[ ٢٢ ]
وأعلم أن من جملة مشايخ شيخنا المرحوم أبي المواهب صاحب هذه المشيخة: العلامة الهمام والنحرير الإمام شيخ الإسلام وبركة الأنام، علامة مصر والشام، مرجع الخاص والعام، المفسر المحدث الفقيه اللغوي الصرفي النحوي البياني، العروضي المعمر الشيخ خير الدين بن الشيخ أحمد بن الشيخ نور الدين علي بن زين الدين بن بن عبد الوهاب الأيوبي العليمي الفاروقي الرملي.
مولده رحمه الله تعالى بالرملة في أوائل شهر رمضان سنة ٩٩٣ تسع مئة وثلاث وتسعين، قرأ بها القرآن، ثم اشتغل بقراءة التجويد على القدوة المسلك الولي الصالح الشيخ موسى بن الشيخ حسن القبي الشافعي الرملي، وقرأ عليه أشياء من متن أبي شجاع في فقه الشافعي ولازمه في صغره، وانتفع به ولاحظته بركته، وكان يحبه كثيرًا حتى كان يميزه على أولاده، ثم ارتحل إلى مصر لطلب العلم صحبة أخيه الكبير الحاج عبد النبي سنة ١٠٠٧ ولما دخل الجامع الأزهر حل عليه نظر ولي الله الشيخ فايد، وكان مقيما دائما بباب الجامع، وكانت كبار العلماء تعتقده حتى إن الواحد منهم كان يقف بين يديه، فإن أشار إليه بالجلوس جلس وإلا وقف حتى يقول له: انصرف. وتأتي الوزر لتقبيل يديه والتبرك به فلا يلتفت إليهم، واتفق له مرة أنه نادى المترجم: تعال يا شيخ الإسلام وكرر وذلك، قال المترجم: فما عرفت لمن النداء، وإذا به يشير إلي فجئت إليه وقبلت يده فهش لي، وكان بعدها إذا جئت إليه استقبلني وأجلسني واستنشدني من كلام القوم حتى كنت إذا أردت القيام لا يمكنني إلا بعد الجهد وحصلت لي بركته. ثم تفقه المترجم للإمام الشافعي واشتغل به أيامًا فوقع بينه وبين أخيه في سبب ذلك فشاروا في ذلك بعض أكابر الجامع من العلماء فقال للشيخ المترجم: اكتب رقعة بواقعة الحال وتوجه لزيارة الإمام الشافعي ﵁ وألق الرقعة على قبره واجلس هناك، فكتب رقعة وتوجه بها فألقاها وجلس فأخذته سنة من النوم، فرأى الإمام الشافعي ﵁ قائلًا له: كلنا على هدى، فقيل له: هذه إجازة بأن توافق أخاك في القراءة على مذهب أبي حنيفة ﵁، فوافق أخاه وجد واجتهد ودأب في تحصيل العلوم ولازم العلامة الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمد النحريري الحنفي، وقرأ عليه شرح الكنز للعيني، وغالب صدر الشريعة، والأشباه والنظائر، والاختيار شرح المختار وغير ذلك من كتب النحو والفرائض، ولازمه مدة إقامته بمصر، وكان يجله ويكرمه كثيرا، وممن أخذ عنه من أجلاء الحنفية الشيخ محمد بن محمد سراج الدين الحانوتي صاحب الفتاوى المشهورة، ومن مشايخه أيضا العلامة أحمد ابن أمين الدين بن عبد العال، وأخذ الأصول على العلامة محمد بن بنت محب، وعن العلامة الشيخ محمد بن بنت الشلبي، وعن العلم الجليل سالم السنهوري، والقرآن على مقرئ زمانه الشيخ عبد الرحمن اليمني نسبة إلى كفر اليمن من بلاد مصر من ناحية القليوبية، وأخذ النحو عن نادرة زمانه الشيخ أبي بكر الشنواني، وعن الشيخ سليمان بن عبد الدائم البابلي، ولم يزل في أخذ العلوم وملازمة الدروس والشايخ والمباحثة معهم حتى أفتى وهو بالجامع الأزهر، ثم توجه إلى بلاده بإجازات الأشياخ، وقدم بلده الرملة في ذي الحجة سنة ١٠١٣ واجتمع في رجوعه بعلماء غزة وغيرهم. ثم أخذ في الإقراء والتعليم والتدريس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واشتهر علمه وبعد صيته، وجاءت إليه الأسئلة من الآفاق كمصر والشام والروم والحجاز والعراق، بحيث استغرق في ذلك جميع أوقاته، وكان يأكل من غراس كرومه وما غرسه فيها بيده من أشجار الفواكه، غرس ألوفا من الأشجار المختلفة من الفواكه باشر غرسها بيده، وحصل أملاكا وعقارات غالبها من بنائه، ولم يتعرض من الأوقاف والجهات لشيء، وفي ذلك يقول: أرجوزة
بورك لي في المّر والمسحاة فما هو الملجئ للجهات
وهي إذا قام عليها صدقه وللذي فرط نار محرقة
[ ٢٣ ]
وصار له من ذلك دنيا طائلة، ومع ذلك لا يقبض منها شيئا، ولا يصرفه من يده، بل تصرف فيها ابن أخيه الشيخ عبد الحق ابن الحاج عبد النبي، ثم من بعده ولده الشيخ محيي الدين حتى مات في حياته سنة ألف وإحدى وسبعين بعد أن صار من العلماء الكبار، ودرس وأفتى في حياة والده، وكان أعجوبة زمانه، ثم بعد موت ولده المذكور صرف في ذلك الشيخ نور الله ابن أخيه الشيخ شمس الدين، ولم يعهد له أنه حاسب أحدًا منهم على ما قبض دينًاودنيًا، ورمم وأصلح كثيرا من مساجدها ومدافن الأولياء بها، وحصل من الكتب أشياء كثيرًا من نفائسها ومشاهيرها من كل علم، وكانت تسعى إليه الولاة والأمراء والموالي والعلماء والمشايخ، وعظمت بركته وعم نفعه، وكثر أخذ الناس عنه من الأقطار الشاسعة.
وممن أخذ عنه ولده العلامة المرحوم الشيخ محيي الدين المتقدم ذكره، والشيخ محمد الخطيب ابن أخيه الحاج عبد النبي، ومنهم ولده العلامة الشيخ محمد تولى إفتاء الرملة من الدولة في أيام والده، فلم يفت في والده إلى أن مات، وعلماء غزة والرملة وبيت المقدس من أجلهم السيد عبد الرحيم بن الشيخ أبي اللطف مفتي الحنفية ببيت المقدس، وأخذ عنه غالب علماء دمشق وفضلائها، منهم من رحل إليه، ومنهم من استدعاه للإجازة منهم: العالم الهمام السيد محمد بن السيد كمال الدين بن حمزة النقيب بها وأولاده الثلاثة السيد عبد الرحمن والسيد عبد الكريم والسيد إبراهيم. وهذا الثالث رحل إليه ومكث عنده مدة وقرأ عليه ومنهم السيد الكامل والعمدة الفاضل محمد بن عجلان نقيب دمشق، ومنهم العلامة علاء الدين الحصكفي، ومنهم العلامة الشيخ أحمد الصفدي، ومنهم الشيخ سعودي بن تاج الدين القباقبي، ومنهم الشيخ محمد المكتبي، والشيخ إبراهيم السؤالاتي، والشيخ درويش الحلواني.
وأخذ عنه من أهل الحرمين جماعة كالشيخ عيسى بن محمد الثعالبي المغربي نزيل مكة، والشيخ محمد بن سليمان المغربي نزيلها أيضا، والسيد محمد ابن رسول البرزنجي نزيل المدينة المنورة، والشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد الرحمن الخياري المدني، والشيخ محمد الأنصاري المدني والشيخ حسن العجيمي المكي.
ومن أهل الروم خلق: كصدر الأعاظم مصطفى باشا ابن الوزير الأعظم محمد باشا الكبرلي، وأخيه الوزير الأعظم أحمد باشا، والمولى عبد الباقي أفندي قاضي القدس.
ومن المغاربة جماعات أجلاء: كالشيخ يحيى بن محمد بن عبد الله الشاوي، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي وغيرهم.
وانتفع الناس به وألحق الأصاغر بالأكابر، والأحفاد بالأجداد. وكان ﵀ سمحا بالإجازة ما طلبها أحد منه ورده، حريصا على إفادة الناس وجبر خواطرهم، مكرما للعلماء وطلبة العلم، غيورا عليهم ناصرا لهم، دافعا عنهم ما استطاع، وكان ذا هيئة حسنة، لم ير الناظر أبهى منه وجها، يتلألأ وجهه نورا، من اجتمع إليه لا يكاد ينساه من كثرة تواضعه ولين جانبه وكثرة فوائده وفصاحة منطقه وإكرامه الوارد عليه، مجالسه محفوظة من الفحش والغيبة لا تخلو أوقاته من الكتابة إو الإفادة أو المراجعة للمسائل، متين الدين، تهابه الحكام من الولاة والقضاة. وكانت الرملة في زمنه أعدل البلاد وللشرع بها ناموس عظيم، بل وسائر البلاد والقريبة منها، وقل أن تقع واقعة مشكلة في دمشق وبيت المقدس وما والاهما من المدن والقرى غلا ويستفتى بها مع كثرة العلماء والمفتين خصوصا أهل البوادي والأجلاف، إذا وصلت إليهم فتواه لا يختلفون فيها، وكان كلمته نافذة، وشفاعته مقبولة، وكتابته ميمونة، ما كتب لأحد شيئا إلا وانتفع به لصدق نيته وحسن سريرته.
وله الفتاوى المشهورة، جمع فيها ما أشكل وعز نقله واختلف فيه التصحيح. وحواشي على منح الغفار رد فيها غالب اعتراضاته على الكنز. وحواشي على شرح الكنز للعيني، وعلى الأشباه والنظائر، وله على البحر كتابات، وكذلك على الزيلعي وجامع الفصولين. ورسالة سماها مسلك الإنصاف في عدم الفرق بين مسألتي السبكي والخصاف التي في الأشباه، والفوز والغنم في مسألة الشرف من الأم، ورسالة فيمن قال: إن فعلت كذا فأنا كافر، وديوان شعر مرتب على حروف المعجم. وغير ذلك من الكتابات.
وكان بحاثا ما باحثه أحد إلا وظهر عليه. والحاصل أنه خاتمة العلماء الكبار. ما ذكر من أحواله بالنسبة لى جلالة قدره وعلو شأنه قطرة من بحر أو شذرة من عقد.
[ ٢٤ ]
مات رحمه الله تعالى أواخر ليلة الأحد السابع والعشرين من شهر رمضان سنة ألف وإحدى وثمانين بداء البطن. وصلي عليه بالجامع الكبير المعروف بجامع السوق بالرملة، بعد صلاة الظهر، وحصل للناس عليه غاية الانزعاج والتأسف حتى أهل الذمة من اليهود والنصارى رجالا ونساء. وصلى عليه ابن أخته وتلميذه العلامة تاج الدين، ودفن بمكان بحارة الباشقردي قريبا من مدفن الشيخ أبي عبد الله محمد البطائحي من جهة القبلة بوصية منه ورثاه الناس في غالب البلاد رحمه الله تعالى.