أول مشايخي، والدي نسبًا، عبد الباقي تقي الدين بن عبد الباقي بن عبد القادر بن عبد الباقي بن إبراهيم بن عمر بن محمد الحنبلي، البعلي الأزهري الدمشقي، المحدث المقرئ الأثري، الشهير بابن بدر، ثم بابن فقيه فصة، وهي بفاء مكسورة ومهملة: قرية ببعلبك من جهة دمشق نحو فرسخ، وكان أحد أجداده يتوجه ويخطب بها فلذلك اشتهر بها، وأجداده كلهم حنابلة.
وقد ولد ببعلبك قال والدي: رأيت على هوامش بعض الكتب للجد الشيخ إبراهيم: ملكه الفقير إبراهيم بن تيمية. ولم أدر غير ذلك، ولم يعهد لنا جدّ إلا وهو حنبلي. وقال في الثبت الذي جمعه وتعب عليه كثيرًا: وجدت بخط والداي رحمة الله على ظهر كتاب الإقناع: (ولد الولد المبارك عبد الباقي ابن كاتبه الفقير عبد الباقي بن عبد القادر ابن فقيه فصة الحنبلي ليلة السبت ١٨ ربيع الثاني من شهور سنة ١٠٠٥ للهجرة جعله الله من العلماء العاملين) . وحفظت
[ ١ ]
القرآن على والداي، تولى قراءتي بنفسه اعتناءً بي، وعمري إذ ذاك عشر سنين، وتيتمت بعد ذلك وشرعت في الاشتغال بطلب العلم سنة ١٠١٧ للهجرة فأخذت الفقه عن القاضي أحمد الوفائي المفلحي، وأخذت طريق الصوفية عن ولد عمي الشيخ نور الدين خليفة الشيخ محمد العلمي، ولقنني العلم وأجازني الشيخ محمد العلمي في القدس بالبداءة في الأوراد والأذكار والمحيا إذا كنت بين إخواني، ورحلت إلى مصر سنة ١٠٢٩، فأخذت الفقه عن الشيخ منصور البهوتي الحنبلي والشيخ عبد القادر الدنشوري، والشيخ يوسف الفتوحي سبط ابن النجار وأخذت القراءة عن الشيخ عبد الرحمن اليمني، والحديث عن الشيخ إبراهيم اللقاني والشيخ أحمد المقري، والفرائض عن الشيخ الشمرلسي، وعن زين العابدين بن أبي دريّ المالكي، وعن كثير من مشايخ الجامع الأزهر من أجلهم: عبد الجواد الجنبلاطي، والعروض وغيره من العلوم عن الشيخ محمد الحموي، وقرأت شيئًا من المنطق والعربية على الشيخ محمد البابلي وحضرته كثيرًا. وأشياخي غيرهم كثير ثم عدت إلى دمشق سنة ١٠٣٢ للهجرة اثنتين وثلاثين وألف بإجازات الأشياخ بالفنون المزبورة. وغيرها وبالإفتاء والتدريس، فدرست في جامع بني أمية زمن قدومي، وقرأت بعد ذلك في الشام على شيخ الإسلام شيخ عمر بن محمد القاري في النحو والمعاني والحديث والأصول، وأجازني، وحججت حجة الإسلام سنة ١٠٣٦ فأخذت عن جماعة من أهل مكة من أجلهم مولانا الشيخ محمد علي بن علان الصديقي وأجازني، والشيخ عبد الرحمن المرشدي وأخذت عن أهل الحرم المدني عن جماعة من أجلهم الشيخ عبد الرحمن الخياري، فقد أجازني والله الحمد أهل مكة والمدينة ومصر ودمشق وأهل بيت المقدس، وأعلى أسانيدي في جميع مرويات ابن حجر وفي جميع كتب الحديث عن الشيخ حجازي الواعظ عن أحمد بن أركماس من أهل غيط العدة بمصر عن الحافظ العسقلاني. على أن هذا الفقير المترجم نفسه أوثقته الذنوب عن اللحاق بكل مصحوب، غره طول الأمل، فانقطع عن كثير من العمل، يسوف أعماله بالمهلة، يتردد بين الفتور والغفلة، مع ما يسر الله له من صحبة الرجال ومحبة أرباب المعارف والأحوال، ولكن عقله عقل الأطفال في حركاته، وسمته سمت العوام في سكناته، ليله يذهب في المنام، ونهاره يذهب فيما لا يجدي من الكلام، ينسب إلى الزهاد مع تخلفه عن طريقهم، ويحسب في العباد وهو بمعزل عن تحقيقهم، قد قصر عن إدراكهم مسير جواده مما حشاه من الأدواء في فؤاده، وكلما لام نفسه على التسويف أسرعت إليه، وإذا استنهضها إلى الاجتهاد أجمحت عليه، وإن أمت مؤمنًا فيا فوزي، وأرجو ذلك من فضل سيدي ومعبودي، إنه جواد كريم غفور رحيم: من الطويل
فليس له عَونٌ عليها يردّها إلى الخير إلاّ اللهُ واللهُ يغفرُ
فيا ربّ أيقظنا وإغفر ذنوبنا فقد كثرت لكنّ عفوك أكثرُ
أتيناك فاقبلنا دعوناك فاعطنا على الخير فاقبضنا فجودك أغزرُ
