[ ١٣٢ ]
"القسطنطينية في ١٠ ماي سنة ١٨٨١ إن إعلاماتي المختلفة عرفت فطانتكم الوقائع التي صارت في المسألة التونسية وقد نسبت بهجوم بعض القبائل البدويين جهة الجزائر وهذا الهجوم الحكام التونسيون أعلنوا بأنهم حاضرون ليضبطوه من غير تراخ فالدولة الفرنساوية حكمت بأنه يلزمها إرسال عدد وافر من العساكر الذين استولوا على جزء كبير من الولاية ولم يبعدوا عن المركز إلا بعض فراسخ، فمن غير التفات إلى ما كنا أكدنا به على حضرة الباشا ل] اخذ التدابير اللازمة لتمهد الراحة في المواضع الثائرة فدولة الجمهورية لا تريد أن تنظر للمخاطبة الاقترانية بتونس مع السلطنة العثمانية التي هي محسوبة جزءًا مهمًا للسلطة المذكورة وأظهرت بأنها لا تقبل قولنا للاتفاق الودادي معها لقطع الاختلاف الذي وقع وترتيب حقوق الباب العالي مع منافع فرنسا في ذلك المحل وترتيب الأشياء الموجودة من زمن قديم ولا نقدر أن نزيد في إيضاحها كما يلزم وهي سيادة السلطان التي ليس فيها اختلاف على هاته الولاية وهي سيادة لا تنكرها ولا ولاية عمومًا وهذا الحق بقي إلى الآن صحيًا ولم ينقطع من زمن فتحها وهو إذ ذاك سنة ١٥٣٤ بخير الدين باشا وفي سنة ١٥٧٤ وتقليج علي باشا وسنان باشا وكانت الدولة العلية أرسلت إلى تلك المواضع قوة عظيمة برًا وبحرًا ومن زمن ذلك الفتح فالتأسيسات التي فعلها الباب العالي هي أن جميع ولاة تونس يتوارثون الولاية من ذرية الوالي الأول المسمى من السلطان ويتقلدون غلى الآن المنصب منه وفرمانات الولاية تبقى في خزانة الديوان وكذلك جميع المكتيب التي تأتي منهم لبا العالي فإنها تارة تكون في شان مخالطتهم مع الدول الأورباوية وتارة تكون في شأن أحوالهم الداخلية والتي لهاته المدة الأخيرة فإن الباب العالي من استحفاظه على حقوقه زيادة على كونه يسمي الوالي العام فإنه يرسل من القسطنطينية إلى تونس قاضيًا وباش كاتب الولاية ولم يمكن إلا من ترحم الدولة العلية أن منحت الوالي أن يسمي هو بنفسه هذين المتوظفين وأيضًا فاتباعًا للمذهب وخصوصية سيادة السلطان فإن الخطب يذكر فيها اسم جلالته ويضرب على السكة أيضًا، وفي وقت الحرب ترسل تونس الإعانة إلى التخت وعلى حسب العادة القديمة يأتي إلى القسطنطينية دائمًا أناس رسميون ليقدموا تعظيمات الوالي وخضوعه لأعتاب السلطنة وليقبلوا أيضًا الأذن اللازم من الباب العالي لأمور عظيمة في الولاية ثم إن الباشا الموجود الآن والأهالي التونسيين طلبوا زيادة في التفضل وأعطى ذلك لحضرته السامية بالفرمان المؤرخ في ١٨٧١ وتعرف به جميع الدول، والآن قد استغاث الوالي بجهد سيده الحقي ليعينه على الحالة الرديئة التي وقعت فيها تونس الآن، وهاته الأشياء التحقيقية لا ينكرها أحد فل تريدون أن تعرفوا الآن تقريرها بالتاريخ وبالمكاتبات الرسمية هو سهل لكن نقتصر على المهم منها لئلا يطول الكلام في هذا التلغراف ففي المعاهدات القديمة التي بين تركيا وفرنسا تعدد ألقاب الحضرة السلطانية ويكون منها لقب سلطان تونس) فانظر مثلاُ) معاهدة ١٠ صفر سنة ١٠٨٤ هـ؟ سنة ١٦٦٨ م وفي هذه المعاهدات أيضًا يوجد بأن كل المعاهدات التي بين الدولتين تجري أيضًا في تونس وفي نصف القرن السابع عشر أي في ١٤ صفر سنة ١١٦٦ أرسل السلطان فرمانًا للباي والحاكم الكبير بالولاية في رضا الباب العالي بأن قنصل فرنسا يجمع خدمات قناصل الدول الذين لم يكن لهم ذاك نواب القسطنطينية كالبرتغال وكتالوني وإسبانيا وفينسيا وفرنسا وغيرهم، والقنصل وكالته هي حماية السفن تحت الراية الفرنساوية في المراسي المشهورة بالولاية والفرمان يمنع تداخل الإنكليز والهولانديز وغيرهم من التداخل في خدمة نائب فرنسا وذلك سند منع التعدي بين الباب العالي والنمسا المؤرخ في ٩ رمضان سنة ١١٩٧ هـ؟ المتقرر بمعاهدة ستوفا في ١٢ ربيع الآخر سنة ١٢٩٥ فإنه يأذن حكام الجزائر وتونس وطرابلس الغرب بأن يحملوا باسم السلطان السفن التجارية لسلطنة الرومان الفخيمة وأيضًا فإن الاتفاق الذي تقدم هذا السند وتمم في ١٥ شوال سنة ١١٦١ هـ؟ بالإذن من السلطان وكان هذا الاتفاق وقع بين الحكام المذكورين والسلطنة المذكورة فغن الوالي العام بتونس وهو غذ ذاك في رتبة بكلربيك ونال اسم علي باشا يذكر في مقدمة كل مكتوب ممضى عليه منه هاته الكلمات بعينها وهي (مولانا
[ ١٣٣ ]
السلطان الغازي محمود) وعلى ذكر واقعات ذاك الزمان أستطرد لكم الإذن الصادر من الباب الغالي في ١٥ ربيع الأول سنة ١٢٤٥ هـ؟ سنة ١٨٢٧ م لحكام الجزائر وتونس وطرابلس الغرب فإنه يأمرهم أن لا يتداخلوا في الخلاف الواقع بين سلطنة النمسا ومملكة المغرب، وكذلك الإذن الصادر من القسطنطينية لوالي تونس في ١٤ صفر سنة ١٢٤٧ هـ؟ سنة ١٨٣٠ م فإنه يأمر بترتيب العسكر النظامي بالولاية على نمط الترتيب العسكري النظامي العثماني، وأيضًا قد أتى مكتوب معين بالطاعة من الباشا التونسي لجلالة السلطان في سنة ١٨٦٠ وذلك الباشا هو الذي سماه السلطان واليًا عامًا، وقد اشتهر هذا المكتوب في جميع صحف أوربا من غير أن يعارض ولا من جهة واحدة ونزيدكم شيئًا آخر وهو انه في سنة ١٨٦٣ في واقعة القرض التونسي الذي وقع في باريس من غير رضا الباب العالي كان مسيو دواراون دولويس وزير خارجية الإمبراطور نابليون الثالث قد أعلن رأيه بنا، على شكايات الدولة العثمانية وقال إنه يلزم غما الباشا بتونس أو الصراف الذي يريد عقد القرض معه أن يطلب رضا الباب العالي ليصبح هذا القرض للمدافعة عن حقوق الباب العالي فغن الوزير الفرنساوي أرسل يقول هذا الكلام والحق الذي للدول الممضين على معاهدة برلين وإنا لمحققون بأن فكر الدول محيط بدلائل كثيرة في الواجبات العمومية التي يقتضيها المؤتمر المحترم وانهم يريدون أن يفصلوا بالعدل قولنا الذي قدمناه وأنهم يتحفظون على حقوق الباب العالي الأخرى المحفوظة بالمعاهدة المذكورة ويصلحون الحال بين الدولتين المتممة للسلطة العثمانية والمرغوب من جنابكم أن تتكلم مع وزير الخارجية في مضمون هذا التلغراف وتشرح له ما تراه نافعًا ولكم الإذن بأن تعطوا نسخة من هذا لجناب الوزير إذا طلبكم (الإمضاء مصطفى عاصم) .
