أبو عبد الله محمد الشمس البابلي بن علاء الدين القاهري الزهري الشافعي الحافظ الرحلة، أحد الأعلام في الحديث والفقه، أحفظ أهل عصره لمتون الحديث والشروح، وأعرفهم بجرحها ورجالها وصحيحها وسقطها. حكي أنه رأى ليلة القدر ودعا بأشياء منها أن يكون مثل ابن حجر العسقلاني في الحديث، وكان حافظا نبيها ما وقع نظره قبل انكفافه على شيء إلا حفظه بسرعة، والذي وقع من محفوظاته القرآن بالروايات والشاطبية، والبهجة، وألفية العراقي في المصطلح، وألفية ابن مالك، وجمع الجوامع، ومتن التلخيص وغيرها. وكتب بخطه كتبا كثيرة منها فتح الباري لابن حجر.
[ ٨ ]
وكان قدم به أبوه من قريته بابل من أعمال مصر إلى القاهرة وهو صغير دون التمييز وسنه دون أربع سنين، وأتى به إلى خاتمة الفقهاء الشمس الرملي وهو منقطع في بيته، فدعا له بخير ودخل في عموم إجازته لأهل عصره، ولما ترعرع لزم النور الزيادي والشيخ علي الحلبي، والشيخ عبد الرؤوف المناوي. وأخذ العربية والحديث وغيرهما عن البرهان اللقاني، وأبي النجا سالم السنهوري، والنور علي الأجهوري المالكيين. وأخذ علم الأصول والمنطق والمعاني والبيان عن الشهاب الغنيمي والشهاب بن خليل السبكي والشهاب ابن الشلبي، وخاله الشيخ سليمان البابلي والشيخ صالح بن شهاب الدين البلقيني. ومشايخه في العلوم الشيخ حجازي الواعظ، والشيخ أحمد بن عيسى المطلبي، والجمال يوسف الزرقاني، والشيخ عبد الله بن محمد النحريري، والشيخ سالم الشبشيري، والشيخ موسى الدهشيتي والشيخ محمد الجابري، والشيخ عبد الله الدنوشري، والشيخ سيف الدين البعيد المقرئ، والشيخ أحمد السنهوري.
وكان مواظبا على التهجد، وكان مواظبا على التدريس والنفع التام. قيل: إن الشيخ يحيى بن عمر المنقاري شيخ الإسلام يقول: كنت وأنا قاضٍ بمصر وجهت إلى البابلي تدريس المدرسة الصلاحية بعد موت الشمس الشوبري وهي مشروطة لأعلم علماء الشافعية، وقال: وكتبت تقريرها وأرسلتها إليه فجاء إلي وامتنع من قبولها جدا مع الإقدام عليه مرات، وادعى أنه لا يعرف نفسه أنه أعلم علماء الشافعية. قال: فقلت: حينئذ: تنظر لنا المستحق لها من هو حتى نوجهها؟ فقال: اعفني من هذا أيضا وانصرف.
وأخذ عنه جماعات لا يحصون، فممن أخذ عنه من أهل القاهرة الشيخ منصور الطوخي، والشيخ أحمد البشبيشي، والشيخ محمد بن خليفة الشوبري. ومن أهل الشام الشيخ عبد القادر الصفوري، والشيخ محمد البطنيني، والشيخ محمد بن علي المكتبي. ومن أهل مكة الشيخ محمد بن عبد الرؤوف، والشيخ عبد الله بن طاهر العباسي، والشيخ علي الأيوبي، والشيخ علي بن أبي البقا، والشيخ إسكندر المقرئ، والشيخ سعيد بن عبد الله باقشير، والشيخ عبد المحسن القلعي، والشيخ إبراهيم بن محمد الزنجبيلي، والشيخ علي باحاج. ومن أهل المدينة الشيخ إبراهيم الخياري. وحصل له عارض في عينيه أذهب بصره قبل انتقاله بنحو ثلاثين سنة، وكان إذا طالع له أحد حثه على الإسراع بحيث أن السامع لا يفهم ما يقرأه القارئ، وإذا توقف القارئ في محل سابقه بالفتح عليه، حتى كان يحفظ ذلك الكتاب عن ظهر قلب، وكان كثير العبادة يواظب على قراءة القرآن سرا وجهرا. وكان راتبه في كل يوم وليلة نصف القرآن، ويختم يوم الجمعة ختمة كاملة. وكان كثير البكاء عند قراءة القرآن، ولا يفارقه خوف الله في جميع الأحيان.
وكانت ولادته سنة ألف. وتوفي عصر يوم الثلاثاء خامس عشري جمادى الأول سنة ألف وسبع وسبعين.
هذا وقد حضرته في دروسه في مكة سنة خمس وخمسين وألف في العقائد، ودروسه في البخاري في الجامع الأزهر في مجالس عديدة سنة إحدى وسبعين وألف. ودخلت في عموم إجازته. وله الحمد.