقرأون عليه بعد الظهر أما من الحديث أو من تصانيفه إلى المغرب ومناقبه وفضائله أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر - ومن كراماته ما حدث به العفيف كتايب (كذا) بن أحمد بن مهدي البانياسي بعد وفاة الشيخ بأيام قال رأيت الشيخ الموفق على حافة النهر يتوضأ فلما توضأ أخذ قبقابه ومشى على الماء إلى الجانب الآخر ثم لبس القبقاب وصعد إلى المدرسة يعني مدرسة أخيه أبي عمر ثم حلف كتايب بالله لقد رأيته يعني ومالي في الكذب حاجة وكتمت ذلك في حياته - ومن مصنفاته في أصول الدين وهي أحسنها الروضة مجلد. البرهان في مسألة القرآن ذم التأويل جزء كتاب القدر جزآن رسالة إلى الشيخ فخر الدين بن تيمية في تخليد أهل البدع في النار. ومنها في الحديث مختصر العلل للحلال مجلد ضخم - ومنها في الفقه المغني عشر مجلدات وهو من كتب الدنيا الكافي أربع مجلدات. المقنع مجلد. مختصر الهداية مجلد. العمدة مجلد صغير. ذم الوسواس وفتاوي ورسائل شتى - وله في الفضائل والزهد والرقائق شيء كثير وانتفع بتصانيفه المسلمون عمومًا وأهل المذهب خصوصًا وانتشرت واشتهرت بحسن قصده وإخلاصه في تصنيفها ولا سيما كتاب المغني فإنه عظم النفع به ونقل عن العز بن عبد السلام أنه قال لم تطب نفسي بالفتيا حتى صار عندي نسخة من المغنى وللشيخ موفق الدين نظم كثير حسن فمنه قوله:
[ ٤٦ ]