أما والده فقد قرأ على عمه الشيخ حسن الشريف وعلى والده، وناب عنه في الإقراء بمدرسة حوانيت عاشور، وله مشاركة في الإقراء بمدرسة حوانيت عاشور، وله مشارمة في كثير من الفنون، وكان ذاكرًا شاكرًا محبًا في الصلاة على رسول الله، له شغف بدلائل الخيرات، يحيى الليالي بالذكر والصلاة، كثير الرؤيا لجده هـ ﷺ منها مرة رأى نفسه في حجره ﷺ وهو يلثم يده الشريفة ويجد من لينها وريحها ما لم يعهد، وبقي أيامًا وهو يقول: إنني الآن أجد طيب ريحها، وكان مهابًا محترمًا، جميع الناس يطلبون منه الدعاء وقد اتفق لبعض الناس أن افترى عليه في نازلة فدعا عليه فمات بقرب من ذلك، ولم يزل ملحوظًا بعين الإجلال، معدودًا في الصالحين من الرجال، إلى أن بلغ من العمر ستًا وأربعين سنة، وتوفي سنة ١٢٥١ إحدى وخمسين ومائتين وألف.
وخلف والده صاحب الترجمة وكانت ولادته في العشرين من المحرم الحرام سنة ١٢٣٤ أربع وثلاثين ومائتين وألف، وتربى في حجر عناية أبيه، فقرأ القرآن العظيم، وتصدى لتعلم العلم الشريف بجامع الزيتونة، فقرأ على مشايخ الإسلام البيرمي والخوجي ومعاوية، وقرأ على الشيخ محمد النيفر الأكبر، والشيخ الشاذلي بن صالح، وغيرهم من علماء الجامع، وولي في درسي جامع الزيتونة بعد وفاة عمه.
وحصل على إجازات كثيرة في الحديث، وقفت منها على سنده في صحيح البخاري: عن شيخ الإسلام محمد بن الخوجة عن المفتي المؤلف الشيخ حسن الشريف عن والده الشيخ عبد الكبير الشريف عن والده الشيخ أحمد الشريف عن الشيخ عبد الرحمن الكفيف عن الشيخ سعيد الشريف الطرابلسي عن القطب الشيخ أحمد الشريف إمام مسجد دار الباشا عن الشيخ السراوي المصري عن الشيخ سالم السنهوري عن الشيخ نجم الدين الغيطي عن الشيخ زكرياء الأنصاري عن الشيخ أحمد بن حجر شارح الصحيح عن الشيخ التنوخي عن الشيخ أحمد الحجار عن الشيخ حسين بن المبارك عن الشيخ أبي الوقت الهروي عن الشيخ الدراوردي عن السرخسي عن الشيخ محمد بن موسى الفربري عن الحافظ الشيخ محمد بن إسماعيل البخاري ثن الجعفي رحمه الله تعالى ورضي الله عنه.
ووقفت أيضًا على سنده المحمدي، وأجاز لي رواية المذكور بما له فيه من الأسانيد بعد أن رويت بين يديه نبذة منه ﵁ غير أنه لم يجلس للإقراء إلا قليلًا، ولازم رواية الشفا والبخاري بمسجد سيدي أبي حديد واجتمعت الجموع لأختمه، وهو ممن يظهر نعمة الله عليه، في نفسه ومن ينتمي إليه وله مع ذلك دعاء مستجاب، وخاطر ليس بينه وبين الله حجاب.
[ ١٠٤ ]
جلس مرة في جبل المنار قرب الناظور من الجانب الشرقي، ومعه جملة من الأعيان، فمرت بهم في البحر فلوكة بها جمع من كفرة الصيادين للسمك فقال له أحد الحاضرين: إن كنت شريفًا فادع على هؤلاء ليغرقهم الله، فظهرت غيرته، ودعا عليهم بجاه جده، فلم تلبث الفلوكة أن انقلبنت بمن فيها في البحر، ومات جميعهم، وله من هذا الباب وقائع شتى.
وكان المشير الأول يتمين برقيته ودعائه، وللمشير الثاني معه مودة واعتقاد، يتقرب به إلى رب العباد، عليه جرى المشير الثالث مع ما هو عليه من التعظيم عند الخاصة والعامة.
وعند وفاة الشريف محمد ابن الوزير العربي زروق عن وكالة زاوية الشيخ سيدي أبي سعيد الباجي ﵁ قدمه المشير الثالث لها مع النظر على جبل المنار في ربيع الأول سنة أربع وثمانين.
ثم لما توفي ابن عمه المحسني المحمودي قدمه المشير المذكور للنيابة إمامًا ثالثًا بجامع الزيتونة في الثامن عشر من شهر رمضان المعظم سنة ١٢٨٤ أربع وثمانين ومائتين وألف، ولازم الجامع للإمامة وواظب على رواية صحيح البخاري كل يوم ثم لما توفي ابن عمه المحسني المحمدي قدمه المشير الثالث خليفة في السادس عشر من ربيع الأول سنة ١٢٨٩ تسع وثمانين، واستولى عند ذلك الشيخ أبو الحسن على العفيف نائبًا عنه.
واستمر الخليفة المذكور قائمًا بصلوات الجامع في أول الوقت، حاملًا أعباء الخطبة والإمامة مدة مرض الإمام الأكبر إلى أن توفي الإمام النيفري فقدمه المشير إمامًا أكبر بجامع الزيتونة في التاسع والعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ١٢٩٠ تسعين ومائتين وألف، وجعل خليفته الشيخ أبا الحسن علي العفيف، وقدم ابن عمه الشيخ أحمد بن حمدة الشريف إمامًا ثالثًا، فنهض الإمام الأكبر الشريف صاحب الترجمة للجامع، وشمر على ساعد الجد في تنظيمه والبحث عن أوقافه، وأجرى الأمور على أحسن وجه، وقام بالخطبة قيامًا كليًا بحيث أنه يحضر رواية البخاري كل يوم الثلاثة الأشهر، وهو مقيم في جبل المنار في حر الصيف حتى تيسر له ختم رواية صحيح البخاري في ٢٦ شهر رمضان سنة ١٢٩٦ ست وتسعين، ومهما اتفق احتباس المطر وخرج للاستسقاء إلا ورجع باليل، وإن لم يصبها وابل فطل.