انتهى كلام الوالد ﵀ في ثبته وأقول الفقير: وتصدر والداي للإقراء في الجامع الأموي سنة ١٠٤١ بكرة النهار وبين العشائين، فقرأ الجامع الصغير في الحديث مرتين، وتفسير الجلالين مرتين، وقرأ صحيح البخاري بتمامه، ومسلم والشفا، والمواهب، والترغيب والترهيب، والتذكرة للقرطبي، وشرح البرأة، والمنفرجة، والشمائل، والإحياء جميع ذلك بطرفيه، ولازم ذلك ملازمة كلية بمحراب الحنابلة أولًا، ثم بمحراب الشافعية ولم ينفصل عن ذلك شتاء ولا صيفًا ولا ليلة عيد، حتى ليلة وفاة والدتنا زوجته أبقاها ميتة في الدار ليدفنها في غد ذلك اليوم، وحتى ليلة عرس الفقير وأخيه، وكان فيه نفع عظيم، وأخذ عنه خلق كثير أجلهم: الأستاذ الكبير واحد الدنيا في المعارف إبراهيم الكوراني نزيل المدينة المنورة والسيد العالم محمد بن عبد الرسول البرزنجي وغيرهم من العلماء الأجلاء والطلبة والمنتهون منهم المرحوم الشيخ مصطفى شيخ المحيا ابن سوار، ومنهم الشيخ محمد البطنيني، ومنهم الشيخ محمد الداراني، ومنهم الشيخ عبد الحق الصفوري، ومنهم الشيخ رمضان بن موسى العطيفي وأخوه الشيخ حسن. ومن أهل البلدة والمصريين والحلبيين والنجديين والأغراب والمترددين والآفاقيين خلائق كثيرون.
[ ٢ ]
وله من المؤلفات والتحريرات والمسودات أشياء كثيرة بخطه وغير خطه. وعلى هوامش الكتب، من ذلك قطعة مسودة على البخاري.
وكان مدرس العادلية الصغرى، وكان خطيبًا بجامع منجك الذي بمسجد الأقصاب خارج دمشق. وكان شيخ القراء بدمشق.
توفي ليلة الثلاثاء ٢٧ ذي الحجة سنة ١٠٧١ ودفن بتربة الغرباء في مقبرة باب الفراديس.
هذا وكان معظم انتفاعي منه وتخرجي عليه من قراءة الرسائل والمؤلفات والمقدمات في غالب العلوم مثل: الجزرية والآجرومية وشروحهما المشهورة كالقاضي زكريا وغيره والشاطبية، والألفية لابن مالك وجميع ما يوجد من شروحها، وما يوجد من شروح الشاطبية كالجعبري وأبي شامة والهمداني والفاسي والأندلسي وشعلة وابن القاصح وغيرها من الشروح مما يوجد. وأيضا قرأت عليه لطائف الإشارات للقسطلاني في الأربعة عشر، وأجازني بما فيه.
وقرأت عليه إفرادًا وجمعًا، وقرأت عليه عرضا ختمين كاملين أحدهما للسبعة من طريق الشاطبي، وللثلاثة من طريق الدرة. وأجازني بجميع كتب خاتمة المتأخرين الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن محمد الجزري ورسائله كالنشر وطيبته والتقريب وباقي تآليفه، وبالقراءة والإقراء من هذه الطرق أيضا، ومقدمات الفقه كدليل الطالب للشيخ مرعي الحنبلي وزاد المتقنع للشيخ موسى الحجاوي وغيرهما من المقدمات، وكتاب منتهى الإرادات، وكتاب الإقناع ومفردات الحنابلة وغير ذلك من كتب الفقه للمتقدمين والمتأخرين، وحواشي الكتابين المرقومين وشروحهما للشيخ منصور البهوتي الحنبلي وغيره، ومن كتب الحديث رواية قراءة للبعض وسماعا وعرضا وإجازة وحضورا كالبخاري ومسلم، وغالب الكتب المسطرة آنفا، وأجازني بجميع ما انطوى عليه ثبته الذي صنفه في حياته بالتماس من الشيخ إبراهيم الكوراني من كتب الحديث والقراءات والفقه وغيرها، وكذلك ألفية العراقي في المصطلح وشروحها وغير ذلك مما يطول ذكره، والمانع من استيعاب ذلك كثرة الاشتغال وضيق الأوقات.
وعلى كل حال فقد رباني حق التربية، وأدبني حق التأديب، وخرجني أحسن التخريج، وأحسن إلى غاية الإحسان، لم يبق شيئا من أنواع الإكرام إلا وقام به حق القيام. فجزاه الله تعالى ووالدتي خير ما جازى أبوين عن ولدهما. وأجزل الله له ولها الثواب. إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين أمين يا جواد يا رؤوف يا رحيم.
وقد أجزت كل واقف على هذه المشيخة بجميع ما انطوى عليه ثبته المذكور من كتب الحديث والتفسير والفقه والقراءات وكتب العربية بأسانيدها إلى مؤلفيها، وبما انطوى عليه من الآثار والأخبار والحكايات والظرف والنكات والله ﷾ أعلم.