[ ١٣٤ ]
ومن تأمل هذه اللائحة مع ما قررناه في سياسة تونس الخارجية ومقاصد فرنسا فيها لا يشك في أن فرنسا لم تكن تنازع قط في أن تونس من ممالك الدولة العثمانية، وإنما غاية دعواها هو أن تلك الإيالة لها امتيازات جارية تحافظ هي عليها لجل منافعها ويصدق ذلك تصريح وزير فرنسا دواروان دولويس في مجمع فيينا إثر حرب القريم لما سأل الوزير الروسي عن تعيين الممالك العثمانية للجهل ببعضها ومثل بتونس وأنه يتراءى فيها نزاع فأجابه الوزير الفرنساوي بأن لاشك ولا نزاع في كون تونس من الممالك الغعثمانية وإن كانت لها امتيازات تخصها وكذلك المعاهدات المعقودة بين فرنسا وتونس حتى التي وقعت بعد الاستيلاء على الجزائر بمدة طويلة يصرح فيها بأن سائر المعاهدات المعقودة مع الدولة العثمانية تكون مرعية الإجراء في تونس ولا يعزب عن عاقل أن ذلك التصريح لاتحاد تونس بالممالك العثمانية، ومع هذا كله لم يفد استصراخ الدول لأن فرنسا لم تعلن بعملها إلا بعد أن لمست أفكار الدول الكبيرة فوجدتهم غير معارضين لها لأن دولة إنكلترا متولي زمامها حزب الإطلاق الذي لا يرى نفع دولته في المحافظة على الدولة العثمانية بعد أن طال تجريبهم لها في الحث على الجريان على مقتضى نصائحهم ولكنهم لم يروا العمل دونك ما نشر في الكتاب الأزرق من المخاطبات التي وقعت من الحضرة السلطانية ورئيس وزرائها ومع سفير إنكلترا في الآستانة حسبما أهبر بها وزيره بعدة تلغرافات تنبئ بما تقدم فمنها تلغراف من مسيو غوشين (سفير إنكلترا) إلى وزير خارجيتها بتاريخ ١٩ نيسان سنة ١٨٨١ هاته ترجمته إني وجدت جلالته (أي السلطان) مشغول الفكر بهذه الأفعال وبناء على ما عندي من الإذن أعلنت له بأن الدولة الإنكليزية تريد بقاء الحالة الموجودة بتونس والنائب الإنكليزي له الإذن ليرشد الباي إذا استشاره بأن يعين فرنسا في تقرير راحة الحدود وغني أرجو أن جلالته يشير على الباي أيضًا بذلك فالسلطان سكت بعض دقائق ثم ظهر على وجهه الغضب وقال إنه فهم من كلامي أن الدولة البريطانية تريد إبقاء الحالة على ما هي عليه في تونس ولها نفع في ذلك وفهم أيضًا أنا أشرنا على محمد الصادق بأن يعين العساكر الفرنساوية فنبهت عظمته بأن قلت إن الدولة الإنكليزية تنتفع بإبقاء الحالة الموجودة ولكنها تظهر تمني ذلك فقط على هذه الكيفية ونحن نتأسف كثيرًا من فتح مسألة جديدة في الشرق، وإنا لا نفتكر أنه توجد فوائد خصوصية لإنكلترا مربوطة بأي كيفية كانت في أحوال تونس، فعند هذا أجاب السلطان بأنه لم ير كيف يجمع بين رجائنا في إبقاء حالة تونس على ما هي عليه ومع ذلك نشير على الباي بأن يعين العساكر الفرنساوية فهذان الشيئان لا يتوافقان لنه على رأيه يكون دخول العساكر الفرنساوية إلى تونس ناقضًا للحالة الموجودة.
[ ١٣٥ ]
وفي تلغراف آخر من مسيو غوشن أيضًا يقول فيه إن المحادثة التي وقعت بيني وبين باش وكيل كان يطلب فيها صحبة إنكلترا وقال إن الدولة الإنكليزية تقدر أن تعمل مع الدولة العثمانية المعروف وأن الباب العثماني يكون ممنونًا إذا كانت إنكلترا تريد أن تفعل معه ذلك، فقلت له إن ما كنت قلته لكم قد وقع، والذي كنت تقوله دائمًا هو انه يأتي زمن تكون فيه تركيا متذكرة بأن صحبة إنكلترا لها لازمة وقد تكلم على الحاجة الأكيدة الآن وتلكم أيضًا على مودة إنكلترا فتبعته وقلت له ما هو دليل المودة الذي أظهرته تركيا لإنكلترا منذ بعض سنين وفي أي وقت اتبعتم إشارتنا، وفي أي وقت قبلت استشارتنا النافعة للسلطة التركية نعم إن الترك قد علموا غاية جهدهم ليتركوا المودة التي في رأي العموم في إنكلترا ورجوعها الآن ليس بسهل فحضرته العلية أجابت بان جميع الأشياء واستمر في طلب الإعانة وأنا شرحت له بأن نازلة تونس مثل النوازل الأخرى الشرقية ولا تقدر إنكلترا على إتمامها وحدها ومع هذا فليس لنا فائدة خصوصية وسياستنا متمسكة بالموافقة الأروباوية ولا دولة تريد قيام عسر جديد قبل أن تتم الإعسار القديمة وكل دولة تكون حازمة إذا كانت تفتش كل واسطة لحصر النازلة التونسية في حدود ضيقة لأقل ما يمكن لئلا تقوم نازلة تدخل فيها الدول برأي مختلف فجنابه يقدر أن يفهم من جملة كلامي بأن ليس لي إذن لتقرر الرجاء بأن تكون الدول العظام الأروباوية يظهرون أنفسهم مختلفين على نازلة مخلبطة بين الباب العثماني وتونس والطلب الخصوصي من إنكلترا ليس بموافق لحالة الباب العثماني منذ بعض سنين مع الدولة المشار إليها.
