أما الأول فقد ولد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف في فضل بيته وقرأ القرآن إلى أن وعاه حفظًا، وقرأ العلم الشريف بجامع الزيتونة على الشيخ علي العفيف، والشيخ محمد النيفر الأكبر، ثم سلك طريق أهل الله، وأخذه الجذب وكان في حدود الخمس والخمسين بعد المائتين والألف يحضر جامع الزيتونة، وينكر على المصلين السعال، وربما ضرب من أخذه السعال، فأمسكه عمه إمام جامع الزيتونة الأكبر في الدار، وقيده يوم السبت وكانت والدته تخرج في الليل فتجده يدور في وسط الدار، أو انه يتوضأ حتى إذا جاء النهار أصبح في قيده.
وفي ليلة الثلاثاء حضر لدار عمه ثلاثة أشخاص وقرعوا عليه الباب وطلبوا مقابلته في ذلك الوقت، فخرج إليهم فطلبوا من فك قيد ابن أخيه وأعلموه انه سيلازم الدار من يوم الجمعة القابل إلى أن يستكمل أربعًا وثلاثين سنة يكون فيها قطبًا بأراضي السودان، ثم يخرج ويحسن سلوكه ويلازم جامع الزيتونة، وعند ذلك أرسل عمه في الحين بفك قيده، وكان الأمر كما ذكروا، فإنه لازم داره، التي قرب الجامع الحسيني، وتعاطى هدمها إلى أن خرج منها أهله، واستمر في هدم الديار المجاورة لها، وكان كلما وصل إلى دار أرسل الأمير إلى صاحبها ودفع له ثمنها وتركها له، إلى أن عظم البراح الذي أقام فيه، وقد أدركته وهو غنما يظهر من السطوح أحيانًا أو انه يخرج التراب من كوة فتحها إلى أن استكمل أمده، فخرج في أواخر عام تسعة وثمانين ولازم التردد بين داره والجامع.
[ ٩٧ ]
ولما توفي ولي الله الشريف الشيخ سيدي محمد الصوردي يوم عاشوراء من المحرم الحرام عام تسعين ومائتين وألف، انتشر الشيخ بعد ذلك في الترداد على كثير من جهات البلاد، ثم لازم جامع الزيتونة مدة، واكثر جلوسه ومبيته فوق دانة سيدي منصور، وتارة يبيت بمقصورة سوق القماش، وهو على أكمل حالة الزهد في الدنيا، يلبس جبة من صوف ويتردى برداء، وعلى رأسه خرقة من الصوف وفي رجله بشمق، وتارة لا نعل في رجله، وهو مع ذلك من اعظم خلق الله هيبة وكمالًا، مع غاية الأدب والتفاني في الله، وقد نقل عن بعض أهل الله انه ولي غوثًا بعد القطبانية، وكراماته ﵁ كفلق الصبح، ولم يزل أمر سلوكه وصحوه في تقدم وازدياد إلى أن أدركته المنية عن حال صحة آخر ليلة الثلاثاء العاشر من ربيع الأول سنة ١٢٩٨ ثمان وتسعين ومائتين وألف، وتوفي على جرد حصير متوسدًا حجارة، وحسبه بذلك فخرًا لزهده ﵁ وأخرجت جنازته من دار حفيد عمه، وصلى عليه بجامع الزيتونة عند باب البهور، وحضر مشهد جنازته الأمير وآل بيته والوزراء وجميع العلماء وكافة الأهالي حتى أن جامع الزيتونة وجميع رحابه غصت بمن لم يعهد اجتماعهم لمن سواه، ودفن بزاويته قرب الجامع الحسيني، وقد رثيته فقلت: [الكامل]
ما للمشارب صفوها لا يحسنُ هل فارق الدنيا عليَّ محسنُ
إيهٍ لقد تاقت له الأخرى، لذا أخذته كي بكماله تتيمن
علمت بأنه بضعة المختار ذو الأ سرار من قد طاب منه المعدنُ
فهو الذي نادته حضرةُ قدس خا لقه إلى إدارك ما هو ممكن
وسقاه من كأس التفاني فاحتسى صفو الشراب لأنَّ سكره يزمن
فغدا نديمًا في خدور صيانة ولغير من يهواه ما أن يسكن
ورأى الجمال وشاهد الإجلال والإ قبال في قرب له مستوطن
وحوى جلالًا من أجلَّ تعرّفٍ أبدا به فضلُ المعارف احسن
لا يستفيق من الغرام ملازمًا لتأدبٍ فيه يحار الأفطنُ
يحيى الدياجي بالمناجاة التي أمسى بها في سره يتفنَّنُ
ولذا تبدَّى معرضًا عن كل ما في هاته الدنيا وغن هو يحسن
فالزهد فيها وصفه بين الورى ومتاعها أبدا عليه لهيَّنُ
مع أنه ملك التصرف في القطا بة واغتدى بكمالها يتزين
ورقى إلى غوثيةٍ يسمو بها في مجمعِ التصريف وهو الأمكن
يجري الإله على يديه جميع ما في عالم الدنيا غدا يتكون
والأولياء جميعهم من دونه وبذاك أنبا منهمُ منْ يعلن
وله بذا شهدت كرامات بدت متكاثرات حصرها لا يمكن
فخرٌ سما به من وراثة جده خير البرية شامه المستيقنُ
فيه اقتدى بعلي أبيه وجده لكنه اعلاه سبقٌ أيمنُ
