حل ابن الحبحاب بإفريقية فانتشرت رجاله من قرابته في كل مكان تحت نظره حتى مصر والأندلس فضلًا عن إفريقيا والمغرب، وأسند هذه الولايات إلى أبنائه وصنائعه وانضاف إلى ذلك انه ركز اهتمامه على تونس في إحداثاته بها.
ومن تلك الإحداثات دار الصناعة لإنشاء أسطول تونسي غزا به في البحر بإمرة حبيب بن أبي عبدة.
واتجهت سياسته إلى سيادة العنصر العربي سيادة مطلقة حتى اعتبر البربر مسلمهم وكافرهم سواء وأنهم فيء مع أن الولاة قبله كانوا يخمسون من لم يجب إلى الإسلام وأما من أجاب إليه فهو بالإسلام قد أندمج في العائلة الإسلامية.
ومسلكه السياسي نحو البربر أوغر الصدور عليه وأدى إلى ثورة كبرى لم تعهد من قبل وكان اتجاهه هذا يقصد من ورائه إيجاد ملك عربي ممتد الأطراف يقوده هو وأهل بيته لكن إهانة البربر أدت إلى عزله حيث لم يقدر على إخماد تلك الثورة.
ونتائج تلك السياسة جعلت المسلمين في المغرب منقسمين إلى عنصرين كلما خمدت فتنتهما دهرًا لسبب السياسة الحازمة عادت إلى الظهور من جديد مما تسبب في فتن عدة جرت إلى كوارث ومحن قعدت بالإسلام وأوقفت تقدمه، ثم جرت إلى ضياع الأندلس مع أشياء أخرى.
٤ هل كان يسمى مسجد تونس بجامع الزيتونة: نجد قصة طريفة في سبب تسمية هذا المسجد بجامع الزيتونة ذكرها الوزير السراج وهي: وأخبرني بعض إخواني عن سيدي سعيد الشريف رحمة الله تعالى (-١١١٣) أنه حدثهم أن نوحًا ﵇ لما كان في السفينة على الطوفان وقفت به يومًا وسط البحر فأوحى الله إليه أن تلك بقعة يقال لها: جامع الزيتونة.
[ ١٥١ ]
فلما دخلها الصحابة وحدوا الرهبان في صومعتها لأن صومعة الجامع قديمة كانت للرهبان..
وكان قبلة الصومعة محل محصن بالحجارة والشوك فسأل الصحابة أولئك الرهبان عن سبب ذلك، فقالوا لهم إنا كل ليلة من ذلك المحل نورًا ساطعًا لعنان السماء فرضعنا ذلك صونًا له من الكلاب أن يقذروا في ذلك المحل واتفق أن كان ذلك المحل هو المحراب، (الحلل ج؟١ ص٥٥٨ ط٢) .
هذا ما جاء في الحلل السندسية في الأخبار التونسية وهو لا يتصل بشيء من الحقيقة التاريخية حيث جعل تسمية هذا المسجد الجامع منذ الطوفان مع أن تسميته بجامع اليزتونة غير متعارفة في القرون الولى بل المعروف أنه مسجد تونس، ثم إن تلك القصة لا تتصل بالحقيقة بل هي من نسج الخيال.
ثم إنها كلها عليها أثواب الوضع ونشك في نقلها عن الشيخ سعيد الشريف فإنه كان محدثًا راوية والرواة من أهل الحديث لا ينقلون شيئًا إلا مسندًا وسعيد الشريف هذا توفي سنة (١١١٣) كما في إتحاف أهل الزمان لا في سنة (١١١٢) كما في شجرة النور الذكية.
وإذا تتبعنا كتب التاريخ ثبت لدينا أن هذا المسجد لا يسمى بجامع الزيتونة وإنما يعرف (بمسجد جامع تونس) .
ذكر أبو العرب في الجزء السابع الذي خصه بذكر علماء تونس في ترجمة زيد بن بشر فقد روى حين وصفه بأنه أكرم الناس ما يؤيد كرامة نفسه: لقد حدثني سليمان بن سالم وغيره أنه انصرف ليلة من جامع تونس فانقطع شسع نعله فوثب إليه رجل حائك من حانوته أعطاه شسعًا فأصلح نعله وكان رجل معه يحمل قنديلًا فقال لحامل القنديل: قرب القنديل إلي فقربه منه فنظر إلى وجه الحائك ليعرفه فيكافئه، فكان كلما مر إلى المسجد ومعه الجماعة مال إلى الحائك، فيسلم عليه، ويسأله عن حاله شكرًا للشسع الذي أعطاه.
(طبقات علماء إفريقيا لأبي العرب التميمي ص٢٥٦ ط باريس وص٢٢٦ ط تونس) .
وما جاء في طبقات أبي العرب جاء مثله عن محمد بن حارث في ضمن الطبقات التي لأبي العرب عند ترجمة أبي العرب ليحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري الذي دخل تونس.
قال محمد بن حارث كنت في جامع مدينة تونس مع بعض العلماء من أهلها فقال لي: "هذا الباب وأشار إلى باب مغلق لا يفتح هو باب يحيى بن سعيد وكان يدخل منه إذا كان بها" (طبقات علماء إفريقيا لأبي العرب ج؟١ ص٢٦) .
وإذا التفتنا إلى البكري أبي عبيد عبد الله الأندلس لا يذكر إلا أن ابن الحبحاب بنى الجامع بتونس قارنًا لبنائه ببناء دار الصناعة.
ولما وصف بناءه قال: وجامع تونس رفيع البناء مطل على البحر ينظر الجالس فيه إلى جميع جواريه (المسالك ص٣٧ وص٤٠) .
وكذلك لم يسمه ابن عذاري المراكشي في كتابه البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب إذ يقول: وهو أي عبيد الله بن الحبحاب الذي بنى المسجد الجامع، ودار الصناعة بتونس (ج؟١ ص٥١) .
وابن عذاري المراكشي من رجال القرن السابع (-٦٩٥) وكان ينقل عن الرقيق الذي كان حيًا سنة (٣٨٨) .
والرقيق من أهل إفريقية قيرواني عليم بأماكن تونس وتواريخها فلو كان الجامع يسمى بجامع الزيتونة لذكر أنه جامع الزيتونة.
وإذا التفتنا إلى كتب المناقب القديمة التأليف لقدماء الصلحاء بتونس نجد كتاب أبي الطاهر الفارسي حين ذكر مسجد تونس لا يذكره إلا باسم جامع تونس دون جامع الزيتونة، فإنه حين تحدث على ما أحدثه الشيخ أبو محمد محرز بن خلف الصديقي المتوفى سنة (-٤١٣) يقول: قال أبو الطاهر: وأعظم شيء أذكره من كراماته الدالة على فضله وولايته أن القرآن كل يوم يقرأ على قبره، ويختم كل جمعة منذ توفي إلى الآن ثماني عشرة سنة، لا ينقطع يومًا لعلة من العلل، لا في صيف ولا في شتاء ولا في شدة ولا في رخاء ولا غير ذلك، وهو دائم إلى الآن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ومن استنباطه ﵁ بمقصورة الجامع الأعظم بتونس حزب السبع لا ينقطع في كل يوم إلى آخر الدهر.
وكان تأليف أبي الطاهر الفارسي في سنة ثلاثين وأربعمائة بعد وفاة الشيخ محرز بن خلف رحمه الله تعالى بسبعة عشر عامًا.
[ ١٥٢ ]