يكنى أبا عبد الله. قدم علينا مالقة مرارًا وأقام بها مدة. وأبو عبد الله هذا من فحول شعراء الأندلس المفلقين. كان ﵀ شاعرًا مجيدًا وكاتبًا مطبوعًا، سلس الطبع رائق المعاني سهل الألفاظ ذاكرًا للآداب متصرفًا بأنواع البلاغات. أنشدنا خالي ﵀ قال: أنشدنا أبو عبد الله بن مرج الكحل: [رمل]
مثل الرزق الذي تطلبه مثل الظل الذي يمشي معك
أنت لا تلحقه متبعًا فإذا وليت عنه تبعك
ومن شعره أيضًا: [وافر]
سقى الله الجزيرة من محل فقد حسنت لقاطنها مراحا
وطاف بها طواف الصل نهر كما أبصرت في خصرٍ وشاحا
ورب عشيةٍ فيه طفقنا نرود الظل والماء القراحا
[ ١٦٦ ]
وقد ضرب الضريب بها قبابًا على الأدواح أبهجت البطاحا
وكان جنابها يخضر أسًا فأصبح وهو مبيض أقاحا
كأن الخضر قربه يمينًا ومد عليه جبريل جناحا
ومن شعره يعتذر عن أحد إخوانه لغلام كان يهواه، وكان قد رآه فأعرض عنه فلامه على ذلك: [طويل]
يقولون لي أعرضت عمن تحبه كذبتم ولكن لم يكن رائق النفس
ولم يكن الإعراض مني تعمدًا وهل يمكن الإعراض عن غاية الأنس
ولكن صرفت الطرف عن نور وجهه كما تصرف الأبصار عن قرصة الشمس
وقد دخل رث الحالة على الأستاذ ابن طلحة، فتكلم مع أحد الطلبة، فزجره الأستاذ، وزجر الطالب، فارتجل هذين البيتين ودفعها إليه، وهما: [كامل]
بأبي رشًا هام الفؤاد بحبه وتقطعت من لوعةٍ أفلاذه
شغف البرية كلها بجماله وأشدهم شغفًا به أستاذه
ومن شعره أيضًا: [بسيط]
لا تغضبن الذي ترميك أسهمه فقد جعلت له الأعراض أغراضا
فالماء والنار بعض من عناصره يغلي إذا اتقدت، وربما فاضا
ومن شعره: [طويل]
دخلتم فأفسدتم قلوبًا بملككم فأنتم على ما جاء في سورة النمل
وبالعدل والإحسان لم تتخلقوا فلستم على ما جاء في سورة النحل
وأنشدني خالي رحمة الله تعالى عليه، قال: أنشدني أبو عبد الله بن مرج الكحل لنفسه يهجو: [طويل]
[ ١٦٧ ]
دع ابن حريقٍ يزدهي بكلامه فإن رحاه دون طحنٍ يجعجع
وهل شعره إلا كبارق ومضه خلي من المعنى، ولكن يفرقع
ومن شعره أيضاُ: [رمل]
ذهب الحرص (على) الوعد الذي سد عن إنجازه كل طريق
طال فيه المطل حتى إنني قد تمثلت بشعر ابن حريق
ومن شعره يهجو مؤذنًا: [وافر]
ألا قل لابن بغل لا يؤذن فينجس ذكر خالقه بفيه
إذا ما كان في فمه كنيف فكيف يحل ذكر الله فيه
ومن شعره في أحد الولاة: [طويل]
وكنت أظن الحب بالضد للقلى ولم أعتقد أن الولاية ضده
فلا تطلبوا من عند والٍ محبة ألا رب والٍ قد تغير وده
فإن شئتم حدًا لسكر معربدٍ فلا تضربوه، فالولاية خده
ومن شعره مما أنشدنيه خالي: [مخلع البسيط]
لا تطلبوا الود عند وال في تركه للأذى كفايه
رب ضعيف، أذاه خافٍ يبدي مع القوة الإذايه
ما كان في النفس من خبايا تخرجه الخمر والولايه
ومن شعره: [كامل]
[ ١٦٨ ]
تسليط أعدائي علي لنعمة ولقد سررت فإنه تمحيص
وقد كنت أحسب أنه لي نقمة لو أنني وحدي به مخصوص
ومن شعره: [مجتث]
اصبر على الظلم تكف وتؤت أجرًا موفى
من كان غارس شيءٍ فلينتظر منه قطفا
ومن شعره يصف عشية أنس (بنهر القبداق): [كامل]
عرج بمنعرج الكثيب الأعفر بين الفرات وبين شط الكوثر
ولتغتبقها راحة ذهبية من راحتي أحوى المدامع أحور
وعشيةٍ قد كنت أرقب وقتها سمحت بها الأيام بعد تعذر
نلنا بها آمالنا في روضةٍ تهدي لناشقها شميم العنبر
والدهر من ندم يسفه رأيه فيما صفا منه بغير تكدر
والورق تشدو والأراكة تنثني والشمس ترفل في قميص أصفر