فهذا الخطاب كاف في بيان الحال مع إنكلترا وهي وإن أظهر بعض أهل الشورى التنديد على سياستها وطلب المحافظة على تونس وإبقائها للدولة العثمانية وبين ما نشا لإنكلترا من المضرة عند استيلاء فرنسا على مرسى ابن زرت وعلى قربها من خليج السويس ورجحان كفتها في البحر الأبيض لكنه لم ينفذ كلامه حيث كان حزب المحافظين الذي هو مغلوب حينئذ واحتجت عليه الوزارة بأن حزبه الذي فتح الباب لفرنسا فإن اللورد ملسبري الذي كان وزير الخارجية عند عقد مؤتمر برلين كما باحثه وزير فرنسا على استيلاء إنكلترا على قبرص أجابه بأنه لا يعارض فرنسا إذا أرادت الاستيلاء على تونس.
فإذا يكون استناد فرنسا على وعد إنكلترا وقد غفل المستند لذلك عن كون الوعد من ملسبري كان في سياق أن ترضى بذلك الدولة العثمانية صاحبة الملك مع الرضا العام لا اغتيالًا ومع ذلك فلإنكلترا مقاصد على تونس مخفية في مصر فرأت أن مساعدة فرنسا على تونس تلائمها في مقصدها هي في مصر عند الحاجة إذا ساعدتها فرنسا ولهذا لم تعترف بالمعاهدة الجددية مع تونس رسميًا حتى أن وزير فرنسا الأول أعلن في مجلس النواب بأن إنكلترا وافقت على معاهدة وزير فرنسا الأول أعلن في مجلس النواب بأن إنكلترا وافقت على معاهدة مايه استنادًا منها لما دار بينهم من الكلام فيها فأعلن وزير خارجية إنكلترا حالًا بتكذيب ذلك الإدعاء وما ذاك إلا تحفظًا على ما يريد لدولته حتى إذا لم تساعفه فرنسا في مصر وآل بينهم الأمر إلى المشاحنة الحقيقية كان لإنكلترا وجه في نقض ما حل بتونس.
وأما دولة الروسي فلا إشكال أنه يسرها كل ما يضعف الدولة العثمانية ولا فائدة لها في مشاحنة فرنسا وذلك كان جوابها يمثل محصول جواب سابقتها.
[ ١٣٦ ]
وأما دولة ألمانيا خصوصًا بأن الأولى للدولة العثمانية الإضراب هن هاته النازلة وأنها هي لا تتعرض لفرنسا بشيء والباعث لها على ذلك وجوه (أولها) إظهار عدم التجافي عن فرنسا التي لها عليها حقد أخذ الثأر (وثانيها) جذب أعداء ومضادين لفرنسا كالدولة العثمانية وإيطاليا حتى إذا أعلنت الحرب يومًا ما بين ألمانيا تجد ألمانيا الظهير على قوتها بما لذلك من الباعث الذاتي (وثالثها) أشغال فرنسا بفتوحات جديدة في أراض فسيحة وخلق كثير في أفريقيا ربما طال اشتغالها بهم حتى يبرد لهيب اخذ الثأر (ورابعها) إضعاف قوة فرنسا وقت الحرب إذ الأمم الذين تريد التسلط عليهم وإن لم يكونوا كفؤا لمحاربة فرنسا لخلوهم عن آلات الحرب والاستعداد لها لكنهم لما كانوا مسلمين واهل نجدة وشجاعة ومثافنة للحرب لا يلبثون دائمًا أن يحدثوا عليها ثورات سيما إذا علموا بوقوع حرب بينها وبين أجنبي فتضطر فرنسا في وقت الحرب إلى أن تبقى قسمًا عظيمًا من جيشها محافظًا على ذلك المستعمر وذلك يفيد ألمانيا بنقصان قوة جيش خصمها في حربها (وخامسًا) تمهيد السبيل إليها فيما تريد التعارض به بينها وبين النمسا لأن ألمانيا ليس لها مرسى على البحر الأبيض، وقد بقي من جنس الألمان تحت النمسا عدة ملايين حول الجهات التي قرب مرسى ترست فلو أخذت ألمانيا ذلك الباقي من الألمان مع تلك المرسى يكون ذلك غاية أمانيها ولكن ذلك لا يحصل إلا بحرب مع النمسا وقهرها أو بمعارضة ذلك لها بشيء يرضيها من ممالك الدولة العثمانية مثل أخذها ولايات مقدونيا ومرسى سلانيك الموازي ذلك لمت يؤخذ منها حسبما أشيع مرارًا ولذلك كانت ألمانيا أول من بادر لأمر نائبها بتونس باتباع سياسة فرنسا فيها، وتبعتها على ذلك أيضًا النمسا لأنها ليست لها سياسة تخصها في تونس وهي لها مع ألمانيا عقد محالفة اتحاد على الذب والإقدام، ثم إنها لما مطامح في جهة بحر الجزر لتتمكن فيه بمواقع مهمة لكي تسلم في مرسي ترست إلى ألمانيا حليفتها حيث لم يكن لها مرسى في البحر الأبيض كما تقدم ذكره فلا تعارضها فرنسا عند العمل.
