[ ٢٦ ]
وكان مولده سنة أربع وأربعين وألف، رحل مع والده الشيخ عبد الباقي ﵀ إلى الحج في سنة خمس وخمسين وألف. وعمره يومئذ إحدى عشرة سنة. وجمعه والده بعلماء مكة، وأخذ عنهم كما تقدم أيضا. ثم رحل رحلة ثانية إلى مصر سنة إحدى وسبعين وألف واجتمع بعلمائها، وأخذ عنهم كما تقدم أيضا. ثم في سنة اثنتين وسبعين وألف جلس لإفتاء الحنابلة لموت والده في ذلك العام. وتصدر للإقراء في الجامع الأموي بكرة النهار وبين العشائين، فقرأ الجامع الصغير في الحديث وصحيح البخاري بتمامه وغير ذلك، ولازم ذلك ملازمة كلية لم ينفصل عن ذلك شتاء ولا صيفا ولا ليلة عيد، مع ملازمة الجد والاجتهاد وغاية العبادة، وكان مجلسه مصانا من الغيبة وذكر الناس بسوء، وجميع أوقاته مصروفة في الخير إما مطالعة وإما تدريسا وإما تقريرا وإما سماعا للقرآن، وكان كثير الصدقات، ولم يعهد مفارقته للخيرات في حالة من الحالات، كثير الصمت إلا في ذكر أو قراءة، دائم الحضور والمراقبة، كثير الخوف من الله، لا يرى ضاحكا إلا نادرا، مهابا، ما رآه أحد إلا هابه، مجالسه كمجالس الملوك، وكان على قدم الصحابة والسلف والصالحين، عليه نور الولاية والصلاح، ما قرأ عليه أحد إلا فتح الله عليه، وكان يستسقى به الغيث، وللناس فيه الاعتقاد العظيم، وله وقائع وكرامات. أخبرني من أثق به أنه كان متصرفا في بلاد نجد، وكان فيه نفع عظيم.
وأخذ عنه خلق كثير من أجلهم الشيخ عبد القادر التغلبي المجلد الحنبلي وشيخنا العلامة الشيخ محمد الكفيري البصير، وشيخنا الفهامة الشيخ مصطفى ابن سوار، والشيخ عثمان بن الشمعة، وشيخنا شيخ الإسلام العلامة أحمد الغزي، والشيخ عثمان النحاس، والشيخ إسماعيل العجلوني وغيرهم من العلماء الأجلاء والمنتهين من أهل الشام والحرمين: منهم أستاذنا محمد عقيلة قدس سره. ومن بيت المقدس والبلاد الرومية، ومن الحلبيين والنجديين والأغراب الآفاقيين خلق كثيرون.
وانتهت إليه الصدارة بدمشق الشام ومشيخة الإقراء بحيث أنه لم يمت حتى رأى علماء الشام إما تلميذا له أو تلميذا لتلميذه. وولي خطابة الشامية الكبرى ظاهر دمشق ولم يزل في علو وترق مما ذكر إلى أن توفاه الله تعالى إلى رحمته. وذلك في شوال سنة ست وعشرين ومئة وألف. وصلي عليه في الجامع الأموي. ودفن بتربة الغرباء في مقبرة باب الفراديس بالقرب من ضريح والده الشيخ عبد الباقي، وولده الشيخ عبد الجليل رحمهم الله تعالى ونفعنا بهم في الدنيا والآخرة.