ولكم لهم في بيتهم من سيد في الأولياء تراه وهو يلقَّن
ولكمْ بفضلهمُ استجار ذوو الرجا لله في خطب فصار يهوَّن
ولكم بهم في تونس الخضراء يس تقى الغمامُ وما تريَّثَ يدمن
لله ما شرفٌ على شرفٍ سما شرفًا، به الأشراف طرَّا تعلنُ
فليتَّعظ بمماته من قد درى بمقامه العالي، ففقدهُ محزنُ
وليعتبرْ أهل النهى بكمال من قد شيَّعوه متى دعاه الموطنُ
ولئن يكن دفنوه في قبر سما بالفخر منه ففضله لا يدفن
فليعقده المستمير مناديًا له باسمه فله الإجابة ديدن
وليستغث به من يناجي ربَّه وليستجر به من تصبهُ الأعينُ
وليتخذه وسيلة لله في ما قد عرا فبه التوسل أعون
وليتخذ ذو النسك عنده خلوة فيها يرى متبتلًا لا يفتن
فهو الذي خلع الإله عليه من حلل الرضا خلعًا بها يتزين
وهو الذي قد نال سابغ رحمة عند الإله بها غدا يتمكن
والله مجَّدهُ فقلت مؤرخًا: في مجد رحمته عليَّ محسن
[ ٩٨ ]
وأما أخوه صاحب الترجمة فقد ولد سنة ١٢٢٦ ست وعشرين ومائتين وألف، وحفظ القرآن العظيم حفظ تثبيت وجوده، وقرأ العلم الشريف على شيوخ كثيرين، منهم الشيخ أبو عبد الله محمد البنا، والشيخ محمد النيفر، ثم اشتغل بأحواله وتعاطى التجارة بسوق القماش وسوق العطارين الكبار مع ملازمته تلاوة القرآن ثم أنه تقدم لمشيخه أحزاب الأسبوع لجامع الزيتونة عند وفاة الشيخ الذي قبله وما توفي نائب الخليفة الإمام الثالث الشيخ أحمد القروي قدم المشير محمد الباشا صاحب الترجمة للنيابة غمامً ثالثًا، وقدم الشيخ محمد بن سليمان إمامًا للتراويح وشيخًا على الختمة، وكان خليفة الجامع يومئذ هو الشيخ محمد البنا والإمام الأكبر هو عم صاحب الترجمة الشيخ محمود محسن، فقام بالنيابة احسن قيام، في كثير من العوام، ثم عند وفاة خليفة عمه قدمه المشير الثالث محمد الصادق باشا باي خليفة لعمه في أواسط المحرم سنة ١٢٨٣ ثلاث وثمانين ومائتين وألف، وصادف ذلك هرم عمه وعجزه فقام متحملًا أعباء الخطة ولازم المحراب والمنير وقام بالخمس والجمعة إلى أن توفي عمه فقدمه المشير المذكور لخطة الإمامة الكبرى بجامع الزيتونة أواسط شهر رمضان المعظم سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف، ولما توفي إمام التراويح وشيخ الختمة الشيخ محمد بن سليمان تقدم عوضه ولده الشاب الشيخ حمودة محسن، فرآه أبوه متقدمًا بمحراب جامع الزيتونة، ونال مسرة ذلك، وكان عليه رحمة الله مصابًا بذات الرئة، اشتد به المرض بعد حين، ولازم الفراش في مبادئ عام تسع وثمانين حتى منعه من الحضور لعمل المولد الشريف.
وكان حسن الأخلاق حسن المحاضرة، تقيًا بالله، لا تأخذه في الله لومة لائم، دخل في أعضاء المجلس الكبر مدة القوانين، فظهر منه النصح للأمة والدين، وهو معقد عند العموم تجله الخاصة والعامة، اخبرني خليطه أبو عبد الله محمد بروطه أنه في صفر الخير من عام وفاته مر على دار الشيخ علي محسن فرآه فقال له: هل تأتيني بأخي؟ فأجابه لذلك، وطلب من صاحب الترجمة الذهاب إلى أخيه، وكان يومئذ يجد ألم صدره، فأحضر له كروسة، وذهبًا معًا إلى الشيخ، فلما رآه الشيخ قال له: أأنت أخي؟ فقال له: نعم، فقال له: وهل بقيت دارنا التي بها شجرة الحناء؟ فقال له: نعم، فقال له: أو إن الحناء الآن موجودة؟ فقال له: غن الشجرة قد ماتت، ثم سأله عن عمه فأخبره بوفاته، فسأل عمن تركه، فأخبره بأبنائه، فطلب إحضارهم فأحضروهم له في الحين، وبارك عليهم، وأمرهم بالرجوع من حيث أتوا ثم طلب من أخيه الإمام الكبر صاحب الترجمة أن يدخل معه إلى داخل رحابه، فدخل وأقام معه منفردًا هـ نحو الساعة، ثم خرج وصحبته قفتان مخاطتان إحداهما بالجوز والأخرى باللوز، ورجع إلى داره، وف يتلك الليلية ظهر عليه حال واختلاج واكثر التوسل لله مما لا طاقة له به، ولازم بيته على كماله وإجلاله والناس يتبركون بزيارته إلى أن توفي ثاني عشر ربيع الأول سنة تسع وثمانين ومائتين وألف وتبرك الناس بحضور جنازته، وأعقب في الجامع ولده، وكان مدفنه في تربة آبائه بالزلاج عليه رحمة الله آمين.