يكنى أبا الحسن، من علية مالقة ونبهائهم ومعدود في حلية حسبائهم، قال فيه أصبغ في كتابه: مقدم في النباهة كاسمه، وأصيل جرى على سنن الانقباض ورسمه لم يقف في أبواب الملوك ممتدحًا، ولا أورى زنادًا ماله بالشعر مقتدحًا. وكان أبو الحسن هذا بليغًا كاتبًا أديبًا شاعرًا.
ومن شعره ﵀ يرثي عبد الملك بن منذر البلوطي: [طويل]
عليك أبا مروان يوم النوى كدت أموت، ولو أني أموت لروحت
وفيك اتخذت الحزن خدنًا وصاحبًا وأنواع ترجيع الحنين تعلمت
[ ٢٠٣ ]
عشية مات الصبر واحتضر العزا وغيض بماء العين في جفنها السحت
وجاء رسول البين فينا، فقال إذ رآني لأشياع له: ذا تخيرت
فشد على أطواق ثوبي كفه وأسلمني من بعد أنسي وجردت
إلى عصبةٍ لم يرحموا سوء مرفقي كأني بدين الله ربي كذبت
وأذن فينا للرحيل مؤذن فقال: أجيبوا البين قد حضر الوقت
فهان علي الموت حين سمعته ووكل بي منهم رفيق فما زدت
أقاد ولا أدري أقتل يراد بي أم السجن، فاستسلمت للحين وانقدت
فقيدك في قيد الحديد كأنني أسير بدار الحرب، أو من به غرت
وطبقت في السجنٍ إذا الليل جنه تجلت نجوم الليل بدرًا وكبرت
وظلمة سجني في سواد مصائبي كمشي نهارٍ مر ساعته الست
مصاب أبي مروان أفني تجلدي فصبرت مقطوع الحبال ومنبت
تجرع كأس الموت دوني ليته يؤخر عن ذاك المقام وقدمت
به كنت ألتذ الحياة وإن غدا صريع المنايا ما أبالي متى مت
فقدت بفقدي شخصه كل راحةٍ وكل سرورٍ يوم ودع ودعت
وعوضت من أنسي به الحزن والأسى ومن جمع شملي بالتفرق عوضت
سأبكي عليه ما بقيت، فإن أمت سيبكيه من بعدي رثاثي الذي قلت
وإن لم أجد دمعًا بكيت له دمًا وإن لم أطق كتمان ما حل بي، بحت
وإن غلب الوجد المبرح والأسى وضعت على قلبي يدي وتأوهت
إذا اشتد بي كربي وضاقت مذاهبي ولم أستطع صبرًا على كبدي صحت
تطاول بي ليلي وبدري آفل فلا البدر يبدو لي ولا أنا أصبحت
أقول لمن بالذل والسجن عابني رويدًا، فإن حال الزمان فما حلت
وإن كان وشك البين أخلق جدتي فحزني جديد ليس يخلق ما شئت
وإن كان صرف الدهر غير ظاهري فإني الذي تدرونه ما تغيرت
[ ٢٠٤ ]
وإن كانت الأيام أعدمنني المنى وغيرن من حالي، فإني الذي كنت
وليس بعيبٍ أن سجنت لريبةٍ ولا سيبهم أهلي لأني أشركت
ولا قتلونا واستحقوا دماءنا بحق، ولو بالحق كان لأذعنت
ولا أوثقونا بالحديد وعطلوا دياري من أهلي لأني أجرمت
وهي طويلة.
ومن شعره ﵀ يرثي من مات في البحر: [طويل]
هوى حيث تهوي الشمس عينًا حمية من البحر فالتمت عليه غرائبه
خلا أنها درت شروقًا، ومذ هوى بلجته ما أطلعته مغاربه
هل الدر إلا بالبحار مقره فلا غرو أن يسترجع الشيء واهبه
هوى الطود بالرمس الوجيب كأنه من الأرض (قد) ضاقت عليه سباسبه
لذلك كان البحر ملحًا لأنه هو الدمع تذريه عليه نوادبه
وقد كنت أستسقي لمن هلك الحيا فمن بعده، لا جاد بالدمع ساكنه
ولا سح وكاف الغمام ببقعةٍ ولا نثرت در الغمام سحائبه
وما كنت أخشى أن تكون وفاته بمثل الذي كانت تفيض مواهبه
وما كان إلا البحر إن فاض جوده ولكنه كانت عذابًا مشاربه
فيا بحر إن واريته، إن مجده بأفق العمالي طالعات كواكبه
وشعره ﵀ كثير. مات سنة ثلاث وأربعمائة، ودفن بحضين جبل فاره.
ومنهم: