هو الوزير أبو عمران صاحب أبي عبد الله الرصافي. كان ﵀ من النبهاء والأدباء. وكان كريمًا مقصودًا عالي الهمة جميل العشرة. وكان طلبة مالقة الجلة كأبي عبد الله الرصافي الأديب، وأبي علي بن كسرى، وأبي بكر الكتندي يجتمعون في منزله، ولا يبرحون عنه ليلًا ولا نهارًا. وكان له بستان يختص بهم لجلوسهم ومناظرتهم. ولهم في ذلك البستان أوصاف عجيبة ومعان مخترعة. ولهم في أبي عمران المذكور أمداح رائعة أذكر الآن طرفًا منها، إذ قد وعد خالي ﵀ فيما مضى من هذا الكتاب بذكر بعضها في باب موسى. فمن ذلك مقطوعات الأديب أبي عبد الله الرصافي يصف بستان أبي عمران المذكور ويمدحه، فقال: [كامل]
[ ٢٠٧ ]
ما مثل موضعك ابن رزقٍ موضع زهر يرف وجدول يتدفع
وكأنما هو من محاجر غادةٍ فالحسن ينبت في ثراه وينبع
وعشيةٍ لبست رداء شحوبها والجو بالغيم الرقيق مقنع
بلغت بنا أمد السرور تألفًا والليل نحو فراقنا يتطلع
فابلل بها رمق الغبوق فقد أتى من دون قرص الشمس ما يتوقع
سقطت ولم يملك نديمك ردها فوددت يا موسى لو أنك يوشع
قلت: وقد جرى الأديب أبو عبد الله بن مرج الكحل هذا المجرى فصنع قطعة ينحو فيها نحو أبي عبد الله الرصافي، وهي: [كامل]
طفل المساء وللنسيم تضوع والأنس ينظم شملنا ويجمع
والزهر يضحك عن بكاء غمامةٍ ريعت لشيم سيوف برقٍ تلمع
والنهر من طرب يصفق موجه والغصن يرقص والحمامة تسجع
فانعم أبا عمران واله بروضةٍ حسن المصيف بها وطاب المربع
يا شادن البان الذي دون النقا حيث التقى وادي الحمى والأجرع
إن غاب نور الشمس لسنا نتقي بسناك ليل تفرقٍ يتطلع
الشمس يغرب نورها ولربما كسفت، ونورك كل حينٍ يسطع
أفلت فناب سناك عن إشراقها وجلا من الظلماء ما يتوقع
فأمنت يا موسى الغروب ولم أقل (فوددت يا موسى لو أنك يوشع)
ونقلت من خط أبي عمرو بن سالم، قال: أنشدني صاحبنا الفقيه أبو علي بن
[ ٢٠٨ ]
كسرى مما ارتجل أبو عبد الله الرصافي بحضرة أبي بكر الكتندي الكاتب ﵀ في صنوبرة قد صنعت من نحاس، وثقبت جوانبها وركبت في وسط مستدير (يديره) ماء في بستان أبي عمران المذكور فقال فيها أبو عبد الله الرصافي رحمه (الله) هذه الأبيات: [متقارب]
وروض جلا صدأ العين به أزيرق يطفو على مشربه
صنوبرة ركبت ساقها إليه فخاضت حشا مذنبه
فشبهتها وأنابيبها (بها) الماء قد جد في مسكبه
بأرقم كعك من شخصه وأفراخه يتعلقن به
وله فيها أيضًا: [بسيط]
لم أنس ما راق عيني من صنوبرةٍ لها مع الماء حال غير محلول
تعب فيها لجينها فتنفخه أعطافها مثل أشطار الخلاخيل
وله فيها أيضًا: [مخلع البسيط]
وجدولٍ كاللجين سائل صافي الحشا أزرق الغلائل
عليه شكل صنوبري يفتل من مائه حلائل
ولأبي بكر الكتندي فيها: [طويل]
صنوبرة لم يوجد الكون مثلها حلي بساتينٍ وريق مذانب
[ ٢٠٩ ]
حوت ذائبًا من طعمها فوق عادةٍ فسالت ينابيعًا على كل جانب
يضاهي الثريا شكلها واجتماعها لو أن الثريا (قد حكتها) بذائب
قلت: ولم أقف للفقيه أبي عمران المذكور على شعر. غير أن الفقيه أبا عمرو بن سالم قال فيه: كان من الأدباء. وتوفي ﵀
[ ٢١٠ ]