(١٢٧٤ ١٢٧٧ ١٢٨٠) عهد الأمان اجمل القول فيه المؤلف عكس الشيخ الوزير ابن أبي الضياف فإنه تحدث عن عهد الأمان وعن سببه الذي دعا الأمير إلى إعلانه، وقد بسط فيه القول اعتناء به، ومن عنايته بعهد الأمان انه سمى كتابه: (بإتحاف أهل الزمان، بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان) .
فهذه التسمية المعنون بها الكتاب تدل دلالة واضحة على ما للشيخ الوزير ابن أبي الضياف من عناية بعهد الأمان.
ومن المتأكد أن نذكر باختصار أسباب إصدار قانون عهد الأمان لن المؤلف هنا يذكر أنه أصدره تلقائيًا حيث يقول: ولما مهد السبل أصدار عهد الأمان.
وجلية الأمر في إصداره هي قضية مقتل اليهودي المسمى باطو الذي كان يخدم على كرطون ينطقها أهل تونس بفتح الكاف والراء وضم الطاء الممدودة وهي الكريطة والمتعارف الآن كريطة للقائد نسيم رئيس اليهود بسبب شتمه لمسلم وسب دينه وكان اليهودي بحال سكر، وقد اعتاد ذلك.
وكان قتله من الباي تنفيذًا لحكم المجلس الشرعي الذي حكم بقتله بدون استتابة على مقتضى المذهب المالكي وحكم عليه بالإعدام رغم تدخل القنصلية الفرنسية في القضية.
وبعد مقتل اليهودي أتاه القنصل ليون روش وحذره من مغبة استبداده بالحكم فجعل مجلسًا للجنايات بدون إحداث قانون لذلك.
فلم يرض عمله هذا اليهود بباريس فهاجوا وماجوا ورفعوا أصواتهم بالشكاية.
فأنتجت دعايتهم ضد الحكومة التونسية قدوم قطع من الأسطول الفرنسي والتهديد بقدوم قطع من الأسطول الإنكليزي الذي بمالطة، وهدد القنصل الإنكليزي بقدوم الأسطول العثماني.
فاضطر الباي تحت هذا التهديد إلى إعلان قواعد عهد الأمان وهي إحدى عشرة قاعدة وتلي هذا العهد بالسراية الكبرى بباردو.
وكان ذلك في ٢٠ من المحرم سنة (١٢٧٤) الموافق للتاسع من سبتمبر سنة (١٨٥٧) فهذا هو سبب إصدار عهد الأمان.
وذكر الوزير ابن أبي الضياف ما دار حول قانون عهد الأمان من (ص٢٣١ إلى ص٢٤٩ من ج؟٤ من الإتحاف) .
المشير محمد الصادق باشا باي وعهد الأمان: أجمل المؤلف إتمام عهد الأمان في مدة المشير الثالث في فقرة من أقصر الفقر فيقول: (وأعمل الحزم في إنجاز مشروع أخيه بإتمام القوانين المبينة على عهد الأمان وجمع لها خاصة العلماء والأعيان فاستكملوا وضعها واجملوا صنعها) .
والموضوع طويل الذيل من أهم الأحداث بتونس كما ذكرنا سابقًا وقد تحدث عنه الشيخ الوزير ابن أبي الضياف.
بأن المشير الثالث محمد الصادق باي افتتح البيعة له بالإمارة بالتعهد بالتزام عهد الأمان ونصحه الوزير النصوح بأنه إذا لم يتعهد بذلك جر إليه غضب الدولة العلية وسائر الدول التي دعت إلى العمل بعهد الأمان.
وذكر نصه كما ذكره الشيخ محمد بيرم الخامس في صفوة الاعتبار ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم: تبارك من جعل الأمان أقوى أسباب العمران، والصلاة على سيدنا محمد وأله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
[ ١١٣ ]
أما بعد فيقول العبد الفقير لربه المشير محمد الصادق باشا باي وفقه الله لما يرضاه، وأعانه على ما أولاه: أني أقبل البيعة من الأعيان الحاضرين على مقتضى ما وقع الالتزام به في العشرين من محرم سنة ١٢٧٤ أربع وسبعين ومائتين وألف من المرحوم المقدس أخينا المشير سيدي محمد بالفتح باشا باي، وهو عهد الأمان لسائر السكان على الأعراض والأموال والأبدان، وما حواه من القواعد اللوازم وأركان وحلفت وأحلف بالله وعهده وميثاقه على مقتضاه، وأن لا أخالفه ولا أتعداه.
وهذا الكلام صدر مني ونقله الناطق به عني وختمي وخطي فيه أقوى شاهد وأوضح إعلان، لكلمن حواه الديوان، ولسائر الرعية والسكان.
وعلى مقتضاه عليكم السمع والطاعة، ويد الله مع الجماعة.
حرر يوم السبت الخامس والعشرين من صفر سنة (١٢٧٦) .
افتتح بيعته بهذا العهد يوم السبت الخامس والعشرين من صفر سنة (١٢٧٦) حين اجتمع بالمجلس الشرعي ووجوه الحاضرة ورجال الدولة واعيان العسكر وخرج للبيعة في آل بيته وألقى عليهم نص العهد المذكور وبعد تلاوته بدأت البيعة، فبايعه أهل المجلس الشرعي، وهو قائم، ثم جلس وبايعه كل الحاضرين وهو جالس على كرسيه على اختلاف طبقاتهم.
الحرص على إتمام قانون عهد الأمان: تصفح المشير الثالث أعمال المجتمعين لتحرير فصول قانون عهد الأمان وترتيبه، وحرضهم على الإطلاع على قوانين الدول مع الحرص على عدم مخالفة الشريعة.
وقد انفصل العلماء عن المشاركة في التحرير المذكور، ولامهم في تاريخه الشيخ الوزير ابن أبي الضياف ملقيًا عليهم تبعة عدم مشاركتهم في هذه المصلحة فقال: وليت شعري ما أعد العلماء من الجواب بين يدي الحكم العدل، العالم بخائنة العين وما تخفي الصدور عن تجنفهم وتباعدهم عن هذه المصلحة الضرورية متعللين بأنها لا تناسب خططهم الشرعية في العرف، والحال أن الشريعة جاءت لمصالح الدنيا والدين وأوقعوا بهذا التجنف وصمة في وجه البلاد ونفرة بينهم وبين أهلها (الإتحاف ج؟٥ ص٣٨) .
إن حملة الشيخ الوزير ابن أبي الضياف حملة سببها بعض العلماء المتصدرين من بعض أهل المجلس الشرعي دون غيرهم، فهناك كثرة من العلماء شاركوا، ففي مجلس التحقيق شارك: الشيخ محمد الشاهد شيخ الجماعة فإنه كان من أكابر أئمة الدين.
والشيخ حميدة بن الخوجة الذي تولى مشيخة الإسلام وكان من نبغاء العلماء.
والشيخ محمد الستاري.
والشيخ محمد النيفر المفتي المالكي العلامة النحرير.
والشيخ حسونة عباس المفتي الحنفي.
وتركيب مجلس التحقيق كله من العلماء المذكورين، وغنما كان رئيسه من غيرهم وهو إسماعيل صاحب الطابع.
والسبب في ذلك أن رؤساء المجالس كان اختيارهم على قاعدة أن لا يكون من أهل البلاد لارتكاز الحكومة على غيرهم نظرًا إلى أن الدولة ترتكز على صنائعها من المماليك والأصهار أما بقية الشعب وإن تقدموا علمًا وتفكيرًا فهم لا حظ لهم إلا إذا اضطر إليهم.
وكذلك الحال في مجلس الجنايات فإن تركيبه من العلماء ومنهم الشيخ صالح النيفر أحد أفذاذ العلماء كما يقوله الشيخ السنوسي في ترجمته.
والشيخ احمد كريم الذي تولى مشيخة الإسلام.
والشيخ محمد المازري ابن الشيخ محمد الطاهر بن مسعود.
