حمل الشيخ الوزير احمد بن أبي الضياف العلماء كلهم مغبة عدم المشاركة في تحرير شرح قواعد عهد الأمان مع أن الممتنعين قلة وهم الأربعة: الشيخ محمد بيرم الرابع.
والشيخ احمد بن حسين.
والشيخ محمد بن الخوجة.
والشيخ محمد البنا.
أما الكثرة من العلماء فقد شاركت لما قامت المجالس المنبثقة عن تطبيق عهد الأمان بالأخص الشيخين وهما: محمد الشاهد.
وصالح النيفر.
كما أن شيخ الإسلام الرابع كان من أعضاء مجلس الباي الذي جعله لخاصة نفسه للنظر فيما يحرره مجلس شرح قواعد عهد الأمان.
فالعلماء لم ينفضوا أيديهم من هذا المجلس، وإنما امتنع بعضهم من مجلس خاص وهو المجلس الذي يرأسه الوزير مصطفى خزنه دار.
ومن القريب جدًا أن امتناع الإسلام محمد بيرم الرابع كان من أجل انه لم يوافق على أن يكون مرؤوسًا للوزير مصطفى خزنة دار لأن الوضع كان في تونس أن شيخ الإسلام يقدم على الوزراء، وكذلك بقية أهل المجلس الشرعي.
ويدل على تقديم أهل المجلس على سائر رجال الدولة أن المكتوب الذي عين فيه الباي رجال المجلس المذكور قدم أعضاء المجلس الشرعي.
وهذا نصه:
[ ١١٥ ]
أمرنا هذا للعلماء الأعلام الفقهاء الأعيان، الجلة الفضلاء من أهل مجلسنا العلي: شيخ الإسلام سي محمد بيرم.
والشيخ سي احمد بن حسين باش مفتي المالكية.
والشيخ سي محمد بن الخوجة المفتي الحنفي.
والشيخ سي محمد البنا المفتي المالكي.
والوزراء الأعيان النصحاء الأركان أولي الرفعة والشان.
أبننا الأعز ووزير العمالة مصطفى خزنه دار.
ووزير الحرب أمير الأمراء ابننا مصطفى باش آغة.
ووزير البحر ابننا خير الدين.
والوزير الأحظى أمير الأمراء ابننا إسماعيل صاحب الطابع.
والأحظى أمير الأمراء ابننا محمد بالفتح أمير الأعراض.
وكاتب سرنا أمير اللواء محبنا الشيخ سي محمد بن أبي الضياف، حرس الله جميعهم واحسن صنيعهم.
وإننا أمرناهم بالاجتماع في دارنا بالقصبة يومين في كل أسبوع، وهما الأربعاء والخميس للتفاوض في شرح الفصول المسطرة في عهد الأمان.
وكل واحد يتكلم بما يدين الله به على مقتضى آداب البحث في الأدلة وإيضاحها، ولا يخجل من لا تنهض حجته فالحق أحق بالاتباع.
وأمرناهم قبل ذلك بقراءة ما رتبه الدولة العلية العثمانية وغيرها من الدول ليجروا التراتيب على ما يصلح بلادنا بعد استفتاء من ذكر من العلماء فيما تتوقفون فيه من الأمور وترفعوا إلينا عمل كل اجتماع لننظره ونمضي ما عليه أكثر رأي الجماعة.
ولا يلزم الفقهاء المذكورين الحضور إلا يوم الأربعاء لاشتغالهم يوم الخميس بالمجلس الشرعي بدار الشريعة والله تعالى ولي إعانتهم وتوفيقهم على هذه المصلحة التي يعم نفعها بحول الله، والسلام.
وكتب في ١٦ أشرف الربيعين.
فلما رأى أهل المجلس الشرعي تقدم الوزراء عليهم أنفوا من الجلوس في مجلس يترأسه الوزراء المماليك.
وزاد الطين بلة أن هناك عداوة بين وزير العمالة صاحب النفوذ الوزير خزنه دار وبين شيخ الإسلام محمد بيرم الرابع وعداوته شبيهة بعداوة الوزير المذكور مع إسماعيل السني صاحب الطابع فوجود شيخ الإسلام في مجلس يترأسه من يتربص به الدوائر دعاه إلى أن يستعفي هو وبقية أهل المجلس الشرعي المالكية والحنفية.
وحسنًا صنع شيخ الإسلام فإنه لو بقي معه في ذلك المجلس لاشتدت العداوة بينهما ولأفضت إلى ما أفضت إليه عاقبة الوزير إسماعيل السني الذي سعى أولًا إلى إصدار أمر الباي بإقامته الإقامة الجبرية، ثم سعى في قتله في بضع دقائق مع أمير المراء رشيد وزير الحرب.
فشيخ الإسلام يخشى عاقبة كعاقبة هذين الرجلين السني والرشيد.
فالعلماء المستعفون من المجلس المكلف بإرساء قواعد عهد الأمان على علم لبعد أنظارهم بأن العهد الممنوح غنما هو منح اضطراري أدت إليه حادثة قتل اليهودي المتجرئ على الإسلام بشتم دين أحد المسلمين.
فالباي الأمير والكثير من حاشيته هو أهم في عدم وجود عهد الأمان، ولذلك لما وقعت ثورة علي بن غذاهم ارتكز عليها وزير العمالة وأبطل العمل بعهد الأمان، فهم على بينة من الأمر بأن العمل به كان تحت ضغط الدول الأجنبية.
