يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن الفخار. من أهل مالقة، الحافظ الإمام. كان ﵀ حافظًا للحديث وأسماء الرجال، وكان فقيهًا ذاكرًا. قال شيخنا أبو جعفر بن عبد المجيد: كان أبو عبد الله ﵀ حسن الخلق، حسن الملاقاة، كثير الذكر مع دعابة كانت فيه.
ووصفه شيخنا أبو علي ﵀ في رسالته إلى أهل سبتة، فقال: صقل أيام
[ ١١١ ]
شبيبته، وكهولته صوارم الاجتهاد وشحذ مداه، حتى طبق مفصل الحمل وأدرك من العلم غايته وبلغ مداه. فقيد بخطه من العلم شوادر، وثقفها حتى حمد الغادي والرائح مصادره وموارده، فرأس بعد ما درس، وأحيى بمعرفته ما ذهب من العلم ودرس. وقد عول عليه في حفظ المتون والنصوص، فهو فذ على العموم والخصوص. وأما طرق الحديث ومعرفة رجاله، فليس أحد يتصرف فيها تصرفه ولا يجول كمجاله. قد أتقن ذلك الباب وأحكم طرائقه، وتربى بمحاسن جمةٍ وآدابٍ رائقة.
وكان ﵀ في أول أمره يعقد الوثائق بمالقة. وكان مع ذلك لا يفتر عن الدرس والنظر. ويحكي عنه أنه كان أيام الفتنة بمالقة ربما طلب بالمبيت في السور ولم يزل على اجتهاده وهو إمام يرحل إليه حتى توفي ﵀. وكان (قد) وظف على نفسه وظائف من الكتب التي كان يحفظ. يستظهرها حتى يختمها. وحدثني الطبيب أبو محمد الفاخر، وهو قريبه، قال: سافرت مع خالي أبي عبد الله من مالقة إلى مراكش حين استدعي إليها، وكان ذلك في فصل الشتاء، وصادفنا الأمطار والأوحال، فكان مع ذلك لا يفتر عن القراءة ليلًا ولا نهارًا، مستظهرًا من حفظه. وسمعته ليلًا وقد ختم ودعا، فتوهمت أنه ختم القرآن، فكلمته في ذلك، فقال: ختمت كتاب الموطأ ولد ﵀ في التاسع من رجب عام أحد عشر وخمسمائة. واستدعاه أمير المؤمنين المنصور أبو يوسف إلى حضرة مراكش في عام ثمانين وخمسمائة.
حدث ﵀ عن الأستاذ أبي مروان بن محمد، وعن الفقيه الخطيب أبي محمد عبد الغفور، وعن الفقيه الزاهد أبي عبد الله بن معمر، وعن أبي مروان بن مسرة، وعن الإمام أبي بكر بن العربي، وعن الشريف أبي عبد الله القرشي
[ ١١٢ ]
المرواني، وعن الأستاذ أبي محمد بن فائز، وعن غيرهم حسبما تضمنه برنامج روايته. وحدث عنه شيوخنا ﵏ وجماعة من أصحابنا. وقد أخبرني بعض أصحاب خالي أبي الحسن ﵀ أن خالي ﵀ كان قد استجازه (لي) في آخرين ممن أدركتهم ولادتي فأجازوني. ولكن لم أقف على ذلك، فلم أسامح نفسي في الرواية بهده الإجازة. وكان ﵀ كثيرًا ما يملي في مجالسه من حفظه الحكايات الأديبة والأمثال العربية والأشعار. قرأت على شيخنا الأستاذ أبي علي بن عبد المجيد ﵀، قال، حدثنا الحافظ أبو عبد الله قال: حدثني الفقيه أبو عبد الله بن معمر، عن الفقيه القاضي أبي عبد الله بن خليفة، عن العذري، عن أبي عمرو عثمان بن أبي بكر الصدفي، قال: حدثنا أبو حازم، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن الحسن، قال: أنشدنا أبو حاتم: [بسيط]
اليأس أبقى لماء الوجه من طمع والصبر أفضل في المكروه من جزع
ولست مدرك شيءٍ أنت طالبه إن كان شيء من المقدور لم يقع
وقرأت على الأستاذ أبي علي ﵀ عن الحافظ أبي عبد الله عن أبي بكر (ابن العربي، عن) ابن طرخان، قال: أنشدني أبو عبد الله الحميدي لأبي محمد الحجاري: [متقارب]
ألا أيها العائب المعتدي ومن لم يزل بالعدا مرتد
مساعيك يكتبها الحافظان فبيض كتابك أو سود
وحدثني الأديب أبو عمرو بن سالم قال: حدثنا الحافظ أبو عبد الله لفظًا، قال: قال الأصمعي: كنت مقبلًا في الهاجرة من أرض بني عذرة راكبًا على بعيري فسمعت صوتًا (يقول): قف يا أصمعي. فالتفت فلم أر أحدًا. ثم نوديت الثانية:
