يكنى أبا عبد الله من أعيان مالقة وفضلائها وعلمائها المشهورين ولي قضاء مالقة فسار فيه بأجمل سير من العدل والفضل وله على الموطأ شرح حسن بليغ. ويحكى أنه قال ألفت شرح الموطأ أيام ولايتي للقضاء بمالقة ابتدأته أول سنة ثمان وسبعين وأكملته سنة تسع وسبعين.
قال: وكنت عند ابتدائي تأليفه أرى وأنا بين النائم واليقظان كأني أخرج إلى البحر على باب يسمى باب الفرج وهو باب الحلاقين فأقف على البحر فكان يلقى إلي من صنوف الحيتان ما يملأ الفضاء بين يدي وأمواجه تلقي بعضها على بعض إلي فكنت أروم تعبئتها وضمها وتلفيفها بالملح وأنظر في توطية لها من فرش ودوم بين يدي وآلة وكنت أقول: ألا رجل يعينني على تعبئة ذلك فكان يبدو
[ ٧٤ ]
لي رجل فيقول ارفع رأسك هذا رسول الله إلي على البحر من جهة القبلة فكنت أمشي إليه ألقاه وأسلم عليه فلما فرغت من السلام قال لي يا محمد أنا أعينك على تعبئة ما أردته من هذه فخذ في ذلك فكان يسوي بيديه الكريمتين وطاءها ثم أجمع إليه وأقرب بين يديه من تلك الحيتان وهو يسويها ويجعل ملحها صفا على صف حتى بلغ سبعة صفوف وهي كانت عدد أسفار المسودة إذا تمت ثم ضم عليها صيانتها وزمها ثم قال لي هذا مرادك منها قد تم. ثم استيقظت وتماديت على التأليف فلعمري لقد كان هذا التأليف أسهل علي من كل أمر حاولته جعله الله لوجهه وذكره بن بشكوال فقال روى عن أبي عبد الله بن عتاب والقاضي محمد بن شماخ والقاضي أبي الوليد الباجي وغيرهم وكان معتنيا بالعلم والسماع من الشيوخ ومن أهل المعرفة والذكاء والفهم واستقضي ببلده وسمع الناس منه كثيرا من روايته وكان ﵀ من أهل الأدب البارع مع علمه وفضله ومن شعره ﵀: [بسيط]
ولى زمان وكان الناس تشبهه فالآن فوضى فلا دهر ولا ناس
أسافل قد علت لم تعل من كرم ومشرفات الأعالي منه أنكاس
ومن شعره أيضًا رحمه الله تعالى ورضي عنه: [طويل]
تقول سليمى إذا وفيت بعدها أشيب وفي وصل الأحبة منصف
وإن بياضا كان مني سواده مكان السويدا بالعلاء مصرف
فقلت أجل إن تعف أطلال وامق تراه له في ذلك الرسم موقف
وهل هو إلا قالص فوق ثوبه ولكنه القلب الذي كنت تعرف
[ ٧٥ ]
وكان قد تغرب في الفتنة إلى جهة تدمير فقال:
أعاد الله أيام التلاقي كما كنا بها قبل الفراق
وأكمل بالسرور إياب نفسي فقد آل السرور إلى محاق
نأى صبري غداة نأيت عنكم وهل تنأى همومي واشتياقي
لئن ضن الأسى بالصبر عني فما ضنت بأدمعها مآقي
أحن إلى الرفاق لآن أنسي بأخبار الأحبة في الرفاق
وأفرح بالهلال لأن خلي به في غير آناء المحاق
كأني مذ نأيت وصرت رهنا بتدمير أسير في وثاق
لقد أبقى فراقكم بقلبي كلوما لدغ حرقتهن باق
أرى ليلي علي إذا تدجى سواء والنهار بما ألاقي
ومنها:
أقول وقد ذكرتك فاستقادت لذكرك أذكعي ذات اشياق
سلام ترجف الأحشاء منه على الحسن بن وهب والعراق
على البلد الحبيب إلي غورًا ونجدًا ولأخ العذب المذاق
ومن شعره:
ومن عجب أني أهيم بحبه وأوليه إعراضًا وفي القلب يرتع
كذي رمد في مقلتيه يزيده سنا الشمس (ضرًا) وهو بالشمس مولع
وتوفي ﵀ بمالقة يوم السبت لسبع خلون من جمادى الأولى سنة خمسمائة قال ابن بشكوال وكان مولده سنة سبع عشرة وأربعمائة رحمة الله ورضوانه عليه.
ومنهم:
[ ٧٦ ]