وأما إيطاليا فإنها تجرعت من لك الغصص وطوت على الضغائن التي لا تزال ولكنها لما كانت غير كفء بانفرادها لمعارضة فرنسا، واتحادها مع الدولة العثمانية أيضًا لا يجدي لاحتياج كل إلى المال مع ما فيه الدولة العثمانية من الحالة الداخلية والخارجية التي أعقبتها الحرب الأخيرة، فلم يسعها إلا السكوت وتحمل عرق القربة مع عظم الضغينة في عموم الأهالي والدولة إذ هي حريصة على إبقاء ما كان في تونس وكانت عند ملاحظتها مبادي الشر عرضت بالسعي السياسي مع الدولة العلية فلم يكن من المقدر قبول الانتباه لما أراده حتى أنكر الوزير العثماني على المأمور الطلياني التكلم معه في تونس وقال له إنها تابعة لنا دخل فيها لحد وعند هجوم فرنسا صار يتملق إلى ذلك المأمور لكي يمد إيطاليا اليد فقالت له مصداق المثل "الصيف ضيعت اللبن".
[ ١٣٧ ]
وبما تمهد عبرت عساكر فرنسا حدود تونس معلنة بأنها تريد تأديب قبيلة خمير من أعراب الجبال الشمالية عند حدود الجزائر ولم يتعرض لها أحد بالمصادمة لن حكومة تونس قد تقدمت حالتها الباطنية من التوافق مع فرنسا ومع ذلك فليس عندها تحت السلاح ألفا عسكري ولا اقتدار لها على معارضة فرنسا بالقوة واستندت ظاهرًا إلى أمر الدولة العلية بارتكابها سبيل الملاينة واظهر الوزير التونسي إذ ذاك التزام العمل برأي مجلس الشوري حيث فات الإبان مع أن جميع ما يتفاوض فيه يقرره لتابعه علي بالزي ليلًا وهو يقرره إلى نائب فرنسا فكلما غزل المجلس غزلًا نقصه من هو بالمرصاد منهم حتى تعجبوا من اطلاعه على جميع احوالهم، وتمكنت عساكر فرنسا من بلد الكاف وباجة وبنزرت، وفي أثناء تلك المدة كانت الحكومة التونسية لا تزال تسجل وتتشكى وأنها مستعدة لتربية قبائلها الذين هم في نفس الأمر غنما اتخذوا وسيلة فقط، ومع ذلك فقد أوعز الوزير بواسطة تابعه المشار إليه إلى نائب فرنسا بأن لا واسطة مفيدة في الدخول تحت فرنسا إلا قدوم شرذمة من العساكر إلى قصر الوالي والإحاطة به إذ النسوة لما ترى ذلك تصعق بالخوف فيضطر الوالي إلى الإمضاء على الشروط ويجد العذر عند الأهالي، ومع ذلك أرسل خبرًا بالسلك الكهربائي إلى الباب العالي يقول أنه قد علم أن فرنسا تطلب عقد شروط ولا يعلم ما هي فماذا يفعل فأجيب من الباب بأن يحيل كلما يطلب منه الباب العالي ولا يمضي شيئًا وقبل ذلك أشاع أصحاب الأخبار أن في عزم الدولة إرسال خير الدين باشا إلى تونس معتمدًا في حسم النازلة لمعرفته بأحوالها وسياسة الأهالي والأجانب ولكن يكون عونًا على إبقاء الحالة المعروفة فأرسل الوالي تلغرافًا إلى الباب العالي يطلب أن يكون المرسل غير المشار إليه وتعجب كل غافل عن المقاصد الخفية من ذلك الطلب إذ تلك الحالة لا تدع مجالًا للشخصيات سيما وقد سبقت من خير الدين إلى الوالي المشار إليه المجاملة وعدم الأكتراث بما فعل معه عند حلوله بالأستانة وترقيه فيها، لكن المطلع على الباطن زاده ذلك تيقنًا في التواطؤ على تلك الأعمال لأن وجود مثل خير الدين في تونس لا يروج عليه ما يروج على غيره ممن لم يثافن طبائع الشقين، ومع مجاراة الباب العالي وتقليله لمواقع النزاع قدر الإمكان لتأمين الوالي حيث أظهر الميل إلى الدولة فإنه أي الوالي أسرع إلى إمضاء الشروط مع فرنسا والحال أن مداد الحبر من الباب العالي ينهاه عن الإمضاء لم يجف ولم يجبر الباب بعد ذلك بشيء حتى سأله عما شاع من إمضائه فأجابه بأنه مكره عليه وكل ما ورد بعد ذلك من الباب سلمه غلى نائب فرنسا مدعيًا أن الشروط قاضية بلك (وهذا نص تعريب المعاهدة): إن دولة جمهورية فرنسا ودولة باي تونس أرادوا أن يقطعوا بالمرة التحيير المخرب الذي وقع قريبًا في حدود الدولتين وفي شطوط تونس، وأرادوا أن يرابطوا مخالطتهم القديمة التي هي مخالطة مودة وجوار حسن، فاعتمدوا على ذلك وعقدوا معاهدة في نفع الجهتين المهمتين فعلى موجب ذلك رئيس الجمهورية الفرنساوية سمى وكيله مسيو الجنرال برياد الذي يتفق مع حضرة الباي السامية على الشروط الآتية: أولًا: المعاهدات الصلحية والودادية والتجارية وغيرها الموجودة الآن بين الجمهورية الفرنساوية وحضرة الباي يتحتم تقريرها واستمرارها.
ثانيًا: ليسهل لدولة الجمهورية إتمام الطرق للتوصل إلى المقصود الذي يعني الجهتين العظيمتين بحضرة الباي ترضى بأن الحكم العسكري الفرنساوي يضع العساكر في المواضع التي يراها لازمة لتقرر وترجع الراحة والأمان في الحدود والشطوط وخروج العساكر يكون عندما يتوافق الحكم العسكري الفرنساوي والتونسي على أن الدولة التونسية تقدر على إقرار الراحة.
ثالثًا: دولة الجمهورية تتعهد لحضرة الباي بان يستند عليها دائمًا وهي تدافع عن جميع ما يتخوف منه لضرر ما في نفسه أو في عائلته أو فيما يحير دولته.
رابعًا: دولة الجمهورية الفرنساوية في إجراء المعاهدات الموجودة الآن بين دولة تونس والدول المختلفة الأروباوية.
خامسًا: دولة الجمهورية الفرنساوية تحضر نحو حضرة الباي وزيرًا مقيمًا لينظر في إجراء هاته وهو يكون واسطة فيما يتعلق بالدولة الفرنساوية وذوي المر والنهي التونسيين وفي كل الأمور المشتركة بين المملكتين.
[ ١٣٨ ]
سادسًا: أن النواب السياسيين والقناصل الفرنساويين في الممالك الخارجية يتوكلون ليحموا أشغال تونس وأشغال رعيتها في مقابلة هذا فحضرة الباي تتعهد بأن لا تعقد معاهدة عمومية من غير أن تعلم بها دولة الجمهورية ومن غير أن يحصل على موافقتها من قبل.
سابعًا: دولة الجمهورية الفرنساوية ودولة حضرة الباي أبقوا لأنفسهم الحق في أن يؤسسوا ترتيبًا في المالية التونسية ليمكن لهما دفع ما يلزم الدين التونسي العام وهذا الترتيب يضمن في حقوق أصحاب الدين التونسي.
ثامنًا: إن غرامة الحرب يغضب عليها القبائل العصاة بالحدود والشطوط وتفعل دولة الجمهورية مع حضرة الباي فيما شروطًا على كميتها وكيفية دفعها ودولة حضرة الباي تضمن في ذلك.
تاسعًا: للمدافعة على منع إدخال السلاح والالات الحربية للملكة الجزائرية الفرنساوية فدولة باي تونس تتعهد بأن تمنع دخول الأشياء المشار لها من جزيرة جربة ومرسى قابس وسائر المراسي الجنوبية في المملكة.
عاشرًا: إن هاته المعاهدة توضع لدى رضا الدولة الجمهورية الفرنساوية وترجع في أقرب وقت ممكن لحضرة الباي السامية.
حرر في ١٢ ماي ١٨٨١ بالقصر السعيد الإمضاء محمد الصادق باي والجنرال برياد.
والذي يؤكد صدق التواطؤ من قبل أن الوالي طلب ظاهرًا من نواب فرنسا وهما أمير العساكر والقنصل أن يمهلاه مدة للتأمل من حالة الشروط فأجابه القنصل بأنه لا داعي إلى ذلك حيث أن الشروط عند وزيرك من مدة وتأملتها أنت وهو لم يبق إلا لإمضاء ويؤيده أيضًا أن رئيس المجلس البلدي السيد محمد العربي زروق أحد أعضاء مجلس الشورى أصر على عدم الموافقة على إمضاء الشروط وألح على الوالي بذلك عند جمعه للمجلس وأمير عسكر فرنسا منتظر لانبرامها ونصحه بأن ما يخشى منه بعدم الإمضاء سيقع لا محالة بعيد الإمضاء فالتمسك بالبراءة الأصلية أسلم وأشرف وعورض بأنه قد علم أن الوالي إذا لم يصحح يولي الفرنسيس عوضه أخاه الثالث (محمد الطيب باي) لأنهم أكدوا أن له اتفاقًا مع الفرنسيس فأجابه بأن جميع الأهالي لا تطيع الوجه المذكور وعلى فرض قهرهم يكون الوالي على شرفه وربما اضطرت الدول إلى التداخل بوجه يحسن الحال، فلم يلتفت لكلامه وعزل إثر ذلك من جميع وظائفه وجعلت عليه مراقبة في داره وحجر عليه مخالطة الناس وتحقق مزيد الإضرار به إلى أن احتمى بقنصلية إنكلترا وسافر عن وطنه وأقام بالأستانة.
[ ١٣٩ ]
ويشهد صراحة للتواطؤ ما صرح به البارون بيانك الفرنساوي في تشرين الأول سنة ١٨٨١ بما وقع في هاته المسألة وأنه كانت أرسلته دولته حيث كان أحد مأموري الوزارة الخارجية لاستقراء أمر تونس وذلك في كانون الثاني سنة ١٨٨١ وأن الوالي أجاب إذ ذاك فرنسا بأنه يقبل الشروط إذا كان الواسطة فيها هو فرديناند لسبس لأنه كان يؤمل بواسطة المذكور الحصول على شروط أوفق له وأن الشروط إذ ذاك كانت غير التي قررت الآن ومع ذلك كله لم تعلم الدولة العلية بشيء وبه يعلم صدق الكلام في إضمار الوزير التونسي الشر للبلاد ولي بالخصوص أعمال النائب لفرنسا عند إمضاء المعاهدة أن طلب من الوالي نفي علي بالزي حالًا لكي لا يبيح بما وقع من الأسرار التي أطلع عليها فنفي إلى حصن قابس ثم توجه الوزير ابن إسماعيل إلى باريس في سفينة فرنساوية حربية شاكرًا لإنعام فرنسا بتلك المعاهدة ومعلنًا لها بأنه يصدق في خدمتها أزيد مما كان يبذله سابقًا كذا في عبارته الرسمية عند ملاقاته رئيس الجمهورية المنشورة في الصحيفة الرسمية فقلدته فرنسا بأكبر نيشان لها مع الشريط الأكبر ورجع إلى تونس ولم يلبث بضع أشهر حتى ورد المر على الوالي من وزير فرنسا بعزل وزيره ابن إسماعيل لأن نائب فرنسا بتونس توجه غلى باريس وتفاوض مع دولته فيما يسلكونه في تونس حيث غن الأعراب والجهات الجنوبية أعلنوا بأن الوالي لما بغى على الدولة العثمانية بدخوله تحت حماية فرنسا فهم لا يطيعونه لنهم بايعوا أمير المؤمنين سلطان الدولة العثمانية قديمًا وحديثًا فلا يحل لهم الخروج عليه، وهرب على الوالي جميع عساكره فاضطرت فرنسا لتعبية الجيوش لتطويع الأعراب، وكان من جملة التدبير عزل ذلك الوزير الذي توقعوا منه أن يفعل معهم مثل ما فعل مع البلد الذي وصل فيها إلى تلك الدرجة وتحقق الوزير ما ضرب من المثل بوزارة العلقمي وغن كان هذا أي ابن إسماعيل قد امتاز بجميع خزائن أمراء تونس حتى كان آخر ما بقي للوالي من مفاخر الجواهر عقد لؤلؤ منظم سبحة بها مائة حبة مع حلية زمرد محاط بها الياقوت الأبي، فأعطاهما إليه عند سفره لباريس بعد العزل المذكور ورام بسفره إرضاء فرنسا عليه وإرجاعه إلى الوزارة وبقيت البلاد إلى الآن في حيرة واضطراب ودخلت العساكر الفرنساوية إلى قصبة الحاضرة وإلى منازل العساكر في المدينة وأمام قنصلية فرنسا وسكن رئيس العساكر الفرنساوية بدار المملكة في بطحاء القصبة وصارت الحكومة لا تتصرف في شيء إلا بأمر الوزير الفرنساوي سواء كان في الداخلية أو في الخارجية، وتفاقم الضرر بولايات غير الأهل في الوظائف بوسائل غير مرضية، وعظم الكرب على القبائل والبلدان بما حصل فيها من العساكر الذين أقاموا بالقيروان وسوسة وهدموا صفاقس وخرجوا من قابس بعد دخولها وعادوا غليها، ونسأل الله تعالى أن يتداركنا بألطافه وبحسن العاقبة.
