يكنى أبا عبد الله. هو الكاتب المشهور الجليل المقدار. كتب لأمير المؤمنين المنصور، فكان يظهر له في كتبه من البلاغة والفصاحة ما يدل على معرفته وحفظه. وكتبه مشهور. حدثني خالي أبو عبد الله بن عسكر رحمة الله عليه، أن الكاتب أبا عبد الله هذا، كتب يومًا كتابًا ليهودي، فكتب فيه: ويحمل على البر والإكرام. فقال له المنصور: من أين لك أن تقول في كافر: يحمل على البر والكرامة. قال: ففكرت ساعة، وقد علمت أن الانفصال يلزمني عما ذكرت.
فقلت له: قال رسول الله ﷺ: "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه"، وهذا عام في الكافر وغيره. فقال لي: نعم، هذه الكرامة. فالمبرة من أين أخذتها. قال: فسكت لم أجد جوابًا. قال: فقرأ المنصور: أعوز بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين) . قال: فسررت بذلك كثيرًا وشكرته عليه. وكان أبو عبد الله هذا كاتبًا بليغًا شاعرًا مؤثرًا عالي الهمة، معظمًا عند الملوك مقربًا لديهم. قدم علينا لمالقة، وقرأ بها على الأستاذ الجليل أبي زيد السهيلي ﵀، وصحب في حين القراءة عليه الأستاذ أبا علي الرندي. قال خالي ﵀ عليه: إن شيخنا أبا علي أخبره أنه لما قدم مراكش، لقي بها الكاتب أبا عبد الله، فانتفع به في قضاء مآربه،
[ ١٥٥ ]
ونالها على الكمال والتمام بسببه. ومن شعره ﵀: [طويل]
بلنسية بيني عن القلب سلوة فإنك روض لا أحن لزهرك
وكيف يحب المرء دارًا تقسمت على صارمي جوع وقتله مشرك
قال الفقيه أبو البحر صفوان بن إدريس في كتابه المسمى بزاد المسافر، وقد ذكر الكاتب أبا عبد الله بن عياش: اجتمعت به ليلة بمراكش، فقال ابن عياش مرتجلًا [بسيط]
وليلة من ليالي الصفح قد جمعت إخوان صدقٍ، ووصل الدهر مختلس
كانوا على سنة الأيام قد بعدوا فألقت شملهم لو ساعد الغلس
وله من قصيدة:
أشفارها أم صارم الحجاج وجفونها أم فتنة الحلاج
فإذا نظرت لأرضها وسمائها لم تلف غير أسنة وزجاج
وأدبه رحمه كثير، ومنصبه شهير.
ووصفه الأديب أبو عبد الله بن مرج الكحل في صدر كتابه الذي جمع فيه شعره، وطرزه باسم الكاتب أبي عبد الله المذكور، بعد أن قال: ولما جنيت ثمر الانقطاع والانحياش، من الرئيس الأوحد أبي عبد الله بن عياش. جمعت شتاته، ووصلت بتاته، فرسمته باسمه، ووسمته بوسمه، وعوذتها من نفثات المتعسفين بسور كرمه، وأمنتها نقد المنتقدين في فناء حرمه، على أني ما نظمت إلا منثوره، ولا ضمنت ألا حكمه المأثورة، عرفت فاعترفت، ونلت حين وردت بحره فاغترفت.
[ ١٥٦ ]
ولابن مرج الكحل فيه نظمًا ونثرًا: [وافر]
لقد طلع ابن عياش شهابًا شهاب الأفق يلثم أخمصيه
أطرز باسمه ديوان شعري وكان له، فعاد إلى يديه
إذا كانت معاني الشعر منه فقد ردت بضاعته إليه
فما طمحت الهمم إلى كلامه، إلا نكصت على أعقابها، ولا برزت الوجوه إلى أن تعاطيه، إلا استترت بنقابها. كلامه يبهر الخواطر ويستوقف الخاطر، ويدر الجمام ويستوقف الماطر. ولابن مرج الكحل المذكور فيه أمداح كثيرة. وله فيه من قصيد مدحه بها: [طويل]
إذا ما ابن عياش تدانى محله فلا عيش إلا وهو فيه خصيب
كريم السجايا أريحي سميدع أغر طليق الراحتين وهوب
ومنها:
تبؤأ من دار الخلافة رتبة أقام بها كيوان وهو مريب
ومنها:
فحسبي من فخرٍ وأنت مقلد مقالك عني، إنه لأديب
ومولد الكاتب أبي عبد الله المذكور ببلده برشانة عام خمسين وخمسمائة. وتوفي ﵀ بمراكش في شهر رجب عام ثمانية عشر وستمائة.
ومنهم: