أبو عبد الله فحل الشعراء ورئيس الأدباء أصله من بلنسية واستوطن مالقة واتخذها دار إقامة إلى أن توفي بها ﵀ يوم الثلاثاء التاسع عشر لشهر رمضان المعظم سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة.
وكان ﵀ ساكنا وقورا ذا سمت وعقل وكان رفاء يعمل بيده ويقصده رؤساء الكتاب والشعراء يأخذون عنه ويسمعون منه. وحدثني الفقيه أبو عمرو بن سالم ﵀ ومن خطه نقلت قال حدثني الوزير الحسيب أبو الحسين شاكر ابن الفقيه الأديب أبي عبد الله بن الفخار المالقي ﵀ قال: ما رأيت في عمري رجلا أحسن سمتا وأطول صمتا من أبي عبد الله الرصافي
وحدثني صاحبنا الفقيه أبو عبد الله بن عمار الكاتب بمحضر الأديب أبي علي بن كسرى قال كان الفقيه أبو عبد الله الرصافي من أعقل الناس وكان رفاء فما سمع له أحد من جيرانه كلمة في أحد وكان بإزائه أبو جعفر البلنسي وكان رحمه
[ ٩٣ ]
الله متوقد الخاطر فربما تكلم مع أحد التجار منه هفوة فيقول له: شتان بينك وبين أبي عبد الله في العقل والصمت وربما طالبه بأشياء ليجاوبه عليها فما يزيد على الضحك فلما كان في أحد الأيام جاء ليفتح دكانه فتعمد أن ألقى الغلق من يده فوقعت على رأس أبي عبد الله وهو مقبل على شغله فسال دمه فما زاد على أن قام ومسح الدم ثم ربط رأسه وعاد إلى شغله فلما رأى ذلك منه أبو جعفر المذكور ترامى عليه وجعل يقبل يديه ويقول ولله ما سمعت برجل أصبر ولا أعقل منك والله لقد تعمدت ذلك وهو يضحك ويقول بارك الله فيك وغفر لك.
قال أبو عمرو ﵀: لقيت الفقيه أبا عبد الله الرصافي ﵀ غير مرة وكان صاحبا لأبي وكان له موضع يخرج إليه في فصل العصير فكنت أجتاز عليه في أكثر الأيام مع أبي ﵁ فألثم يده فربما قبل رأسي ودعا لي. وكان أبي يسأله الدعاء فيخجل ويقول: أنا والله أحقر من ذلك وكان من أعقل الناس وأحسنهم خلقا وخلقا وكان ﵀ أديبا بليغا متصرفا وشعره مجموع بأيدي الناس حدثني به الفقيه الأديب أبو عمرو عن الأديب أبي علي بن كسرى سماعا من لفظه وقراءة عليه عن أبي عبدا لله بن الرصافي وعن الأستاذ أبي عبد الله بن الحجاري عن أبي عبد الله بن الرصافي وأقيد منه إن شاء الله جملة يتذكر بها إن شاء الله من ذلك قصيدته المشهورة في الخليفة عبد المؤمن بن علي أنشده إياه بجبل الفتح عند إجازته إلى الأندلس وهي مما سمعه أبو علي بن كسرى من لفظه رحمه الله تعالى وهي:
لو جئت نار الهدى من جانب الطور قبست ما شئت من علم ومن نور
من كل زهراء لم ترفع ذؤابتها ليلا لسار ولم تشبب لمقرور
فضية القدح من نور النبوة أو نور الكرامة تجلو ظلمة الزور
ما زال يقضمها التقوى بموقدها صوام هاجرة قوام ديجور
حتى أضاءت من الإيمان عن قبس قد كان تحت رماد الكفر مكفور
[ ٩٤ ]
نور طوى الله زند الكون منه على سقط إلى زمن المهدي مذخور
وآية كإياة الشمس بين يدي غزو على الملك القيسي منذور
يا دار دار أمير المؤمنين بسف ح الطود طود العلى بوركت في الدور
ذات العمادين من عز ومملكة على الأساسين من قدس وتطهير
ما كان بانيك بالواني الكرامة عن قصر على مجمع البحرين مقصور
مواطئ من نبي طال ما وصلت فيها الخطى بين تسبيح وتكبير