[ ١٤٠ ]
ومما ينبغي التنبه إليه هنا أن الأحوال السياسية التي أشرنا إليها مع الدول سيما مقاصد ألمانيا لا يمكن أن تخفى على أمة عاقلة مثل الفرنساويين فكيف مع ذلك أقدموا على تبوؤ تونس مع كون الفائدة التي تحصل لهم منها لا توازي ما ذكر سيما إذا كان المعاهدة مع تونس التي ذكرناها تجري حقيقة على ظاهرها فالجواب أم كثيرًا من عقلاء الفرنسيين قد نددوا على دولتهم وما زالوا في الاعتراض عليها لكنها بعد الوقوع في الأمر المتسبب عن تهور ممن بيدهم مقاليد السياسة حتى اتهمهم مضادوهم من نفس الفرنسيين بان لهم في ذلك أرباحًا ذاتية من التجارة في الرقاع الدولية وموهوا على العامة بالانتصار لحفظ ناموس فرنسا، فبعد ذلك صعب على الدولة إهمال سعيها ما خسرته من الأموال المتجاوزة مائة مليون ومن الرجال الذين ماتوا بالحرب مع الأعراب والأمراض المتجاوزين خمسة وثلاثين ألفًا فرأت فرنسا التحفظ على ما وقع مع السعي في حسن السلوك الذي يخفف أو يدفع عنها الغوائل المنتظرة ثم وراء ذلك أمر مهم جدًا لفرنسا وهو طمعها في إحداث مملكة عظيمة في إفريقيا مثل ما للإنكليز في الهند فتريد أن تمتد من الجزائر إلى ما جاورها شيئًا فشيئًا إلى أن تصل إلى دواخل إفريقيا والسودان وتصل بين شاطئ إفريقيا الغربي في سانيغال والشرقي في الجزائر وتونس حتى رسمت جمعية فرنساوية رسمًا لخط الحديد في ذلك ولو يتم هذا يكون لفرنسا شان عظيم غير أن القياس على الهند الإنكليزي هو قياس مع الفارق لا من جهة سياسة الفرنساويين في مستعمراتهم من حيث قلبها إلى عوائد الفرنسيين وإناطتها الإدارة في الكليات والجزئيات بباريس ولا من حيث أخلاق الأمم المستوطنين بإفريقيا والمتسوطنين بالهند، وغن شئت الوقوف على برهان ذلك فانظر ما حررناه في أحوال الجزائر وفي أحوال الهند وفي سياسة كل من الدولتين تتبين لك حقيقة الحال وبما ذكرناه هنا يندفع الاعتراض على ما ذكرناه في سياسة تونس الخارجية من كون فرنسا لا تريد الاستيلاء عليها مع كون أعمالها ناقضت ذلك وشرح الدفع يؤول إلى أن الحامل لدولة فرنسا على مخالفة ما سبق من مقاصدها في تونس شيئان أحدهما سياسي ظاهري والآخر خصوصي باطني، فالباطني هو المشار إليه بما وقع من التهمة في نفع الأفراد الذي يأتي له مزيد شرح في مبحث الأحكام، والظاهري هو أن الدول قد تغيرت أفكارهم بالنسبة لمحافظة الدولة العثمانية منذ عقد معاهدة برلين فدلت أعمالهم على أن من ناسبه شيء منها وكانت له قدرة على حوزه بادر إليه وغض عنه النظر بقيتهم إذا كان المحوز أكثر مناسبة بالحائز وقد علمت مقاصد فرنسا ف يتونس ورأت أن إيطاليا لها من المقاصد والمناسبات ما يزاحمها ثم رأت سيرة ابن إسماعيل وانه غير أمين فلا يبعد أن يفعل مع إيطاليا أو غيرها من الدول ما فعل معها لخوف أو طمع مع تيسر إجراء الأمور بواسطته فانتهزت الفرصة خوفًا على درجة نفوذها فبادرت قبل أن تبادر إيطاليا، ومن المعلوم أن السياسة تدور مع الأحوال الحاضرة ولله عاقبة الأمور".
إلى هنا انتهى الذيل الذي كتبه صاحب الصفوة.