هو الشيخ العلامة أحمد بن إبراهيم بن حمد بن محمد بن حمد بن عبد الله بن عيسى من قبيلة بني زيد القبيلة المشهورة بشقراء وغيرها من البلدان الوشم بنجد وهي قبيلة قضاعية.
مولده:
ولد في بلدة شقراء سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف فقرأ القرآن حتى ختمه ثم شرع في القراءة على الشيخ الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن "أبا بطين" ثم ارتحل إلي مدينة الرياض فأخذ عن الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وعن ابنه العلامة الشهير عبد اللطيف ثم توجه إلي مكة لقضاء فريضة الحج وعاد ثم أخذ يتردد على مكة للتجارة وعلى جدة وكان غالب تجارته الأقمشة القطنية وعامل في التجارة والشراء عبد القادرة بن مصطفى التلمساني أحد تجار جدة ومن ذوي الأملاك في القطر المصري، كان يدفع له أربعمائة جنيه ويشتري بألف ويسدد الباقي أقساطا١ ودام التعامل بينه وبين الشيخ التلمساني زمنا طويلا. وكان لصدقه وأمانته ووفائه أثر طيب في نفس الشيخ التلمساني حتى أخذ يبيعه كل ما يحتاج إليه مؤجلا يسدده فيما بعد أقساطا وقال له التلمساني: أني عاملت الناس أكثر
_________________
(١) ١ يسدد الباقي أقساطا بكفالة مبارك المساعد البسام مولاهم وكان مبارك المذكور من تجار عنيزة بالقصيم مقيما بجدة.
[ ١٨٥ ]
من ثلاثين عاما فما وجدت أحسن من التعامل معك يا وهابي، ويظهر أن ما يشاع عنكم يا أهل نجد مبالغ فيه من خصومكم السياسيين بسبب الحروب التي وقعت بينكم وبين أشراف مكة والمصريين والأتراك. فقد أشاعوا عنكم أقوالا منكرة فسأله الشيخ أحمد أن يبينها له. فقال له الشيخ التلمساني: يقولون إنكم لا تصلون على النبي ﷺ، ولا تحبونه. فأجابه الشيخ أحمد: سبحانك هذا بهتان عظيم كيف ونحن نعتقد أن من لا يصلي عليه في التشهد الأخير صلاته باطلة ونعتقد أن من لا يحبه كافر، وإنما نحن أهل نجد ننكر الاستغاثة والاستعانة بالأموات، لا نستغيث إلا بالله وحده ولا نستعين إلا به سبحانه كما كان على ذلك سلف الأمة، واستمر النقاش بينه وبين التلمساني ثلاثة أيام وأخيرا هدى الله الشيخ التلمساني للحق وصار موحدا ظاهرا وباطنا، ثم سأله الشيخ التلمساني أن يوضح له وجه الخلاف بينهم وبين خصومهم في باب أسماء الله وصفاته ونعوت جلاله فقال الشيخ أحمد: إنا نعتقد أن الله فوق سماواته بائن عن مخلوقاته مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته من غير تشبيه ولا تجسيم ولا تأويل وهكذا اعتقادنا في جميع آيات الصفات وأحاديثها، كما جاء عن الإمام أبي الحسن الأشعري في كتابيه الإبانة في أصول الديانة ومقالات لإسلاميين واختلاف المصلين ودامت المناظرة بينهما في هذه المسألة خمسة عشر يوما لأن الشيخ التلمساني كان أشعريا درس في الجامع الأزهر كتب العقائد الأشعرية، السنوسية وأم البراهين وشرح الجوهرة وغيرها وقد انتهت هذه المناظرات الطويلة بإقناع الشيخ التلمساني بأن عقيدة السلف هي الأسلم والأحكم والأعلم، ثم بعد هذا صار الشيخ التلمساني - ﵀ - من دعاة العقيدة السلفية وطبع على نفقته كتبا كثيرة كان يوزعها مجانا، مثل "الصارم المنكي في الرد على السبكي" لابن عبد الهادي، والكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية المعروفة بالنونية للإمام ابن القيم، والاستعاذة من الشيطان الرحيم لابن مفلح والمؤمل في الرجوع إلي
[ ١٨٦ ]
الأمر الأول لأبي شامة المؤرخ الدمشقي والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشطان للإمام أحمد بن تيمية - والرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي١ مع رسائل أخرى ضمن الرد الوافر، وغاية ألأماني في الرد على النبهاني للسيد محمود شكري الالوسي البغدادي وقد هدى الله كذلك الوجيه الحجازي الشهير الشيخ محمد بن حسين نصيف ﵀ - على يد المترجم.
مؤلفاته:
ألف المترجم الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى ردودا كثيرة على علماء الضلال وأنصار البدع، منها كتاب تنبيه النبيه والغبي في الرد على المدراسي٢ والحلبي وله الرد على ما جاء في خلاصة الكلام من الطعن على الوهابية والافتراء لدحلان "خ" والرد على شبهات المستعينين بغير الله رد به علي شبهات داود ابن سليمان بن جرجيس البغدادي "ط" وكتاب توضيح المقاصد وتصحيح٣ القواعد شرح به نونية الإمام ابن القيم "المسماة بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية" طبع بمطابع المكتب الإسلامي بدمشق وهو يقع في جزئين.
_________________
(١) ١ ابن ناصر الدين هو محمد بن أبي بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بن مجاهد بن يوسف بن محمد بن علي القيسي الدمشقي الشافعي الشهير بابن ناصر الدين. ٢ كتاب تنبيه النبيه والغبي طبع ضمن مجموعة الرد الوافر لابن ناصر وهو يقع في ٨٥صفحة من القطع الكبير استهله بقوله "الحمد لله علا في سمائه وجلا باليقين قلوب أو ليائه إلي أن قال "أما بعد فقد وقعت على مؤلف لبعض المعاصرين من أهل مدراس حاصله هذيان ووسواس مسمى بالتنبيه والتنزيه فرأيت فيه ألفاظا في غاية الركاكة وكلمات ملحونة لا يتكلمها إلا الحاكة". وقال في آخره: وكان الفراغ من إتمام هذا الرد المبارك يوم الاثنين المبارك ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ١٣٢٠هـ ووافق ذلك بمكة المكرمة حماها الله تعالى وسائر بلاد الإسلام على يد راقمه ومؤلفه أحمد ين إبراهيم بن عيسى"وتحته ما نصه" وكان الفراغ من إتمام طبعه في الثاني والعشرين من شهر شعبان المعظم سنة ١٣٢٩هـ". ٣ كان يوجد منه نسخة مخطوطة في مكتبة الشيخ فوزان السابق سفير الحكومة السعودية في مصر والمتوفى سنة ١٣٧٣بمصر - ﵀ وغفر له _.
[ ١٨٧ ]
تلامذته:
أخذ عنه العلم خلق كثير في نجد والحجاز واعرف منهم الشيخ عبد الستار الدهلوي، والشيخ أبو بكر خوقير الحنبلي والشيخ سعد بن حمد بن عتيق حج ومكث ستة أشهر قرأ فيها على المترجم شرح الزاد " الروض المربع شرح زاد المستقنع"
وقد جالس المترجم الشيخ أحمد بن عيسى أثناء إقامته بمكة وتردده عليها أمير مكة عون بن محمد بن عبد المعين بن عون المتوفى سنة ١٣٢٣هـ فأقنعه بهدم القباب المشيدة على القبور في مكة وجدة والطائف، فهدمها إلا قبة قبر حواء وقبة قبر خديجة زوج النبي ﷺ، وقبة قبر ابن عباس بالطائف فانه لم يهدم هذه القباب الثلاث خوفا من السلطان عبد الحميد العثماني أن يعزله عن الإمارة.
وقد رجع المترجم إلي نجد بعدما توفي الشريف عون سنة ١٣٢٣هـ واستقر بها وولاه الأمير عبد العزيز بن متعب بن رشيد قضاء المجمعة وجميع مقاطعة سدير فبقي في قضاء مقاطعة سدير حتى قتل عبد العزيز بن متعب ودانت المجمعة لجلالة الملك عبد العزيز آل سعود وذلك سنة ١٣٢٤هـ فعزله الملك عبد العزيز عن القضاء وولي مكانه الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري وقد كان المترجم الشيخ أحمد بن عيسى عادلا في القضاء مشكور السيرة عاش فقيرا إلي أن توفي بعد صلاة يوم الجمعة رابع جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وألف من الهجرة، وخلفه ابنا لا يزال موجودا إلي اليوم وله أبناء - رحم الله الشيخ أحمد وغفر له وعفا عنه إنه سميع مجيب.
[ ١٨٨ ]