حيث استقلت به نعلاه بوركتا فطيبت كل موطوء ومعبور
وحيث قامت قناة الدين ترفل في لواء نصر على البرين منشور
في كف منشمر البردين ذي ورع على التقى وصفاء النفس مفطور
يلقاك في حال غيب من سريرته بعالم القدس مشهود ومحضور
تسنم الفلك من شط المجاز وقد نودين يا خير أفلاك العلى سيري
فسرن يحملن أمر الله من ملك بالله منتصر في الله منصور
تومي له بسجود كل تحركة منها ويوليه حمدا كل تصدير
لما تسابقن في بحر الزقاق به تركن شطيه في شك وتحيير
أهز من موجه أثناء مسرور أم خاض من لجه أحشاء مذعور
كأنه سالكٌ منه على وشل في الأرض من مهج الأسياف مقطور
من السيوف التي دانت لسطوته وقد رمى نار هيجانا بتسعير
ذو المنشآت الجواري في أجرتها شكل الغدائر في سدل وتضفير
أهدى المياه وأنفاس الرياح لها ما في سجاياه من لين وتعطير
من كل عذراء حبلى في تر ائبها ردعان من عنبر ورد وكافور
تخالها بين أيد من مجاذفها يغرقن في مثل ماء الورد من جور
وربما خاضت التيار طائرة بمثل أجنحة الفتح الكواسير
[ ٩٥ ]
كأنها عبرت تختال عائمة في زاخر من ندى يمناه معصور
حتى رمت جبل الفتحين من كثب بساطع من سناه غير مبهور
لله ما جبل الفتحين من جبل معظم القدر في الأجبال مذكور
من شامخ الأنف في سحنائه طلس له من الغيم جيب غير مزرور
معبرا من ذراه عن ذرى ملك مستمطر الكف والأكناف ممطور
تمسي النجوم على إكليل مفرقه في الجو حائمة مثل الدنانير
وربما مسحته من ذوائبها بكل فضل على فوديه مجرور
وأدرد من ثناياه بما أخذت منه معاجم أعواد الدهارير
محنك حلب الأيام أشطرها وساقها سوق حادي العير للعير
مقيد الخطو جوال الخواطر في عجيب أمريه من ماض ومنظور
قد واصل الصمت والإطراق مفتكرا بادي السكينة مغفر الأسارير
كأنه مكبد مما تعبده خوف الوعيدين من دك وتسيير
أخلق به وجبال الأرض راجفة أن تطمئن غدا من كل محذور
كفاه فضلا أن انتابت مواطئه نعلا مليك كريم السعي مشكور
مستنشقا بهما ريح الشفاعة من ثرى إمام بأقصى الغرب مقبور
ما انفك آمل أمر منه بين يدي يوم القيامة محتوم ومقدور
حتى تصدى من الدنيا على زمن يستنجز الوعد قبل النفخ في الصور
مستقبل الجانب الغربي مرتقبا كأنه باهت في جو أسمير
لبارق من حسام سله قدر بالغرب من أفق البيض المشاهير
إذا تألق قيسيا أهاب به إلى شفا من مضاع الدين موتور
[ ٩٦ ]
ومنها:
ملك أتى عظما فوق الزمان فما يمر منه بشيء غير محقور
ما عن في الدين والدنيا له أرب إلا تأتى له من غير تعذير
ولا رمى من أمانيه إلى غرض إلا هدى سهمه نجح المقادير
حتى كأن له في كل آونة سلطان رق على الدنيا وتسخير
مميز الجيش ملتفا مواكبه من كل مثلول عرش الملك مقهور
من الألى خضعوا قهرا له وعنوا لآمرة بين منهي ومأمور
من بعد ما عاندوا دهرا فما تركوا إذا أمكن العفو ميسورا لمعسور
بقية الحرب فاتوها وما بهم في الطعن والضرب سيماء لتقصير
ومنها
لا ينكر القوم مما في أكفهم بيض مفاليل أو سمر مكاسير
إذا صدعت بأمر الله مجتهدا ضربت وحدك أعناق الجماهير
لا يذهلن لتقليل أخو سبب من الأمور ولا يركن لتكثير
فالبحر قد عاد من ضرب العصا يبسا والأرض قد غرقت من فور تنور
وإنما هو سيف الله قلده أقوى الهداة يدا في دفع محذور
