[١١٧٣ ١٢٢٩] هو الأمير أبو محمد حمودة بن علي بن حسين بن علي تركي. ولد ليلة السبت ثامن عشر ربيع الثاني سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف، وتربى في حجْر ملك والده المعتني به غاية الاعتناء فقد ضم إليه من المربين العارفين بفنون السياسة من لهم عنده ذكر. وقدم لإقرائه العلوم المعقولة والدينية العالمين الشيخ الحاج حمودة بن عبد العزيز، ومن ذلك السلم ارتقى إلى رتبته العالية التي بلغها في الدولة، والشيخ حمودة بن باكير فقرأ عليهما ما أهله لكل كمال، حتى أنه لما استكمل السبع عشرة سنة وأراد والده تقديم خليفة لملكه أجمع نصحاء الدولة على اختياره، فأرسل إلى الدولة العثمانية بطلب تقديم ولده المذكور فأسعفته بذلك على عهد الغازي السلطان سليم خان الثالث، ووجهت له الخلعة العثمانية وأحضره والده بالديوان بالحاضرة وقلده الولاية وتمت بيعته غرة المحرم سنة إحدى وتسعين ومائة وألف، ووفدت عليه الوفود بالتهاني من كل فج وجلس للحكم والأوامر تصدر بختم والده وباشر السفر بالمحلة شتاءً وصيفًا.
[ ١٠ ]
وظهرت منه الكفاءه والخبرة وحسن الفراسة؛ أتته امرأة في أحد أسفاره تشكوه افتقاد غلة تينها منذ إبان إثماره كل يوم لا تجد ما نضج منه مع أن ذلك هو توت أولادها فأحضرها في خلوته، وأمرها أن تجعل في أسفل كل تينة أشرفت على النضج شعيرة، وأمر من الغد بجمع التين الذي يؤتى به لسوق البلد ليطعمه العسكر. ولما حضر بين يديه التزم التأمل في ذات الغلة بنفسه لينظر جيدها من رديها حتى رأى وعاء ملآنا من التين الذي في أسفله الشعير فأظهر استحسانه للغلة، وطلب صاحبه يسأله عن سانيته وعن خدمته لها وضايقه في السؤال حتى تبين منه أنه اختلسه للمسكينة فسجنه وأحضرها وأمره أن يحاسبها على جميع ما استغله من سانيتها.
ولما توفي والده استقل بالملك وشمر عن ساعد الجد في فك أسر البلاد من سلطة الجزيريين، فبنى سور البلاد وأتم بناءه عام سبعة عشر، وأقام سائر الأبراج المحيطة بها والأبواب الشاهقة. وكان تمام بناء الأبراج عام إثني عشر. وأقام القشل الخمس التي في المدينة وهي قشلة البشامقية وقشلة سوق الوزر، وقشلة سيدي عامر، وقشلة العطارين، وقشلة طريق سيدي المرجاني. وأسكن بها من عساكر الترك نحو الأحد عشر ألفًا وأكثر هن الاحتفاء بهم والتزيي بزيهم حتى أنه اتخذ لنفسه بيتًا بينهم في قشلة البشامقية وعاوض دار حمودة باشا المرادي التي بالقصبة وبناها لمساكنة جنوده بالحاضرة. وأقام عدة فنادق بالأرباض لسكنى زواوة، واعتنى بعمل المدافع في الحفصية والبارود في القصبة. وأحضر جيد الأسلحة وأعمل التطلع على أحوال الجند والبر بهم حتى كان ذلك هو غاية شغله يركب إليهم في أكثر أوقاته. وبنى أبراج حلق الوادي. وجدد أبراج الكاف وسورها وجهز جميعها بما تحتاج إليه.
وأرسل وزيره يوسف صاحب الطابع إلى دار الخلافة العثمانية فأحكم وصلته معها سنة عشر.
ولما استكمل جهازه حشد الأمحال الضخمة وأوعبها أبطال جنده وأرسلها تحت رئاسة سليمان كاهية الأول سنة إحدى وعشرين فنزل بها على قسمطينة ورماها بالكور والبونبة وطال بها الحصار نحو الأربعة أشهر إلى أن أشرف على فتحها فخرجت منها محلة عظيمة للدفاع عنها آل أمرها إلى هزم المحلة التونسية. ثم جهز الأمير أمحالًا أخرى حشد بها جنوده المجندة وأرسلها تحت رئاسة صاحب طابعه يوسف خوجة ووقع النزال مع الجزيريين في سراط فانتصر التونسيون انتصارًا هائلًا، واستولوا على سائر ما احتوت عليه محلة الجزيريين من العدد الحربية وغيرها، ورجعت المحلات المنصورة غانمة في الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف. وزينت البلاد وتوالت الأفراح ومن ذلك اليوم نزعت البلاد أطمار مهانة الجزيريين ولبست ثياب العز وأصبحت رافلة في جلابيب أمنها.
وكان قبل ذلك حارب البلنسيان سنة أربع، وبعد الطول انفصل معهم على صلح كان أواخر سنة تسع بعد المائتين والألف.
وثار عليه عسكر الترك ليلًا في شعبان سنة ست وعشرين ومكنه الله منهم فقمع ثورانهم، وأطفأ نيرانهم.
ومن مفاخر دولة هذا الأمير الأساطيل التي اتخذها في البحر وغنم بها وسبى وانتصر بها على الجزيريين لما اقبلوا عليه من البحر بأسطول عظيم إلى حلق الوادي سنة ثمان وعشرين فعطب كثيرًا من أجفانهم وردهم.
وقد أغاث بقوة جنوده ابني باشا طرابلس لما استنصروا به على عدوهم فجهز لهم المحال تحت رئاسة وزيره وصهره الحاج مصطفى خوجة سنة تسع بعد المائتين والألف، فانتصر بالمنشية وفر المستولي هاربًا فأجلسهم على كرسي إمارة طرابلس وعقد لهم البيعة ورجع غانمًا فائزًا بهذا الفخر الذي خلده لمخدومه وكان من رجال دولته الفائزين بالقرب منه.
وأما بقية رجال دولته فهم: سليمان آغا كاهية المحلة، وخير الدين كاهية دار الباشا وليها بعد سليمان السابق الذكر، والحاج حسن خزندار، والشيخ محمد الأصرم باش كاتب.
وكار الأمير ولوعًا بإكرام الوافدين عليه من ملوك الجهات بحيث إنه خلف للبلاد مآثر ومفاخر لا يحصيها عدد بسبب ما عنده من الغيرة والحمية الوطنية وإعمال الفكر في أمن البلاد وثروتها، وله في ذلك أخبار لا يفي بها غير تاريخ مستقل. وقد تصدى الشيخ إبراهيم سيالة لتأليف تاريخ في مفاخر دولة المذكور وقفت على قطعة منه غير أنه لم يستكمله.
[ ١١ ]
ومن منقولات أخباره في الحرص على نفع البلاد أنه كان لا يلبس إلا طيلسان بلد جربة واتفق له أن لبس الطيلسان الكشمير فلم تمض عليه مدة حتى رأى جميع رجال دولته مثله ففطن لكساد صناعة البلاد ورواج السلع الخارجية، وعند حضور موكب العيد أقبل عليهم لابسًا طيلسانًا من صناعة جربة، وفي ذلك اليوم ترك جميعهم الطيلسان الكشمير، ولبس مثل لبس الأمير.
مزورة عليه مع أنها كانت بعقد عدلين لا ريبة في عدالتهما وهما ميتان والرسم قديم، لكنه مع ذلك رأى من تلهف المدعى عليه بها ما تشكك به في ثبوت ذلك عليه، فأخذ الكاغذ الذي كتبت فيه الحجة وأحضر بعض الإفرنج العارفين بتواريخ إنشاء الكاغذ، وكشف الغيب على أن تاريخ كتابة الرسم كان قبل إنشاء أصل الكاغذ بسنين كثيرة وبالاختبار تبين أن الرسم مفتعل وأن الشهادة مزورة على شهيديها.