[ ١١٣ ]
قف يا أصمعي. فالتفت فلم أر أحدًا. فاقشعر جلدي. ثم نوديت الثالثة، فرفعت رأسي، فإذا شخص راكب بين السماء والأرض على كركي، وهو معمم بثعبان، وقد جعل رأسه مما يلي جبهة، وبيده أفعى يضرب عندهم؟ قلت: كتبت عنهم الأشعار واللغات والأخبار. قال: أتعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا إبليس، أتيت رجلًا من الجن فسألته حاجة، فأبى علي فيها، وقد قلت في ذلك بيني شعرٍ، فاروهما عني، ثم أنشد: [مجزوء الكامل]
ما بقى في الإنس حر لا ولا في الجنحر
قد مضى حر الفريقي ن فطعم العيش مر
ثم ضرب كركيه ومشى. فلا أراه إلا كلف رجلًا من الجن أن يغوي له مؤمنًا من الإنس، فأبى عليه، والله أعلم.. قال الأديب أبو عمرو: وأنشدني بعض الأدباء قبل هذين البيتين:
ذهب الناس ومروا ومضى العيش الأغر
ومن نحو ذلك ما حدثني به الشيخ الصالح أبو جعفر بن عبد المجيد ﵀. ونقلت من خط خالي ﵀، عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم ابن الفخار قال: حدثنا الفقيه أبو مروان بن بونة، قال: حدثنا أبو أنس العذري، قال: قال: أبو العباس الكاساني، قال: رأيت إبليس راكبًا على ثعبان ملجم بأفعى وهو يقول: [سريع]
ألم ير القاضي وأصحابه ما فعل الله بأهل الورى
بلى ولكن ليس من سفلةٍ إلا إذا استعلى أذل الورى
يا ليتني قد مت فيما مضى ولم أعش حتى أرى ما أرى
[ ١١٤ ]
فكل ذي خفض وذي رفعةٍ لا بد أن يغلو عليه الثرى
قال: فاستوقفته، فوقف لي: يا حسن، إن لي نفسًا تحبك. ولقد كنت إلى لقائك بالأشوان. جالس العلماء وزاحمهم بركبتك، تعش بينهم محببًا. وإياك والحسد فإن الحسد أوقعني فيما. ومخرق على الناس ومخرق بهم، فإنما الدنيا مخاريق. فولى وهو يقول: [سريع]
إذا أردت الآن تكرما فأرسل الدينار والدرهما
وكلما أبصرت شيئًا ولم تسطع بأن يأتي فأرسلهما
فليس في الأرض وما فوقها أقضى لما أحببته منهما
وحدثني في الأديب أبو عمرو، حدثنا الحافظ أبو عبد الله بن الفخار بسند اختصرته مخافة التطويل. قال علي بن عبد الصمد الكوفي: خدمت بهلولًا عشر سنين ألتقط من نوادره وأتلفت من أشعاره، وأذب عنه من يؤذيه، ففقدته أيامًا على شدة طلبي له، فوجدته يومًا، وحوله جماعة من الصبيان يرمون بالحصى، فسلمت عليه فلم يرد. إلا أنه قال: نح عني أولاد بني الطوامث، فأزلتهم عنه. ثم سألته عن حاله عن حاله. فقلت له: ما تشتهي؟ فقال: أشتهي بريد الباقل بدهن شيدج أو بدهن جوز، فصنعتها وهيأتها. ثم أدخلته مسجدًا ووضعتها بين يديه. فجعل يأكل أكلا ًدلني على أنه جائع. فقلت له: أيها الأستاذ، هل أحدثت شيئًا في رقه أالشعر؟ فهم أن يضرب رأسي بالقصعة. فتركته حتى شبع، وسكن، وطابت نفسه. ثم قلت له: أيها الأستاذ ما قلت؟ قال: اكتب: [سريع]
أضمر أن أضمر حبي له فيشتكي إضمار إضمار
رق فلو مرت به نملة لخضبته بدمٍ جارٍ
فقلت: أرق من هذا. فقال: اكتب: [بسيط]
شبهته قمرًا إذ مر مبتسمًا فكاد يجرحه التشبيه إذ علما
ومر في خاطري تقبيل وجنته فسيلت فكرتي من عارضيه دما
فقلت: أرق من هذا. فقال: اكتب: [منسرح]
[ ١١٥ ]
أضمر أن يأخذ المرآة لكي ينظر تمثاله فأدناها
فجاز وهم الضمير منه إلى وجنته في الهوا فأدماها
فقلت: أريد أرق من هذا. فقال: يا ابن الفاعلة! أي شيء أرق من هذا. انتظرني حتى نطبخ في المنزل حريرة تكون أرق من هذا. ومنهم: