هو الشيخ العالم المتفنن عبد الله بن سليمان بن سعود بن سالم محمد بن بليهد الخالدي، ولد ببلدة القرعاء من قرى القصيم بنجد سنة ١٢٨٤هـ، وقرأ القرآن على والده الشيخ سليمان بن سعود بن بليهد وقرأ الحديث والتفسير على الشيخ محمد بن دخيل١ ببلدة المذنب بالقصيم وقرأ على الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم بمدينة بريدة ورحل إلي الهند للعلاج فقرأ على علماء الحديث ثم رجع إلي بلاده وتولى التدريس والوعظ والإرشاد في بعض بلدان القصيم كبلدة البكيرية والرس والخبراء وجميع القرى المجاورة يتنقل بينها لإرشاد أهلها وتعليمهم إلي سنة ١٣٣٣هـ حيث عين قاضيا لتلك القرى مع بواديها إلي سنة ١٣٤١هـ حيث صدر الأمر بتعيينه قاضيا بجبل طيء المعروف فيما بعد يجبل شمر فاستقر بعاصمته مدينة حائل فصار الخصوم يردون عليه من جميع قراه وبواديه.
ولما دخل الملك عبد العزيز الحجاز واستتب له الأمر نقله من قضاء حائل إلي رئاسة القضاة بمكة المكرمة سنة ١٣٤٤هـ وكانت له مواقف مشرفة يحمد عليها، فمن ذلك ما ذكره الشيخ حافظ وهبه ٢ ﵀ - في كتابه "جزيرة العرب في القرن العشرين"ص ٢٦٢حيث قال بالحرف الواحد ما
_________________
(١) ١ ابن دخيل بضم الدال وفتح الخاء وتشديد الياء. ٢ حافظ وهبة وزير مفوض فسفير في لندن توفي - ﵀ - وغفر له في روما سنة ١٣٨٧هـ.
[ ٢٢٦ ]
نصه: "لما تولت الحكومة السعودية على الحجاز جاء وفد من الهند برئاسة مولانا" شوكت علي" وطلبوا من الملك عبد العزيز أن يعين لهم مجلسا يكون مؤتمرا إسلاميا يجتمع فيه وفود الدول الإسلامية فوافق الملك عبد العزيز وانتدب الشيخ ابن بليهد متكلما عنه.
واجتمع المؤتمر في بناية المالية بمكة ولما تكاملت الوفود تكلم "شوكت علي" بكلام فيه تحامل على الحكومة السعودية ولما فرغ قام الشيخ ابن بليهد وتكلم بكلام بليغ بأسلوب لطيف مقنع رد فيه على "شوكت علي" فانفض المؤتمر، وقد حمدت الوفود والملك عبد العزيز الشيخ ابن بليهد على كلامه".
وقد مكث الشيخ عبد الله بن بليهد في منصب رئاسة القضاة بمكة المكرمة إلي آخر سنة ١٣٤٥هـ حيث أعفى منه وأعيد إلي قضاء جبل شمر وعين بدله رئيسا للقضاة الشيخ عبد الله بن حسن بن حسين بن علي بن حسين ابن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ _.
مؤلفاته:
ألف الشيخ عبد الله بن بليهد منسكا سماه "جامع المناسك" في أحكام المناسك" طبع ورسالة لطيفة ردا على مدعي الخلافة لم تطبع.
تلامذته:
أخذ عنه العلم جماعة من العلماء منهم حمود الحسين الشغدلي والشيخ عبد الرحمن الملق والشيخ سالم الصالح والشيخ أحمد المرشدي والشيخ علي الصالح والشيخ عبد الله الدقلي، وأخذ عنه غير هؤلاء من أهل مكة والمدينة المنورة ومقاطعة القصيم وقد ظل في قضاء جبل شمر إلي أن توفي بمدينة الطائف١
_________________
(١) ١ خلف خمسة أبناء هم سليمان وعبد الرحمن ومحمد وإبراهيم وناصر وتوفي عبد الرحمن بعده بسنوات ثم توفي محمد بعد عبد الرحمن.
[ ٢٢٧ ]
ليلة الاثنين عاشر جمادى الأولي سنة ١٣٥٩هـ بداء السل وصلى عليه الملك فيصل وخلق كثير في مسجد ابن عباس ودفن في المقبرة القريبة من مسجد ابن عباس تقع عنه جنوبا شرقا يفصلها عن المسجد الشارع العام وحزن عليه الناس - ﵀ _.
ورثاه الأدباء منهم الشيخ أحمد بن إبراهيم الغزاوي شاعر الحجاز وأديبه والمشهور متع الله بحياته، ومنهم ابن عم المترجم محمد بن عبد الله بن بليهد ونحن هنا نورد قصيدة الشيخ أحمد بن إبراهيم الغزاوي:
في مثلك الصبر عند الله يحتسب والعلم يفقد والأشجان تصطخب
يا ويح كل فؤاد أنت موقظه أمسى بفقدك في أعماقه يثب
ويا رزيئة هذا النعي في ملإ كأنما الدمع من آماقه عبب
تنهل عبراته حزنا على جدث فيه السماحة والأخلاق والأدب
ما للجفون أراها فيك دامية كأنما هي بالأحشاء تنسكب
هيهات أودى الردى في غير ما لجب بمشمخر من الاطواد ينتشب
حبر من الصفوة الأولي علقت به فما فتئت أعاني فيه ما يجب
[ ٢٢٨ ]
هوى به الموت في لجي عمرته فأين لا أين ذاك المدره الذرب
في ذمة الله ما ألقى به، وله من رحمة الله ما نرجو ونرتقب
ما كان إلا جنانا ثابتا ويدا تشد أزر الهدى والوعد مقترب
تبلو الشريعة فيه حاذقا فطنا من الذين لهم في شملها دأب
يجيش كالموج أو كالبحر منطقه ولا تباريه في آفاقه السحب
تلبه في ضحى الإسلام ألوية خفاقة وهي في غاراتها خطب
وفي سويدائه التوحيد مدرعا حسن اليقين غير "؟ " أنه لهب
إذا انبرى في مجال من مواقفه حسبت سحبان تجثو حوله الركب
عجبت للحد هل في اللحد متسع حتى انزوى فيه رضوى فهو محتجب
لشد ما ضاقت الدنيا به أبدا فكيف واراه شبر وهو منقلب
مالي وللندب في من خطبه جلل ومن عليه حدود الله تنتحب
لا تملك اليوم إلا زفرة ورضا بما قضى الله فيه ثم نحتسب
[ ٢٢٩ ]
وما قضى من له في ربه أمل ولا قضى من له في دينه نصب
فإن ذكراه في الأعمال باقية والموت حق وما من دونه هرب
فضاعف الله أجر المؤمنين به في جنة الخلد وليعظم به السبب
وعوض الدين عنه خير ما طلعت عليه شمس الضحى أو غارب الحقب
رحم الله المترجم الشيخ عبد الله بن سليمان بن بلهيد وغفر له فقد كان سمحا جوادا متواضعا لا يعرف الكبر إلى قلبه العامر بالإيمان والتقوى سبيلا وصلى الله على محمد وآله وسلم.
[ ٢٣٠ ]