فإن يكن بيد المهدي قائمه فموضع الحد منه جد مشهور
والشمس إن ذكرت موسى فما نسيت فتاه يوشع قماع الجبابير
وله ﵀ يمدح أبا سعيد السيد:
من عاند الحق لم يعضده برهان وللهدى حجة تعلو وسلطان
ما يظهر الله من آياته فعلى أتم حال وصنع الله إتقان
من لم ير الشمس لم يحصل لناظره بين النهار وبين الليل فرقان
[ ٩٧ ]
الحمد لله حمد العارفين به قد نور القلب إسلام وإيمان
عقل وثابت حسن يقضيان معا للأمر أن سراج الأمر عثمان
السيد المتعالى كنه سؤدده عما تأول ألباب وأذهان
من زار حضرته العليا رأى عجبا الملك في الأرض والإيوان كيوان
كنا إلى الملا الأعلين ننسبه لو ناسب الملأ العلوي إنسان
كأنما يتعاطى فصل منطقه عند التكلم لقمان وسحبان
يغضي عن الذنب عفوا وهو مقتدر ويترك البطش حلما وهو غضبان
ففطنة من وراء الغيب صادقة منها على فضلها في الحكم عنوان
مزية ما أراها قبله حصلت لواحد من ملوك الأرض مذ كانوا
أستغفر الله إلا قصة سلفت قد كان قيمها يوما سليمان
ومنها:
سار من النقع في ظلماء فاحمة والشهب في أفق المران خرصان
ومغتد ومن الخطي في يده عصا تلقف منها الجيش ثعبان
ومنها:
غرناطة شغفت حبا ومنك لها بالحل وصل وبالترحال هجران
مولاي ماذا عليها مذ حللت بها في أن يغاربها ناس وبلدان
إذا تذكرت أوطانا سكنت بها فلا يكن منك للأضلاع نسيان
وهي طويلة ومن شعره ﵀:
خليلي ما للبيد قد عبقت نشرا وما لرؤوس الركب قد رجحت سكرا
هل المسك مفتوقا بمدرجة الصبا أم القوم أجروا من بلنسية ذكر
[ ٩٨ ]
أكل مكان راح في الأرض مسقطا لرأس الفتى يهواه ما عاش مضطرا
ولا مثل مدحو من المسك تربة تملي الصبا فيه حقيبتها عطرا
نبات كأن الخز يحمل نوره تخال لحينا في أعاليه أو تبرا
وماء كترصيع المجرة جللت نواحيه الأزهار واشتبكت زهرا
أنيق كريان الحياة التي خلت طليق كريعان الشباب الذي مرا
وقالوا: هل الفردوس ما قد علمته فقلت: وها الفردوس في الجنة الأخرى
بلنسية تلك الزبرجدة التي تسيل عليها كل لؤلؤة نهرا
كأن عروسا أبدع الله حسنها فصير من شرخ الشباب لها عمرا
يؤبد فيها شعشعانية الضحى مضاحكة الشمس المنيرة والبحرا
تزاحم أنفاس الرياح بزهرها رجوما فلا شيطان يقربها ذعرا
وكتب إليه أبو بكر الكتندي رحمه الله تعالى
أعندكم يا ساكن الود أنكم بمرأى على بعد المسافات من حمص
أتقضي الليالي أن تلم بمنزل ألفناه ما بين الأراكة والدعص
وإني حريص أن يعود بما مضى زمان وما حرص المقادير من حرصي
فجاوبه ﵀
سلام أبا بكر عليك ورحمة تحية صدق من أخ لك مختص
لعمري وما أدري بصدع زجاجة عليك فقد تدني الليالي لما تقصي
لقد بان عني يوم ودعت صاحبا بريء أساليب الوداد من النقص
أقول لنفسي حين طارت بك النوى أخوك فريشي من جناحك أو قصي
فباتت على ظهر النزوع إليكم تطير بما في الوكر أجنحة الحرص
[ ٩٩ ]
إلى كم أبا بكر نحوم بأنفس ظماء إلى عهد الأجيرع أو حمص
كأن لم تزر تلك الربا وكأنها عرائس تزهى بالمواشيط لا القص
ولا رنقت تلك الأراكة فوقنا فلوت إزار الظل في كفل الدعص
وكانت لنا فيما هناك مآرب تطيع الهوى العذري فينا ولا تعصي
ليالينا بالري والعيش صالح وظلك عنها غير منتقل الشخص