والشيخ الجد محمد الطاهر ابن الشيخ العالم محمد النيفر القاضي العلامة النحرير أحد قضاة العدل الأفذاذ.
والشيخ محمد ابن الشيخ المفتي حسين البارودي.
والشيخ محمد الشريف أحد العلماء الوجهاء.
وكذلك انضم إلى المجلس الكبير من العلماء: الشيخ عمر بن الشيخ الذي تولى الإفتاء.
والشيخ سالم بوحاجب أحد نبغاء العلماء، وقد تولى رئاسة الإفتاء.
والشيخ الطاهر بن عاشور العلامة المؤلف والذي تولى القضاء والإفتاء.
والذي دعا الشيخ الوزير ابن أبي الضياف أن يحمل على العلماء ويقول: (ما اعد العلماء من الجواب بين يدي الحكم العدل العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور عن تجنفهم وتباعدهم عن هذه المصلحة الضرورية متعللين بأنها لا تناسب خططهم الشرعية في العرف، والحال أن الشريعة جاءت لمصالح الدنيا والدين وأوقعوا وصمة في وجه البلاد ونفرة بينهم وبين أهلها) هو امتناع الشيخ محمد بيرم الرابع شيخ الإسلام فإنه يحمله تبعة الامتناع وكذلك المشايخ: أحمد بن حسين باش مفتي المالكية.
[ ١١٤ ]
ومحمد بن الخوجة المفتي الحنفي.
ومحمد البنا المفتي المالكي.
إن صاحب الإتحاف انتقد على شيخ الإسلام المذكور بأنه كان أسرع الحاضرين للإجابة مستندًا إلى الغضب الذي لا قدرة لنا على دفعه.
ثم قال: وهو المشار إليه في تعاريب مكاتيب الوزير وهو وزير الأمور الخارجية بفرنسا من الذين بمشورتهم لأمور غير صالحة، وأوقعوا له الاختبال في عقله كم مرة، (الإتحاف ج؟٤ ص٢٣٩) .
وقد ذكر صاحب الإتحاف محاورة دارت بينه وبين شيخ الإسلام محمد بيرم الرابع: فقلت له ان القوم لم يصرحوا بالغضب، ولا آذنوا بحرب وإنما نصحوا.
فقال (أي شيخ الإسلام المذكور): نخشى الغضب من الدولة العلية وأصول التنظيمات لا تخالف ديننا (الإتحاف ج؟٤ ص٢٣٩) .
ثم إنه بعد ذلك يشير إلى امتناع الإسلام: (تلكأ الشيخ محمد بيرم شيخ الإسلام عن الحضور لأمر يعلمه الله فقال له الباي: قد أفتيتنا بالقبول من أول الأمر وأن التنظيمات الخيرية لا تعارض ديننا فما بالك تمتنع من الحضور الآن وألزمه الحضور.
وتحدث صاحب الإتحاف عن شيخ الإسلام كيف قبل ما جاء من تفسير القاعدة الأولى من عهد الأمان وهي: تأكيد الأمان لسائر رعيتنا وسكان إيالتنا على الأديان والأسنة والألوان في أبدانهم المكرمة وأعراضهم المحترمة إلا بحق يوجبه نظر المجلس المجلس بالشورة ويرفعه إلينا ولنا النظر في الإمضاء أو التخفيف ما أمكن، أو الإذن بإعادة النظر.
فنقل عن شيخ الإسلام أنه قال: يمكن لي أن أخطب يوم الجمعة بشرح هذه القاعدة الأولى المذكورة.
وفي هذا الجو الذي أقبل فيه أهل المجلس الشرعي على تفسير القواعد الأصولية بعهد الأمان أمر الوزير المصلح خير الدين الفقهاء الحاضرين أن يكتب كل واحد منهم على قواعد عهد الأمان ما يراه ويدين الله به، فأجابوه لمطلبه لما رأوا من توقد فكرته، وكمال فطنته، فكتبوا وتقاربوا في المرمى على قوس واحدة.
وجلى شيخ الإسلام فيما كتبه بشهادتهم ولولا الإطالة لنقلنا ذلك.