وكان متخذًا القبة الحمراء أمام باردو لقبول جواسيسه عشية كل يوم يعلم منهم جميع ما وقع ذلك اليوم حتى انفرد بمعرفة حقيقة ما عليه البلاد وأهلها. وبالجملة فإن هذا الأمير تصرف في المملكة تصرف الأب الشفوق في أبنائه وأحيا لها ذكرًا، وفك لها أسرًا.
وبنى المسجد الذي قرب القصبة وأقام به الأحزاب الجارية إلى هذا اليوم بما أوقفه عليها.
وكان شهمًا حازمًا غيورًا، عالي الهمة، عزيز النفس أبيَّ الضيم حاميًا للذمار، غير متحمل للعار، خبيرًا بسياسة البلاد، نصوحًا لها، حسن التدبير، محبًا للعلماء والصالحين، يباشر المهمات بنفسه مقتصدًا في شخصياته، حافظًا لأموال المسلمين عن غير مصالحهم، لا تأخذه في الحق لومة لائم، صادق الفراسة التي كاد أن يطلع بها على الغيب، بحاثًا عن الأحوال، كاظمًا للغيظ، أصيب بفقد ولده محمد المأمون باي فدخل عليه الشيخ صالح الكواش يعزيه وقال له في تعزيته: إن الله ما بولدك ابتدا، ولا عليك اعتدى، فإن رضيك ذلك فيا حبذا، وإلاَّ فعليك بذا ثم بذا، وأشار إلى الحائطين بميمنته وشماله، فاسترجع الأمير ولازم صبره. ولم يزل على اعتنائه بشأن ملكه إلى أن فاجأته المنية بعد مغرب ليلة الجمعة مفتتح شوال سنة تسع وعشرين ومائتين وألف، ودفن بتربة والده عليه رحمة الله ورثاه الشيخ إبراهيم الرياحي بقوله: [الكامل]
حكم المنية نافذُ الأحكام والدار ما جعلت بدار مُقام
كم فتتت كبدًا وكم أبكت دمًا ولرب عرش ثل بعد نظام
ولربما هان المصاب وفيك يا حمودة جلل على الأيام
يفنى الزمان ورزءُ فقدِك حادث يُتلى على الأفواه والأقلام
إن تسخُ جامدة العيون بدرها فلطالما رويتْ بكأس منام
أو تلبس الدنيا عليك حدادها فغروب شمسك مؤذنٌ بظلام
لكن مآثرك التي خلدتها أبقت سناك وأنت تحت رِجام
السور ما سوَّاه إلاَّ عزمُه ومشيدُ الأبراج تحت ضرام
أما الثغور فإنها غصصُ العدى وشفا الصدورِ بآية الإسلام
ولكم سقيت الرعب من شق العصا ومزجت كأس سروره بحِمام
مم بعد ما بالغتَ في إرشاده وغضضتَ جفنَ الحلمِ غضَّ كرام
حتى أطاعك فيهمُ النصر الذي خضعوا به قسرًا خضوع لِئام
وبلغْتَ أنّك إن رأوا لك عسكرًا هزموا بلا طعن وسل حُسَام
وغدت بذلك تونسٌ تفترُّ في حلل الهنا عن ثغرها البسَّام
محسودة كعقاب جوٍّ منعةً بشموخها وكميِّها الضِّرغام
والآن فهي لفقده محزونةٌ تبكي عليه بكل طرفٍ دام
فكأنما عين الحواسد فوقتْ لجمالها عن قوسه بسهام
لما دعا داعي الرضا فأجابه مستسلمًا لله في الأحكام
فافسح له اللهمَّ عندك منزلًا واسمح له بزيادة الإنعام
ولقولتي حقق بفضلك فيه إذ أرختُ: قيلَ: ادخُلْ لنا بسلامِ