والروض بين مفضضٍ ومذهبٍ والزهر بين مدرهم ومدنر
والنهر مرقوم الأباطح والربى بمصندلٍ من زهره ومعصفر
كأنه وكأن خضرة شطه سيف يسل على بساطٍ أخضر
وكأنما ذاك الحباب فرنده مهما طفا في صفحةٍ كالجوهر
وكأنه، وجهاته محفوفة بالآس والنعمان، خد معذر
نهر يهيم بحسنه من لم يهم ويجيد فيه الشعر من لم يشعر
[ ١٦٩ ]
ما اصفر وجه الشمس عند غروبها إلا لفرقة حسن ذاك المنظر
ومن شعره ونقلت من خط أبي عمرو بن سالم: [كامل]
يا نظرة أودت بحسن شبابي وقضى علي نعيمها بعذاب
ما كنت أحسب نظرة من بصرة تقضي على مشتاقها بعقاب
يا شادنًا عيناه تفعل بالنهى ما تفعل الصهباء بالألباب
لو ذقت ما ذوقت من ألم الهوى لعلمت قدر الشوق للأحباب
إني لأعجب من عتاب عواذلي جهلًا عليك وما يفيد عتابي
قلبي يرى أن لا سلو من الهوى رضي الذي يلقي من الأوصاب
يا عاذلي ماذا تضرك شقوتي القلب قلبي والعذاب عذابي
ومن شعره يمدح الكاتب ابن عياش: [طويل]
سرى الطيف من أسماء والنجم راكد ولا جفن إلا وهو في الحي راقد
شفى ألما لما ألم بمضجعي وبات يدانيني وكانت تباعد
ألم على رغم الرقيب ودوننا على عدوان الدهر بيد فدافد
ومنها:
سقى عهدها عهد السحاب ولم يكن على العهد لولا (أن تبقى) المعاهد
معاهد تذكي حرقة الكبد التي تكابد من آلامها ما تكابد
كأن بها الغدران زرقٌ نواضر بها الطل كحل والغصون مراود
أعلل بالآمال نفسًا عليلة تكدر للآمال منها موارد
ومنها:
إليكم بإيلام الملام فمسمعي كقلب ابن عياش، وتلك حقائد
[ ١٧٠ ]
إمام البرايا في بلاغته التي يقر لها بالعجز من هو جاحد
ومنها:
ومن عجبي أن ترحل الشمس دائمًا ومثلي في مثل الجزيرة قاعد
إذا لم يلائمني مكان ألفته فكل مكانٍ مثله لي فاقد
ولست كقوم أضمرتهم بلادهم أولئك موتى والبلاد ملاحد
ولو لم يكن أصلي وحاشاه
ماجدًا
كفى الفرع مني أنه اليوم ماجد
ومنها:
وقال حسودي أين إرثك منهم فقلت لهم: مال الأكارم نافد
إذا لم يفدك المال حمدًا مؤبدًا فيا ليت شعري ما تكون الفوائد
(ومن شعره): [وافر]
رأوا بالجزع برقًا فاستهاموا ونام العاذلون ولم يناموا
وعندي من معاطفها حديث يخبر أن ريقتها مدام
وفي أجفانها السكرى دليل وما ذقنا ولا زعم الهمام
تعالى الله ما أجرى دموعي إذا عرضت لمقلتي الخيام
وأشجاني إذا لاحت بروق وأطربني إذا غنت حمام
ومن شعره يخاطب صفوان بن إدريس (ويعتب عليه): [طويل]
سقى سدرة الوادي الساحب الغوائث وإن غيرت منه السيول العوائث
[ ١٧١ ]
عذيري من الأيام خابت صقورها ونالت جزيل الحظ منها الأباغث
وقالوا ذكرنا بالغنى، فأجبتهم خمولًا، ولا ذكر مع البخل لابث
وما ضر خلا طيبًا ورث الغنى إذا لم يغيره من الدهر حادث
يهون علينا أن تبيد أثاثنا وتبقى علينا المكرمات الأثائث
فهل عند صفوان بن إدريس أنني مقيم على حفظ المودة ماكث
وإن كنت قد خاطبت فصل خطابه فعاقت عن الود الخطوب الكوارث
ومن شعره (يتشوق إلى أبي عمرو بن غياث) الشريشي: [وافر]
أبا عمرو متى تقضي الليالي بلقياكم وهن قصصن ريشي
أبت نفسي هوى إلا شريشًا ويا بعد الجزيرة من شريش
ومن شعره: [كامل]
دع عنك قسطاس اللسان ولا تزن من كنت تحسب راجحًا أو ناقصا
وإذا نقدت فكن نحاسًا وليكن من كنت تبصره لجينًا خالصا
وأدبه ﵀ كثير، وشعره شهير. وسأذكر قطعة منه في باب موسى وتوفي رحمه لله نحو عام أربعة وثلاثين وستمائة ومنهم: