إن هذه الثورة مقصورة على غرب البلاد بقيادة علي بن محمد بن غذاهم وإنما هي عامة شملت البلاد كلها فعلاوة على غربها هناك عمل سوسة، وعمل القيروان، وعمل صفاقس، وعمل الأعراض.
لكنها كانت في هذه العمال غير مسيرة مثل ما هي في ناحية ابن غذاهم بل هي مقودة بقيادة فوضوية.
[ ١٢٠ ]
ولولا تداخل بعض أهل العلم والصلاح لانتهى أمر الدولة الحسينية لا أمر الدولة الصادقية مع ما انضم إلى ذلك من دهاء بعض الوزراء وبعض رجال الحكومة حينذاك فإنهم أنقذوا الدولة من الانهيار.
وتحقيق النظر في هذه الثورة العارمة يحتاج إلى كتاب خاص، وإنما نقتصر في هذا الملحق على بيان مواقف ثلاثة من المؤرخين التونسيين وهم: الشيخ السنوسي في مسامرات الظريف.
والشيخ محمد بيرم الخامس في صفوة الاعتبار.
والشيخ الوزير ابن أبي الضياف.
إن موقف الأول من هذه الثورة موقف تزلف وتدل على الحط من أحد رجالها وهو علي بن محمد بن غذاهم حيث وصفه بما انتقدناه عليه.
فهو لم ينظر لها نظرة تاريخية، بل نظر إليها بغير منظار المؤرخ النزيه ولولا أن الواقف على كتابه الذي أخرجته للطبع يغتر بكرمه ما كنت أتوسع في الكلام على هذه الثورة.
وثاني المؤرخين الثلاثة هو الشيخ محمد بيرم الخامس قد كانت له إحن في نفسه على الوزير مصطفى خزنه دار حيث أدمج في أسباب الثورة أنها ترمي إلى المطالبة بعزل خزنه دار.
(وحاصل مطالب الجميع إبطال الداء الجديد وعزل الوزير مصطفى خزنه دار ومحاسبته، فامتنع الوالي أولًا من جميع مطالبهم فاشتد الكرب على الحكومة) .
وأكد هذا بما نسبه إلى الوزير خزنه دار.
ومن وقتئذ أيدي العدوان على الأهالي بسلب الأموال، والقتل والضرب بالسياط المؤدي إلى القتل لأن الوزير اشتد حنقه عليهم حتى انه دخل عليه أحد الأعيان يومًا وهو يقول: طلبوا دمي أرضى إلا بدمائهم، طلبوا مالي فلا أرضى إلا بأموالهم.
لعل مراده بطلب دمه هو طلب عزله، وقد اعتادوا في بعض الوزراء السابقين قتلهم فظن أن العزل يؤدي للقتل وإلا فنفس قتله لم يطلبه أحد.
أما المال فنعم فقد طلبوا حسابه.
أدمج صاحبة صفوة الاعتبار عزل الوزير مصطفى خزنه دار في مطالب الثورة مع أنه لم يأت بدليل يدل على ذلك إلا ما أخبره به أحد الأعيان الذي قال له إنهم طلبوا دمي أرضى إلا بدمائهم.
وثالث المؤرخين وهو أولهم في كتابة التاريخ التونسي وأقعدهم في كتبته الشيخ الوزير ابن أبي الضياف وهو أشد المؤرخين تحريًا في كتابة التاريخ فتاريخه مدعم بالوثائق التاريخية التي توقفك على عين الحقيقة.
وعين الحقيقة في هذه الثورة العارمة أنها مقصورة على طلب إلغاء الأداء الجديد دون التعرض لعزل مصطفى خزنه دار.
وقد وضح هذا صاحب الإتحاف أتم توضيح فيما كتبه قبل صاحب صفوة الاعتبار.
فبين أن قنصل فرنسا شارل دوبوفال (Charles de Beauval) اغتنم هذه الفرصة للتداخل في أمر الولاية وأحكامها فأتى إلى البي يوم الجمعة ٢٣ من ذي القعدة (٢٩ أفريل ١٨٦٤) ومع أمير الأسطول الفرنسي والقائم مقام (كنبنو) الذي كان من معلمي الجند التونسي وتخلى عن ذلك.
وحين دخولهم على الأمير وجدوا معه مصطفى خزنه دار فطلبوا منه إخراجه فتشدد الباي في ذلك.
وابتدأت المحاورة بين الأمير والوفد الفرنسي الذي طلب إبطال عهد الأمان فبين له الأمير انه أعطى عهده على إتمام عهد الأمان وأن أخاه هو الذي أعطى ذلك.
ثم طلب الوفد تبديل المأمورين في الخدم السياسية فأجاب الباي بأن ذلك غير ممكن في وقت هذه الثورة لأن ذلك يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.
وطال الجدال بين الأمير ومحدثيه من الفرنسيين في شأن تبديل الوزراء وفي طالعتهم مصطفى خزنه دار.
وفي هذا المجلس أساء القائم مقام (كنبنو) إساءة لا تحتمل حتى أن القنصل الفرنسي أسكته ولما بلغ الأمر مبلغه من الإهانة مرض الأمير.
ثم إن الأمير جمع رجال الدولة من وزراء وغيرهم وأخبرهم انه لا يتنازل في شان تبديل الوزراء فقال وزير مصطفى خزنه دار أنا أسلم وأصر على تسليمه الوزير خير الدين وهو مصطفى خزنه دار نفسه.
لكن تغلب الرأي الذاهب إلى عدم الرضوخ إلى مطلب القنصل الفرنسي لأن فيه تدخلًا في الشؤون التونسية وذلك مفض إلى أن تصبح تونس محكومة من طرف القنصل الفرنسي.
ولم يكتف التدخل الفرنسي بعزل الوزراء بما أرادوه من إرغام الأمير عليه فأضيف إلى ذلك مكاتيب مرسلة إلى العروش التونسية ومن نماذجها ما نقتطفه من بعضها.
[ ١٢١ ]
(يا أيها العروش أعلموا أن الدولة أرسلت لكم مشايخ الطريقة وذكروا لكم أن الفرنسيس غادرون بكم ومرادنا اخذ بلادكم ونحن بالعكس من ذلك وإنما مرادنا إصلاح أحوالكم ورفع المظالم عنكم وإجراء الحق على كل أحد ولكن سوف ترون ما يحل لكم من أولئك الناس وتقفون على كلامنا لأن المشايخ توسطوا بينكم وبين الدولة وباعوا ضمائرهم بثمن قليل.
وما دام الوزراء الموجودون في باردو فإنكم لا تتخلصون من الضرائب أي التي أثقلت كاهلكم والتي ثرتم من أجلها.
وما داموا لا أمان ينالكم لا في أبدانكم وزلا في أرزاقكم.
وستقفون على أحقية كلامنا، وعما قريب يظهر لكم من هو على الصواب) .
وهذا المكتوب نقلناه مع تحرير جزئي لإرجاعه عربيًا سليمًا نوعًا ما.
ويقول صاحب الإتحاف: وهذا المكتوب لا تاريخ فيه، ولا إمضاء، ولا طبع خاتم.
ومنه نسخ عديدة بيد بعض العربان، وخطه مغربي جميل يشبه خط بعض الأعيان من تجار الفرنسيس تعلم الخط العربي بتونس وبرع فيه، وكان هذا المكتوب إنذارًا بما وقع بعد ذلك من الشدائد والأهوال.
يتهم الشيخ الوزير ابن أبي الضياف القنصلية الفرنسية بذلك مستندًا على أن الخط فرنسي فلا بد أن مصدره منها.
ويؤيد هذا الرأي أن إنشاءه إنشاء قريب من العامية فهو محرر من بعض الفرنسيين الذين درسوا اللغة العربية ولم يتمكنوا منها فتغلب عليهم العامية إذ لا بفرقون بين الفصيح والعامي.
وكما كاتب الفرنسيون العروش كتبوا إلى زعيم الثورة في المنطقة الغربية علي بن غذاهم.
ونقتطف منه نقطًا على أن الفرنسيين بتونس مرماهم استغلال ثورة علي بن غذاهم.
جاء في طالعة الكتاب.
إلى الأعز الأكمل العالم الأمثل علي بن محمد بن غذاهم أكرمه الله آمين.
ثم فيه تذكير بثلاث رسائل أرسلوها إليه فلن تقع الإجابة من ابن غذاهم.
وفي الرسالة اتهام تركيا بأنها أرسلت بجيش لقتال العروش فوقع رده من قبل الفرنسيين دفاعًا عن المظلومين.
وختمت هذه الرسالة بهذه الفقرة: (ورأس سلطان فرنسا إذا بقي الخزنه دار في بلادكم يهلككم على بكرة أبيكم) .
وهذه مرسلة على حسب ما جاء فيها من القنصل العام لفرنسا، ومن الأميرال والكرونيل الفرنسي أي الذي كان بتونس معلمًا للجيش التونسي.
إن الدلائل القاطعة تشهد إلى أن المطالبة بعزل الوزير إنما هي مطالبة فرنسية ترمي إلى التدخل السافر في سياسة تونس.
واستدل صاحب الإتحاف بأن الثورة لم تقم من أجل عزل الوزير بما جاء من المكاتيب من رئيس المتحزبين علي بن غذاهم إلى الشيخ أحمد بن حسين رئيس المفتين في استشارته في القدوم إلى تونس للمفاهمة مع الأمير من أجل دفع الشدة وما دار في شان ذلك القدوم.
يستنتج صاحب الإتحاف ما يلي: (فانظر إلى هذه المكاتيب من رئيس المتحزبين إلى الشيخ الذي اعتمده واسطة، والحادثة في عنفوان شبابها والسيوف مصلتة، وقدور الحرب في سائر الجهات تغلي، هل عرج فيها على عزل وزير، أو كره قانون، أو مجالس، أو ما يومئ إلى البغي، أو غير ذلك مما دار في برزخ هذه الإيالة دوران الرياح.
ولم ينط مطلبه إلا بالتخفيف، وهو من قواعد عهد الأمان التي عليها مدار القانون) .