ومن أعذار الاستعفاء: أن تشكيل المجلس للنظر في إرساء قواعد عهد الأمان كان تشكيلًا غير متناسق فيما بين أعضائه إذ منهم الفقهاء الذين لهم مرانة سياسية مثل شيخ الإسلام بيرم الرابع الذي له اتصال بالأمراء واطلاع على خبايا نفوسهم فقد كانت له مصاهرة مع الباي المشير الثاني.
ومنهم فقهاء تطبعوا بطبيعة الفقهاء في التزام النصوص الفقهية مثل شيخ الإسلام المالكي أحمد بن حسين الذي هو من العلماء الفقهاء الممتلئين فقهًا ولهم محافظة شديدة على النصوص الفقهية.
وعى هذا الغرار المفتي الحنفي الشيخ محمد بن الخوجة فإنه من فقهاء الحنفية.
وأما المفتي المالكي فهو من أهل الورع الشديد والبعد عن رجال السياسة حتى أن الأمير المشير الثالث لما أراد إعانته على بناء داره امتنع من اخذ أي شيء مع الفقه البارع وهو الشيخ محمد البنا.
فهؤلاء الفقهاء كان انسحابهم من مجلس الإرساء عن روية وعن معنى خاص أدركوا به أن عملهم سوف لا يثمر لأن الاتجاه الحكومي من قبل الوزارة مراميه بدأت تظهر حين تلك الاجتماعات وهو ما جعلهم بعد أن انظموا إليه استعفوا منه.
[ ١١٦ ]
ثم إن الأفكار كانت غير متقاربة بل متباعدة غاية البعد لأن التشكيلة من حيث الفقهاء كما ذكرنا قابلتها تشكيلة أخرى بعيدة عنها كل البعد، وهي تشكيلة سياسية متبصرة في بعض رجالها وهو الوزير خير الدين وتشكيلة أخرى نظرها في السياسة نظر مبني على معرفة قاصرة غير متمكنة من الدين كما أنها غير متمكنة من السياسة التي ظهرت في العالم الحديث.
فالفقهاء موقفهم حرج لأنهم أمام نظريات ليست من صميم الإسلام فلهذا نزعوا أيديهم من المجلس المذكور، فلو أنهم لا يريدون خدمة المصلحة العامة لما دخلوا أول مرة وغنما بدا لهم ما كانوا متخوفين منه.
بدت لي هذه النظرية بأنها هي الداعي الأصلي للانسحاب ثم وجدت ما يؤيدها من قبل الشيخ بيرم الخامس في كتابه صفوة الاعتبار حيث ذكر: ثم عقد الوالي مجلسًا رئيسه الوزير مصطفى وزير العمالة وأعضاؤه: مصطفى آغة وزير الحرب.
وخير الدين وزير البحر.
والوزير إسماعيل السني.
والوزير محمد.
وكاتب أسرار الوالي أمد بن أبي الضياف.
وأذنهم باستخراج أحكام سياسة تدور عليها أعمال الحكومة واستخراج أحكام فرعية في الحقوق الشخصية يجري بها الحكم في القطر.
وأذن أن يكون شيخ الإسلام محمد بيرم الرابع أحد أعضائه فامتنع من الحضور دون مشاركة من العلماء الحنفية والمالكية.
واستقر الرأي على إضافة: الشيخ محمد بن الخوجة المفتي الحنفي.
والشيخ احمد بن حسين رئيس الفتوى في المذهب المالكي.
والشيخ محمد البنا المفتي المالكي.
وهؤلاء الأعلام الأربعة هم أكبر علماء العصر إذ ذاك.
فحضروا أولًا ثم امتنعوا بأن كتب كل واحد منهم شرحًا منفردًا على الإحدى عشرة قاعدة المار ذكرها أبدوا فيها الأحكام الشرعية المطابقة لتلك القواعد، واقتصروا على ذلك متعللين بأن الذي بدا لهم من مغزى الجماعة هو الميل البحت للسياسة الساذجة من غير التفات إلى محاذاة الشرع بل ربما عرض ما يصادم القواطع.
وحيث كان عمل المجلس على ما يستقر عليه الرأي الغالب لم يأمنوا أن يسند إلى المجلس ما يخالف الشرع، ويحمل على عاتقهم، وهو الذي تبين لكل من الفريقين فيما بعد ولدت الليالي من أن الصواب في غير مسلكه على ما يتحرر إن شاء الله تعالى في الخاتمة.
حملة في غير موضعها: تبين بما ذكرنا وما نقلنا أن حملة الشيخ الوزير ابن أبي الضياف في غير موضعها.
أما أولًا فلما ذكرنا من أنها مقصورة على بعض أهل العلم وهم قدماء أعضاء المجلس الشرعي وأما غيرهم فانضموا إلى هذا المجلس، بل كان بعض المجلس متركبًا منهم دون غيرهم غلا في رئيسه كما أسلفنا.
وأما ثانيًا فإن انسحابهم من المجلس الشارح لقواعد عهد الأمان يرجع إلى انهم بدا لهم أن الأغلبية ترمي إلى جعل فصول للحكم في بعضها ما لا يمت إلى الشريعة السمحة.
فاستغلال سماحة الشرع المنيف لا تؤدي إلى تحلل من نصوصه القطعية حتى يكون الحكم بغير ما أنزل الله.
فهم لا يريدون أن يتحملوا تبعة ذلك فلذلك اكتفى رئيسهم شيخ الإسلام بأن يكون في مجلس الأمير هو الغربال لما يقنن من فصول.