حط الشيخ السنوسي من ثورة علي بن غذاهم، ونعته بنعوت تدلي إلى الحضيض وتحشره في جملة الأدنياء الحثالة، ووصفه بأنه دعي والدعي المتهم في نسبه أو الذي يدعي إلى غير أبيه.
ووصفه بأنه جلف، والجلف الرجل الجافي والظالم، ففي نظره أن ثورة ابن غذاهم ظلم صراح، ووصفه بأنه رئيس البغاة.
ويختم تسجيله لحادثة الثورة التونسية برضاه عما وقع لأهلها فيقول: ولما تم القبض على زعماء البغاة الأشقياء جالت يد أنصار الدولة على أعضاء الثورة، ومن تشيع إليهم وهز عصا الشقاق، ونال كل واحد منهم ما ناله من القتل، وضربت تلك المغارم على الأعراض وجربة، وصفاقس وعموم بلدان الساحل عدا أهل سوسة والقلعة الكبرى لتقدم طاعتهم.
فعنده هذه المظالم المتنوعة من القتل والضرب والسجن في أشد السجون وضرب المغارم على أكثرية أهل البلاد ومعنى ضرب المغارم افتكاك أموال الناس بالقهر هي الجزاء الوفاق.
فالأمة أصبحت بسبب هذه المظالم المتراكمة لكل ما يملكه الإنسان من روحه وعرضه وماله أمة ميتة، وكل ما أصابها لم يثر في نفسه شعور الإنسانية حتى يرثي لهذا الشعب الرازح تحت السيف والسياط والسجن والتفقير ولنتبين الحق من غيره تأتي بما كتبه الشيخ محمد بيرم الخامس في صفوة الاعتبار.
وإنما أتينا بما كتبه لنزيل من الأذهان من أن للشيخ السنوسي له اتصال بالحقيقة بل هو بعيد عن الحقيقة، فالشيخ بيرم الخامس عاش تلك الأحداث فكتابته كتابة مطلع خبير.
جاء في صفوة الاعتبار.
(وخلا الجو لخزاندار أي لما استعفى الوزير خير الدين ومن معه وأخذت السيرة في طور آخر جديد ورام يضاعف أداء الجباية على الأهالي ويصيرها اثنين وسبعين ريالًا على الرأس عوضًا عن الستة والثلاثين ريالًا التي أسسها محمد باشا، وطلب المجلس الكبر أي طلب خزاندار بواسطة الأمير من المجلس الأكبر ذلك فامتنع أعضاؤه واستبد هو أي خزندار، بإمضائها مع تحديز العقلاء له فلم يلتفت إليهم مع أن الأهالي في ثورة من أثر سيرة محمد باشا تقويهم على الدفاع عن أنفسهم مع ما أستأنسوا به من تلك السيرة وسماعهم بان العدل والإنصاف قد شملهم بالقانون وأن لهم الكلام على حقوقهم فامتنعوا قاطبة وأرادوا غصبهم على ذلك، فثار القطر كله ثورة واحدة لم تعهد من قبل على غاية من الرياضة والأمن بحيث لم يتعرضوا بالأذية لأحد مع أمن السبل، وكثرة الفادي والرائح، وضبط كل جهة ببعض أهلها لردع السفهاء وحفظ الراحة والمن وكان متولي أكبر الجهة الغربية والملتف عليه أكبر قبائل الأعراب رجلًا يسمى علي بن غذاهم وذلك سنة (١٢٨٠) .
وما زالت هذه الثورة تسمى ثورة غذاهم، وكاتب الجهات:
[ ١١٩ ]
بأنا إخوان ومطلبنا واحد، وليس المراد منه الإفساد، فالواجب حفظ الأمن والراحة، وتأمين السبيل، ولا نتعرض لأحد بشيء سوى أتباع الحكومة فإذا أرادوا غصبنا على الظلم ندافع عن أنفسنا وأنذرت القبائل عمالهم الذين كانوا بين أظهرهم فمن أراد منهم التوجه إلى الحاضرة أوصلوه بأمان ومن أراد الإقامة منكفئًا عن التداخل في أمرهم أبقوه بأمان.
