يكنى أبا البحر. أصله من مدينة مرسية. واجتاز على مالقة، وأقام بها مدة، وأخذ عنه بها من شعره كثير. ثم انتقل إلى مراكش فأقام بهامدة. وهذا المذكور من فحول شعراء الأندلس، وأدبائها شاعر مفلق وكاتب بارع، تضرب ببراعة كتبه الأمثال. وله رسائل عجيبة ومقامات غريبة، وأشعار رائقة. نقلت من خط أبي عمرو بن سالم قال: أنشدني أبو البحر صفوان لنفسه بمالقة عند توجهه إلى الحضرة من شعره: [كامل]
يا حسنة والحسن بعض صفاته والسحر مقصور على حركاته
[ ٢١٣ ]
بدر لو أن البدر قيل له اقترح أملًا، لقال: أكون من هالاته
عبث بقلب محبه لحظاته يا رب لا تعتب على لحظاته
ركب المآثم في انتهاب نفوسنا فالله يجعلني من حسناته
يعطي ارتياح الحسن غصنًا أملدا حمل الصباح فكان من زهراته
والخال ينقط في صحيفته خده ما خط حبر الصدغ من نوناته
وإذا هلال الأفق قابل خده أبصرته كالشكل في مرآته
ما زلت أخطب للزمان وصاله حتى دنا، والبعد من عاداته
فغفرت ذنب الدهر فيه لليلةٍ سترت على ما كان من زلاته
غفل الزمان فنلت منها بدره يا ليته لو دام في غفلاته
ضاجعته والليل يذكي تحته نارين من نفسي ومن وجناته
بتنا نشعشع والعفاف نديمنا خمرين من غزلي ومن كلماته
وضممته ضم البخيل لماله أحنوا عليه من جميع جهاته
أوثقته في ساعدي لأنه ظبي خشيت عليه من فلتاته
والقلب يدعو أن يصير ساعدًا ليفوز بالآمال في ضماته
حتى إذا هم الكرى بجفونه وامتد في عضدي طوع سنانه
عزم الغرام علي في تقبيله فنهضت أبدي الطوع من عزماته
وأبى عفافي أن يقبل ثغره والقلب مطوي على جمراته
[ ٢١٤ ]
فاعجب لملتهب الجوانج غلة يشكو الظما والماء في لهواته
له يخاطب أبا عبد الله بن مرج الكحل المتقدم الذكر، فقال: [طويل]
سأنفث والمصدور لا شك نافث وأسمع إن أصغت إلي الحوادث
وكم وقفت لي بالمعاتب مثلها على حين لا شيء على الصبر باعت
فهل سحر هاروتٍ، يقي (لملمةٍ) فروعي مميت، والتوهم باحث
خليلي من سكان بابل حدثا فإن الخليل للخليل محادث
هل السحر باقٍ مثل ما قد عهدته أم اتفقت بعدي أمور حوادث
وما عند هاروتٍ وماروت فنظرا أعلمهما في ذلك الغار لابث
وإلا فشعر قد أعارته عينها فإن ابن مرج الكحل بالسحر نافث
أما والذي أعطاه في الشعر غاية أماني ابن حجر عن مداها روائث
وقال أليس الحسن ذلك طبعة وأنك فيه من محل لماكث
لقد راع سربي أن عناني بقوله تغير لي فيمن تغير حارث
فمن بعد هذا القول لست بجانح إلى مكسبٍ إذا مكسبي هو حارث
ومنها:
ووجهتها غراء عل قرينه يصيخ، وبي فك القديم الكثاكث
كأن بياض الطرس سامٍ كرامة وأسوده حامٍ، فمن هو يافث
ومنها:
وفي حرم الإخلاص ودك عندنا وقد منعت عنا هناك الروافث
وسوق ودادي نفقت كاسد الوفا وقد كسدت فيها المساعي الرثائث
متى رمت بي نصرًا تجبك ثلاثة لساني وودي والسريجي ثالث
[ ٢١٥ ]
وكتب إليه ابن مرج الكحل بقصيدة أولها: [طويل]
أعادتك من ذكر الأحبة أشجان فقلبك خفاق ودمعك هتان
تحن على شحط المزار إليهم ومن دون لقياهم قفار وبلدان
خليلي ما في الأرض صفو مودةٍ إذا لم يكن يصفي المودة صفوان
رماني بزورٍ وهو بالحق عالم وكل كلام الشر زور وبهتان
نطقت فأفحمت العراق بلاغة وأخرست ما تحوي السراة خراسان
ولو سمعت سمعا عكاظ بلاغتي لما جرر الأذيال في الدهر سحبان
ولو كنت في جيل الأوائل لم يكن ليذكر بالإحسان في الشعر حسان
فجاوبه الفقيه أبو بحر صفوان بقصيدة منها: [طويل]
سل البان عنهم كيف بعدهم البان أشاقوه إذا ساروا، وراعوه إذ بانوا
ألم يتعاط دون بانٍ قضيبه فتلك القدود الهيف في العين إخوان
فما بالها لم تدن شوقًا إليهم ولم تنقدح فيها من الوجد نيران
ومنها:
إليه فلا انجرت ذيول ظلالها ولا أشبت منها المعاطف أغصان
فإن حكموا أن القدود ذوابل فشاهدهم أن النواظر خرصان
وإن أجمعوا أن الخدود أزاهر فحجتهم أن المعاطف أفنان
خليلي عوجا وانظرا وتبينا ولا تكسلا، لن يبلغ المجد كسلان
أهدي الذي تهدي الرياح سلامهم فإني أرى للريح عرفًا له شان
لعلهم قد أودعوها شذاهم ليرتاع مشتاق ويهتز هيمان
وإلا فقولا أنتما قول منصفٍ أطبع نسيم الريح روح وريحان
أقول لقلبي حين أشعر غدرهم ثكلت، أترضى أن تخون كما خانوا
ولا غرو أني كنت للعهد حافظًا وكلهم عند الشدائد خوان
[ ٢١٦ ]
فعن حكمةٍ ما يخزن النار مالك ويخزن دار الخلد والفوز رضوان
ولا كابن مرج الكحل علق مضنةٍ تشد عليها للشدائد أيمان
وما راعني من وده، غير أنه يغيره قوم كدهري ألوان
أقول لما أصاخ لقولهم: أمن نفحات الريح يهتز ثهلان
ومنها:
لعمري وما عمري بحلفة فاجرٍ ولكنها بر وصدق وأيمان
لقد علمتني كيف تصفو مودتي "أعادتك من ذكر الأحبة أشجان"
صدقت، إذا لم يصف صفوان وده فليس بصافي الود في الناس إنسان
هل النون في صفوان إلا مزيدة من الصفو والإخلاص يستبن صفوان
شهدت يقينًا أن فكرت آية يؤيدها من معجزاتك برهان
فلا تجعلني من بني الدهر إنهم لنعلي
على أني تسامحت
عبدان
ولا كل من يدعى فتى هو مالك ولا كل من فوق البسيطة سعدان
ألست الذي ارتج العراق لذكره كما ارتج إذ لآقت جيادي صنعان
وكم كلفت مصر بنشر مآثري وقامت على ساقٍ لذكري بغدان
لي الكلم العذب الذي (لو) بذلته لطالبه ما استعمل الماء صديان
من الكلم الرطب الذي لو أبحته لزيف: عقيان وبهرج مرجان
كلام إذا أرسلته قال بعضهم لبعضٍ: أعني الآن عمري لقمان
ومنها:
وإني لماضي المضربين وحاملي جبان ولكن في (المجامع) سحبان
جردت حسامًا في يد الدهر لو درى لساد به، لكنما الجهل حرمان
ولو أن إنساني يسر مودتي لما انطبقت من فوقه لي أجفان
[ ٢١٧ ]
وكتب ﵀ عن أحد الناس يستعطف أحد أهل الدنيا: أما بعد، أدام الله مدة الشيخ أبي فلان، وأبقاه عمادًا وجنة ونصرة، وعاطفًا على من استجار به من ساعة العسرة. ولا زال منتصرًا للمظلوم، دافعًا في صدر الظلوم، راعيًا حق الأدب الذي أضاعه الزمان وأهمله، منتهضًا منه ما قعد به الدهر فأخمله، فإنما يرجى للعظيمة العظيم، ويدخر للشدائد من حقه التوقير والتعظيم، وإلى الله يلجأ اللهفان، وبسفينة نوح يستجير من كنفه الطوفان. وأنا بالله ثم بك من زمانٍ عطل أدبي، وأردت أن أقول به فأقعد بي. وكلما أشرت إلى أن أبرأ، نهب، وإن جنحت إلى أن أخمد، ألهب، وأنشد وقد جاء بالتعنيف وذهب:
الضب والنون قد يرجى اتفاقهما وليس يرجى التقاء اللب والذهب
فبقيت لا أدري هل انطباعي قصر من طباعي، أم براعتي أخملت يراعتي، أم فصاحتي عمرت، بالخمول ساحتي، أم سحر أدبي إلى الهوان أدى بي، أم إطنابي قصر أطنابي. كما لا شك أن إشعاري جعلت اتصال أشعاري، ورسائلي قطعت وسائلي، وشوارد أمثالي أبت أن يسود أمثالي. فهلا بناتي عناني، ولم تكن مذهباتي مذهباتي، وخطابي. أستغفر الله لا أشكو ولا أدع، رغم أنف الأشم وشموخ الأجداع. فأقسم بمآثرك التي خلدتها حجولًا للزمان وغررًا، ونسقتها في جيد الوجود دررًا، ثمينًا في غير إغلاق، لولا أن الله تعالى يقول: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق)، لوأدت بنات فكري بغير ذنب، ونفضت يدي من الأدب عن الصاحب بالجنب، وبرئت من الأدب وأربابه، وأتيت الزمان من بابه. ولكن بقي أعزك الله في الفضيلة فضلك، وهذا الهدف سيقرطسه إن شاء الله نصلك. وها أنا قد وقفت بين يدي علاك أخاصم دهري، وأباحثه لأية علةٍ فتق كمائم الخمول عن زهري، أم كان أراد أن لا يجمع بي الحسنيين، ولا يطابق في المنظر والمخبر بين
[ ٢١٨ ]
المغنين. فعلى (هذا) من يحسن في جميع الجهات ويجعل، من ذا الذي يعطى الكمال فيكمل. وإن كان إنما حط درجتي ظلمًا وهضمًا، وعبث بجاهي فشرط نظمًا فكفى بك حكمًا من أهله، يضرب على يديه جهله ونشله. يا أبا سليمان، اخبر الزمان، واحكم في قضاياه حكم سليمان، واقض بيني وبين زماني بالواجب الأحق، وإنما نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق، ومثلك نهض بمن ألقى إليه يد الاستسلام، نهضة عمر بن الخطاب ﵁ لشهرة الإسلام. وإليكها تختال كما تفعل كل ذات ذيل، وتستجير بك من زمان ضل في اهتضامها ضلال هذيل ولا غرو أن تجيرها، فالفضيلة خامسة طبائعك، وإسعاف مؤملك عنوان صنائعك. وكم لها من أخية، تصغيرها على حد التكثير كما قالوا بريق ودويهية، والمشار بهما إلى الأمر. والله تعالى يخلد ذكر مجدك في بطون الأوراق، يتهاداه العراق من الشام والشام من العراق، والسلام كما اعتمره الزمان بالأشواق، وطير الثناء يروح ومجدك سخي بالعشي والإشراق، والسلام. وكتبه ﵀ كثير مشهور.
[ ٢١٩ ]