وما ذكرها لولا شفا من علالةٍ تتبعها نفسي تتبع مستقص
وددت أبا بكرٍ لو أني عالم وللكون زند ليس يقدح بالحرص
هل الغيب يومًا فارج لي بابه فأنظر منه كيف أنسك في حمص
بأزرق سلال الحسام وقد بدا يداعب في كأس تحرك للرقص
وما معصم ريان دار سواره على مثل ماء الدر في بشرٍ رخص
بأبهج منه في العيون إذا بدا ولاسيما والشمس جانحة القرص
خليج كخليط الفجر ينجر فوقه ذيول عشياتٍ مزخرفة القمص
وله يصف الدولاب: [مخلع البسيط]
وذي حنين يكاد شجوًا يختلس الأنفس اختلاسا
إذا غدا للرياض جارًا قال له المحل: لا مساسا
يبتسم الزهر حين يبكي بأدمع ما رأين باسا
من كل جفنٍ يسل سيفًا صار له غمده رياسا
وله ﵀ يصف جدول ماء عليه سرحة: [كامل]
ومهدي الشطين تحسب أنه متسيل من درةٍ لصفاته
فاءت عليه مع الهجيرة سرحة صدئت لصفحتها صفيحة مائة
[ ١٠٠ ]
فتراه أزرق غلالة سمرة كالدارع استلقى لظل لوائه
وله ﵀ في صبي يظهر البكاء تباكيًا: [طويل]
عذيري من جذلان يبدي كآبة وأضلعه مما يحاوله صفر
أميلد مياس إذا قاده الصبا إلى ملح الإذلال أيده السحر
يبل مآقي زهرتيه بريقه ويحكي البكا عمدًا كما ابتسم الزهر
أيوهم أن الدمع بل جفونه وهل عصرت يومًا من النرجس الخمر
وله ﵀ في تفاحة: [مخلع البسيط]
تفاحة أهديت إليه حمراء في لون وجنتيه
هم بتقبيلها فزارت فاه على رغم مقلتيه
بالله يا زهر محجرية دعني أسل آس عارضية
لم باكرت أقحوان فيه بقرع باب المنى عليه
لعله قد أعار يومًا نكهتها طيب مرشفية
فباكرته على حياء تصرف أنفاسه إليه
وله في حائك وسيم: [بسيط]
قالوا وقد أكثروا في حبه عذلي لو لم تهم بمذال القدر مبتذل
فقلت: لو أن أمري في الصبابة لي لاخترت ذاك، ولكن ليس ذلك لي
في كل قلبٍ غريزات مدلله للحسن، والحسن ملك حيث حل ولي
علقته حببي الثغر عاطره دري لون المحيا أكل المقل
إذا تأملته أعطاك ملتفتًا ما شئت من لحظات الشاذن الغزل
[ ١٠١ ]
هيهات أبغي سواه في الهوى بدلًا أجدي الليالي، وهل في الحب من بدل
إذا يعاب عليه شغل راحته من يحسن الفرق بين الحل والعطل
غزيل لم تزل في الغزل جائلة بنانه جولان الفكر بالغزل
جذلان تلعب بالمحواك أنملة=على السدى لعب الأيام بالأمل
ما إن يني تعب الأطراف مشتغلًا أفديه من تعب الأطراف مشتغل
جذبًا بكفيه أو فحصًا بأنمله تخبط الظبي في أشراك مختبل
وله ﵀ في فتى صفار: [طويل]
تعلم صفارًا فقلت استعارها غداة رنًا من صفرة العاشق الصب
يعود النحاس الأحمر اللون عسجدًا بكفيه عند السبك والمد والضرب
فحمرته مشتقة من حيائه وصفرته مما يخاف من العتب
وله ﵀ في مثله: [وافر]
ولم أر مثل صفارٍ تصدى كما صدئ الصقيل من السيوف
غدا يعطو بأنملتي حديدٍ عيون القطر كالذهب الشريف
إذا ما النار مجتها إليه كمثل الخمر رائعة الحفوف
تلألأ نورها فخبا سناها كما ظهر القوى على الضعيف
وإلا ما لها تزداد سودًا كأن شموسها قطع الكسوف
وله ﵀ في فتى نجار: [طويل]
يقولون لي يومًا وقد عن حائرًا كما عن ظبي السرب يتبع السربا
[ ١٠٢ ]
تعلم نجارًا فقلت لعله تعلمها من نجر مقلته القلبا
شقاوة أعوادٍ تولى عذابها فآونة قطعًا وآونة ضربا