ولما توجه أمير الأمراء فرحات إلى الكاف لإجبار قبائل ماجر على ذلك الأداء تعرضوا له وقتلوه فشدد النكير علي بن غذاهم وقال لهم: أصل اتفاقنا تعرضوا وقتلوه فشدد النكير عليهم علي بن غذاهم وقال لهم: أصل اتفاقنا هو الدفاع عن أنفسنا وما ضركم الرجل إلا إذا حاربكم فدافعوا عن أنفسكم.
وكاتب المذكور رئيس الفتيا الشيخ أحمد بن حسين وطلب منه التوسط في الصلح مع الحكومة.
وحاصل مطالب الجميع إبطال الأداء الجديد وعزل الوزير مصطفى خزندار ومحاسبته.
فامتنع الوالي يعبر صاحب صفوة الاعتبار عن الأمير بالوالي لنه يرى أن تونس ولاية عثمانية فلا يحق له أن يلقب بالأمير بل بالوالي، أولًا من جميع مطالبهم واشتد الكرب على الحكومة حتى لم يبق أمر الوالي نافذًا إلا في الحاضرة ونحو اثني عشر ميلًا حولها، واشتد الخوف في الحاضرة) .
وقد فصل الشيخ الوزير ابن أبي الضياف هذه الثورة تفصيلًا مدققًا واتى بأسبابها وكيف ابتدأت وهو ما أحمله غاية الإجمال صاحب صفوة الاعتبار.
وافتتح الشيخ وزير كلامه على هذه الثورة بمقدمة دقق فيها الأسباب من فداحة الافتراض الذي تسبب فيه جلب ماء زغوان إلى الحاضرة تونس مما أدى إلى أن تكون فائدة الدين أكثر من ثلث دخل المملكة التونسية حينذاك وهو اكثر من أربعة ملايين من الفرنكات لأن دخل المملكة وقتها لا يصل إلى خمسة عشر مليونًا من الريالات.
وإثقال كاهل الميزان بمصاريف الدولة فإن مرتب الملك وحده مليون ومائتا ألف إلى غير ذلك من المصاريف الباهظة.
فلما عجز الميزان عن تحمل تلك المصاريف الباهظة كاتب الأمير أعضاء المجلس الأكبر فامتنعوا بلطف كما قال الوزير الشيخ ابن أبي الضياف ودارت مباحثات مجلس الأمير الخاص، وكان رجاله على رأيين.
منهم من يميل إلى الرفق بالرعية ومنهم من زين للأمير الزيادة في الضريبة الموضوعة على الدافعين إلى أن أفضت النوبة إلى أحدهم وهم ممن يشار إليه في مجلس الأمير الخاص فأشار برأي كان سبب اندلاع الثورة.
وهو أنا مال الإعانة يزداد عليه مثله ويكون عامًا في سائر بلدان المملكة من غير استثناء.
فقبل الأمير أن هذا الرأي وكتب إلى أعضاء المجلس الأكبر للموافقة فاعتذروا بأنهم لا رأي لهم في النازلة.
وبعد امتناع أعضاء المجلس استبد الأمير برأيه وصدرت به المناشير إلى عمال العمال.
وهي مناشير كانت لقطع الطاعة والعافية والعمران كالمناشير كما قال الشيخ الوزير.
ورغم النصائح حتى من الأجانب تمادى الأمير في فرض الزيادة في الضريبة.
اندلعت الثورة بتقرر الزيادة في الداء.
ويؤكد كلام صاحب صفوة الاعتبار الشيخ محمد بيرم الخامس المتقدم ذكره الشيخ الوزير ابن أبي الضياف.
"ولما التف عليه إغمار العامة في الجهة الغربية، أي على علي بن غذاهم، أبرم العقد معهم.
على أن القصد بهذا الاجتماع هو الاستعفاء من هذا الأداء الثقيل الذي لا قدرة عليه.
وإذا عصبنا عليه بالقتال تكون يدنا في المدافعة عن النفس والمال والحريم يدًا واحدة.
ولا يتعرض منا أحد لنهب أموال الناس بالحرابة ومن تعرض تكون يدنا عليه أحدة لن كلامنا مع الدولة، وإخواننا المسلمين يعذروننا.
فإذا تعرضنا لأخذ أموال الناس صرنا حربًا على الله تعالى وعلى السلطان ولا يعذرنا أحد بل تتوفر الدواعي على قتالنا والله معهم".
أجمل صاحب الإتحاف مبادئ ثورة ابن غذاهم في أنها محصورة في الامتناع من دفع الضريبة المضاعفة.