غدت خشبًاِ يجني ثمار ذنوبها بما استرقت من لين معطفها قضبا
وله رحمه الله تعالى: [كامل]
نشوان ما فوق الكثيب مهفهفٌ تثنيه في روض الشباب رياحه
ليل كلمته لو أن ظلامه ينشق عن ديجوره إصباحه
هبني أقول لهم جنى متعمدًا (قتلي) فأين دمي وأين سلاحه
وله من قطعة يصف خطًا في كاغدٍ مقطوع بمقص: [طويل]
بعيشك هل أبصرت من قبل أحرفًا كتبن بماء الحسن في طرر الزهر
سحاءة قرطاسٍ تثنها كما ترى ملاعبة المقراض سطرًا على سطر
أليس عجيبًا أن يعوض كاتب بكافوره القرطاس عن مسكه الحبر
وله من قصيدة يصف بها إجازة الخليفة البحر: [بسيط]
خفضتم للمعالي نحو أندلس أعنة الماء بين الفلك والفرس
وأخجل البحر إن لم يحل مشربه وإن غدا عنبري اللون والنفس
وله يصف نهرًا قل ماؤه: [كامل]
فتوالت الأمحال تنقصه حتى غدا كذؤابة النجم
وله في معذر: [كامل]
[ ١٠٣ ]
أقوى محل من شبابك آهل فأمقت أندب منه رسمًاِ عافيا
مثل العذار هناك نؤي دائر واسودت الخيلان فيه أثافيا
وحدثني الفقيه الأديب أبو عمرو، قال: حدثنا الفقيه الكاتب أبو علي بن كسرى، قال: كنت كثيرًا ما أقعد عند الفقيه الأستاذ أبي عبد الله الرصافي ﵀ على جهة التبرك بأخباره والاقتباس من أنواره، وأنا إذا ذاك في حال الشبيبة، فسنح خاطري بأبيات شعر، فكتبتها في لوح وعرضتها عليه ولم أذكر له قائلها. فعرف الأمر وأخذ القلم من يدي وأزال ثوبًا كان في يده، وكتب على البديهة: [مجزوء الخفيف]
اجعل العلم أولا واجعل الشعر آخرا
فإذا ما فعلت ذا كنت لا شك شاعرا
قال: فوقعت كلمته في أذني فلازمت القراءة فانتفعت، والحمدلله.
وجدت بخط الفقيه الأديب أبي عمرو بن عمرو بن سالم ﵀، قال: وجدت بخط شيخنا أبي عمرو بن عبد: ربه، قال أنشدني بعض الأصحاب لأبي عبد الله الرصافي ﵀ في فتى رفاء من أهل تلمسان يعرف بابن موارة مما ارتجله فيه: [خفيف]
وبنفسي من لا أسمية إلا بعض إلمامةٍ (وبعض) إشاره
هو والظبي في الجمال سواء ما استفاد الغزال منه استعاره
أغيد يمسك الحرير بفيه مثل ما يمسك الغزال العراره
ما بقلبي حوته (منه) ضلوعي كالرداء انطوى وفيه شراره
داره القلب وهو يحتل أخرى قدس الله حيث ما حل داره
[ ١٠٤ ]
وله ﵀ في قلم نظمًا ونثرًا من مقامه: [متقارب]
قصير الأنابيب لكنه يطول مضاء كطول الرماح
إذا عب للنفس في دامسٍ ودب من الطرس فوق الصفاح
تجلت له مشكلات الأمور ولان له الصعب الجماح
فلولاه لغدات أغصان الاكتساب ذواية، وبيوت الأموال خاوية، وأسرعت إليه البؤس، وأصبحت كفؤاد أم موسى، فهو لا محالة متجرها الأربح، وميزانها الأرجح. به تدر ألبانها، وتثمر أفنانها، ويستمر أفضالها وإحسانها. هو رأس مالها، وقطب عمالها وأعمالها، وصاحب القلم قد حوى المملكة (بأسرها)، وتحكم في طيها ونشرها. (وهو) قطب مدارها، وجهينة أخبارها وسر اختيارها واختبارها، ومظهر مجدها وفخارها. يعقد الرايات لكل والٍ، ويمنحهم من المبرة كل صافية المنهل ضافية السربال، يطفئ جمرة الحرب العوان، ويكابد العدو بلا صارمٍ ولا سنان. يفل المفاصل، ويتخلل الأباطح والمعاقل، ويقمح الحواسد والعواذل. وشعره ﵀ كثيرة مدون، وسأذكر منه قطعة في باب موسى، وفي مراثي ابن أبي العباس ومنهم:
[ ١٠٥ ]